islamaumaroc

التاج المغربي في عمق الملاحم الإسلامية والعربية للعرش والشعب يخوضان المعركة الفاصلة

  دعوة الحق

174 العدد

كل شعب له خصائصه وطبائعه التي فطره الله عليها، ومن مميزات شعبنا أن لا يخضع للدخلاء، ولا يقوس ظهره للغرباء، ولا يسمح لنفسه بالتبعية في أي مجال من مجالات الحياة، فهو مرهف الإحساس، قوي الشكيمة، أبي النفس، ولا يؤمن في هذا الباب الا بالسباق في ميدان العمل والإنتاج والابتكار، دون توجيه من الخارج، ومن غير استيراد للأفكار والحكام.
من هذه الزوايا اتخذ شعبنا في جميع أطوار حياته مواقف صارمة وعنيدة ضد كل تدخل أجنبي في شؤونه الخاصة والعامة، واعرض عن كل توجيه دخيل في سلوكه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعقائدي، باستثناء طلائع البداية الإسلامية التي فتح لها قلبه قبل ذراعيه، واحتضنها إلى صدره بشوق وحرارة لا مثيل لهما إلا في المهاجرين والأنصار الذين آمنوا بالرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام.
وعندي أن هذا التحول في طبيعة المغاربة ـ وهم يستقبلون الهداية ـ يعود بالأصالة إلى أن الإسلام في عمقه ومنبعه يسير والخصائص المغربية في خط مستقيم، حيث يأبى ديننا أن يكون معتنقوه أمعات، ويربأ بأتباعه أن يسيروا وراء كل مهرج وخلف كل ناعق، بالإضافة إلى أنه ليس وسيلة للتسلط والغصب والاستعمار والاستغلال، وإنما هو دعوة مثالية إلى الفضيلة والنبل والشرفـ، وانتشال للإنسان من عبودية الأصنام والأوثان، البشرية منها والحجرية، إلى عبادة الله الواحد الأحد، والإيمان برسالة سيدنا محمد الذي جاء مبشرا بالمحبة والإخاء والسلام والصفاء.
ومن الحقائق التاريخية أن شعبنا لم يندمج في الخلافة الإسلامية العامة اندماجا كليا، بل اكتفى منها بالعلاقات الطيبة والوثيقة التي تجمع بين المسلمين كوحدة عقائدية، مثلها الأعلى توحيد الخالق سبحانه، والإيمان برسالة سيدنا محمد، ونصرة المسلمين والدفاع عن قضاياهم، وهكذا امتد نفوذ الخلافة العثمانية على العالم الإسلامي في الجزيرة العربية وبسطت سلطتها السياسية والعسكرية على أقطار المغرب العربي، ولكن نفوذها وقف عند حدودنا دون أن يتخطاها، ومن ثم كان شعبنا هو الشعب الوحيد الذي اعتنق الإسلام كعقيدة ورفض الانصياع لأي دخيل ولو كان يومن بعقيدته الدينية، إيمانا منه بأن الإسلام في جوهره لا يبيح لمعتنقيه أن يبسطوا نفوذهم الدنيوي بالإكراه على أية جمالة توحد الله وتومن بشريعته. وموقف المغرب هذا ينسجم تماما مع المميزات والخصائص والطبائع التي فطر عليها شعبنا، والتي كانت وستظل التاج الوهاج الذي يزين مفرقه على مر العصور والأجيال.
ولعل تلك الخصائص هي السر الدفين في احتفاظ المغرب باستقلاله الكامل في شؤونه الخاصة والعامة، بالإضافة إلى ما نفحته به العقيدة الإسلامية من مفهوم جديد قوت عزيمته في الاستقلال ودفعت به لأن يكون قلعة منيعة من قلاع الإسلام التي انطلقت منها جحافل المجاهدين ذودا عن العقيدة المحمدية ونصرة لها مما سجله التاريخ التاريخ لشعبنا الشجاع بحروف ذهبية.
ويكفي دليلا على هذه المواقف البطولية أنه كان سباقا في عبور مضيق جبل طارق عدة مرات لحماية الإسلام والمسلمين بالأندلس من غارات الصليبيين الحاقدين على ديننا الحنيف. ولولا تلك الحملات التأديبية لسقطت الأندلس عند الضربات الأولى من لدن النصارى. ومع الأسف الشديد أن حكام الفردوس المفقود لم يستغلوا الفرص الذهبية التي أتاحها لهم المغاربة، ولو فعلوا لامتدت فروع الحضارة الإسلامية إلى أقطار بعيدة، ولكان الحكم الإسلامي في الأندلس قائما حتى اليوم، وكان أمر الله قدرا مقدورا.
