islamaumaroc

الرؤوس المحلوقة

  دعوة الحق

174 العدد

وقف (المسيو مارتان) طويلا أمام المرآة في صباحه ذاك، وكان همه أن يسوي شعره في مشطة أنيقة مرتبة، عرف بها منذ زمن الشباب الباكر، من حيث تمتد كل شعرة من أصلها حتى النهاية عند القفا. لقد كان هذا الشعر براقا في الأيام السالفة، بما كان يضفي عليه من العطور والدهون، كان لامعا بالنهار تحت أشعة الشمس، ولامعا بالليل تحت المصابيح.. أما اليوم فقد وخط الشيب هذا الشعر، وبذلك خفت اللمعان، وحلت محله سمة خاصة تعطي لشخصيته مهابة واحتراما. جزء من الوقت استغرقه الاعتناء بالشارب، وهو للعجب الذي بقى في حالة اسوداد تامة، فيما عدا وحدات برزت من بين الشعر الكث، فازداد بها المظهر بهاء وجلالا.
ترك المرآة وانصرف إلى قاعة النوم، وفتح الخزانة على مصراعيها، ووقف يلائم بين يومه هذا والحلة المناسبة له، فالقوم من كبار رجالات الفلاحة، ومن مشاهير المتمولين فيها، فلابد وأن يكون اللباس مناسبا لهذا الجمع الحافل. وتذكر أن هؤلاء القوم، على غير عادة المتمولين الآخرين، يميلون إلى ارتداء الخشن من البدلات والسراويل، ويختارون الألوان الداكنة، ولا أفضل عندهم من لبس ما هو مصنوع من الجلد، قبعة كانت أم بذلة أم حذاء ذا عنق، إنهم يستشعرون القوة والحزم في هذا اللباس، وهو ـ من جهة أخرى ـ يتلاءم وحياة التراب والأوحال والملوثات  التي يظلون متخبطين فيها. وهم عادة ما ينسون حلق لحاهم وقص شواربهم وترجيل شعورهم في أوقات متقاربة، فتبدو سحناتهم مغبرة، تكسوهم طبقة من الغبار رقيقة، كما يبقى دخان السجاير المتصاعد أثارا ضاربة إلى اللون الأصفر، ثابتة، لا تقبل الزوال، على الشوارب والحواجب. وآثارا ألصق فيما بين السبابتين اليمنى واليسرى والوسطييين...
مسيو مارتان يعرف كل هذا، لذلك اختار بذلة بنية وقميصا رماديا، ورباطا بنيا ذا خطوط رمادية، من نفس لون البذلة، واختار للجيب الأيسر منديلا رماديا، مشابها جدا للون القميص، وفرز الأحذية ثم اختار من بينها حذاء بنيا مثقبا، فالطقس غير بارد، وقد يطول مكث الرجلين في الحذاء.
وبمجرد انتهائه، وكأنه على موعد مضبوط، جاءته خادمته المغربية (حليمة) بطعام إفطاره وكان يشتمل على بيضة واحدة، وقليل من العسل، وقطعة من الجبن وقدح من القهوة... فالخادمة تتلقى تعليماتها من السيدة (نادين) زوجة مارتان قبل نومها، حول وجبة الإفطار، ومن ماذا ينبغي أن يتركب، فمن عادتها باستمرار ألا تستيقظ باكرا، مادامت مشغوفة بالسهر، تقضي فترة طويلة قبل النوم، في صنع الصدريات والجوارب والقفازات الصوفية صيفا، وصنع المخرمات والمطرزات القطنية شتاء، وتغتنم ليالي الشتاء الحلوة، فتجلس أمام المدفأة المشتعلة، تتأمل أشكال ألسنة النار المختلفة، وألوانها البرتقالية والحمراء والزرقاء، فتكاد تذوب إعجابا بهذه المناظر الساحرة، أما إذا كان الفصل ربيعا أو صيفا فإن الجلسة تكون في حديثة الدارة أمام النافورة المحاطة بمغارس أزهار مختارة، من حيث تستسلم لدعابات الصمت الطويل، ودغدغات الهواجس والأحلام الداخلية، حتى أنها أحيانا تكلم فلا تجيب، وتدعى فلا تلبي الدعوة.
تناول طعام إفطاره وحده، ثم توجه مرة أخرى إلى المرأة، وأعاد النظر إلى نفسه، وزاد قليلا في تأنيق هندامه، مثبتا القبعة الثمينة على رأسه، مائلا بها قليلا إلى جهة اليسار، ومعدلا قليلا من الحواشي، وانتهى به الأمر إلى تناول المظلة من زاوية في البيت، ثم غادر الدار.
