islamaumaroc

الالتزام بالأصالة والتشبث بالكرامة

  دعوة الحق

174 العدد


وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين:
«ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما»* نسي آدم عليه السلام وحواء، والنسيان آفة الإنسان ومشكلته العصية قديما وحديثا. نسيا التحذير الإلهي وأكلا من الشجرة المحرمة بإغراء من الشيطان واستجابة لدعوته التي صورت لهما الأكل من الشجرة خلودا وملكا لا يبلى. (ودعوة الشيطان اليوم هي كل دعوة تهدف إلى فصل ارتباط الإنسان بالسماء، وتوهمه أن الحياة الأرضية خالدة، ولا شيء غيرها). فاهبطا إلى الأرض التي هيأها الخالق سبحانه لتكون لهما ولأبنائهما مستقرا ومتاعا إلى حين. وتناسل الأبناء وتفرقوا في الارض وتشعبوا شعوبا وقبائل وأمما ومجتمعات. وطال الأمد، وقست القلوب، ونسي الناس ماضيهم السماوي وكفروا بربهم، ونسوا أصلهم المشترك فطغى  بعضهم على بعض وبغى. والإنسان عند ربه كريم رغم زيغه وبغيه وضلاله وانحرافه. فكان لابد من تذكيره وهدايته وإرشاده، تحقيقا لقوله تعالى: «..اهبطوا منها جميعا، فإما ياتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون»1 وهكذا توالى الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه2. وكل واحد منهم يحمل لقومه رسالة ذات شقين: عقيدة3 تذكر الإنسان بربه، وتعيد ربط صلته به، وتنظم علاقته معه، وشريعة4 تنظم علاقاته بأخيه وبالمادة والكون وأضيفت إلى رسالة المتوسطين وما بعدهم مهمة التذكير بما أصاب الأمم التي كذبت رسلها5. وبلغت الإنسانية رشدها، ووضعت اللبنة الأخيرة في بناء الرسالات، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم خاتما لها6، وبشيرا ونذيرا وسراا للإنسانية كافة7 عليه السلام لتخالف رسالات سابقيه صلوات الله عليهم وسلامه. وهم الذين كانوا عنه نواب8ا وبه مبشرين9. والذي يرجع إلى القرآن الكريم يلاحظ إلحاحا متزايدا على التذكير، فلا تكاد تخلو سورة من لفظ التذكير أو مشتقاته. وأرى من المفيد إيراد البعض على سبيل المثال ـ والتذكير أيضا ـ: «فذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى»10 «فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر»11 «ولقد يسرنا هذا القرآن للذكر فهل من مدكر»12 ولقد وصرفنا في هذا القرآن ليذكروا»13 ووصف الله القرآن فقال عنه سبحانه: «إن هو إلا ذكر للعالمين»14 «وإنه لذكر لك ولقومك»15 «المص، كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين»16.
وهكذا كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تذكيرا. تذكير الناس بأصلهم السماوي17 فيرفعوا رؤوسهم إلى أعلى، وتذكيرهم بخالقهم ليعبدوه ويطيعوه، وتذكيرهم بأصلهم المشترك ليتحابوا ويحسنوا المعاملة، وتذكيرهم بما أصاب المكذبين بالرسالات ليرعووا ويتقوا العذاب الدنيوي والأخروي
والتحق محمد عليه السلام بربه بعدما مهد الطريق18 الذي رسمه القرآن الكريم للبشرية قاطبة. وطال الأمد وقست القلوب19، وانحرف الركب وزاغ. فكان لابد من مذكر يذكر الناس بالمنهاج الذي خطه الخالق لعباده، ويرشدهم إلى سبيل القرآن الكريم والسنة النبوية وصراطها السوي السليم. وهكذا توالى المجددون والمصلحون الذي وعد عليه السلام يبعث أحدهم على رأس مائة. منهم من ظهر واشتهر ومنهم من أدى مهمته دون أن يذكره أحد. من الإمام الغزالي إلى محمد بن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب إلى محمد بن علي السنوسي، غفر الله لهم أجمعين.
ومن المولى إدريس إلى عبد الله بن ياسين إلى المهدي بن تومرت إلى محمد بن عبد الله إلى الحسن الأول، قدس الله أرواحهم أجمعين. ثم طال الأمد بعد جلالة الحسن الأول طيب الله ثراه، ونسينا مرة أخرى وانحرف الركب المغربي وزاغ، وأطعنا أوامر الشيطان (وأوامره تتجسد الآن في هذه الدعوات المادية، والإيديولوجيات الهدامة التي تحاول أن تخرج الشعوب الإسلامية من جنة الإيمان إلى نار الإلحاد، وأن تهبط بها من سماء الأصالة إلى أرض التقليد الأعمى والتبعية والميوعة الفكرية والاجتماعية). فكان لابد من مذكر يذكرنا بالمنهاج الرباني وما يفترضه من طاهرة الروح والاستقامة في السلوك، وحسن المعاملة. مذكر يعيد ربطنا بالمبادئ الأصلية والقيم الروحية التي جعلت من المغرب منارة إشعاع عالمي في القرون الوسطى. وكان المذكر المنتظر هو جلالة الثاني أيده الله ونصره دعوته وبلغه مقصده. (يرجع إلى المقال الذي كتبه الداعية الإسلامي فضيلة الأستاذ سيدي عبد الله كنون، والذي ربط فيه بين دعوة جلالتي الحسن الأول والحسن الثاني20 وقد أشار جلالته إلى كون الدعوة إلى البعث الإسلامي تذكيرا، فقال في رسالة ملكية خص بها مجلة «دعوة الحق»:
«عندما استقر عزمنا على أن تكون هذه السنة سنة بعث إسلامي، وخاطبنا شعبنا الوفي بما اختلج في صدرنا وجال بفكرنا، فإن نيتنا اتجهت في الواقع إلى تأدية أمانة أمام الله سبحانه، وأمام التاريخ الذي خلد الكثير مما فعله أجدادنا المنعمون في هذا المضمار.. لقد قمنا بتذكير شعبنا والذكرى تنفع المؤمنين بأن المعاملة بالحسنى وطهارة الروح وراحة الضمير هي المحصنات الضرورية ضد الزيغ والانحراف وانفصام حبل التشبث بالمبادئ الأصيلة والقيم الروحية المرعية في هذه البلاد»21.

