islamaumaroc

قصة بالمناسبة الشريفة

  دعوة الحق

174 العدد

كان هذا هو اسمها بالغلية بالاصطلاح النجوى.
ومن الكني ما يغلب ويطغى عن التسميات، وكان أهل الحي كلهم ينادونها بهذا الاسم ويتحدون به عنها.
ويا ما أكثر ما كان يتحدث سكان الحي عن صولات الشريفة وجولاتها، وبطولاتها كذلك.
أما اسمها الأصلي فهو فاطمة، وذلك اعتمادا على الروايات المتصلة في صك " الشجرة " التي تدلى بها  كلما دعا الداعي أو جادل المراني أو تشكك المتشككون تصريحا أو تلميحا في نسبها الشريف. وهي ادريسية عن أبيها وجدها، وفرعها من أصل الشجرة التي يثبت الصك أنها شجرة أصلها ثابت في التاريخ وفروعها ممتدة عبر حقبه المتوالية، ومن كابر في هذه الحقيقة  فعلية بمراجعة " تاريخ الأنساب" للفضيلي. وهو كتاب لم يكن أهل الحي بالطبع يعرفون عنه شيئا، ذلك أن علم الأنساب يعتبر من علوم التخصص والاختصاص، إلا أن الشريفة كانت تستدل به كوثيقة ثانية مع الصك الآخر الذي تتكون منه شجرة نسبها.
وما كان لأحد أن يجادلها في انتمائها العائلي وهو ثابت في كتاب " الأنساب" وتاريخها بالمغرب !
كانت الشريفة تتوفر على لسان سليط وفصيح في نفس الوقت بينما كانت قامتها الفارهة والعامرة وعيناها المتوقدتان تفرض كلها على الناظر والسامع والمتحدث  نوعا غريبا من الهيبة والاحترام.
كانت تقتحم بيوت الحي بدون استئذان، وتحضر كافة أعراسه وحفلاته ومناسباته بدون دعوة، بل أن ذوي المنازل وأصحاب الحفلات والمثائم كانوا يعتزون بزيارة الشريفة لهم ويعتبرونها تشريفا لحفلاتهم  ومناسباتهم.
كما أن صوتها  الجوهرى لم يكن ليختفي عل أحد  من أصحاب السوق البلدي ورواده. إذا بمجرد ما تضع قدماها في  بأنه ألا و يردد الجزار بنعيسى قولته الروتينية  هاهي" الشريفة" ولكان أذنيه تتمتعان بحساسية مرهفة في التفاط ذبذبة صوت الشريفة حينما تبتدئ في الدخول إلى السوق البلدي بتحية بائع النعناع المسمى النمرود. ولا يدري أحد لماذا غلب هذا اللقب على صاحبنا بائع  النعناع بنفس الغلبة التي تفوق بها لقب " الشريفة" على السيدة فاطمة، ولئن كان لقب " الشريفة" لا يحمل سرا من أسباب نزوله فإن لقب التمرود كان بالنسبة لعلال بائع النعناع، ينطوي على سر مكنون كان يرفض وبإصرار أن يبوح به لأي أحد.
وبلغت السلطة التي كانت الشريفة تتوفر عليها إلى حد الذي كان يجعل مقدم الحي ومقدم السوق والمحتسب نفسه ينظرون إليها بشيء غير قليل من الهيبة والاحترام والتقدير. وقد يكون مرد هذه النظرة إلى حسبها ونسبها ومركزها الاجتماعي، إلا أنه يكاد يكون من المؤكد أنهم كانوا يخشون سلاطة لسانها وتأثيره في نفسيات الجماهير، وبالإضافة إلى كل هذه المميزات.