الشارع من حوله وتمر به سيارات، يسمع لمحركاتها ضجيج، كما تتعالى زماراتها، بسبب أو بغير سبب، فالمقصود عند بعض السائقين أن يلفتوا الأنظار إلى جدة عرباتهم، وجاذبية ألوانها وإلى جلساتهم المريحة الفخمة الوجيهة وراء المقاود.
أثناء السير شعر المسيو (مارتان) ببعض الأسف لتحمله مشقة المظلة، فاليوم صباحه من أصباح أبريل الساطعة الدافئة، حبذا لو تخلص من العبء، ولكنه وجدها متكأ على كل حال لا بأس به. المتكأ. ان المسيو مارتان في غير ما حاجة إلى متكأ، فهو وإن تجاوز الستين يشعر بحيويته متجددة وبفكره منفتحا وبوجدانه حارا سعيدا... حقا، لقد كان شبه مخدر إثر إحالته على التقاعد من حيث قضى فترة شهر تقريبا، في شبه حيرة ويأس، يستشعر شعور المحكوم عليه بالإعدام، لولا أن هذا ينتظر أجله بحسرة ولوعة، بينما هو ينتظر نفس المصير، على المدى الطويل أو القصير بدون حسرة ولا لوعة، إنما النفس يخالطها شيء من التعلق بالحياة، والرجاء فيها والتشبث بها... يومئذ فاجأته زوجته (نادين) مفاجأة مذهلة، مفاجأة لا يمكن أن تكون إلا من امرأة مثلها لبقة مخلصة، لقد أمدته بمليون من الفرنكات، كان محفوظا في حسابها الخاص بأحد الأبناك، لقد هزته وأفقدته اتزانه، ووزعت في دمه دفقة من الحرارة والحيوية والأمل المجدد. الحقيقة، أنها كانت في منتهى العبقرية والبراعة والذكاء، وفي منتهى الحنان الزوجي وبره، ومودته الصافية، الصادقة... لكم أشبعها يومذاك تقبيلا وعناقا. إنها بهذه الهبة السخية استبدلت بالرجل المنهار الحيران رجلا مطمئنا عازما حازما واثق الخطو... هو بدوره كان مدخرا لبعض المال، فعادة التدبير متأصلة فيه، مثل بني قومه الأروبيين، ولذلك اقترح عليها أن يشتري برصيده ضيعة صغيرة، وبرصيدها دارة متوسطة بدل هذه الشقة التي يقطنونها منذ بعيد.
وقامت بينهما محاورة في أي مكان تكون الضيعة وتلك الدارة، واختارا بعد مذاكرة طويلة،  وتبعا لتجولاتهما الكثيرة، وخبرتهما الواسعة أن تكون الضيعة ببلاد المغرب، في منطقة الغرب بالذات، وأن تكون الدارة بمدينة الرباط، فمنطقة الغرب منطقة خصبة خيرة، يقول الخبراء أنها من أجود بقاع الدنيا المعدودة، بما يتوفر لها من تربة جيدة، وطقس معتدل، ومياه بالنسبة لما هو موجود منها على ضفاف النهر الدائم الجريان. ثم إن المساعدات التعميرية متيسرة، إذ الأروبيون الذين سبقوا إلى أرض المغرب يعملون على تثبيت أقدامهم، وأقدام كل وارد من بني قومهم، أو ممن هم معجبون بخطة الاستعمار، ويعدون الخطط لانتزاع كل أرض جميلة يملكها شخص مغربي لا حول له ولا قوة، إنهم واثقون من فكرة (إن الأرض لمن يستحقها)، وهو أكثر استحقاقا من غيرهم لهذه الأرض، أما الذين لا يعرفون قيمة التربة، ولا أسلوب استخراج المياه، ولا طرائق الحرث الجيدة، ولا فنون التسميد والغرس العصرية أولى بهم أن يغادروا الأرض وأن يتركوها لمن هم أجدر بها.
فعلا، قاموا بمبادرات، بل ببعض التسرعات، واشتروا أراضي وانتزعوا أخرى، وارتكبوا ما عن لهم من التصرفات من أجل هذه الأغراض... إن الأرض ليست أرضا فرنسية، والسكان ليسوا مواطنين فرنسيين، ليس هناك برمان يزعج البال ويكدر الخاطر، يتدخل أعضاؤه فيما لا يعنيهم، وليست هناك جرائد تبسط صفحاتها بسطا كل صباح وكل مساء، كل أسبوع وكل شهر لتملأ صفحاتها بالأخبار الصحيح منها والكاذب، الناسب منها وغير المناسب... وليست هناك مجالس قروية ولا مجالس حضرية تدس أنوفها في كل شاذة وفاذة، ويتولى أعضاؤها المنتخبون كل الأمور، وقد يقيمون الدنيا ويقعدونها بسبب أي حادث... هناك فقط القائد والخليفة، وهو طوع يد الضابط الفرنسي، المواطن اليقظ، العارف بالنفسيات الخبير بالأحوال والتقاليد والأعراف.