الكرامة والأصالة
الأصالة نوعان: إنسانية وقومية. الأولى أصالة الإنسان (أيا كان الإنسان ومتى وكيف، الإنسان السماوي والأرضي، الأحمر أو الأبيض أو الأسود، إنسان العصر الحجري أو الذري الحالي أو الشمس الذي لاشك أنه آت) والثانية أصالة أمة أو مجتمع أو قوم.
أصالة الإنسان وحقيقته وجوهره صلة متينة وارتباط وثيق وآصرة قوية تربطه بخالقه ومصدره ومسويه بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين»22 تلك هي صلة الله بالإنسان روح إلهية ينتفخها في مادة ميتة جامدة فإذا هي تتحرك وتتكلم، وتفكر وتفهم. وتلك الصلة هي أصالته وأصله الأصيل، ومن أجلها كرمه الباري عز وجل، كرمه عندما أمر الملائكة بالسجود له، وكرمه ثانيا عندما كلفه بمهمة الخلافة في اٍلأرض، وكرمه ثالثا عند ما اصطفى واختار من بين أفراده نخبة كلفها بهداية الناس إلى أقوم الطرق لتحقيق الخلافة، وإرشادهم إلى أسلم السبل لتحقيق السعادة والرقي المتوازن السوي «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا»23 (وكرم المسلمين خاصة «كنتم خير أمة أخرجت للناس» عندما وضع بين أيديهم دستورا إلهيا خالدا، حفظه من الضياع والتزييف والتشويه الذي أصاب الكتب الأخرى، وجعله حجة على الزيف والفساد والتحريف. «أنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».
والتكريم درجات، فعلى أي أساس تنطبق صفة الكريم أو الأكرم؟ على أساس الجنس، والحالة أننا جميعا يجمعنا جنس الإنسان؟ أم على أساس اللون، وما تعددت ألوان أبناء آدم إلا تحت تأثير المناخ والبيئة الجغرافية؟ «... إن أكرمكم عند الله أتقاكم»24 الأكرم هو الأتقى بعبارة أخرى هو الذي لم تنقطع صلته بربه، بل هي قوية متينة تذكره في كل وقت وحين بأصله الروحي وماضيه السماوي فيشعر بقيمته وكرامته وقربه من خالقه ومراقبته له، فيتقي ويستقيم ويعلو ويسمو، فيكرمه الخالق سبحانه تبعا لاستقامته وتقواه، الكرامة إذن مرتبطة بالأصالة. والأكرم عند الله هو الأصيل المتين الصلة به، ولا صلة ولا آصرة إلا روحه، ولا حبل ولا سبب غير القرآن الكريم الذي هو أيضا روح25.
تلك هي كرامة الأصالة الإنسانية، وهناك كرامة الأصالة القومية: الإنسانية ليست أمة واحدة، بل هي أمم مختلفة (ودعك من دعوة الإنسانية المزيفة التي تبشر بها وتروج لها الجمعيات الماسونية الهدامة بهدف تدمير الأديان والجنسيات والقوميات ليخلو عرش الخلافة للصهيونية ودينها المحرف) فالاختلاف من سنن الله، «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم»26 هكذا يقرر الخالق سبحانه أن الاختلاف مقصود وهدف من الخلق27 ولاشك أن ذلك لحكمة إلهية وهو الذي لا يفعل شيئا عبثا. فلابد إذن من الاختلاف، ولابد أن يكون لكل مجتمع شخصية معينة تنبثق جذورها من أصالة عريقة تميزه عن باقي المجتمعات.
وتقليد أمة لغيرها ـ فكريا أو علميا ـ تقليدا أعمى إلغاء لحكمة الاختلاف28، وإلغاء للأصالة، وبالتالي إلغاء للكرامة القومية. وقد أشار صاحب الجلالة الحسن الثاني إلى ارتباط التكريم بالأصالة والتقوى فقال في الرسالة السابق ذكرها:
«لقد كرم الله المسلم ـ كرمه بأن وضع بين يديه دستور القرآن الخالد، ليقدم، وباستمرار كحجة على الزيف والفساد والتحريف,
ـ كرمه بربط قيمته بتقواه، بصرف النظر عن لونه وسلالته.
ـ كرمه إذ أبعده عن التقليد الأعمى، التقليد الذي يسيء إلى الأصالة ويسمح بالتبعية ويصرف عن طلب الحقيقة»29
تلك فكرة وسنرى كيف تصبح واقعا معاشا عند الحديث عن إحياء التعليم الأصيل وجامعة القرويين، وإقامة الاشتراكية المغربية على أساس نظام الجماعة المغربية.

