islamaumaroc

الأمير أبو عبد الله محمد العالم -1-

  دعوة الحق

174 العدد

إذا ذكر العالم الأديب، والملك الشاعر عبد الله ابن المعتز ـ بالمشرق، ذكر معه بالمغرب ابن المعز الصنهاجي، وأبو الربيع الموحدي، وأبو عبد الله محمد العالم العلوي، وما أكثر شبه هذا الأخير به، فكلاهما عاش للعلم والأدب، وكلاهما خطبته الرئاسة، وجاءته الإمارة تجرر أذيالها فلم ينل منهما شيئا، وكان كما قال القائل:
ما فيه لولا وليت فتنقصه
               وإنما أدركته حرفة الأدب

وأديبنا الأمير محمد العالم ـ وهو الذي نسوق إليه هذا الحديث ـ كان متبحرا في علوم اللغة، ماهرا في فنون شتى، ولذا يلقب بالعالم.
أما الأديب فبحر لا تكدره الدلاء، ينفعل للشعر، وتهزه أريحية الأدب.
ولاه والده السلطان المولى اسماعيل ـ خليقة عنه ـ على سوس، وكانت (تارودانت) مقر عمله، وعاصمة خلافته، وكان محبا للعلم، مؤثرا لأهل الأدب تأتيه وفود العلماء، وأفواج الأدباء، من كل جهة ومكان، فيكرمهم، ويغدق عليهم العطايا، وكانت له مجالس علمية، عاطرة الشذى، ـ ولاسيما في مواسم رمضان ـ يحضرها علية العلماء، ونبهاء الفقهاء، وكان يرأسها بنفسه، ويفتح باب المناقشة على مصراعيه، فإذا احتدم الخلاف وتصارعت الآراء، تدخل يلطف وحكمة، وكانت الكلمة الأخيرة له، فينفض المجلس عن نكت ولطائف، دونها خرط القتاد!
وكانت له ندوات أدبية يساجل فيها الأحياء، ويقارضهم الشعر، فخلق بذلك ـ في أقطار سوس ـ حركة علمية، ونهضة أدبية، لم تعهد هذه البلاد مثلها من قبل ولا من بعد، ويؤثر عنه أنه كان يقول: «انني ما فرحت بالقيادة على سوس، كما فرحت بوجود الأدب والشعر فيها».
وسنورد في هذه العجالة صورا من ندواته الأدبية وأنماطا من مساجلاته الشعرية، وما كانت تطفح به من روح شاعرة، ونقد هادف بناء...
ـ كتب إليه أخوه المولى الشريف في صدر كتاب بعث به إليه، ما خاطب به سيف الدولة بن حمدان، أخاه ناصر الدولة:
رضيت لك العليا ـ وإن كنت اهلها
                     وقلق لهم بيني وبين اخي فرق
أما كنت ترضى ان أكون مصليا
                     إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق

فاقترح على الشيخ المسناوي أن يجيبه عنه
فقال:
بلى قد رضيت أن تكون مجليا
                        ويتلو نداكم في العلى من له السبق
ومالي لا أرضى لك المجد كله
                         وأنت شقيق النفس ـ ان عرف الحق
ولكن ذوي الضغن انتحوا ذات بيننا
                           فغادرها أفسادهم وربها رنق