لقد سرت (مدام مارتان) بالمقترح، وإلى حد كبير، وقامت من فورها تعد نفسها للرحيل، إن الحياة ستبدأ من جديد، ففي بلاد الشمس (المغرب) تتحسن الصحة، وتتنور البشرة، وتستقيم القامة. فالخير ـ هناك ـ عميم، إذ الأشياء الصالحة متوفرة ورخيصة الثمن، واليد العاملة متراكمة، بل وتتسابق إلى الخدمة متنافسة، متهاودة في الثمن، وبذلك يمكنك أن تنتقي منها ما تشاء حسب اختيارك الدقيق. لقد عودهم الأروبيون الموجودون بينهم على أن يتسابقوا إلى خدمتهم، وأن يتفانوا فيها، يمتلؤوا إعجابا بذكاء الأوربي وحذاقته وتسلياته وبجبروته وسلطته. ... هكذا قالوا لها، وهي متشوقة إلى جو تكون فيه سيدة مطاعة، نافذة الكلمة مرهوبة الجانب، تقدم لها الخدمات في كل وقت وفي كل الأحوال!
وإذا كان هذا كله خطر في بالها، فإن شيئا منه لم يخطر ببال زوجها، فهو موظف متقاعد عن الخدمة بوزارة الفلاحة في فرنسا، يعرف ما له وما عليه. لا يتساهل في واجبات الوظيفة، بل يخشاها خشيته لشيء خطير. انه مطيع وصارم، في نفس الوقت. عادل ومتشدد بلا هوادة. وقد ترك له هذا التصرف ذكرا حميدا في إدارته التي تركها بعد خدمة ثلاثين سنة. لهذا لم يخطر بباله أشياء من النوع الذي خطر في ذهن زوجته... لا. خطر في ذهنه فعلا محيطه الأروبي الذي سيتركه. والأشياء الجميلة التي تعود عليها: كأس القهوة بين الحين في باحة مقهى (لاكوميدي)، وغذاء الأحد صحبة زوجته أو أحد خلصائه بمطعم (الديك الصداح) بالضاحية، ثم تلك المهرجانات الحافلة التي تقام بين فترة وأخرى، فيشبع فيها كل إنسان ذواقة مثله أنسا وضحكا ومخاصرات وتسليات... ولكن لا بأس، يمكن للإنسان أن يتردد على أرض (أم الأوطان) بعد أيام الجني والحصاد، وخلال أيام همود الطبيعة، وكلما دعت الضرورة إلى ذلك، أو اشتد الحنين، فما هي إلا رحلة يومين بالباخرة... غابت هذه الخواطر، ومضى في سيره وانتبه إلى تناغم خطواته المضبوطة مع نقرات رأس المظلة الحديدي فوق الأرض.
وعند مقر (الغرفة الفلاحية) وجد العديد من السيارات مصطفة، اصطفافا، وكلها مكسوة بطبقة من الغبار اعتراها خلال الطريق، وهي تطويها من جميع الأنحاء نحو مدينة الرباط العاصمة، وعند المدخل الرئيسي وجد القوم مجتمعين، يدور بينهم حديث تطاير البصاق، وتكاثر نفث الدخان من السجاير والسيكارات والغلايين... وبما أن المسيو مارتان لم يكن مجهولا من بعض هؤلاء القوم فقد استقبلوه بشيء من البشاشة، ثم انقلبوا يتهامسون بالتعريف باسمه، وبوظيفته السابقة كموظف من موظفي وزارة الفلاحة الفرنسية المحنكين الواسعي الخبرة. وكأن بعض هؤلاء تشاءموا من وجوده. كموظف من فرنسا، لم يغادرها إلا منذ شهور قليلة، لذلك خاطبه أحد المعروفين بوقاحتهم وتعابيرهم الفجة، التي تخرج من فمه كأنه قعقعة عربة عتيقة. وقال:
ـ نرحب بالمسيو مارتان بيننا، على أن يتأقلم مع أرض المغرب الفرنسي. ليذكر دائما أنه ليس في أرض فرنسا، وإنما هو في إحدى مستعمراتها. أحذره، بل نحذره جميعا، من الخلط والالتباس ومن النسيان، ومن وضع الأمور في غير محلها.
أراد المسيو مارتان أن يرد على هذا الجفاء بجفاء مثله، ولكنه صان لسانه، واحتفظ بأقواله لمناسبة أخرى.. واكتفى بأن قال:
ـ (برافو مون فيس) مرحى يا ولدي.