التقليد والأصالة
يرى علماء النفس أن التقليد غريزة بشرية تظهر في مرحلة معينة، وفي حالة الضعف خاصة. فالأطفال يقلدون والديهم وأهليهم في كيفية السير والأكل والكلام، وفي الآداب والعادات الاجتماعية، ثم في المعارف والعلوم والخيرات والتجارب، غير أن التقليد يقف عند حد تتلوه مرحلة الإنتاج والابتكار، والا تجمد المجتمع وانتكس وارتكس. ومن يقف يرجع إلى الوراء. إذ الركب الحضاري لا ينتظر أحدا.
وكما يقلد الصغار الكبار تقلد الأمم الضعيفة من أقوى منها. الأمم ليست على درجة واحدة في الرقى الحضاري والعلمي. ولكي تتطور الأمم المتخلفة وتساير عصرها، لابد أن تقلد من هو أكثر منها تقدما وأرقى حضارة. ولولا التقليد الأممي لما تجددت المعارف الإنسانية ولما انتقل مشعل الحضارة من قارة إلى أخرى، فلقد قامت الحضارة الحديثة على أساس العلوم الإسلامية، كما قامت الحضارة الإسلامية على أساس المزج بين الثقافة الإسلامية وعلوم ومعارف اليونان والفرس والهنود والرومان.
غير أنه لابد من مراعاة شيئين:
أ ـ يجب أن يقف التقليد عند مرحلة معينة، تتلوها مرحلة الاستقلال والإبداع الذاتي الأصيل.
(فقد انتهت مرحلة النقل والترجمة في العصر العباسي الأول ثم جاء مرحلة الإبداع الإسلامي)30
ب ـ لابد من إعمال الفكر والروية فيما يقلد وينقل ويقتبس، ثم المقارنة بينه وبين عناصر الأصالة القومية، وطرح ما يناقضها أو يسيء إليها. وهذا هو التقليد الواعي، والأعمى نقيضه، ومن المفيد هنا أن أستشهد بحديث نبوي رغم أنه قيل في حادثة صغيرة: «لا يكن أحدكم امعة يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم على أن أحسن الناس أن تحسنوا معهم، وإن أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم» فالتقليد الأعمى إساة وميوعة وانحلال، وعندما ننظر إلى حضارة الغربيين من خلال هذا الحديث النبوي، فإننا نرى فيها إحسانا يجب أن نعمل مثله فنحسن كما أحسنوا، وإساءة ـ للأصالة الإنسانية والقومية ـ يجب أن نتركها فنتجنب إساءتهم
تتركب الحضارة الحديثة ـ الغربية بشقيها والصينية واليابانية ـ من شيئين لا ثالث لما:
أ ـ علوم مادية نظرية وتطبيقية مجردة ومطلقة من عوامل البيئة الجغرافية كالرياضيات والكيمياء والفيزياء والطب، وهذه لا خوف منها ولا خطر إطلاقا في نقلها والتقليد فيها، إذ لا علاقة بها بالأصالة القومية. فالمعادلة الرياضية الواحدة تحل في موسكو وباريس وواشنطون، والخارج لا يتغير من بلد لآخر. وليست به رائحة روسية أو مذاقا فرنسيا أو نكهة أمريكية. والمادة الكيماوية الواحدة تحلل في مخابر وبكين وبون، والناتج نفس العناصر لا تزيد فيها أو تنقص نظرة الحياة اليابانية أو المعتقدات الصينية أو الفلسفة الألمانية.
فهذه العلوم المادية لا صلة لها بالأصالة القومية إحسانا وإساءة، أو بالعقيدة الدينية نفيا وإثباتا. ونحن أولى من يسارع إلى نقلها وتعليمها وتطويرها لا لأن المعاصرة تفرض علينا ذلك فقط، ولكن لأن ديننا يحض على تعلم العلوم النافعة، ويدعو إلى الاستفادة منها لتحقيق الخلافة في الأرض على وجه أرقى وأفضل.
ب ـ علوم إنسانية: فلسفات، آداب، مذاهب اقتصادية واجتماعية. وهذه مقيدة بحدود البيئة الجغرافية وفيها تبرز عبقرية الشعوب وأصالتها، ونظرتها إلى نفسها والكون. فنظرة المغربي إلى نفسه والحياة ليست هي نظرة الأمريكي. ونظرة هذا تخالف نظرة الروسي، وما يراه الهندي يخالف ما يراه الإنجليزي، وهنا لابد من الحذر عند التقليد والنقل والاقتباس، فما يصلح لشعب ليس بالضرورة صالحا لكل الشعوب، بل قد يكون للآخرين مضرا، ولنا في أجدادنا قدوة وأسوة حسنة، فلقد نظروا إلى علوم السابقين وأخضعوها لمقياس العقيدة الدينية والبيئة الإسلامية، فأخذوا العلوم المادية الصرفة وجانبا من الفلسفة الإلهية التي لا تعارض النظرة الإسلامية في الجوهر، وتركوا الآداب والأساطير الدينية والفلسفة الاجتماعية، لأنها مناقضة للبيئة العربية والمعتقدات الدينية.
