islamaumaroc

من صور القضاء المشرفة في الأندلس

  دعوة الحق

العددان 164 و165

ساهمت الأندلس بنصيب كبير في بناء صرح الحضارة الإسلامية التي تكون سلسلة ذهبية، ساهم في جمع حلقاتها جميع المسلمين في مختلف البقاع التي انتشر فيها الإسلام الذي أضاء سماء الشعوب التي اعتنقته وأنقدها من الظلام والجهل والعبودية، وحفزها على تنظيم مرافق حياتها، فإذا المسلمون جميعا أمة واحدة منظمة عاملة يتنافس أفرادها في البناء والتشييد والخنق والابتكار، فأفادوا واستفادوا وهكذا فقد وضعوا كثيرا من القوانين والدساتير التي تكفل السير الصحيح والقويم في مختلف مرافق الدولة الإسلامية (سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا يستمدون أصولها من دستورهم المقدس) القرآن الكريم، الذي حضهم على العمل والابتكار في كل المجالات، وكثير هي الأمور التي احتفظ بها التاريخ ولا زالت ذات فائدة عظمى على الرغم من الوقت المبكر الذي وضعت فيه بعض قوانينها. مما يدل على أصالتها ومستواها الرفيع تفكيرا ومنهجا وأسلوبا.
ويعتبر أمر القضاء والقضاة وما يتعلق به من قوانين وتنظيمات من أهم أركان سياسة أي دولة، لما له من مكانة في نفوس الناس من جهة، ولما يتطلب هذا الشأن من شروط وصفات تكفل لصاحبها النجاح في مهمته العسيرة والمقدسة، إذا هو تحلى بها، ونقول مقدسة لأنها رفيعة الشأن عند الله عز وجل، نظرا للدور الذي يقوم به القضاة في سبيل التقريب بين المتقاضين، والبحث عن الحق، وحسم كل نزاع، حبا في نشر العدالة والأمن والاستقرار بين مختلف فئات المجتمع، ليتجهوا بمجهوداتهم إلى ميادين أخرى تعود عليهم وعلى الإنسانية بالخير والفائدة. ودفع عجلة التقدم والازدهار لتحقيق غد أفضل، ومستقبل أسعد.
وقد عرف القضاء في الأندلس صورا مشرقة، وحلقات ذهبية ثمينة تعتبر من أهم وأحسن الصور التي عرفها القضاء عند المسلمين، وتولاه، في بعض الفترات، رجال أكفاء توفرت لهم صفات النجاح في مهمتهم، فارتفعوا به عاليا وشرفوه، فزادهم تشريفا وزادهم علوا وسموا، وبحثوا عن الحق، لا يخافون في ذلك لومة لائم، ولا سطوة حاكم ولا بطش كبير مستبد، فخلد التاريخ ذكرهم وسجل بطولتهم وعدالتهم وشجاعتهم.
والمطلع على بعض الوثائق التي توضح بعض ذلك في مظانها، يشعر بالغبطة، والاعتزاز بهؤلاء الأجداد الذين يمكن اعتبار ما قاموا به شرفا عظيما وفخرا يثير احترام الجميع.
الأمثلة متعددة، ممتدة على مختلف مراحل تاريخ الأندلس، كلها تصلح عبرة ونموذجا يحتذى، وتظهر وجها من وجوه البطولة والشجاعة، وإيثار الحق، والتشبت إلى حد بعيد، بكل ما يؤدي إلى الحق ويحيد الباطل، الشيء الذي يجعل من يتولى القضاء فخورا معتزا بوظيفته يشعر بعلو الهمة.
أحيانا لا يهمنا الأشخاص بقدر ما يهمنا التنويه بمواقفهم، وأحيانا أخرى نجد أنفسنا مظطرين إلى الوقوف موقف الإعجاب والتقدير أمام أمثال هؤلاء القضاة الذين شرفوا ويشرفون القضاء، والذين نريدهم نموذجا لقضاة عصرنا الذين يمكنهم تحقيق أكثر مما حققه هؤلاء، نظرا لما يتصفون به من مميزات ويتوفرون عليه من إمكانيات ونظرا للخبرة والتكوين اللذين يتلقاهما القضاة في هذا العصر، والمتتبع الأندلس، يجد كثيرا من الرسائل والكتب التي تؤرخ للقضاة والقضاء هناك. وكثرتها دليل على الأهمية التي يوليها الناس لهذا القطاع، وذلك دليل على أهمية القضاء في حد ذاته.