ومضى الوقوح يثرثر:
ـ أنا معك في موضوع الديمقراطية عندما تطأ قدماي أرض فرنسا، ولكني هنا أمقت هذا الاسم، وأكره من يجيله في خاطره، فأحرى أن يدعو إلى تطبيقه على أي وجه من الوجوه. إن هذه الأرض مستعمرة رومانية سابقة. ونحن هنا لممارسة سيادة أجدادنا السابقة، ولا من يزحزحنا عن خطتنا، كان شأنه كبيرا أو كان صغيرا. الرأي الأخير لنا، ولنا وحدنا،... إياك يا مرتان أن تعيش مع الأوهام والأحلام والمبادئ.
ـ شكرا لكم على هذه البيانات المهمة، هل من مهلة يا سيد شارل؟
ـ لا تمهل في الأمر، إما أن تكون معنا، وإلا جعلناك في صف هذا المسمى (بونصو) المقيم العام.
اهتز المسيو مارتان من هذا النبز في ممثل فرنسا بالمغرب. فهو ككل فرنسي قح يحترم الرؤساء، المباشر منهم والأعلى... لذلك رد هذه المرة:
ـ لنجعل حديثنا في نطاقه المحدود يا سيد شارل، فمهما بعدنا عن الديار فلا ينبغي أن ننسى المبادئ والأصول... هذه المبادئ والأصول هي أنفس من كل الأراضي والمياه والمغروسات ومطامع الدنيا كلها.
ـ لم تنس بعد دروسك بالمدرسة، قلنا لك فرنسا هناك، أما هنا فمغرب فرنسا، هل أشرح لك الفرق!
ـ لا مواخذة... إنني قليل المجاملة، في الحق خاصة!
ـ أه... هـ...م
ـ هيا، فمسيو (مورلو) يدعو لافتتاح الجلسة، تعال يا مسيو مارتان واستمع إلى الرجال الشجعان.  كيف يبحثون الأمور، وكيف يقدون الأفكار النافعة وكيف يعدون المشاريع للتنفيذ.. هيا..
ـ لم تجد غيري في هذا الصباح يا شارل.
ـ كيف أتركك وأنت جاري، ضيعتك بجوار ضيعتي... من اليوم، أنا منافسك وخصمك ـ إن شئت ـ ومساعدك ومعضدك ومستشارك الخاص إذا رغبت.
لم يكن الواقفون أمام باب القاعة المخصصة للتجمع إلا قلة، أما الكثرة فكانت بالداخل، فيها عديد من الحاضرين والحاضرات، فلاحون وزوجاتهم، وفلاحات مع أزواجهن، ومتعاشرون ومتعاشرات الذين لا تربطهم روابط ملزمة، وإنما روابط الصداقة والمؤانسة وتبادل المنفعة... صدمه ـ أول ما صدمه ـ منظر النساء المسترجلات اللواتي يرتدين الألبسة غامقة الألوان، الخشنة الملمس، من جملتها سراويل لاصقة بالأجسام، من نوع السراويل التي يرتديها الفرسان وهم على صهوات جيادهم، وأدهشه أن البعض منهن ارتدى قمصانا وأربطة عنق وبذلات، وهن مقبلات على ارتشاف السجاير بشراهة... ان هذا المنظر أثار في نفسه التقزز والاشمئزاز.
إن الفرنسي بطبعه لا يستقبح منظر أية امرأة، فهو يبحث عن مبرر لتقدير مزية من المزايا، ولو كانت بسيطة، يبحث عنها في الصوت الجميل ذي الرنة الفريدة، أو بريق العينين الذكيتين اللماحتين، أو لون الشعر وتسريحته، أو في استواء القامة وطراوتها، أو في السلوك اللبق واللفظ المهذب والإشارة الحاذقة... غير اللطيفة... إنهن أشبه ما يكن بالبغلات!
وقف المسيو (مورلو) في المنصة فساد الصمت للحين، فلكان الضربة التي ضرب بها الطاولة التي أمامه كانت ضربة على رأس كل واحد منهم!
قال: «تعرفون الدواعي التي دفعتنا إلى عقد اجتماعنا، أود أن أذكر بها من لا يعرفونها. إنها محاولات الإقامة العامة للجمهورية الفرنسية بالمغرب للتضييق بنا، وذلك بفتح الحوار وباب المذاكرة مع الأهالي، والإنصات إلى ثرثراتهم التي يدعون أنها شكايات... ثم فرض نصوص وقوانين ليس معهودا أن يعمل بها في المستعمرات. إني من هذه المنصة أوجه الكلام إلى سعادة المسيو (بونصو) المقيم العام لفرنسا بالمغرب، لأقول له بكامل اليقين والثقة.
إن الأراضي التي بين أيدينا هي ملك لنا، اشتريناها بالمال الذي كسبناه بعرق جبيننا، والقوانين وعدول الشرع شاعدون بذلك في مختلف القبائل، هذا فيما عدا البقاع التي يقتضي الأمن وسلام أراضينا حيازتها، فإننا عندئذ نحوزها وجوبا، ومهما كانت الموانع، رضي الضباط الممثلون للسلطة أو لم يرضوا.
