islamaumaroc

نفحات من عيد العرش

  دعوة الحق

174 العدد

إن من أجل نعم الله على عباده ـ ملوكهم، فبهم يقمع الله الشر، وبهم تستأصل الفتنة ـ ويقل العدوان، وبهم يأمن الخائف، وينتصف المظلوم، ويطمئن الناس على أموالهم وأنفسهم، وبهم تعمر البلاد، وتسعد العباد،...
لولا الملوك لظهرت شيم النفوس وطبائعها من الظلم والطمع، والعدوان والجشع، ولظلم القوي الضعيف، وانتهب الناس بعضهم بعضا، ولولاهم لما كف باغ عن بغيه، وعاد عن عداوته، فكانت الفوضى، وكان الفساد...
وخير الملوك العادلون، الذين يعدلون في الرعية، يخيفون المسيء، ويؤمنون المحسن، وقد قيل: عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان...
ومن سعادة الأمة في هذه الظروف العصبية، التي تعصف فيها بالأمم عواصف الشر والبلاء، أن مليكها، وحالم تاجها، ورب عرشها، هو صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني ـ أعزه الله، وأدام توفيقه، وزاده حكمة وبصيرة...
لقد أجمعت الأمة على حبه وتقديره، منذ تبوأ العرش، وتعلقت به القلوب تعلقا لم ينله أحد من الولاة، وكان مصدر هذا الإجماع ـ إلهاما فطريا، من عادته أن ينزل على الجماعات فيهديها إلى الصواب، فلما خبرته الأمة تأكد هذا الحب، وزاد ذلك التقدير، ودلت التجربة على صدق الإلهام، وعلى أنه ربان ماهر، ودليل صادق، وقائد حكيم... وكما منحت الأمة الملك حبها وإخلاصها وولاءها، منحها حبه، وبره، وعطفه، ورعايته، وسهره على مصالحها، فلا شيء عنده أعز من بلاده...
بهذا الحب المتبادل بين الملك والشعب، يكون الخير والصلاح، لأن الملك إذا أحب الرعية حكمها لمصلحتها، وجنبها مواضع الهلكة، وارتاد لها الخصب والنماء...
وإذا أحبته الرعية ـ أطاعت أمره، وسارعت إلى رضاه، وتعاونوا على جلب المنافع، ودفع المضار، وقد جمع الله تعالى لجلالة الملك هذه الخصال الثلاث، فهو ملك عادل، ومحب ومحبوب، يحب رعيته، وتحبه رعيته...
وجلالة الملك أعزه الله ـ شديد الحرص على كرامة الأمة وعزها، ومجدها واستقلالها، أعز أمانيه أن تسير البلاد على نظام اجتماعي، يستند إلى دينها وتقاليدها، وأن تكون عناية الحكومة موجهة إلى إصلاح الجمهور، ترفع عنه الجهالة، وتيسر له عيشا سعيدا هنيئا، وتشعره بعدل الدولة في حكمها، وشفقتها على الرعية،  حتى يعيش الضعيف آمنا على نفسه، وعلى حقه، ويشعر بيسر الطريق في الوصول إلى حقه، ويجد كل واحد من عمله ما يكافئه، وهذه الرغبات الحقة ـ هي التي يجب أن تكون مقصد الحكومات، وقادة الأمة وساستها...
لذلك فإن جلالة الملك أعزه الله ـ يبذل جهده لإصلاح هذا الشعب، جسميا، وخلقيا، وتهذيبيا، ليكون منه رجال صالحون للحياة الكاملة، فكما يسأل عن المدرسة، والمعلم، والتلميذ، يسأل عن المزرعة والفلاحين، وعن المصنع وعماله، وكما يسأل عن الجيش وجنوده، يسأل عن المحكمة وقضائها، وكما يهتم بكبار رجال الدولة، وأولي الأمر فيها، يبحث عن مساعديهم، فهو في تفكير دائم في كل شأن من شئونها، أهم شيء يريد أن يحققه هو أن تكون البلاد عزيزة الجانب، قوية بالنبغاء من أبنائها، يرى جلالته أن النوابغ عنوان البلاد، ومجد البلاد هو الأمل الوحيد لجلالته...
ويحق للأمة المغربية أن تتخذ يوم عرشه عيدا من أجل أعيادها، فلقد نالت في عهده، وعلى يديه أعز أمانيها، وانست من نقيبته، وسموه نفسيته، ورجاحة عقله، وجمال خلاقه، أكمل ما يرجى من ملك تتخذه أمة مثلا أعلى لها في سيرتها، ووطنيتها، فلا غرو أن جعلت من يوم جلوسه عيدا عاما لها، تظهر فيه من آيات الولاء لذاته المحبوبة، وعرشه المفدى، أجل وأعظم ما تستطيع أمة إظهاره في أي عيد من أعيادها الوطنية، والأعياد معالم للأمم، ومنارات لأيامها، وعلامات على طريقها...
نعم، تحتفل الأمة بعيد العرش الذي جلب على البلاد بمقدمه الخير العميم، وعم بمطلعه اليمن والبركات، وامتدت عوارفه فشملت الحواضر والبوادي، وأصبحت كلها تستظل بظله الوارف، وتنعم بعطفه السابغ، وتستضيء بنوره الهادي...
وهذه الاحتفالات وفاء لولي النعم مولانا أمير المؤمنين، أدام الله له العز والتمكين، كما أنها تنبئ عن شعور تفيض به العواطف، وإحساس ينبعث من قلوب الشعب، تقديرا لمن يستحق التقدير، واعترافا من الشعب بالجميل الذي أسداه صاحب هذا العيد، والذي من أجله أقيمت هذه الأفراح، جلالة الملك المحبوب، أيد الله ملكه، وأعلى في الخافقين ذكره.