لقد أساء الأدب اليوناني القديم إلى العلاقة بين الله والإنسان، عندما عدد الالهة وأنزلها من عليائها وأدخلها في صراع ضد بعضها وضد الإنسان، وكأنها فرد من أفراده تغار وتحسد وتحقد وتكره وتنتقم، وأساءت الفلسفة الحديثة إلى الإنسان عندما قطعت كل صلة له بالسماء وجعلته جرد حيوان يعيش ويتناسل ثم يموت ولاشيء بعد ذلك، أساءت إليه الفلسفة الاجتماعية القديمة عندما قسمت المجتمع إلى طبقتين، طبقة السادة وطبقة العبيد، وأساءت إليه المذاهب الاقتصادية والاجتماعية الحديثة عندما قسمت المجتمع قسمين: أقلية غنية وأكثرية قيرة. ولا فرق هنا بين اليساريين أو اليمنيين، إذ الثروة والمال ـ محاضراته ـ تستحوذ في الغرب على الأفراد والشركات، وفي الشرق مجموعة حاكمة تتألف من رئيس الحزب ومندوبيه وممثليه، هناك يعلق العجل من أجل أرباب الشركات الاحتكارية وهنا يذبح في معبد الدولة. وما على الشعب في كلا النظامين إلا أن يكد ويكدح. في الغرب أنانية وأثرة واحتكار، وفي الشرق أحقاد وكراهية وبغض. أين الأخوة الإنسانية في كلتى النظرتين؟ وأين ذلك من فلسفة الإسلام ونظرته إلى الإنسان وتوزيع الثروات31؟ وهل من الحكم وسداد الرأي أن نقلد في هذا المجال؟ عندما نفعل ذلك فإننا نسيء على أصالتنا الإنسانية والقومية معا، نسيء إلى أصالتنا الإنسانية لأن الفلسفة الغربية بشقيها فلسفة مادية صرفة تربط الإنسان بالواقع المادي وتصرف وجهه عن السماء، ولا تؤمن بـ «... ونفخت فيه من روحي».
وتنفى كل فكرة عن الله والروح. ونسئ إلى أصالتنا القومية لأن نظرتنا إلى الإنسان والمجتمع والعلاقات الاجتماعية، والأخوة الإنسانية والمحبة والتعاون الإنساني تخالف نظرة اليساريين واليمينيين معا. أخلص من هذا الاستطراد إلى القول أن العلوم المادية مرغوب في نقلها والتقليد فيها، أما الإنسانية فلا، لأنه لنا فيها رصيد ضخم، ولأنها تسيء إلى هذا الرصيد.
(والغريب أن الغرب يغرقنا بآدابه المائعة وفلسفاته المادية الملحدة، في الوقت الذي يضن فيه علينا بعمله وصناعته! فهل يحدث هذا صدفة؟ أم أن هناك خطة محكمة لتمييع الشعوب الإسلامية وإبقائها متخلفة وتابعة؟)
وقد تطرق صاحب الجلالة الحسن الثاني سدد الله خطاه ـ في نطاق دعوته المباركة إلى البعث الإسلامي ـ إلى موضوع النقل والتفتح على الحضارة المعاصرة. وبين جلالته ما يجب تعلمه وأخذه. وهي العلوم المادية واللغات، لأنها وسيلة إلى نقلها. ومثل لذلك بما فعله أجدادنا الأقدمون، فقال أعزه الله في كلمة توجيهية أمام اللجنة المكلفة بتطوير التعليم الأصيل: «فاللغة العربية لم تصبح لغة عالمية إلا بعد أن تعلم العلماء العرب اللغات الأجنبية التي بها ترجموا إلى العربية كتب الفلاسفة والمهندسين والحيسوبيين والأطباء الروم منهم والفرس واليونان وما أشبه ذلك.
فإذن نرى أن اللغة العربية لم تكتف بأن تعيش منطوية على قرائها بل لم تتمكن من أن تغزو كأداة للغزو حتى قبلت أن تتعامل وتساير حضارات ولغات أخرى ونحن إذ نريد أن نرجع إلى الأصل وخلق علماء، علماء بكل معنى الكلمة، نريد أن نجعل من علمائنا علماء مشاركين سواء في ميدان اللغة العربية أو الشريعة أو الآداب، ولكن مشاركين كذلك في المعمعة العالمية التي يخوضها العالم بجانبكم وحتى لا يبقوا جانبيين عنا»32.
وبين أعزه الله ما لا يجب نقله كالاشتراكية الأجنبية ـ وقد تقدم أن في نقل الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية إساءة لأصالتنا الإنسانية والقومية ـ فقال نصره الله في خطاب عيد الشباب سنة 73.
«فاذن شعبي العزيز انطلاقتنا هذه، الانطلاقة الاجتماعية والاقتصادية التي ترمي إلى خلق اشتراكية مغربية، لا اشتراكية تأتي في حقائب، ولا اشتراكية تأتي في صحف، ولا اشتراكية نقرأها في كتب دراسية بكليات في الخارج ولكن اشتراكية مغربية محضة تطابق أصولنا وأصالتنا»33.
فالعلوم المادية ـ كما تقدم ـ مجردة من عوامل البيئة الجغرافية والاجتماعية لا تتغير إذا انتقلت من قطر إلى آخر، بخلاف العلوم الإنسانية والأنظمة الاقتصادية والمذاهب الاجتماعية، فإنها خاضعة لعوامل البيئة، كالنباتات والأشجار، تتغير وتقل قيمتها أو تنعدم إذا انتقلت إلى بيئة مغايرة، فالنحيل يعطي تمرا في طانطان وفي طنجة يصبجذح مجرد زينة تمتع العين ولا تشبع البطن، وهذا ينطبق على الاشتراكية الشرقية ـ الأصفر منها والأحمر ـ إذا انتقلت إلى تربة كالمغرب الذي ابتكر أبناؤه نظام الجماعة التي لم يتفتق عنها ذهن ماركس ولا ماو، ولا مالهما من أذناب وتابعين ومقلدين.