يجب أن يعلم ـ ممن لا يعلمون ـ أن كثيرا من الأراضي كانت بورا، يملأها الشوك والحسك والأحجار، وبفضل خبرتنا وحزمنا وعزمنا حولناها إلى جنان، سخية العطا... فلا يمكن، ولن يمكن أن نفتح حوارا حول هذه الأراضي بأي وجه من الوجوه.
المياه، مياه الأنهار والآبار والعيون من حقنا أن نستغلها، ولنا ألا نسمح لغيرنا باستغلالها دون موافقتنا، فيما عدا طائفة من الأهالي الأصدقاء المعقولين، وكل قطرة تمر بجانب أو وسط أراضينا يجب أن نستغلها. وما قضية مياه (أبي فكران بغائبة عنكم، فلتسقط كل الأقوال والتخويفات حول موضوع الأرض والمياه...
إني أفتح المناقشة... عفوا، قبل أن أفتح المناقشة أطلب منكم أن تعينوا كاتبا للجلسة.
هنا صاح المسيو شارل:
ـ من بيننا أحد المحنكين الإداريين، الذين قدموا منذ قريب من الأرض العزيز فرنسا، إنه جديد على جمعنا، ولكنه مساند لحركتنا تماما، ومستعد لتفديتها بالروح والمال... هيا يا مارتان!
ارتبك المسيو مارتان، وحار في اتخاذ الموقف المناسب، خصوصا وأن الفضولي شارل ورطه. ولما وجد الأنظار كلها متعلقة به، وضع يده في جيبه يبحث بها عن قلمه الغزار... وقصد فورا المقعد المخصص لمقرر الجلسلة.
سجل ستة متدخلين أسماءهم للتحدث أمام الجمع، وطرح طلب بأن يبقى سجل المتدخلين مفتوحا، على أن يختم النقاش مسيو (مورلو)...
تقدمت كهلة، أقرب ما تكون إلى سن الشيخوخة، مصطنعة شيئا من الجد، وعند وقوفها وراء المنبر أطلقت ضحكة منفردة، خصوصا وأنها كشفت عن أسنان لها كبيرة صفراء غير منضدة، ولم لها شعور بأي نقص من جهة أسنانها البشعة، وإنما شعور بالرضى والفخر بشعرها الذهبي الحريري اللامع، التي تخصص له عناية مستمرة، وتعمد في كل موقف ومجلس إلى مداعبة خصلاته، بتركها تتدلى إلى الأمام بين الحين والحين، ثم تعود فترجعها إلى مكانها بغاية الرفق والاعتناء... وقفت هنيهة، وقد غاب عنها ما تريد أن تقوله، ومع ذلك لابد لها أن تقول شيئا:
ـ سادتي ـ أهيء ـ سيداتي... إن الفيلات داخل الضيعات التي نملكها، ليست هي الفيلات في المدن، فهذه أنيقة نظيفة جوها لطيف، بينما الأخرى تدخلها الأوساخ والحشرات والروائح ـ معذرة ـ بمجرد أن يفتح باب أو نافذة، ولذلك تروننا متعبات جدا جدا، لو تأملتم أيدينا ـ ولاشك أنكم تأملتموها ـ لوجدتموها عامرة بالشقوق واللطخات، يا حسرتا على أنامل وأكف أيام الشباب والفتوة، بأرض الوطن السعيدة الرخية... إنه يمكنني أن أتكلم في هذا المشكل نصف يوم، ولكنني أكتفي بما أشرت إليه... كل ما أطلب هو أن تبقى فبضتنا على (الفاطمات) محكمة، وسيطرتنا عليهن تامة، فنحن نساء الضيعات لا نقبل أي تدخل كيفما كان.. أؤكد لكم أن الرجال المستخدمين لديكم أسهل قيادة من هؤلاء المستخدمات، وعلى كل حال فنحن نعاملهن بما يستحققن، فما عليكم أنتم الرجال إلا أن تكونوا في مستوى المسؤولية... (تصفيق حاد، مع زمجرات الاستحسان).
أعجبة الكهلة هذا الذي نالته من الذي نالته من التقدير، وأرادت أن تزيد من الكلام الحلو الذي قالته، ولكن رئيس الجلسة (مورلو) غمزها اشعارا بالاكتفاء، فاكتفت، وسارت إلى مقعدها تخالجها إحساسات جميلة، من تقديرات الزملاء والزميلات، ومن غمزة الرئيس، والتفتت بمجرد جلوسها فوجدت القوم تشاغلوا عنها، وتطلعوا بأعينهم إلى الخطيب الجديد (موريس) وما أدراك ما (موريس).