والمعطيات فإن " الشريفة" كانت مصدر احتكام للنزاعات ووسيطا موقفا في حل الخلافات وسفيرا، موقفا في أداء المهمات، وبإيجاز واختصار فإن " الشريفة" كانت عبارة عن " أنثى في زي ذكر". بلغة أبي نواس ولكنها أنثي مترجلة ومن النوع الرصين في مادة الرجولة، وتنوح كل هذه الخصال في الشريفة" بروحها الوطنية وحماسها المندفع في كل الأحيان. ومن ثم فإن الحركة الوطنية كانت تعتمد عليها في أداء المهمات الصعبة التي لم تكن تتردد في القيام بها. بل أنها كانت تغضب وتثور إذا وقع نسيان فبالأحرى إهمال لدورها في مختلف المناسبات الوطنية.
والواقع أن نشاطها في هذا الميدان كان فياضا وتلقائيا ومندفعا في كل الأحيان. فهي السباقة إلى إذاعة  التعليمات الشفوية عبر الحي وفيما جاوره، وحصتها في جمع التبرعات من النساء والرجال على السواء تتميز بالتحدي والإعجاز، فقلما كان هناك رقم قياسي يحطم يحطم رقمها. ولها على النسوة على اختلاف مرافقهن الاجتماعية تأثيرا لا يقل عن تأثير التنويم المغناطيسي، فقولها الحق، ورأيها الفاضل، واقتراحها هو الوجيه، ولن صح أن توصف سلاطة اللسان بسيمة البلاغة فإن " الشريفة" كانت فصيحة وبليغة بمقاييس سحيان وائل.
وأكثر ما كان يشتد نشاطها في مناسبات عيد العرش حيث أنها تستعد لأعراس قبل أيام، فهي في لجان جمع التبرعات والزينة. وفي توضيب الحفلات وإعداد ما لذ وما طاب من حلويات وغريبة وكعب الغزال.
وكانت هي الوحيدة التي تمثل في جميع الحفلات وعلى مختلف المستويات بما في ذلك الحفلة الرسمية، التي كان" يشرفها" الباشا والمراقب أو من ينوب عنها.
وإنصافا للشريفة فإن كل صعب كان يهون لديها، وأحيانا كانت تسمح لنفسها بأن تجرى حواراً " مع السلطة" بواسطة" بواسطة محتسب المدينة الذي كان يعتبر بالنسبة لهذه السلطة ولرجال الحركة الوطنية هو هامر شولود بلغة الأمس، وفالدهايم بلغة اليوم، كان رحمه الله نشيطا لينا يتمتع بنفس طويل ويجتهد في كل أزمة أن يكون خيطا أبيضا كلما ناء ليل الأزمة بكلله على الساحة في الحي وفي المدينة بوجه عام، وكثيرا ما كان يقع كذلك ولو على فترات متقاطعة.
ومنذ سنة 1946 وأنا أتتبع نشاط" الشريفة" تارة بعجب وفي أحايين أخرى بإعجاب، ومن المعروف أن هذه السنة في ذلك العهد كانت تعد سنة" انفتاح" و" تفتح" في جو السياسي، حيث أطلق سراح الصحف وهب نشاط متزايد في الحركة الوطنية، بعد ملاحم سنة 1944، ومعنى هذا النشاط والحيوي والحماس وكل ما تعرفت عليه في سيرة الشريفة وسلوكها  كان بعد هذا التاريخ.
وهذا ما كان يدفعني أحيانا إلى التساؤل: ترى كيف سيكون موقف " الشريفة" يوم أن يتغير الطقس السياسي، ويريد إلى رداءته كما عودنا ذلك منه سنة 1930.
فهل ستظل على نشاطها في ساعات العسر التي كنا نعتقد أنها قادمة لا محالة في يوم لا ريب فيه، إذا الجو السياسي ما كان " ينفتح" حينما الا لينغلق أحيانا.
وحلت سنة 1951 لتجيبني على هذا السؤال فلقد كانت سنة صعبة أخذ " الطقس السياسي" يعود فيها إلى رداءته كما كانت تتنبأ بذلك أرصادنا الجوية وجاءت مناسبة عيد العرش لتكون جوابا بالنسبة لتساؤلي.