ـ ومن شعره يخاطب شيخه أبا عبد الله القسمطينى ـ أيام خلافته بسوس، ويتشوق إلى فاس الفيحاء:
ألا ليبت شعري هل أنزه ناظري
                        وللنفس اقبال بوادي الجواهر
أمتع طرفي في رياض أنيقة
                        وأقطف أزهارا بها كالزواهر
بحيث ترى أسد العرين صريعة
                        وقد فتكت بها ظباء المقاصر
وحيث ترى غلب الحدائق سلسلت
                          حديثا صحيحا عن نسيم الأزاهر
وقد نسجت كف النسيم عشية
                        دروع مياه بين تلك النواعر
وأصبحت الأطيار فوق غصونها
                        فصاحا تقص فوق خضر المنابر
سقى الله أدواحا بفاس عهدتها
                        تغازل أنواء الغيوث المواطر
ولا برحت عين تراها قريرة
                         وان قذفت بالقلب جمرة حائر
لك الله من ألف بدرعة جسمه
                        وقلب بفاس في قدامة طائر
تراوحه الأشواق في كل ليلة
                         فما بين مزور هواه وزائر
ولو انه يعطي على قدر قدره
                        لكان له ما بين بسر وباسر
فمن بلغ عني رسالة شيق
                        إلى علم الاعلام صدر الأكابر
                           *
خليلك هاض القلب سهم ابن مقلة
                        فأدمى فهل تروى حديث ابن جابر
عليك سلام الله ما هاج شيقا
                         بري وما لا الصباح لناظر
فأجابه الشيخ بقصيدة مطلعها:
خليلي عج بالركب من ام عامر
                        وعرج على كثبان نجد وحاجر
وكتب إلى الوزير الأكبر، ركن الدولة أبي العباس اليحمدي يشكره ـ وقد بلغه أنه أثنى عليه عند والده المولى إسماعيل ـ:
«... حيا الله ـ بمنه ـ ركن الدولة الإسماعيلية وسميرها، ومنتقى هاتيك الحضرة ووزيرها، مطلع أنوارها، ومعدن أسرارها.. فقد أحسنت ـ أبا العباس ـ ولم يتقدم منا إليك إحسان، وقمت في نصرتنا مقاما لم يقم معك فيه إنسان، وقد أسديت ـ والله شكور، واتجرت تجارة لن تكسد ولا تبور.. ومن قبل كنا بحقك جاهلين، وعن قدرك ذاهلين، والآن تبين الحق، وحصحص الصدق، واتضح الكهام من الحسام، والصيب من الجهام..»
ومن نداوته الأدبية، ما يذكره صاحب كتاب نزهة الألباب، بذكريات الأحباب)1، وإن شئت سميته (نفحات الشباب) ـ كما يقول مؤلفه.
الندوة الأولى:
... حضر ثلاثة من الفقهاء جاءوا من قرى نائية، للمشاركة في الدروس الرمضانية التي يرأسها خليفة السلطان محمد العالم، ـ وهم: أبو عبد الله الزدوتي، وأبو اسحاق السكناني، وأبو عبد الله الهلالي الايلاني،  فمثلوا بين يديه ـ والجمع حافل بالعلماء ورجال الفكر، ومن عادته أن يختبر العلماء الجدد، ولاسيما الذين تبدو عليهم سمة الأدب، وبعد أن سألهم عما درسوا، وعن الشيوخ الذين أخذوا عنهم، ـ فألفاهم جميعا من خريجي جامع القرويين بفاس ـ آنسهم ببعض أسئلة في اللغة والصرف، منها وزن (المرايا) وأصلها، فكانت أجوبتهم في غاية من الدقة، وفي مستوى عال من الإحاطة والشمول، ثم دخل معهم في شؤون الأدب، وكان أول سؤال وجهه إليهم: من قائل هذا البيت:
ان الأسود أسود الغاب همتها
                           يوم الكريهة في المسلوب لا السلب

فأجابوا متبادرين، مبتسمين من سؤاله عن ضروري ـ: ان قائله أبو تمام الطائي، ومطلع القصيدة
السيف أصدق أنباء من الكتب
                         في حده الحد بين الجد واللعب

وقال له الهلالي الايلاني: إن شاء مولانا سردتها عليه كلها ـ مع ذكر حكاياتها، وتاريخ المعتصم الذين قيلت له، ثم أضرب عن ذلك وقال: من قائل هذا البيت:
وأصرع أي الوحش قفينه به
وأنزل عنه مثله حين أركب

فاقل السكتاني: إنه لأحمد بن الحسين المتنبي، من قصيدة يقولها في كافور، أولها:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
                     وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب

وإن شاء سيدنا أمليتها عليه كلها، وأمليت على مسامعه الشريفة تاريخ كافور، والمتنبي، وكل القصائد التي قالها فيه ـ وهي معدودة، حتى هجو ابنته التي شبهها بـ(الكركدين)، قالوا وكان يرى الخليفة ـ وهو يهتز اهتزاز القصبة في يوم مريح، لما سلسل عليه السكتاني ذلك كله بعبارة عربية فصيحة، ثم قال: من القائل:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى
                              ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