سار موريس ضخما، عالي الأكتاف متدلي البطن، ينضح وجهه بالسلامة والعافية، وإن كانت الملامح قد انتفخت بفعل السمنة والخمرة، فتداخلت في بعضها، واختفت مميزاتها، وأصبح الوجه كله عبارة عن مكورات ومستديرات وفتحات... قال موريس:
ـ أنظروا إلى قبضتي هاتين، ضخمتين بلا شك، إني أكسر بهما جوزة وأفتت شجرة، وأقطع أذن أخمد. (ضحك وصخب ثم تصفيق حاد).
... صدقوني أنني أقتلع أذن أي (أخمد) أظهر العصيان، أو حاول يتقدم بطلب حق. في ضيعتي ثلاثة (أخمدين) قلعت لهم آذانهم، ثم سمحت للطبيب بإجراء عمليات جراحية لهم... إن على السيدات ألا ينزعجن، فيدي أحيانا ألين من حرير مدينة ليل... صدقنني أن جسدي الضخم ـ سحقا لمناخ المغرب الذي يجيئه الإنسان مريضا حتى مسلولا فينقلب إلى رجل يتضخم بتوالي الأيام، كالثور تماما ـ إن هذا الجسم الذي أمتلكه أستطيع أجلس به على أجسام بعض الناس عندهم هنا في الرباط، فأخنقهم ولا يعودون إلى إزعاجي بالمقترحات والنظريات... وأيضا أريد أن أتوفر على مدفع أحمله على كتفي وأذهب إلى فاس وسلا ـ هذه القريبة ـ وإلى الرباط بالذات وأخرج بعض القذائف، إن هناك بعض الفتيان يزعجوننا، أما أنا فلا أحمل لهم هما، بإمكاني أن أطلق النار وحدي فأمحق الجميع، إذا كان لابد من مؤنس ومن مساعد، فإني ادعو للسيدة التي سبقتني، أستأنس بسحر وجمال شعرها (ضحك وزمجرة استحسان ثم تصفيق حاد).
السيدة مانديز اتجهت إليها الأنظار لتلحظ تأثير التغزل العاري الذي قيل فيها، وهذا ما أدى بها إلى الارتباك، ثم إلى شعور بالدلال بعد حين، وعندئذ أطلقت زعقة منكرة.. ساد بعدها الوجوم والسكون المطبق، وتعلقت الأنظار بالقادم الجديد...
كانت خطوات القادم مضبوطة قوية. تدل على شخصية مسيو (نوايو). لكن كان عتيدا بقامته المديدة ووجه الصارم ونظراته الحادة.
هنا أقبل المسيو مارتان على أوراقه التي كانت ماتزال فارغة أمامه وقال:
ـ يظهر أنني الآن سأكتب شيئا يستحق الكتابة.
جهر المسيو نوايو:
ـ أريد أن أعبر عن أفكاري بوضوح وإيجاز وجدية.
أولا: أعارض تأسيس المدارس الفلاحية القروية، التي تخصص في برامجها حصصا لتعليم الفلاحة العصرية.
ثانيا، أعارض بقوة في دخول أبناء الأهالي إلى المدارس الفلاحية الثانوية، وفي التحاق أبناء الأعيان بالمدارس العليا الفلاحية في فرنسا، إن في ذلك خطرا على مشاريعنا الاستعمارية وخططنا للمستقبل بهذه البلاد التي أخرجناها من العدم...
ثالثا، أرجو أن ترسل وفود لزيارة الجزائر، لدراسة أساليب العمل عند مواطنينا بهذه البقعة من أرض فرنسا. كما أرجو أن ترسل وفود لزيارة جنوب أفريقيا ـ مثلنا الأعلى ـ فالخطة هناك محكمة وكل افريقي هو في خدمة الأبيض، فالافريقي لا يمكنه أن يعمل حرا، لابد له من رجل أبيض يسوقه إذ لو ترك فإنه ينام حيث هو واقف،
رابعا، أبلغكم ـ عن طريق مصدر مطلع ـ أن جنرالا حازما سيحل بالإقامة العامة، ولهذا دعوا هذا المخرف الأشيب المسمى (بونصو) يقضي ما تبقى من الأيام مستدفئا بأشعة الشمس مقر ماموريته الأخير بالريزيضانص (فيلا لوريش).
خامسا، عليكم أن تكونوا لجنة حازمة قوية الشكيمة جهيرة الصوت، لا تخاف ولا تتردد، وعليها أن تحصل على المساندة من الغرف الصناعية التجارية لتكون الخطوات متناسقة والخطة موحدة.
إننا إذا لم ننظم صفوفنا من الآن فسيتعاظم الخطر من حولنا، وكما يقول مثلهم (النار العظيمة من الوقيدة الصغيرة).