ومن هؤلاء الذين ساهموا في الحديث عن القضاء والقضاة هناك، وسجلوا بعض صفحاته المشرقة نذكر أبا عبد الله محمد بن حارث بن أسد الخشني القيرواني الأندلسي، المؤرخ الأديب المحدث الفقيه المتوفى سنة 361 هـ. في كتابه الذي يحمل عنوان (قضاة قرطبة وعلماء إفريقيا) المطبوع بعناية السيد عزت العطار الحسني سنة 1372هـ.
ومن النماذج التي تستوقف قارئ الكتاب، ما ذكره مؤلفه الخشني عن تولية مهدي بن مسلم للقضاء في عهد الوالي عقبة ابن الحجاج السلولي في الأندلس ( 116-121هـ) مما يدل في الواقع على بطولة الوالي والقاضي معا، كان عقبة بن الحجاج السلولي، كما تروي ذلك كتب التاريخ، صاحب جهاد ورباط، ونجدة وبأس، ورغبة في نكاية المشركين وكان إذا أسر الأسير لم يقتله حتى يعرض عليه الإسلام حينا، ويرغبه فيه، ويبصره بفضله، ويبين له عيوب دينه الذي هو عليه ويذكر أنه أسلم على يديه بذلك الفعل ألفارجل، وفي رواية أخرى ألف رجل.
وفي كل ذلك وجه من وجوه بطولة عقبة، الذي اتخذ الجهاد فريضة في كل سنة على نفسه، حتى استطاع فتح كثير من المدن مثل أربونة وجليقية وبنبلونة وغيرها، وتكاد تجمع معظم الروايات على أنه قتل ببلاط الشهداء في غزوة له للكفار أعداء المسلمين.
أما مهدي بن مسلم، فقد عرف أيضا بكونه من أهل الدين والعلم والورع، بالإضافة إلى اتصافه بالبلاغة والبيان، فاختير لذلك ليتولى مهمة القضاء، ومن طريف هذه التولية، أن القاضي كتب عهد ولايته للقضاء بنفسه، يطلب من الوالي وفي ذلك منتهى التقدير الذي كان يكنه هذا الوالي لقاضيه الجديد الذي كان، بدون شك، جديرا بذلك، إذ ما اختاره إلا إعجابا بتلك الصفات التي ذكرنا أنه كان يتحلى بها.
وهنا لا بأس أن نسوق نص هذا العهد كاملا كما أورده العالم الخشني، على الرغم مما في ذلك من إطالة، ولكن مثل هذا العهد الذي كان الناس يحفظونه في ذلك الوقت، ولما فيه من دستور للقضاء وتوجيه لمن يريد النجاح في مهمته وينال رضى الله في الدنيا والآخرة، جدير بأن يثبت وحفظ ويوزع بين من يتولون هذه المهمة، ليكون قدوة ومذكرا لهم في مهمتهم الشريفة المقدسة التي تعتبر من أكثر الوظائف تقريبا لله تعالى:
يذكر الخشني أن الوالي عقبة بن الحجاج السلولي لما أراد تولية القاضي مهدي بن مسلم قال له: (اكتب عهدك عني لنفسك، فكتب مهدي).
وهذا هو نص العهد من إنشاء القاضي مهدي بن مسلم على لسان عقبة:
(بسم الله الرحمن الرحيم)
هذا ما عهد به عقبة بن الحجاج، إلى مهدي بن مسلم حين ولاه القضاء، عهد إليه بتقوى الله، وإيثار طاعته، واتباع مرضاته في سر أمره وعلانيته، مراقبا له، مستشعرا لخشية الله، معتصما بحبله المتين، وعروته الوثقى، موفيا بعهده، متوكلا عليه، واثقا به متقيا منه، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
وأمره أن يتخذ كتاب وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، إماما يهتدي بهما وبنورهما، وعلما يمشو إليهما، وسراجا يستضيء بهما، فإن فيهما هدى من كل ضلالة، وكشفا لكل جهالة، وتفصيلا لكل مشكل، وإبانة لكلك شبهة، وبرهانا ساطعا، ووكيلا شافيا، ومنارا عاليا، وشفاء لما في القلوب وهدى ورحمة للمؤمنين.
وأمره أن يعلم أنه لم يختره لمصالح العباد والبلاد، وتولية القضاء ـ الذي رفع الله قدره وأعلا ذكره وشرف أمره ـ إلا لفضل القضاء عند الله جل جلاله، لما فيه من حياة الدين وإقامة حقوق المسلمين وإجراء الحدود مجاريها على من وجبت عليه، وإعطاء الحقوق من وجبت له، ولما رجا عنده ـ فيما يمضيه ويتقدم فيه ويحكم به ـ من إيثار حق الله عز وجل، وطلب الزلفة لديه، والقربة إليه وأن يحاسب نفسه ـ في يومه وغده ـ فيما تقلد من الأمانة الثقيل حملها الباهظ عبؤها، فإنه محاسب وموعد وموعود.