قال الزدوتي ـ مبادرا قبل صاحبيه، لتعرف أيضا مكانته ـ: أن البيت لبشار بن برد الأعمى، وأحفظ مع البيت قطعة كبيرة، فإن شاء مولانا تلوته عليه مع قطع وقصائد لبشار، خصوصا في عشيقاته وهو الذي يعشق بأذنه قبل عينه،2، فقال الخليفة: لله درك! فإنني كنت أحسب أنك تقول: انني حفظت القصيدة كلها، مع أنني ما رأيتها كلها في كتب الأدب التي طالعتها3، وحيث قل ما قلت، فإن ذلك يدل على صدقك، ثم قال من الذي يقول:
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها
                        أفاويق حتى ما يدر لها نعل

قال فسكتنا ـ لأننا لن نسمع بالبيت قبل ذلك الوقت، وجعل بعضنا ينظر إلى بعض، ثم قال السكتاني يا مولانا، لنا الفضل في أن يكون هذا أول ما نستفيده من حضرتك العلامة، فإننا لسنا بمكاثرين، ولا بمفاخرين، فما علمناه فبفضل سيدنا السابق إلينا قبل المثول بين يديه، وما جهلناه ـ وهو كثر من قل ـ فلنا الفخر العظيم في أن نكون فيه تلاميذ لسيدنا، فقال: لله دركم! فإنني عمدت إلى ما ليس للشعراء المشاهير، لأنظر هل تقولون لا ندري فيما لا تدرون، أم تهرفون بما لا تعرفون ومن تمام عقل الرجل في علمه، أن لا يتبجح بما لا يعلمه، وأن لا يستنكف عن قوله لا أدري فيما لا يدري، ثم قال إن البيت لأبي سلول، وهو شاعر مقل في التابعين: وقبل البيت:
إذا انتصبوا للقول قالوا فأحسنوا
                           ولكن حسن القول خالفه الفعل

ثم قال: إنني مبتهج بكم كثيرا، فقد ساءنا من كثير من علماء هذه البلاد، أنهم لا يستحضرون التاريخ والأدب ـ كما هو، مع أن لهم يدا طولى في اللغة، وما الأدب إلا ابن اللغة ـ إن صادقت قطنة سليمة، وقريحة سيالة، ثم قال لهم: كيف نسجكم في الشعر؟ فقال السكتاني: إننا ـ يا سيدي في ذلك ـ كما قال بعض من قبلنا: ما يعجبنا منه لا يأتينا، وما يأتينا لا يعجبنا، وما واحد منا إلا كان له بعض الشيء، ثم أطرق الخليفة لحظة، ثم رفع رأسه وقال: أجيزوا هذا البيت متتابعين يبنى كل واحد على ما قبله ـ:
خلياني سبق السيف العذل
                         حشو أذني صمم عمن عذل

ففكروا كلهم، فإذا بالسكتاني ـ وكان أبده الجماعة ـ قال:
قضى الأمر فأصبحت لقى
                     بلحاظ لا بيض وأسمل

فكاد الخليفة يهتك وقاره ـ استحسانا للبيت! وبعد لحظة قال الزدوتي:
من يكن يشكو جراحات الظبا
                        فأنا أشكو جراحات المقل

فانتفض الخليفة ـ ولم يملك أن مد يده بالمصافحة فأهوى إليها الزدوتي ـ مقبلا، فقال له، ما أعجب تكنه جبال سوس من بلغاء عظام! ثم انتظر ما يقوله الآخر، فبعد لحظة قال الهلالي:
فليزرني ليرى كيف الهوى
                        من يرى أن الهوى أمر جلل