ومساهمة جيشنا الباسل في معارك الجولان وسيناء ليست ببعيدة عن الأذهان، وهي تزكية لما أشرنا إليه من أن المغرب منذ اللحظة الأولى لاعتناقه الإسلام وهو قلعة من قلاعه، وهذا في نظري هو السر في الاختلافات والأراجيف التي يتعرض لها بلدنا من لدن أجهزة الإعلام في جهات معروفة لا يخلو الأمر من أن تكون حاسدة وحاقدة أو موجهة ومأجورة.
ورفعا لكل التباس نشير إلى أن موقف المغرب السلبي من التيارات الخارجية ليس معناه أن بلدنا متزمت أو منكمش على نفسه ومنعزل عن العالم، بل العكس من ذلك حيث نجده متفتحا على العالم كله، ولكن تفتحه لا يعني التنازل عن أصالته، أو قبول كل ما تمطرنا به الحضارة الغربية من صالح وطالح، فهو حذر كل الحذر، وحتى إذا تسربت إليه بعض الأشياء الضارة لا يلبث أن يتخلص منها بما عهد في شعبنا من حكمة ولباقة، وما عرف عن ملوكنا من غضبات مضرية ضد كل تيار هدام.
وتعاقبت على عرش المغرب أسر مجيدة منه وإليه. امتازت في مجموعها بالحفاظ على مميزاتنا في تعشق الحرية والهيام بالاستقلال، إلا أنها توارت عن مسرح الأحداث لظروف مختلفة وعوامل عديدة يطول شرحها «سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا».
وأخيرا تسلمت القيادة الأسرة العلوية الشريفة وتحملت هذا العبء الثقيل، فوجدت فيها جماهيرنا أمنية غالية من أمانيها، وضالتها المنشودة التي تطلعت إليها منذ زمن بعيد، ومن الطرافة في هذا الباب أن المغاربة اتخذوا من الخلافة الإسلامية موقفا وسطا، ولكنهم انقادوا عن طواعية واختيار لهذه العائلة الشريفة والدخول في طاعتها والدفاع عنها بكل ما لديهم من حول وقوة ودون تحفظ، ولعل السر الدفين لهذا الانصياع التلقائي هو الإخلاص المطلق لعقيدة الإسلام وحبهم الصادق لآل البيت النبوي الشريف، ونحن نرى أنه بمجرد ما آلت الإمارة إلى هذه الأسرة الكريمة ارتمى المغاربة في أحضانها وكأنهم كانوا على موعد مع هذه الفترة الذهبية من تاريخهم الحافل بالأمجاد، ولم يكن لهذا اللقاء بين العقيدة الإسلامية وحكم آل البيت النبوي من نتيجة سوى الانسجام والالتحام، وهو سر خفي كان محتجبا في الأزل ينتظر الوقت المناسب ليبرز إلى العيان كحقيقة ناصعة لما كان يحتفظ به شعبنا في أعماقه من عدم الانصياع لأي دخيل حتى يأتي أمر الله بالعقيدة المحمدية ثم بعدها بالدوحة النبوية.
وشاءت الظروف أن يتعثر شعبنا في سيره، ويكبو في فترة من فترات تاريخه، فتتكالب عليه قوى الشر والعدوان من كل جانب، وتطوقه الجيوش الأوروبية النهمة من جميع أطرافه، وتفرض عليه حمايتها البغيضة فرضا، على أن هذا التدخل نفسه لم يكن المغرب ضحيته الأولى، وإنما جاء بعد سقوط العديد من الدول الإسلامية والعربية والافريقية الواحدة تلو الأخرى فريسة سائغة بين مخالب استعمار لا رأفة فيه ولا رحمة، وكان شعبنا آخر معقل هوى تحت ضربات ومؤامرات تساندها قوى الشر والبغي والطغيان، وتؤازرها تكتلات صليبية متعصبة حاقدة.