الجامعة والجماعة والمقيم العام
«إذا كنت تجهل عناصر قوتك، فانظر أين يوجه عدوك سهامه» ذات يوم قال المقيم العام المارشال اليوطي: «لا أخشى على الوجود الفرنسي بالمغرب إلا من هؤلاء الرجال الذين يدخلون إلى هذه البناية التي يسمونها جامعة القرويين ويخرجون منها وقبابهم مسدولة على رؤوسهم» لقد كان المارشال الذكي صادقا فيما قال، صادقا في تصوره لمركز القوة، صادقا في تخوفه وتنبئه.
ان الاستعمار أينما كان وحيثما حل لا يعتبر احتلاله للأرض إلا مرحلة وقنطرة لاحتلال القلوب والنفوس، وأن احتلال الحاضر لا يمكنه أن يمتد إلى احتلال المستقبل البعيد إلا «باحتلال» الماضي. واحتلال الماضي كماضي يعني قطع كل صلة للأمة المغلوبة بماضيها وتاريخها وأمجادها وعناصر قوتها وأصالتها، لتصبح كشجرة بلا جذور يسهل استئصالها وغرسها في تربة فكرية ومناخ ثقافي جديد.
والوسائل لتحقيق ذلك متنوعة، منها تشويه الماضي وتزييفه وتلطيخه، ومنها وضع حاجز نفسي بينه وبين أبنائه حتى لا يلتفتوا إليه أبدا، وان فعلوا فلن يروا إلا سوادا، ومنها خلق حاضر مزيف يبدو مشرقا لامعا وجذابا للعقول والقلوب والأبصار، وكل هذه الأحلام الاستعمارية لن تصبح حقيقة وواقعا معاشا إذا كان هناك مركز يشع منه الماضي بثقافته وحضارته وأمجاده، وكانت جامعة القرويين هي ذلك المركز والمنارة، كما كانت أيضا ذلك السور المنتصب في الجانب الثاني من القنطرة ـ المحتلة ـ والصامد حائلا ومدافعا وذائدا عن حياض المغرب وكرامته وأصالته، ومن هنا انبثق خوف المقيم العام على الوجود الفرنسي بالمغرب، واتجهت نيته إلى هدم هذه المنارة وتحطيم ذلك السور الحاجز.
ولكن الجامعة العتيدة كانت أقوى مما تصور المارشال الذكي. والاستعمار لا يمتلك في جعبته سهما واحدا، فبعد أن فشل الهجوم المباشر اتجه إلى أسلوب آخر يسمى أسلوب الحصر والعزل وكف الفعالية، وهكذا أحيطت الأسوار ـ الفكرية ـ حول جامعة القرويين، وأهملت وتركت شأنها. فتجمدت مناهجها وتخلفت عن مسايرة العصر. كما فعلت انجلترا بجامعة الأزهر34 ـ والمقصود من عملية الحصر والعزل هدفان:
أ ـ أن يكون تخلف الجامعة شاهدا وحجة ودليلا على تخلف الماضي وانحطاطه.
ب ـ ترك الجامعة تموت «عرقا عرقا» إلى أن تتلاشى نهائيا دون ضجة وإثارة انتباه.
وقد نجح لفاء المقيم العام في تحقيق الهدف الأول نجاحا تاما، وكاد يتحقق الهدف الثاني لولا أن تدارك الله سبحانه الجامعة العريقة بلطفه ـ وطالما رددت جنباتها يا لطيف ـ فيها لها باعثا محييا ومجددا، هو أمير المؤمنين الحسن الثاني خلد اله في المجددين والمصلحين ذكره.