فقال الخليفة: لا فض فوك أيها الأخير، فقد كنت أحسبك أنك تتأخر عن حلبتك، فإذا بك بينها بلا تقدم ولا تأخر، ثم قال لهم ها أنتم جئتم إلي، ولابد لكل قادم من تحفة، وتحفة الأديب قصيدة يقدمها أمامه، فهل صنعتم شيئا؟ فقالوا لم نصنع شيئا، لأننا ما كنا نحسبك ـ يا مولانا ـ في مثل هذا المقام العالي في الأدب، وكنا نعهد إلى سوس، من لا يرفعون للأدب رأسا، أو يسوون بين الشعرور والشاعر، ولذلك طلقنا الأدب في مجامع الفقهاء، وانخرطنا في المفتين والعدول، ولم نقدم على حضرة سيدنا إلا بصفة فقهاء؟
ولكن حين بدا لنا ما بدا، فأبلعنا ـ سيدنا ـ الريق، حتى نقدم ما تيسر غدا أو بعد غد، وكان الذي يتولى الكلام السكتاني، لأنه أسن القوم، وأجرأهم وأشجعهم، وأكثرهم مخالطة للعمال، ثم قال لهم: إننا سنوصي على منزل يفرغ لكم تنزلون فيه، ومؤونتكم تأتيكم في كل وقت، مع لزومكم للباب، ولمجلس البخاري ـ دائما
ثم أفرغ على كل واحد كسوة تامة، أمرهم أن يلبسوها ثم يرجعون إليه، قال السكتاني: فخامرني حياء عظيم من هذا الاعتناء، فقلت في نفسي لابد من بيتين فذين، الآن أرتجلهما ـ وأنا ألبس الكسوة أقدمهما له، فكان هذا ما سنح:
ما الموج في أزبادها ما السحب في
                        أمطارها ما الريح في إعصارها؟
أندى ولا أسخى مما ضمته من 
                        راحات مولانا لدى إيثارها!

فأنشدتهما له، فقال: هذا ابن ساعته؟ فقلت نعم يا مولانا، نفحة من نفحات الحلة العطرة، فتناول كناشه فكتبهما بيده. ثم أومأ إلينا الحاجب الواقف مع العبيد، فخرجنا...
... انفرد كل واحد من الأدباء الثلاثة ـ بعد صلاة التراويح ـ تلك الليلة ـ لينشئ قصيدة، وتواصوا على أن لا تتجاوز القصيدة خمسة وعشرين بيتا، لأن الإكثار قلما تجئ معه الإجادة، كما تواصوا على أن لا يجعلوا في القصائد نسبيا، وأن تكون كلها مدحا، وعند السحور جعل كل واحد يلقى ما صنع، وبعضهم ينتقد بعضا، فيتجادلون ـ وربما احتدم النقاش بينهم ـ حتى يتفقوا على ما يتركون عليه المنتقد أخيرا، لأنهم يعرفون أن الخليفة ناقد بصير!
ومن الغد قدموا على مجلس الخليفة، وكان موضوع الدرس ذلك اليوم، حديث من كتاب الصيام للبخاري، فوزعت عليهم النسخ، وكان الذي يتولى التدريس بين يدي الخليفة، أحد العلماء الذين جاءوا معه من مكناس، ويتولى السرد جماعة مناوبة، وأحيانا يسرد أبو عبد الله الفاسي السارد الدائم للخليفة، وكان الخليفة هو الذي يثير المناقشات، ويجيب عن كل سؤال أو إشكال يطرح في الموضوع، وكان لهيبته قلما يقدم على ذلك إلا علماء مكناس، وأبو عبد الله المسناوي الذي قدم على حضرته بهذه المناسبة، ولم يشارك أحد من الضيوف الثلاثة ـ هذه المرة ـ في المناقشة ـ ولكل قادم دهشة، فعاتبهم الخليفة، ولكن أبا إسحاق السكتاني كان بعد ذلك لا يترك شيئا، مما جعله في مقدمة الشيوخ عند الخليفة، ويحظى لديه بكل اعتبار وتقدير، وبعد انتهاء الدرس، أشار إليهم الخليفة هل قلتم شيئا من الشعر؟ فقالوا نعم، فناولوه ما كتبوا، فتأمله قليلا ثم أعاده إليهم، وقال: ليقرأ مل واحد منكم قصيدته قائما، قال السكتاني: فسبقت أنا وأنشدته:
(ردانة) في بشر وحق لها البشر
                        ففي أفق من عليائها أشرق البدر
يهنئ بعض الناس بعضهم به
                         وترقص بالأفراح في خدرها البكر
فحتى الجمادات انتشت بوروده
                           كأن قد غدا من بين أشخاصها فكر
فهذي الرياض المونقات تمايلت
                           بمقدم مولانا فمائلها الخضر
وتلك الجبال الشامخات وهذي الـ
                            ـسائط قد هنا مساهلها الوعر
قد ارتج سوس كله يوم أقبلت
                           كتائبه يقتادها العز والنصر
حظينا بخير الناس علما وحكمة
                           ورأيا سديدا حين يشتبه الأمر
وأفضل أولاد الإمام ومن غدا
                           بتيمنهم في عقدهم وهم الدر
وأفضل خربت العلوم وكل ما
                           يسوده في ظهر مهرته الحبر
                              *
بأس لسان أو بأية لهجة
                        يقام بها حمد الخليفة والشكر
فأنعم مولانا على (سوس) كلها
                           بطلعته لألا يحيط بها الحصر
قال السكتاني: فحين وصلت هذا البيت:
حظينا بخير الناس علما وحكمة
                           ورأيا سديدا حين يشتبه الأمر
تهلل وجهه فالتفت إلى من عن يمينه من علماء (مكناسة) ـ مبتسما، وحين وصلت الأبيات التي فيها وصف ثباته في الحرب، رأيته تحرك فوق سريه، وتحمل كثيرا حتى لا يخرج عن وقاره أمام العلماء الشيوخ، قال السكتاني: وحين ختمتها قال لي: درك من عربي مبين!
ثم وقف الزدوقي فأبدأ وأعاد، وكان رقيق الصوت، جميل الإلقاء، ومما جاء في قصيدته قوله:
ثناؤك في الأفواه أحلى من الشهد
                              وخلقك للجالس أذكى من الورد
يزين فلق الشعر ذكرك مثل ما
                              تزين مسك الصدغ سالفة الخد
بهرت كما وانفردت محاسنا
                              فكنت فريد القدر في كامل المجد
فما أنت إلا ءاية في مزاياك أن
                              تجل في الوغى أو في المعارف أو تسدى
تحدثت الركبان عنك فما رأوا
                              وما لم يروه منك أعظمها عندي
معارف تطمو من لسان كأنه
                             لسان أخي ذبيان أو لهجة الجعدى
يحاورنا حتى طغى البحر فوقنا
                              فأغرقنا حتى الغدائر بالمد
مثلنا لديه خاشعين لهيبته
                           تذوب بها حتى الضواري من الأسد
فجاذبنا الآداب يسبر غورنا
                        وأين من السادات معرفة العبد
رأيناه مطرقا ـوكأنه تواضع لله لما جعل سيدا وغيره عبدا. وعندما قال:
كأن جميع الشعر تحت عيونه
                     فيترك عن قصد وسنشد عن قصد
التفت الخليفة إلى المكناسيين ـ مبتسما، وحين وصل قوله:

