islamaumaroc

أضواء على ديوان الحسنيات

  دعوة الحق

174 العدد

الشعر المغربي الحديث يتعدد مضمونه بتعدد التطورات الوطنية والاجتماعية والفكرية التي تبرز بالمغرب من حين لآخر ويتجاوب شعراؤه مع جميع الأحداث السياسية والإنسانية التي يعيشها المغرب كل فريق منهم حسب عمق تفكيره ودقة تعبيره ومتانة أسلوبه وأناقة صياغته وشكلية قالب قريضه.
وأبرز الأشعار في دواوين الشعر الحديث هو الشعر الوطني الذي يتحدث عن الأمجاد الوطنية ويتغنى بالبطولات المغربية الخالدة ـ في ميدان الاستشهاد والفداء من أجل العزة والوحدة والكرامة ـ ويدعو إلى نهضة شاملة في الميادين الاجتماعية والثقافية.
وتعد «العرشيات» دائرة رحى هذا الشعر الوطني الأصيل، فقد كان شعراء عهد «الحماية» وشعراء صدر الاستقلال يعربون عن عواطف الإخلاص والوفاء والولاء للعرش كلما أشرقت شمس عيد العرش على هذه البلاد. فقد كان حلول هذه الذكرى يثير قريحتهم الشعرية ويذكي حميتها للتعبير عن مكنونات أنفسهم ولبلورة أحاسيسهم نحو أمجاد هذا العرش ومفاخر صاحب العرش. فجاءت قصائد عيد العرش طافحة بالآمال والأماني و«فيضا» من عواطف الولاء والتأييد.
وفي هذه الفترة الحاسمة من تاريخ المغرب الحديث جرت العادة أن تجمع القصائد الشعرية التي أنشدت في مدح عاهل المملكة في ديوان تخليدا للأمجاد والمفاخر التي حققها السلطان العلوي، من ذلك أن المؤرخ الكبير المولى عبد الرحمان بن زيدان العلوي قام بجمع القصائد التي نظمها الشعراء في السلطان المقدس مولاي يوسف رحمه الله في ديوان سماه: «اليمن الوافي في مدح الجناب اليوسفي».
وفي عهد الملك المقدس محمد الخامس رضوان الله عليه جمع العلامة الأستاذ السيد عبد السلام الفاسي «العرشيات» في ديوان سماه: «ديوان العرش» (طبعت السلسلة الأولى منه في سنة 1948).
وقد قام بعض الشعراء أنفسم بإخراج قصائدهم التي مجدوا فيها العرش العلوي ضمن دواوينهم الشعرية: فقد أصدر الوزير الفقيه المعمري الزواوي رحمه الله ديوانا شعريا سماه: «حسن الوفاء لآل البيت النبوي في مآثر ملوك العرش العلوي? ويضم هذا الديوان قصائد في مدح السلطانين المقدسين مولاي يوسف ومحمد الخامس ـ تغمدهما الله برحمته ورضوانه. وجلالة الملك الحسن الثاني ـ أطال الله عمره ـ. وقد خلد هذا الديوان عدة أحداث تاريخية عاشها البلاط الملكي في عهد الملوك الثلاثة.
ونقرأ للشاعر السيد إدريس الجاي في ديوانه «السوانح» قصائد مديحه في السلطان المقدس محمد الخامس وخلفه الصالح المصلح والتي سماها «الحماسيات»، وسار على نفس المنهاج ـ فيما بعد ـ الشاعر الكبير الأستاذ مفدي زكرياء الذي أخرج ديوانه في جزأين سماه: «من وحي الأطلس» ضمنه قصائده الرائعة التي أنشدها في هذا المضمار وانطلقت «تتكلم بالأمجاد».
وعندما بدأت مسيرة مغرب الحسن الثاني تخطو خطواتها العملاقة في مجالات تركيز السيادة المغربية والوحدة الوطنية، ودعم النهضة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وتعزيز مركز المغرب في المؤتمرات والتجمعات الدولية سار شعراؤنا في تيار الموكب الزاحف تستأثر هممهم بجميع الأمجاد التي يحققها المغرب ملكا وشعبا في مختلف المجالات، وجاءت أشعارهم صورة ناطقة وضاءة لملحمة الحسن الثاني وشعبه الأبي في المغرب الجديد.