فقد انطلقت حركة البعث الإسلامي المباركة في عدة خطوط متوازية. خط روحي يقوي صلة المغاربة بربهم، وخط فكري يعيد ربطنا بثقافتنا العريقة الأصلية، واتخاذها منطلقا للتفتح على الثقافة المعاصرة، وأساسا للانطلاقة الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذه النقطة خاطب صاحب الجلالة نصره الله اللجنة المكلفة بإحياء التعليم الأصيل وجامعة القرويين وتطورهما:
«إننا حين كنا نخطط تخطيطاتنا الاقتصادية والاجتماعية، والتعليمية لم نكن بغافلين عما يرجع من نصيب وافر في هذا التخطيط للتعليم الأصيل، ولا أقول الأصلي وأريد أن أسميه بالتعليم الأصيل ذلك أن الأصلي يمكنه ألا يبقى أصيلا، ولكن الأصيل يمكن أن يتمتع بجميع الصفات، الماضي منها والحاضر، اعتبارا منا أن مخططنا الاقتصادي والاجتماعي لا يمكنه أن يعطي نتائج ولا يمكن أن يدر علينا بالخير إذا كانت تلك المخططات في مجتمع يتنكر للبيئة المغربية وللأصالة المغربية»35
وبين جلالته الوسيلة لتحقيق هذا الهدف فقال: «لذا ارتأينا أن نضع لجنة ترأسها وزير الدولة الحاج امحمد أبا حنيني، وكانت تشتمل على وزارة التعليم ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وبعض الموظفين السامين، ومن لهم خبرة بمشاكل التعليم ومشاكل الثقافة وأعطينا إلى هذه اللجنة تعليماتنا المدققة حتى يمكنها أن تبرز إلى الوجود برنامجا منسقا منطقيا يفتح أمام كل من اتبعه منافذ شتى، لا يمكن أن تكون منافذ للترفيه ولا منافذ هدايا، ولكن المنافذ التي نحن في أمس الحاجة إليها وذلك بأن قررنا أن يكون التعليم الأصيل هو التعليم الأساسي لكل مغربي»36
وجامعة القرويين، والفكر المغربي والحضارة المغربية جدول من النبع الإسلامي، لذلك قرر جلالته ربط عملية البعث والإحياء بالفكر الإسلامي، فقال أعزه الله في الرسالة الملكية التي خص بها «دعوة الحق»:
«وحانت المناسبات منذ خطبنا شعبنا العزيز لوضع صيغ عملية تقضي بسعينا إلى بلوغ القصد والوصول إلى الهدف. فأبرزنا تصميمنا على وجوب التفكير في إطار الفكر الإسلامي وبلغة الفكر الإسلامي حتى تستنير لجيلنا الحاضر ولأجيالنا المقبلة طريق التوحيد وسبيل الحق والهداية»37
أما الخط الثالث من عملية البعث الحسنى فيهدف إلى ربط المغاربة بالأرض والإنتاج، على أساس سليم من رصيد الماضي، وتحت ضوئه وإشعاعه، وذلك بإقامة الاشتراكية المغربية الإسلامية على أساس مغربي أصيل، يتجاوب مع مشاعرنا، ويجسم نظرتنا وتصورنا لطبيعة العلاقة بين الإنسان والأرض وخيراتها.
فإذا كانت العلوم المادية مشاعة ومجردة، ولا رائحة لها ولا لون ولا نكهة ولا خوف من استيرادها، فإن الوضع يختلف عندما يتعلق الأمر بعملية يمتزج فيها الفكر بالمشاعر والعواطف المرتبطة بالكرامة والأصالة، فالتقليد هنا تعطيل للإبداع القومي وإلغاء للحكمة الإلهية من اختلاف الشعوب38  في سبيل معيشتها، وهو بالتالي إساة للكرامة والأصالة القومية.
فاشتراكيتنا لا يمكن أن تكون اشتراكية مستوردة (وقد رأينا نتائج الحلول المستوردة على نطاق العالم الإسلامي39 ولا يمكن أن تكون مغربية صميمة أصيلة. فما هو الأساس المغربي الأصيل؟ في خطاب عيد الشباب سنة 73 شرح صاحب الجلالة أعزه الله الخطوط العريضة للانطلاقة الاقتصادية والاجتماعية الحديثة في نطاق الاشتراكية المغربية الإسلامية، وبعد أن تحدث جلالته عن تجربة إشراك العمال في أرباح بعض المعامل، انتقل أعزه الله إلى الحديث عن الارض فقال: «بقيت الصفحة الثانية: أخطر من الأولى بالنسبة لانعكاساتها، وبالنسبة لما يمكن أن يترتب عنها، أما عن نجاحها وعدم نجاحها، ذلك أننا نريد أن نعيد تجربة جديدة في استثمار الأراضي المسترجعة التي استرجعناها أخيرا بظهير شريف مؤرخ في 2 مارس.
نحن حاولنا أن نعرف الخلية التي سنبني عليها عملنا، وتبادرت إلى ذهننا خلية الجماعة، ومما يؤسف له شعبي العزيز وشبابي المتوثب أن الجماعة المغربية لم يدرسها أحد من المغاربة، ولم يكتب من المغاربة ـ والحالة هذه ـ والله.. أقول والله لو وجد لينين في روسيا سنة 1917 لو وجد قاعدة كقاعدة الجماعة لاتخذها لبناء الاشتراكية السوفياتية»40