فكل أمانينا رضاك وأهله
                  يحلون في الفردوس أو جنة الخلد

قال: نطلب جميعا رضى الله الأكبر، ثم ال للزودتي ـ صاحب القصيدة ـ: أبيتم أيها السوسيون الكرام، إلا التواضع، وذلك من مكارم الأخلاق.
ثم جاء دولا الهلالي ـ وربما كان أصغرهم سنا، فأنشد قصيدته التي يقول فيها:
سعد الزمان وطابت الأيام
                         لما بدت من جيشك الاعلام
فالدهر عيد كله ومسرة
                         وتعانق وتحية وسلام
فكان رغد العيش حين حللت يا 
                           خير الخلائق عندنا أحلام
همعت علينا الغاديات بغيثها
                        لما أنجلت عن كفك الأكمام
من صافحته يمين مولانا فقد
                        أعطته أوثق عهدها الأيام
*
هذي علومك للرواة وهذه
                        بيض الذكور لمن هم ظلام
أين الرواة فهذا مرامهم بل أبيـ
                         ـن الظالمون فذلك الصمصام
هل جئت مولانا بجيشك قائدا
                           في جانبيك حمائل وحسام
أم جئتنا للدرس والتعليم في
                              أيمانك الصفحات والأقلام
فلتزهون (ردانة) الغراء إذ
                           اضحى لها مقامك الاعظام
ولتغبطنها (فاس ود الخضراء، والـ
                           ـأطقار حتى (مصرها) و(الشام)
فلقد أقمت السوق حافلة بها
                             تنتاب حضرة علمك الأعلام
غيري جميعهم علومهم على
                           أنواعها يطمو بها علام
للنحويين خليهم، للفقهيين
                        ـن خليلهم لذوي الحجا النظام
            ويزيدهم فهم الجيوب فإنه الفهام
والكل يشكر كيسه وصميره
                        شكر تباكم دونه الأفهام
قال الهلالي: فبمجرد الافتتاح، جعل الخليفة يبتسم، ويكرر الأنظار إلى المكناسيين مرارا، إلى أن تمت القصيدة فقال: جزيتم خيرا، وما أنا إلا واحد من العلماء، وأرجو الله أن أحشر بينهم، ثم أعلم الدعاء.
وبعد استراحة عاد الخليفة، وما أن استوى المجلس، حتى نودي على الأدباء الثلاثة: ليقرأ كل واحد منكم قصيدته، وهنا بادر الخليفة فقال: إن دأبي ـ دائما ـ أن أنتقد من أستجيد أقوالهم، وهذا فلان ـ يشير إلى بعض المنكاسيين ـ يعرف ذلك.
قال السكتانبي: ثم قال لي: اقرأ قصيدتك، فأنشدته، فلما وصلت البيت الثاني:
يهنئ بعض الناس بعضهم به
                     وترقص بالأفراح في المخدع البكر