ماذا أقول وكل وصف دونه
أين الحضيض من السماك الأعزل
إن التاريخ سيكتب بمداد العجب والفخر، عن تلك الهمم العلياء، وذلك المجد الذي بناه للمغرب خاصة، وللأمة الإسلامية عامة....
ولازال للعلياء والمجد بانيا
يبلغه الوهاب ما يرجو ويطلب
لقد عنى ـ أطال الله عمره السعيد ـ بالتراث الإسلامي، والمحافظة على التقاليد الدينية الموروثة، ووجه عنايته أعزه الله إلى القرآن الكريم، فأمر بإنشاء الكتاتيب القرآنية، لأن القرآن هو حجة الله الخالدة، وهو الأساس المكين، وحبل الله المتين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وكذلك رأى حفظه الله المحافظة على السنة النبوية الشريفة، وهي الأساس الثاني للتشريع الإسلامي، والمعين الذي فاضت منه أحكام الشريعة مفصلة، بعد أن جاء بها القرآن الكريم مجملة، وقد قال الله تعالى: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم»، فالسنة شرحت لنا ما أشكل من القواعد الدينية وفروعها، لهذا رأى جلالته بنظره الثاقب، وبصيرته المستنيرة ـ أن تنشأ دار تدرس فيها الأحاديث النبوية، فأنشئت بأمر جلالته: دار الحديث الحسنية.. وكانت إحدى أياديه البيضاء على الشريعة الإسلامية في هذا العصر الذي شغل الناس فيه بالمادة، وشئون الحياة...
لعمر العلا هذا هو المجد الخالد، والهمة التي لا يدركها في سموها وعلائها إلا أولو العزم والهمم، الذين وفقهم الله، وقليل ما هم، وهكذا تبني الأمم أمجادها، وتحيي مفاخرها، ليصلوا مجد الحاضر الباسم، بشرف الغابر المشرق...
ومن خطواته الموفقة، وأعماله المجيدة، استرجاع الصحراء المغربية، بطرق سليمة، تلك الصحراء التي كانت أمنية الشعب، فقد انضم الفرع إلى أصله، واجتمع الشمل، وانتظم العقد، وجاء نصر الله والفتح، وقرت العيون، وفرح المحزون، وتلك معجزة الدهر، وثمرة من ثمرات الفكر، أسفرت عن الفتح والنصر، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وعلى قدر الهمة تكون مقادير الآثار، فأيدي السعد قد ذللت الطرق ـ بل طوتها، وقدمت وعود الآمال، بل أنجزتها...
وإذا أراد الله إسعاد أمة هيأ لها ملكا عالما حازما، عالي الهمة، راجح العقل، سديد الرأي، فالعلم قوام الأمم وحياتها، وسر نجاحها ورقيها، ومن أكبر النعم على الشعب المغربي، أن قدر الله تعال في سابق عمله ـ أن يكون جلالة الملك الحسن الثاني ـ هو مليكها، وقائد نهضتها ـ لقد جمع الله له من المزايا والصفات ما لم يتوفر لغيره من ذوي الجاه والسلطان، فهو أهل لأن يتبوأ عرش الخلافة الإسلامية، لما آتاه الله من العلم والحكمة، والتبحر في كل فن، فقد جمع إلى علوم الدين والشريعة، الثقافة العصرية، والعلوم والفنون الكونية، واللغات الأجنبية، حتى أصبحنا نباهي بعلومه، ونفاخر بثقافته، في عصر هرمت فيه الدولة الإسلامية، وفترت الدعوة، وكسدت السلعة، وقديما قالوا:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
ولكنه حفظه الله ـ بما أوتي من العلم، والفطنة، وبعد النظر، وكمال الدراية، نهض بالشئون الإسلامية، نهضة مباركة، فأقال عثرتها، وانتشلها من وهدتها، حتى عادت به شابة، والأيام مساعدة، والسعود قائمة، والنحوس نائمة...
هنأه الله بما أولاه، وبارك له فيما أعطاه، وحقق له ما يتمناه، وجعل الدهر عبده، وهو مولاه، وأعلى الله تعالى شأنه، ورفع فوق الفرقدين مكانه، وأيده بروح من عنده، حتى يحقق للدولة المغربية، وللأمة الإسلامية، ما تصبو إليه من عز وعلاء، ويمن ونصر على الأعداء...
ونسأل الله الكريم أن يمتعنا بحياة هذا الملك العظيم، وأن يبارك له في ملكه، ويزيد في نعمته، ويشكره عن رعيته، وأن يقر عينه بولي عهده الأمير المحبوب، سيدي محمد، وشقيقه الأمير السعيد ـ مولاي رشيد، وأن يحفظ الأسرة الملكية الشريفة من كل مكروه، وأن يجعل عصره عصر ازدهار واسعاد، كما نسأله سبحانه أن يمطر شآبيب رحمته ورضوانه على مولانا أمير المؤمنين محمد الخامس طيب الله ثراه، وجعل الجنة منقلبه ومثواه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here