لماذا هذه الإشارة من جلالته إلى الاشتراكية السوفياتية؟ الاشتراكية الشيوعية ـ كما تقدم ـ اشتراكية صرفة. تهتم بجانب واحد من جوانب الإنسان ـ أرجو ألا يمل القارئ الكريم إذا كررت الكلام عن هذه النقطة، فإن ذلك من باب وذكر.. ـ وهو جانبه الجسدي المادي. فالإنسان ـ في نظرها ليس له من هم إلا أن يشبع حاجاته الضرورية من غذاء وملبس ومسكن وما يتصل بذلك. فلا شيء غير الارض ولا شيء غير الجسد. وكأن الإنسان لا تحتوي أعماقه قبسا من روح الهية تربطه بالسماء، وتسمو به عن الحيوان الأعجم وترفع رأسه إلى أعلى، الإنسان والحيوان في الشيوعية سواء، كل شيء مباح في حدود أنظمة الدولة وقوانينها التي لا يهمها إلا زيادة الإنتاج، وتسخير العامل والفلاح، وتحويل دمائهما إلى بترول لإدارة دواليب الآلة الضخمة التي يسمونها الدولة، (ليتذكر القارئ الكريم إشارات صاحب الجلالة أيده الله إلى فكرة اللامركزية وأوامر السامية بتطبيقها في مختلف الميادين) الدولة عندهم هي كل شيء، وما الفرد إلى مسمار صغير حقير يتآكل فيعوض بغيره. الدولة هي الخالق الجبار الموزع للأقوات والأرزاق، وقوانينها هي كل ما كان وكل ما يكون، أما القوانين الإلهية والخلقية فخرافة يجب التخلص منها ونبذها، ليستطيع الإنسان أن يحقق حيوانيته دون رقيب أو تأنيب ضمير. (وبالتالي تحقق انتكاسه وارتكاسه وسقوطه في أسر شهوات نفسه وقيودها وأغلالها) ذلك هو تصور الاشتراكية الشيوعية للإنسان، فما هي نظرة الجماعة المغربية إليه؟ وفي أي طريق تقوده؟
الجماعة المغربية لا تعتبر إشباع الحاجات المادية إلا جانبا صغيرا من جوانب الإنسان؟ فهو في نظرها إنسان ذو أبعاد عديدة، فهناك أولا البعد الإنساني، وهنا تدعو إلى تعاون الأفراد. وتحابهم وتكافلهم، والعمل لما فيه مصلحة الجماعة استجابة لقوله تعالى: «وتعانوا على البر والتقوى ولا تتعاونوا على الإثم والعدوان» وتطبيق للجزء الثاني المتعلق بالنهى الإلهي، فإنها لا تقف من الإثم والمنكر والبغي موقفا سلبيا، لأنها تعرف أن العقاب الأخروي إذا كان فرديا، فإن الدنوى جماعي41. ولذلك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ثم هناك البعد الوطني، إذ كانت تسلح أفرادها وتعدهم للدفاع عن الوطن إذا ما حاول عدو احتلاله واستباحة محارمه، وفي ذلك بعد ديني أيضا إذا كانت تعتبر الدفاع عن الوطن جهادا في سبيل الله، وقد أشار صاحب الجلالة الحسن الثاني أيده الله وسدد خطاه إلى مميزات الجماعة المغربية فقال:
«ذلك أن الجماعة فيها التعاونيات والجماعة فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجماعة كانت فيها توزيع ـ الويزة ـ وتوزيع الماء الجماعة كان واجبها حفر الآبار، الجماعة كان من حقوقها كذلك النظر في مسائل الحرب أو السلم بين القبائل، كان كل شيء يتمشى في الجماعة بالرأي والاستشارة والشورى لا بالضغط ولا بالقهر..»42 وفي معرض حديث جلالته عن أسبابه ضعف نظام الجماعة، ذكر من بينها تصدى الاستعمار لها، وعمله على التقليل من قدرتها بسبب مقاومتها المسلحة للاستعمار الفرنسي43.
ونتج عن فعالية الجماعة شيء هام جدا وهو حل المشاكل محليا وتطبيق جانب من فكرة اللامركزية. وبذلك يبقى للدولة الوقت الكافي والضروري لمواجهة المشاكل ذات الصبغة الوطنية وصرف جهدها في سبيل المصلحة العليا، ومواجهة الأخطار الخارجية ومؤامرات الأعداء الطامعين المتربصين، وهنا قال جلالته:
«.. وكانوا بهذه الكيفية يجعلون ـ المخزن ـ في بعد عن عدة مشاكل يحلونها بأنفسهم،.. فكانت حقيقة اللامركزية التي جعلت أجدادنا يمكنهم أن يجابهوا العدو والأخطار التي كانت قادمة من الخارج مطمئنين على أن المشاكل اليومية الضرورية ستتولى الجماعة حلها»44.
تلك هي الخطوط التي رسمتها الجماعة المغربية للإنسان، وهي كما رأينا متعددة تربطه بربه عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وكانت الجلسات تعقد عادة في المساجد وبعد أداء الصلاة مباشرة ـ وتربطه بأخيه الإنسان عن طريق الدعوة إلى التعاون الجماعي، وتربطه بالأرض عن طريق مساعدة الفلاحين، وتسلحيهم للدفاع عنها وحمايتها.
فأين هذا من الاشتراكية المادية ذات البعد الواحد؟ وأين أصالتنا من أصالتهم وعبقرية أجدادنا من عبقريتهم؟

نبوءة تتحقق
عندما أشرقت جنبات القصر الملكي بطلعة الأمير مولاي الحسن كان والده المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه بفرنسا، ولما بلغه الخبر السار كتب إلى الحاجب السيد محمد الحسن ابن يعيش رسالة ملكية جاء فيها: «... واجعلوا الشريف سمى جده الحسن راجين من الله الكريم الوهاب أن يجعله على أثره صالح الدنيا والدين»45.
وعندما شب الأمير أعزه الله خاطبه المربي الصالح المصلح بقوله: «.. يا بني قد اخترت لك من الأسماء الحسن لأربط بين حاضر البلاد وماضيها القريب والبعيد، وليكن لك في جدك الحسن الأول خير اسوة وأعظم قدوة»46.
وفعلا صدقت نبوءته قدس الله روحه وصدق الحديث الشريف «اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله» فلقد كان الحسن الثاني أيده الله صالح دين ودنيا ومصلحا، ورابط حاضر البلاد بماضيها القريب والبعيد. القريب بإحياء نظام الجماعة والبعيد بربط الانطلاقة المغربية الحديثة بالحضارة الإسلامية والتراث الإسلامي.