وكان البيت هكذا في الأصل، قال الخليفة: إن المخدع ـ هنا ـ ينبغي أن يبدل، ثم قال: أما يصلح هكذا:
(وترقص بالأفراح في خدرها البكر)، فقلنا له: ان البيت استتم ما ينقصه، ثم انتقد في البيت الثالث لفظة: (أشخاصها) وقال: إنها نابية، ولكن لم يوجد ما تبدل به فبقيت ثم زدنا قدما إلى أن وصلنا هذا البيت:
(وقد قام ميزان الهزيمة فانتفى
                     عن الوالد الحافي ابنه المستحي البر)

فقال: إن هذا الابن ـ هنا ـ ينقصه أن يوصف بالشجاعة، وإلا فالحياء والبر ـ وحدهما ـ لا يمنعان الجبان من الهروب، ولكن أبقي البيت على ذلك، ولم يهتد الجالسون لإصلاحه، وبعدما انتهت القصيدة، قال الخليفة: أحاجيكم ما هو الأصل في هذا المعنى الذي في آخر هذه القصيدة ـ وقد وصفه وصفا دقيقا؟ فقال الزدورتي فقال: إنه المتنبي في ميميته المعلومة التي يقول فيها لسيف الدولة:
وقفت وما في الموت شك لواقف
                     كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
                     ووجهك وضاح وثغرك باسم

إلى آخر المقصود من تلك القصيدة، فقال الخليفة: لله درك! فهذا ما أريد، ولكن أبشر أديبنا السكتاني في أنه أخذه أخذا حسنا، وذلك الوصف مما جعل للقصيدة قيمة عظيمة ـ في نظري.
ثم أنشد الزودتي قصيدته ـ إلى البيت الثاني، فانتقد لفظة (الخال) فقال: إن الأولى أن تكون الصدغ والبيت ـ في أصله ـ هكذا:
يزين فلق الشعر ذكرك مثل ما
                        يزين مسك الخال سالفة الخد

فقال: لو ذكرت صفحة الخد، لكان الخال موافقا ولكن حين ذكرت (السالفة) وهي موضع الصدغ، كان الصدغ أولى، ولما وصل قوله:
معارف تطمو من لسان كأنه
                     لسان أخي ذبيان أو لهجة الجعدي
قال الخليفة: ما يظهر لكم في مقابلة النابغتين: الذبياني والجعدي في الفصاحة اللسانية ـ وهي المقصود بقول الشاعر؟ فسكتنا، قال: إن في قلبي من ذلك شيئا تأملوا في ذلك بعد الآن، ثم مد في القصيدة ذكر الأسئلة، إلا أننا توقفنا عن الجواب أخيرا، فالتفت الخليفة إلى المكناسيين، فقال: لا يمكن أن بقر أحد من أهل الحضر بعجزه، كما أقر هؤلاء ـ وهم يرون أقرأرهم شرقا، وأهل الحضر يرونه عارا، ـ وشتان ما بين أخلاق الناس.
ولما صول قوله:
حبذك يا مولانا أن تحسب اللقا
                     عظيما، وذر النمل في الوهد كالطود
قال له الخليفة: ألم تكن تحفظ قصيدة المتنبي التي أولها:
وأحر قلباه ممن قلبه بشحم...؟ قال نعم، قال: إذن نظرت في بيتك هذا إلى قوله:
أعيذها نظرات منك صادقة
                     أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وكأن الزودتي استحيا، فقال له الخليفة: لا بأس، فقد تركت المتنبي وورمه، وملت إلى عظمة اللفا، وعظمة الطود. أما أنا فلا أسمي هذا سرقة، وإن كان هذا ـ وأشار إلى مكناسي ـ يسمي كل شيء مثل هذا سرقة، وذلك ـ عندي ـ غلط، والبيت حسن ملائم للقصيدة، كما أن بيت المتنبي ملائم لقصيدته، ثم قال الخليفة: إن الكتب التي يتشكى من قلتها أهل البادية قد جهل قيمتها أهل المدن الموجودة عندهم، فعندنا في مكناس خزانة عظيمة، لا أرى من يطالع فيها إلا قليلين، ثم ختم الزدوني قصيدته، فجازاه الخليفة خيرا.
ثم تقدم الهلالي، فما افتتح حتى قال له الخليفة: إن هذا وشى حضري لا بدوي، كأنك سرقت هذا من فاس، وقد أعجبت بهذين البيتين:
والدهر عيد كله ومسرة
وتعانق وتحية وسلام
فكأن رغد العيش حين حللت يا
                        خبر الخلائق عندنا أحلام