فقمنا بجمع شتات هذه القصائد والأشعار المنشورة هنا وهناك، المحفوظة منها في الدواوين السالفة الذكر أو بين دفات الصحف والمجلات، فكان ديوان «الحنسيات».
ولغزارة القصائد والأشعار التي أنشدت في مدح الجناب الشريف لم يكن «الحسنيات» «ديوانا» لمجموعها وإنما جاء كباقة شعر ـ ستتلوها باقات أخرى بحول الله ـ لجلي القصائد التي جادت بها قرائح شعرائنا ليس فحسب كلما حلت ذكرى عيد العرش المجيد بل في جميع المناسبات التي يبرز فيها للوجود مشروع جبار أو حدث هام في الميدانين السياسي أو الاقتصادي.
وعندما يتغنى شعراء ديوان «الحسنيات» بالحدث الجلل ويقدموه إلينا في أجمل صورة وأبدع خيال يتوجون قصائدهم بالتعبير عن مشاعر النبل والإكرام نحو جلالة الملك «المطبوع على كامل الشمائل وحسناها المخصوص من المقامات بأحسنها وأسناها». إذ أن كل ما يحقق في هذا البلد الأمين من منجزات جبارة وأعمال بارة هي في أول أمرها من بنات فكره ومن وحي عبقريته.
وبذلك يدون شعراؤنا الحدث الهام في إطار شعري جميل ويثيرون بذلك الحمية الوطنية في نفوس شبابنا لكي يتحمسوا لهذا الحدث ويتفهموا أبعاده، وأن من الشعر لحكمة!.
فنجد شعراءنا في «الحسنيات» يتحدثون ـ بلغة الشعر ـ عن المملكة الدستورية وعن ذكريات «20 غشت» وما توحي به من معاني سامية، وعن دور العرش في إجلاء الجيوش الأجنبية عن المغرب وعن الإصلاح الفلاحي والزراعي، وعن حركة بناء السدود وثمارها، وعن النهضة العلمية والفكرية، وعن الأعمال الجبارة والبطولية التي تقوم بها قواتنا المسلحة الملكية في الداخل والخارج، وعن حماية الدين ورفع رايته، وعن المؤتمرات العربية والإسلامية والافريقية التي حضنها المغرب ورعاها عاهله المفدى، وعن معركة الصحراء الخالدة ومسيرتها الظافرة.. إلى غير ذلك مما لست أذكره، فظن «خيرا» ولا تسأل عن الخبر!
هذي وتلك وهذي كيف أحصرها
                           الفضل عم فلا يوفيه تبيان
فجاء ديوان «الحسنيات» سجلا تاريخيا لأحداث عامة وتطورات ثورية عاشها المغرب الحديث وصورة ناطقة لتحديات الحسن الثاني وشعبه الوفي ضد الجهل والفقر والمرض والحروب وجميع أنواع التخلف. كما أعطى ـ من خلال أشعاره ـ صورة أخرى واضحة عن الشعر المغربي الحديث في مجموعه وعن القصيدة المغربية في مضمونها وشكلها.
ولما كانت أشعار ديوان «الحسنيات» وليدة اهتزاز نابع من أعماق القلب ليقع في القلب دون اجتداء أو رغبه في النوال كانت أشعار الحقيقة والواقع لا أشعار الأحلام والخيال. إذ كان هدف مبدعيها الأسمى هو مشاركة الفكري المغربي في تمجيد ما يحققه «المغرب الجديد» ملكا وشعبا ـ في مسيرة التنمية والنماء ـ لأجل تشييد معالم الرقي والاستقرار وتيسير أسباب النمو والازدهار.
وجزى الله عنا شعراءنا خيرا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here