وسنة امتحان " الشريفة" ذلك أن الاحتفال بعيد العرش في هذه السنة كان يجرى في جو مشحون بالأنواء التي تسبق الرعد والبرق في أحوال طقس الطبيعة، فدوائر الإقامة العامة كانت منشغلة بتدبير مؤامرة لم يكن أحد يعرف جوهرها وصنفها وأن كنا نعتقد أنها على العموم ترمي إلى إغلاق باب الانفتاح" والفتح" وربما بسلاسل وأقفال لا يرجى لها انفتاح، وكان بونيفاس عاكفا على تأليف مسرحيته، وإخراجها وهي مسرحيات فيها من البلبلة ما يضحك، وذلك تمهيدا لأزمة سنة 1952 وسنة 1953 وما ولاما بعد ذلك من حلقات في مسلسل ذلك الصراع الدائم.
وتطلعت من جديد إلى " الشريفة" وأخذت عن عمد وسالف إصرار أتتبع نشاطها في هذه السنة الصعبة، لأرى هل هو في انخفاض أو مستقر على أقل تقدير. وبكل تأكيد فإنني لم استغرب لتصاعده في هذا الظرف الدقيق، فالشريفة كانت تعمل في الميدان الوطني بإيمان ووعي عميقين، ويتجلى ذلك في تحديها لأنواع المضايقات والمطاردات التي أخذت تتوالى عليها بدون انقطاع من طرف " دوائر السلطة" وحتى مقدم الحي الذي كان.   
يهابها أو بتهيبها أخذ يرفع صوته ويحذرها من حالة " الوقت الخائب".
أما سيادة المحتسب فإن ذورة أصبح أكثر تعقيدا واشد دقة كان عليه من ذي  قبل، ذلك أن حجم الأزمة كان ينمو ويتعمق- إن صح هذا التصريف- على حجم " الوساطة" كما أن حكاية الخيط الأبيض أصبحت حكاية  بالية، ومع أن المسؤولين الوطنيين كانوا يدركون جيدا أبعاد الأزمة ويتسلحون بضبط الأعصاب ورباطة الجأش فإن " الشريفة" لم تكن على استعداد لذلك الأمر الذي  تسبب لها في العديد من المشاكل وخصوصا في الأيام الأولى من شهر نوفمبر من سنة 1951 وبلغت تلك المشاكل ذروتها يوم وجهت إليها الدعوة لمقابلة خليفة الباشا الذي أبلغها بلغته أن " هؤلاء الناس " مستاءون من سلوكها لأنها تتدخل فيما لا يعنيها وحتى في الأحياء البعيدة عن حيها، تم أنها إلى هذا وذلك تغتاب" رجال السليط الذي انطلق بفصاحته المعهودة ليرد على كل ما يجرى وما يدور في المدينة في السر والعلنية، وحاول خليفة الباشا بعد ذلك أن يقنعها بأسلوب الوعظ والارشاد مبررا ذلك برداءة الطقس السياسي وخيبوبة" الوقت، ملوحا في نفس الوقت وملمحا بأن "هؤلاء الناس" وهو يعني المرتقب الفرنسي يبدو في أعينهم أنها "معولون على خزيت" وسرعان ما انفجرت" الشريفة" بلسانها السليط الذي أنطلق بفصاحته المعهودة ليرد على  الخليفة كان على بينه تامة من جرأتها وإقدامها، أهذا كل ما في الأمر، فليكن فإننا مستعدون، ومع أن الخليفة كان على بينه تامة من جرأتها  وأقدامها فإن المشهد الذي ظهرت به أمامه قد بدأ له جديدا كل الجدة، فراح يستعطفها ويطلب منها أن تخفض من صوتها على الأقل، إلا أنه ولكأنه كان يطلب منها المزيد، ويروى المخزني الذي شاهد هذا اللقاء أنه لم يسبق له أن رأى " الشريفة " في جدية" كتلك: نزعت عنها الشال الأبيض من عنقها وأخذ" قب جلابتها " ينحسر رويدا رويدا إلى الوراء، بينما الكلمات كانت تقرى من فمها ولكأنها تقرأ شيئا مكتوبا ومضبوطا، ولم يخرج الخليفة من هذه " الورطة " ألا بطلب النجدة من سيادة المحتسب، الذي كان على كل حال يتمتع أكثر من غيره من ذوي السلطة بنفس أوسع وبشيء لا ينبغي إغفاله من الدهاء والذكاء.