ولكن ذلك معنى، وهذا معنى آخر في محله، كما أنه يوجد معناه في خطبة (القلائد) للأندلسي ـ حين قال والدنيا تحية وسلام.. لكن البيت مع ذلك محكم حسن، وقد زاده انسجامه لطافة، ثم استحسن أينا هذا البيت:
من صافحته بمين مولانا فقد
                     أعطته أوصف عهدها الأيام

قال: بمثل هذا البيت يتقدم الشعراء المتقدمين عند خلفاء بني العباس، ثم استوقفته أيضا هذه الأبيات:
هل جئت مولانا بجيشك قائدا
                  في جنابك حمائل وحسام
أم جئتنا للدرس والتعليم في
                  ايمانك الصفحات والأقلام
أم أتت نعمة ربنا المهداة فيـ
                  ـها كل ما يحنقه الانعام

فقال: إن مجموع الأبيات في غابة الحسن والجودة، ـ وإن كان الأولى أن تكون كلمة أخرى في مكان (الصفحات) ـ إن تيسرت، وإلا فهذه أيضا لا بأس بها، ثم انتقد المكناسي لفظة (يحنقه)، فقال له الخليفة: إنما فيها الحذف والإيصال، ومكان ذلك مقبول، خصوصا في معنى مطرد في أبيات ـ كما هنا ـ فإن الكلمة مغمورة لا تستحق الانتقاد، ثم قال له: قد يسلم لك السوسيون ذوقا، وأما العربية والنحو، فهم ـ في بلادهم ـ أحسن اليوم من غيرهم ـ كما رأيته، إلا ما كان في الحواضر، فإنها مقدمة على غيرها.
ولما وصل قوله:
للنحويين خليلهم للفقهييـ
                     ـن خليلهم لذوي الحجا النظام

قال: إن البيت ـ وإن كان فيه الجناس بالخلبلين، ليظهر لي فيه انتقاد وجيه في عدم الوصل في جملة «للفقهيين خليلهم» والمقام مقام الوصل، لا الفصل، وكذلك (لذوي الجحا النظام).
ففي هذه الجملة الأخيرة انتقاد ثان، فإن المقصود أن يقول الشاعر: إن مثل النظام النظار لأصحاب المناظرة، ولكنه تنكب ذلك إلى قول (لذوي الحجا) ـ وهل يسلم النحويون والفقهاء ـ إنهم بغير حجا تام؟ ثم قال لنا: ما يظهر لكم؟ فوفقناه على ذلك.
ثم أعجبه قوله:
ويزيدهم فهم الجيوب ومن يفد
                     فهم الجيوب فإنه4 الفهام5