الذي ينبغي التركيز عليه وإبرازه بصورة واضحة أن شعبنا لم يستسلم لأول وهلة، ولم يقبل هذا الوضع الشاذ بسهولة، ولم يغمض عينيه على هذا القذى منذ اللحظة الأولى، بل قاوم الدخلاء بالسلاح ما وسعته المقاومة، وحتى بعد فرض هذه الحماية ظل يناوش هنا وهناك، وفي بعض الأحيان قام بثورات مسلحة لم يكتب لها النجاح في النهاية، وإن كانت كبدت حماته الكثير من النكبات والعديد من الخسائر المادية والبشرية، وأعطت الدليل القاطع على أن شعبنا يرفض هذا التدخل الأجنبي في جميع أشكاله وصوره، ومهما أسبغ عليه المستعمرون من أردية ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، الأمر الذي أدخل في حسبان المستعمر أن شعبنا لا يلبث أن يحطم الأغلال في أقرب الفرص والآجال.
وتشاء الأقدار الإلهية أن لا تطول فترة هذه الكبوة، فيتول عرش المغرب بطل من أبطال التاريخ الإنساني، ويجلس على أريكة هذا العرش العتيد محمد الخامس رضوان الله عليه، ومن هنا تبدأ قصة من أروع القصص البطولية التي قل نظيرها وعز مثيلها في التاريخ، ذلك أن محمدا الخامس رأى بفكره في الاتصال المباشر بشعبه وتحطيم السد المنيع الذي حاول الاستعمار إقامته بينهما ثم تشجيع التعليم الحر للدفع به إلى الأمام باعتباره حظيرة من حظائر تفريخ أشبا المغرب الذين سيضربون الاستعمار الضربة القاضية، ومن هذين المحورين سار العرش والشعب جنبا لجنب إلى أن برزت فكرة عيد العرش باعتبارها الإعلان الصريح والواضح على أن الوطنية المغربية تسير في ركاب ملك المغرب، وان الجالس على العرش هو المحور الذي تدور حوله كل مخططات الانعتقا..
هنا شعر الاستعمار بالخطر المجسم، وأدرك أن هذا التكتل ليس إلا المسمار الأول في نعشه، فراح يقاوم فكرة عيد العرش بكل ما لديه من خداع ومكر ودهاء، وما يتوفر عليه من عتاد وتهديد ووعيد، ولكن الشيء الوحيد الذي غاب عن ذهنه المريض أن محمدا الخامس لم يكن ملكا فحسب، وإنما كان بجانب ذلك وطنيا من الصنف الممتاز، وكان قائدا من الدرجة الأولى، وكان قبل هذا وبعده مؤمنا كل الإيمان بربه، وبالأمانة العظمى التي أصبحت في عنقه، وبأن التاج ليس إكليلا من الزهور والرياحين، وإنما هو مسؤولية لها أهميتها وخطورتها في قيادة معركة التحرير والمصير، أما الرعيل الوطني الأول فلم يكن ينظر إلى العرش والمتربع عليه إلا نظرة الإجلال لما امتاز به، جلالة الملك من خصال القيادة ومزايا الزعامة، ومنا نبع الالتحام والانسجام وتوطدت الصلة بين القوتين الضاربتين في اتجاه واحد وهدف محدد... وإذا ما ذكرنا الرعيل الوطني الأول فالوفاء يحتم علينا الإشارة إلى الدور الطلائعي الذي لعبه أبناء التعليم الحر في جميع مراحل الكفاح الوطني، والواجب الإسلامي والوطني يفرضان علينا التنويه بالمواقف المشرفة والبطولية التي وقفوها في وجه الاستعمار بجحافله العسكرية وأسلحته الجهنمية وجواسيسه الذين أذاقوهم صنوف العذاب وجرعوهم كؤوسا دهاقا من الحنظل، وزعماء المغرب الأبرار لم يتخرجوا من مدارس «فرانكواراب» وإنما كانوا ثمرة من ثمار مدارسنا الحرة وبذرة من بذورها التي آتت أكلها كل حين بإذن ربها.
والخلاصة أن الشعب المغربي بجميع طبقاته ومختلف هيآته كان مقتنعا بأن مصيره بمصير عرشه، وبأن جلالة الملك هو الرمز المجسم لوحدته وخلاصه، وتتعاقب الأحداث بما فيها من خير وشر، ويتنوع الكفاح من جانب العرش والشعب وفي جميع الواجهات، ويشتد العناد والتصلب من المستعمرين مما أدى بهم إلى ارتكاب حماقة فريدة من نوعها وغلطة سياسية بشعة بالاعتداء على حرمة العرش والجالس عليه، فكانت السبب المباشر في تحنيط الاستعمار داخل تابوت وضعت الأمة المغربية فوقه أهراما من الإسمنت المسلح.