سادسا، أدعو إلى التعبير عن احتجاجكم باتخاذ موقف خارق للعادة لافت للأنظار...
قال شارل:
ماذا تقترح علينا يا سيد نوايو؟؟
ـ اقتراحي أرجو أن يقبل بالجد لا بالضحك، وأن ينفذ فورا.
ـ ما هو؟
ـ هو أن نستدعي جماعة من الحلاقين.
ـ جماعة من الحلاقين؟
ـ نعم جماعة من الحلاقين تحلق لنا الرؤوس، ثم نخرج إلى الشوارع بهذه الكيفية المثيرة، وستكون جموع المستوطنين الفرنسيين معنا، وهنا يقدر (بونصو) مقدار الضرر الذي يريد أن ينزله بنا.
ـ اقتراح وجيه يا سيد نوايو، وأنا أول المحلقين، مع رفع القبعة.
بكيفية عفوية، مرر مسيو مارتان راحته على شعر رأسه الناعم المرجل على أحسن حال، كما داعب شعيرات فوديخ المشذبة، وشعر في داخله بامتعاض لا مزيد عليه.
قالت السيدة منديس:
ـ نحن النساء لا يمكن أن ننفذ هذا المقترح... ابحثوا لنا عن وسيلة نعبر بها عن احتجاجنا.
قال موريس الوقوح:
ـ امسحن الكحل على أعينكن، والأحمر عن شفائفكن وأحللن المشدات عن صدوركن... عن السيد بونصو سيموت حسرة عندما لا يجد صدورا منتصبة أمامة!
قالت مدام منديس:
ـ اخسأ يا سيد موريس... أنت تؤذي أسماعنا.
ـ عفوا سيدتي، لم أقصد إذاية أية حسناء من بينكن... آه سأذهب حالا إلى الحلاق البرتغالي ليحلق لي رأسي حلقا تاما... سأكون قدوة.
اكتفى المسيو نوايو بمقترحاته المحددة بست نقط. ومضى إلى مكانه. وهنا خالج ضميره المسيو مارتان عزة عنيفة. فالتقط الست كلها متطرفة، ولا تدل على تقدير لحقوق الغير.
على كل حال سجل الأفكار الرئيسية، ثم علق بصره بالشخص الموالي، وكان شخصا هرما يتجلى العجز في مشيته، ولما بدأ يتكلم كان صوته خفيضا. وهنا صاح أحدهم، لاشك أنه شارل:
ـ ارفعوا أصواتكم، أو عودوا إلى مكانكم، ليس المحل محلا للمرضى والعاجزين.
فأعاد من الأول:
ـ ان ما سأقوله لكم نابع من قلبي الإنساني ومن ضميري الفرنسي... إنني من أجل فرنسا حملت السلاح خمسا وعشرين سنة، ذقت مرارة الأسر والجوع والمشاق المنهكة... وآسف أنني لم أمتهن الفلاحة إلا بعد ما فنيت صحتي، لكن أولادي كانوا خير عون لي..
كان شارل مازال لم يغادر القاعة فعلق بصوت مسموع وهو عند الباب:
ـ هل تتحدث عن أولادك من زوجتك (الروكية) لقد سحرتك هذه المرأة حتى صرت طوع يمينها، أيها الشيخ (جوان) زد زد... أنا رائح.
لم يعلق الشيخ جوان على أقوال شارل السفيه، وإنما تابع:
إن الأهالي المغاربة فلاحون بطبعهم، كسابون بطبعهم، يحبون الأرض ويفرحون بإنتاجها، ولا تنقصهم إلا الخبرة التقنية الجديدة... وكما نستفيد من تقنيات أمريكا وكندا وأستراليا فإنه من حسن المعاملة أن نعلم... .. (مقاطعة، وصخب وضجيج وضرب بالأيدي على الطاولة).
قال أحدهم، وهو ذو صوت أجش:
ـ سيد جوان انزل، واجعل موتك يتم على فراشك الوثير، لا على طرقة أخرى.
ـ أنا لا أعبأ بالتهديد، مسدسي معي، فأي جبان يحلو له أن يؤذيني عليه أن يتقدم (سكوت مطبق، وشيء من الرعب، وصرخة مكبوتة أطلقتها بعض النساء...)
واغتنم السيد جوان السكوت فمضى يقول:
ـ سيغيب وجهي، ويغيب وجه أمثالي، ولكنكم إن لم تحسنوا المعاملة فتغادروا هذه الأرض حتما طال الزمن أم قصر. تغادرون قصوركم وضيعاتكم وكل مكتسباتكم، لن تحملوا معكم إلا المتاع، أما الأرض فستبقى هنا لأهلها.