فقال إنه معنى حسن، مبني على المشاكلة ـ بعد ذكر فهم العلوم ـ غير أنني أحب أن يعرف (فهام) ـ بالألف واللام ليفيد الحصر المدعى، ـ وقد كان الشاعر قال (فإنه فهام) ـ هكذا ـ بالتنكير ثم سألنا عن ذلك فوافقناه.
ثم أتم الهلالي قصيدته، فالتفت الخليفة إلى المكناسي وقال له: ما ظهر لك من أدباء (تارودانت)؟ فقال له: إنك في اليوم مدحت بشعر حسن، وأما ما يجيئك به الفقهاء، فأنا أستحيي لهم ـ حيث لا يستحيون لأنفسهم! فقال الخليفة: إن الأدب لا ينال ذوقه إلا بنظرة سليمة، لا بكثرة العلوم، ثم ذكر حكاية مضحكة عن بعض فقهاء (فاس) مدحه بقصيدة غير موزونة، ثم قال له: إن نقصها ـ يا سيدي ـ شيء، فزده لها، قال فاغضبت.
ويذكر الراوي أنه عندما أذن العصر، ذهب الخليفة إلى مسجده، وفي الحين، جاء صاحبه يدعو الشعراء الثلاثة ويقول لهم: إن الخليفة يقول لكم: ليكتب كل واحد منكم حاجته، فطلبوا منه ـ أولا التحرير لقراهم، كل واحد لقريته، ثم نفذ لهم حبوبا، ودراهم، وظهار التحرير.

أديب رابع:
وعلى الاثر التحق بهم أديب رابع، وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد الرسموكي، ذكر السكتاني للخليفة وقال له: إن ها هنا أديبا كبيرا، وأبوه أيضا أديب كبير، فأمر بإحضاره فمثل بين يديه فامتحنه فوجده كبير القدر، حافظ لأشعار العرب، وربما كان أحفظ من الآخرين.
ولنذكر هنا المساجلة التي جرت بينه وبين الخليفة، وقد دخل عليه ـ وهو جالس في منتزه يشرف على بستان فيه أشجار، وحولها كوم رمل ـ فقال له: أجز:
اختيال الغصون في الاحقاف

فقال: كاختيال القدود في الأرداف.
فأعجب به الخليفة، لأنه أجاب بديهة من غير تأمل، ثم أشار الخليفة إلى أغصان ـ وقد مالت نحو أزهار، فقال ـ بانيا على ما تقدم:
مائلات إلى الزهور كماما؟
فسكت الخليفة في نصف الكلمة، فقال الرسموكي:
لت قدود الحسان عند اقتطاف

فلم يملك الخليفة أن قال لمكناسي من أهله: هكذا تكون القرائح والأفكار المتقدة!
ثم أراد أن يستزيد في سرعة فكرته وضوحا فقال له: أجز ـ وهو يشير إلى حصاد بمنجل في السنبل يضربه فيبدده عمدا ليلتقطه كبش معه ـ:
فكأن منجله إذا ما بددا

فقال الرسموكي:
سيف الخليفة حين يفتك بالعدا
ثم قال الخليفة ـ وقد أشار إلى صقر انقضى على حمامة في البستان:
فكان ذاك الصقر إذ
                       ينقض فوق الحمامه

فقال الرسموكي:
طرف الخليفة حين يهـ
                       ـوي للعدو يقذ هامه

فازداد عجب الخليفة وقال له: لقد أعدت6 عصر ابن عطية، فقال الرسموكي: كما أعاد سيدنا عصر عبد المومن بن علي، فكان امتحانا آخر عرف بل الخليفة أنه عارف لقضيتهما المشهورة.
وقد أجازه الخليفة بظهير احترام قربته، وبكسوة وحبوب ودراهم، ـ كما أجاز زملاءه الآخرين، ثم صاروا جميعا يحضرون مجلس الخليفة كل نهار، وبعد أداء مراسم العيد، خرج الخليفة لتوديع العلماء، ومن بينهم أدباؤنا الأربعة، ـ وقد أغرق عليهم العطايا، وأثقل كاهلهم ببره وإحسانه.



1 مخطوطة نادرة مبتورة الأخير، توجد بخزانة أستاذنا المرحوم محمد المختار السوسي، وما أجدرها بالتحقيق!
2 يشير إلى قول بشار: (والأذن تعشق قبل العين أحيانا).
3 وقد طبع الشيخ الطاهر بن عاشور بتونس ديوان بشار، أو على الأصح ما وجد منه، وبه القصيدة كاملة.
4 في الأصل (فإنهم) ـ ولعل الصواب ما أثبته.
5 يقال إن أهل دكالة لا يزالون يستحسنون هذا البيت، ويرددونه بينهم، حتى صار مصلا عندهم.
6 في الأصل: (أعددت) ولعله تصحيف.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here