ويختار الله جلت قدرته بعد فترة وجيزة من الاستقلال محمدا الخامس لجواره ويتولى ساعده الأيمن وعضده المتين ورفيقه في الكفاح وأنيسه في المنفى جلالة الحسن الثاني الأمانة في ظرف صعب ودقيق، ليس من السهل التغلب على مشاكله لو لم يكن جلالته خريج مدرسة والده العظيم الذي أعده لهذه المهمة الخطيرة المتبلورة في العمل والتوجيه داخل واجهات متعددة ومعقدة كالتعليم والاقتصاد والصحة، والفلاحة، والسدود، واستكمال الوحدة، وحماية الحدود، مع المساهمة الفعالية في الحقل الديبلوماسي والهيآن الدولية التي جال فيها جولات رائعة ووقف من مشاكلها مواقف مشرفة وبطولية دفاعا عن حقوق الشعوب الضعيفة بما فيها الشعب العربي سياسيا وعسكريا، بالإضافة إلى تبنيه للبعث الإسلامي وحمايته للعقيدة الإسلامية من الموجات الإلحادية التي تهدف إلى إضعاف روح المقاومة النابعة من العقيدة الإسلامية، والنيل من المعنويات العالية في جماهيرنا المسلمة.
وإذا ما حاولنا تتبع مواقف جلالته بالشرح والتفصيل فنحتاج إلى محاضرات لا إلى كلمة مقتضبة في هذه المناسبة العزيزة على كل مغربي حر أبي، ويكفي أن نقول اليوم أن شعب المغرب مدين للحسن الثاني بكل ما وصلنا إليه من رقي وتقدم وازدهار، وانه فخور بأن يكون شعب هذا الملك الوافي للأمة، والضامن لوحدتها، والداعي إلى لم شعثها، والحصن الحصين لمتكسباتها السابقة واللاحقة.
ومن البديهيات أن جلالته أعطى أروع الأمثلة في الشعور بمسؤولياته للحفاظ على السلم العالمي والتعاون الدولي، مع الاحتفاظ لأمجادنا القومية وحقوقنا الشعبية بمركزها المرموق لتظل وحدتنا الترابية في مأمن منيع من عدوان المعتدين، وطمع الطامعين وحقد الحاسدين.
من هذه المنطلقات نتخلص إلى النتائج التي يتعين استخلاصها من هذا العرض الخاطف وهي أن شعبنا كان وسيظل وفيا للعرض الذي أعطى مآت الدلائل على أنه الضامن للكيان الوطني في أحرج الأوقات وأشدها خطورة، ثم انه يختلف تماما عن كثير من العروش، فهو ليس بمعزل عن الأحداث ولا ببعيد عن التطورات الاجتماعية بل انه يعيشها يوميا ويحياها باستمرار، ويؤثر فيها سلبا أو إيجابا بما يتخذه من مواقف رائعة، وتدخلات موفقة، ومبادرات حكيمة ومتزنة يضامنها النجاح التام، ويحالفها الفوز العام.
وهذه المواقف المشرفة، والتضحيات العظمى، والجهود المشكورة من جانب عرشنا وملكنا يقابلها وفاء منقطع النظير، وولاء ليس له مثيل من الجمعيات الدينية، والأوساط الثقافية، والهيآت السياسية، والمنظمات العمالية، حيث تجلى ذلك بوعي رائع وحماس ممتاز أثناء الزحف الشعبي الهادر وهو يقتحم الحدود ويتخطى الحواجز التي فرقت بيننا وبين صحرائنا حقبة من الزمن، وسوف لا تزيد الأيام والأحداث هذا الوفاء والولاء والانسجام والالتحام إلا رسوخا وعمقا، بفضل الله ورعايته ومدده الذي لا ينقطع عن المؤمنين الصادقين.
على أننا مهما بالغنا في إحاطة ذكرى عيد عرشنا بهالات الإكبار والإعجاب فسوف نظل عاجزين عن إعطاء صاحب هذه الذكرى الغالية ما هو أهل له من الشكر والامتنان على ما قدمه لشعبه من خدمات وتضحيات، ولعل الذي يفي بشكرنا ويعبر أصدق تعبير عن امتناننا هو مواصلة هذا التلاحم كعربون على ولائنا وتعبير صادق على استعدادنا للسير في ركاب العرش إلى النهاية، وأملنا أن يكون شعبنا في مستوى المغرب الجديد، الذي نأمل أن يكون عظيما عظمة الحسن الثاني في تطلعاته لمستقبل شعبه السعيد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here