الدعوة روح ومرآة
الدعوات الإنسانية العظيمة المطلقة من قيود الزمان والمكان، تمتلك طاقة روحية وإشعاعية هائلة لا تخبو جذوتها ولا تصدأ جلوتها على مر العصور والأحقاب، بل إن التقدم لا يزيدها إلا قوة ولمعانا وإشراقا كلما صادفت من يتفهم مراميها ومغاربها، وينفعل بها ويتأثر، ويتصرف وفق منهجها واتجاهها، أي كلما انتقلت من مجال الفكر والتخطيط والنظر، إلى واقع التطبيق والممارسة والعمل.
ودعوة أمير المؤمنين الحسن الثاني خلد الله ذكره من أجل الدعوات وأسماها، إذ هي كما رأينا دعوة إلى الله وإلى الإنسان، دعوة إلى إعادة الصلة بين الإنسان وربه، وتذكيره بأصله الروحي وأصالته. دعوة تذكر المغاربة خاصة بماضيهم الإسلامي المجيد وحضارتهم الراقية التي أضاءت أفريقيا والأندلس قرونا عديدة.
فهي كروح تنفع في شعب استسلم لنوم ثقيل وآن له أن يزيفه الاستعمار ويشوهه، ويهبطه إلى حالة من التقليد الأعمى والتبعية التي تأباها الكرامة القومية، كما تعكس وجه الإنسان الحقيقي قبل أن ينتكس ويرتكس ويهبط وينشط إلى مرتبة تأباها الكرامة الإنسانية.
إنها دعوة إلى الكرامة والأصالة الإنسانية والقومية في آن.
فاللهم احفظ ملكنا المحبوب بما حفظت به الذكر الحكيم ـ وقد أعطيتنا البرهان على حفظه مرتين ـ حتى تحقق له وعلى يديه، ما يعد به ويدعو إليه، من إعادة بعث الفكرة الإسلامية والتخلق بآدابها وأخلاقها السامية. وأحفظ الشعب المغربي المسلم المعتز بإسلامه، وقد أخطار الحرب الفكرية والنفسية التي تحاول أن تسلخه عن دينه وماضيه وأمجاده وأصالته، وتجعله ذنبا وبيدقا تابعا، واجعل ذكره بين الشعوب أطيب ذكر وأحمده، واجعله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.


* طه 115.
1 البقرة 38 – 39.
2 وان من أمة غلا خلا فيها نذير (فاطر 24).
3 العقيدة من قيود الزمان والمكان، لا تتغير من رسول لآخر:
أ ـ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت (النحل 36)
ب ـ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه (الشورى 13).
4 الشريعة مقيدة بحدود الزمان والمكان، ومتغيرة من رسول لآخر: «ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا» (المائدة 48) إلا شريعة محمد عليه السلام، فهي للناس كافة ولا شريعة بعدها تنسخها.
5 ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (القصص 43)
ب ـ «إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (القمر 31 – 32)
6 ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين (الأحزاب 40).
7 أ ـ «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون (سبأ 28).
ب ـ «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا...» (الأعراف 158).
8 وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين.. الخ (آل عمران 81).
9 وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد. (الصف 6).
10 الأعلى 9 – 10.
11 الغاشية 21 – 22.
12 القمر 31 – 32.
13 الإسراء 41
14 التكوين 27
15 الزخرف 44
16 الأعراف 1 - 2
17 الإكثار من ذكر قصة آدم عليه السلام، ولذلك فرضان:
أ ـ الإشعار بكرامة الإنسان الذي سجدت له الملائكة.
ب ـ التحذير من مغبة الغواية وإطاعة أوامر الشيطان التي أخرجت آدم من الجنة.
18 تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنة رسوله.
19 يربط القرآن الكريم بين التذكير ولين القلوب وخشوعها وخشيتها، وبين النسيان وقسوتها، «ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم (الحديد 16).
20 دعوة الحق عدد مارس 73 ص 10.
21 نفس المصدر.
22 سورة ص 71 – 72.
23 الإسراء 70.
24 الحجرات 13.
25 وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا... (الشورى 52).
26 هود 118 – 119.
27 يرى بعض المفسرين أن الاختلاف المذكور هنا اختلاف في المعتقدات الدينية. وهذا لا يمنع من أن يكون اختلافا في النظر إلى الحياة، وفي الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية، وقد رأينا في الآية 13 من سورة الشورى أن الاختلاف في الدين منهي عنه.
28 والمخالفون للحكمة الإلهية هنا بمسخهم «قردة» مقلدة، و.............. تابعة، وكلابا تحت موائد الأقوياء تابعة.
29 دعوة الحق عدد مارس 73.
30 «أ» حضارة العرب لفوستاف لوبون.
الباب الخامس من ص 433 إلى 494.
«ب» شمس العرب تسطع على الغرب للمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه.
الكتاب الخامس من ص 353 إلى ص 399.
31 يرجع إلى العدالة الاجتماعية في الإسلام لسيد قطب
32 دعوة الحق مارس 73.
33 دعوة الحق أكتوبر 73.
34 الحلول المستوردة. ج 1 ص 28.
35 دعوة الحق مارس 73 ص 7.
36 نفس المرجع ص 8.
37 نفس المرجع.
38 يرجع إلى الهامشين 27 و28.
39  يرجع إلى كتاب الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا. ج 1 فصل فشل الحل الاشتراكي ص 141.
40
41 «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب» (الأنفال 25).
42 نفس المصدر ص 9.
43 نفس المصدر ص 9.
44 نفس المصدر.
45 مجلة الأعماق يوليوز 73 ص 11.
46 نفس المصدر ص 33.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here