وخرجت " الشريفة" مع المحتسب والشال الأبيض في يدها في حين أن المخازنية الذين أبلغهم شيطانهم الذي كان يسترق السمع. كانوا يتهامسون فيما بينهم:
 هاهي الشريفة وبدون شعور أخذوا يحيونها بعبارات هي وأن كانت مترادفة فإنها كانت أعرابا عن التقدير والإعجاب.
ولم تفتر الشريفة عن نشاطها كما أنها رفضت التخفيض من حدته رغما عن النصح الذي قدمه إليها مسؤولون وطنيون وهو نصح كان مضمونه ومدلوله تعليمات، ألا أن " الشريفة" – وكما أحسست أنا شخصيا بذلك- قررت أن تختار هذا الامتحان، وبتفوق، ولكأنها كانت تشعر بأن أمثالي المعجبيين بها من الفضوليين أيضا، كانوا يضعون علامات استفهام حول نشاطها في ساعات العسر.
ونجحت " الشريفة" في تحدياتها للسلطة من مقدم الحومة في الأسفل إلى المراقب في الأعلى، فدأبت على نشاطها ونظمت حفلات وشاركت في أخرى، وكانت هتافاتها أصدع وأعلى، ويا ما عرضت بمقدم الحي الذي كان يجسم في عينها سلطة" أولئك الناس" الذين قررت أن تذهب إلى أبعد حد في تحديهم.
ومر عيد العرش لتلك السنة كأروع وأخلد ما كانت ذكرياته فيما مضى من السنوات، وزادت هذه الروعة من حقد الحاقدين في إدارة الشؤون السياسية بالإقامة العامة بعدما أجمعت التقارير السرية الواردة من مختلف الأطراف والأنحاء على أن القضية أصبحت قضية عرش وشعب، ولا انفصام لهما بوسائل الترهيب والتخويف، ومن ثم فإن الوضع أصبح يتطلب ما كان يسميه "فقها" السياسة في ذلك العهد " بالحل العملي.
وحلت سنة 1952 لتزيد في تقريب الشعلة إلى الفتيل في أشكال شتى من أنواع الارهاب والاضطهاد والدس والمناورات إلى أن انفجر الوضع في شهر دجنبر  من سنة 1952 لتكون ملحمة هذه السنة مقدمة وإرهاصا لثورة الملك والشعب في أغسطس من سنة 1953، وغابت عني أخبار" الشريفة" ولم أعد أعرف بالضبط موقفها في خريطة الأحداث إلى أن وراني في يوم من أيام شهر فبراير من سنة 1954 بمدينة تطوان شخص لم أتعرف عليه في أول الأمر، إلا أنه أخذ يذكرني وبعد حين عرفته أنه بائع النعناع علال الذي كان يسميه بائعو السوق البلدي ورواده بالنمرود، وبعد ما قص علي قصصه وانخراط في سلك الفدائيين وتورطه في قضية  من ملاحم الفداء استعجلته بالسؤال عن " الشريفة" وما آل إليه أمرها فأخبرني بأنه اتصل بها قبل مجيئه بيوم واحد وأنها هي التي زودته بالمال وبكلمة" السر" وأنها  تقوم بمهمة الاتصال بين شبكات مختلفة للفدائيين بمدينة مكناس.
ويومئذ علمت سر تسميته هو بالنمرود وآمنت بأنها هي هي، كما عرفتها مناضلة وصامدة، وأنها في جميع الحالات والظروف والمواقف: " الشريفة ".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here