يقول البعض نحن ورثة الرومان، مع أن الورثة الحقيقيين هم الإيطاليون، فعليهم أن يعودوا ويستولوا على فرنسا وإسبانيا وأقطار أخرى ومن جملتها المغرب... أي منطق؟ إن الأرض مغربية، وأهلها واعون وذوو غيرة، لهم دينهم وأنا لست داخلا فيه، ولهم لغتهم وأنا أجهلها، ولهم حضارتهم وأنا لست مشغوفا بها، ولهم تقاليده وأنا أحترمها ولا أتقيد بها... قال شارل، السفيه المعروف كلاما عن زوجتي المغربية... فخذوها كلمة صريحة، إني معتز بهذه الزوجة، بتصرفاتها، بحسن تدبيرها وطبخها ونظافتها، طبعها هو الصفاء والإخلاص والتفاني بأجلى معنى، هي في سن الكهولة، ولها رونق الشباب وبهاؤه... إنها سعيدة، وتستطيع منج السعادة... بقيت مسألة حلق الرؤوس، وهي أضحوكة ستحفظها الأجيال للذين اقترحوها، ربما يأتي زمن يكتب فيه المسرحيون والقصصيون، ويرسم الرسامون مناظر هذه المهزلة، وهكذا يضحك الناس من سخافة عقول بعض الفرنسيين، أبناء العقل والحكمة. لن أشارك في هذه المسخرة، وأتمنى ألا أرى مثل هذه الوجوه مرة أخرى...
خرج الشيخ جوان وحده، غير مشيع ولا مضايق، وسار إلى سيارته وحرك دوالب المحرك ومضى.
سكت الرئيس المسيو (ويلو) فترة بعد خروج هذا الرجل، وتنبه إلى ضرورة مواصلة الأعمال ونادى على المتكلم الخامس.
والواقع أن هذا المتكلم الخامس أتعب الجالسين بطول حديثه، وغموض عباراته، وبكثرة تطلعه إلى ورقته...
والخلاصة التي خرج بها المسيو مارتان المقرر، هي هذه:
«إن الفلاحين الفرنسيين نشطون، وهو منهم، ومتمسكون مثله بأراضيهم، وأنه يفرض سلطته على العمال، كما تفرض زوجته على (الفاطمات) ولا تترك لهن فرصة لرد النفس إلا عند غروب الشمس، أما الأولاد فيركبون أقفية أولاد العمال، ويجعلون منه شبه حمير أو بغال أو نحو ذلك!
وكأن الخطيب شعر بفتور الجو من حوله، فرفع صوته ونادى:
ـ أ}يدكم في مسألة حلق الرؤوس، وسأكون أول المحلقين...
قام سادس الخطباء وقال:
ـ (اكتفي بما قال زملائي من قبلي من أمثال: السيد مورلو، والسيدة مانديس، والسيد شارل، والسيد نوايو، والسيد جوان (همهمة وضجيج).
ـ عفوا، إنني لا أوافق على أقول السيد جوان المخرف... أوافق تماما على حلق الرؤوس، كما أوافق على السيرة إلى مقر مأمورية المقيم العام المسيو بونصو، للاحتجاج على تصرفاته نحو المعمرين العاملين الحازمين، ونطالب الحكومة الفرنسية أن تعجل بإرسال الجنرال، المقيم الفرنسي الجديد (تصفيقات حادة).
قال الرئيس:
ـ هل من متكلم آخر؟ لا أحد؟ طيب. المقترح الرئيسي (أن نحلق رؤوسنا، ونتوجه إلى الإقامة العامة). (تصفيقات حادة، وهتافات التأييد).
خرج الرجال يتسابقون إلى صالونات الحلاقين، بينما بقيت النساء متضايقات من هذه العزلة التي فرضت عليهن، والتي جعلتهم عاجزات عن أي تصرف.
في نفس الوقت انشغل المسيو مارتان بجمع أوراقه ومراجعة ما كتب، وفي داخليته عزم على ألا يحلق شعره مهما يكن من أمر. وما تنبه إلا وشارل واقف عند رأسه، محلوق الرأس بشكل يثير الضحك وصاح:
ـ ألم تذهب بعد يا سيد مارتان لحلق رأسك؟
ـ لا لم أذهب بعد، ما رأيك ـ ونحن وحدنا ـ في أن نعقد صفقة بيع وشراء.؟
ـ بيع وشراء ماذا؟
ـ ضيعتي...!
هل تقبل مليون ومائتين من الفرنكات...
ـ أريد ملوينا وثلاثمائة..
ـ موافق.
وحرر السيد شارل شيكا لدى (كريدي ليوني) بالمبلغ المتفق عليه، وقبل أن يسلمه الشيك قصدا إلى مكتب الموثق، ومن هناك إلى البنك حيث تسلم المسيو مارتان المبلغ نقدا.. وعندئذ كان وقت المسيرة المحدد قد فات...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here