وأمره أن يواسي بين الخصوم، بنظره واستفهامه، ولطفه ولحظه واستماعه، وأن يفهم من كل أحد حجته وما يدلي به، ويستأني بكل عيي اللسان، ناقص البيان، فإن في استقصاء الحجة ما يكون به لحق الله تعالى عليه قاضيا، وللواجب فيه راغبا، فقد يكون بعض الخصوم ألحن بحجته، وأبلغ بمنطقه وأسرع في بلوغ المطلب، وألطف حيلة في المذهب، وأذكى ذكاء وأحضر جوابا، من بعض وإن كان غير الصواب مرماه، وخلاف الحق منهاه، فإن لم يتعاهد القاضي مثل هذا، ويجعله من القربات إلى الله عز وجل بالتحفظ، والتيقظ والاسترابة، والاحتراس من أهل الخب واللدد والعناد، والتلبس بشهادات الزور، وتحيف الحقوق، أهلك القوي الضعيف، واقتطع حقه، وغلب عليه.
وفي تقدم القاضي ـ في النظر في ذلك، والمراعاة له، واحتساب ثواب الله فيه ـ إثبات الحق، وإزهاق الباطل ((إن الباطل كان زهوقا)).
وأمره أن يكون وزراوءه وأهل مشورته، والمعينون له على أمر دنياه وآخرته، أهل العلم والفقه، والدين والأمانة، ممن قبله، وإن يكاتب من كان في مثل هذه الحالة المرضية، ممن في غير ناحيته ويقابل آراء بعضهم ببعض، ويجهد نفسه في إصابة الحق، فإن الله جل ثناؤه، يقول في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق محمد عليه السلام: ((وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله)). وبأن يكون حجابه وأعوانه، ومن يستظهر به على ما هو بسبيله، أهل الطهارة والعفاف والطلب لأنفسهم والبعد من الدنس، فإن أفعالهم منسوبة إليه، ومنوطة لديه، فإذا أصلح ذلك، لم يلحق عيب ولم يعلق به رين، إن شاء الله.
وأمره أن يديم الجلوس والقعود، لمن استرعاه الله أمره، وقلده شانه، وأسند الحكم له عليه، ويقل السآمة منهم، والتبرم بهم، ويصرف إليهم قلبه وذهنه، وشغله وفكره، وفهمه ولسانه، بما يوسعهم به عدلا وإنصافا وإصلاحا، فإن في ذلك لمنتهم، وإحياء لتأميلهم، وتحقيقا لجميل ظنونهم، وثقة منهم، بورعه ونزاهته، وطيب طعمته فإن فيهم الضعيف عن التودد، والزمن الثقيل، وعليه في كل وقت: (( التعهد ـ ووهنا ـ لأهل التلدد والفجور ـ والتقحم في ملتبسات الأمور، وأن يكون قعوده لهم، وتصرفه في النظر بينهم، بنشاط وقلة فتور، ليكون ذلك أقوى له، وأتقن لما يحكمه ويبرمه من سياستهم وتدبيرهم، إن شاء الله.
وأمره أن يسمع من الشهود شهادتهم عل حقها وصدقها، ويستقصيها حتى لا يبقى عليه شيء منها، ومن المزكين تزكيتهم، ويكثر البحث والفحص عن أمورهم أجمعين، ويسأل عنهم الصلاح والدين، والأمانة والثقة والرعة، ممن يعرفهم ويطبن أحوالهم ولا يعجل بإمضاء حكم حتى يستقصي حجج الخصوم، وبيناتهم ومزكيهم، ويضرب لهم الآجال، ويوسع فيها عليهم، حتى تتجلى له حقائق أمورهم، وتنكشف له أغطيتها، فإذا أتى عليها علما وأيقنها إيقانا، لم يؤخره الحكم بعد اتضاحه وظهوره وثبوته عنده من يشاوره من فقهائه.
وأمره أن يطالع بكتبه، في الحوادث التي يحتاج فيها إلى المؤامرات فيما أشكل عليه، واستغلق له، واحتاج إليه في النوازل: ((إبراهيم بن حرب القاضي ليرد عليه منه، ما يعمل به ويمتثله، ويقتصر عليه، ويصير إليه. لتكون موارد أموره ومصادرها مبتداة فواتحها بالتسديد، مقرونة خواتمها بالتأييد إن شاء الله.
هذا عهدي إليك، وأمري إياك، وإسنادي إليك ما أسندت، وتفويضي إليك ما فوضت، فإن تعمل به ـ مؤتمرا لرضى الله وطاعته ـ قائما بالحسبة، مؤيدا حق الأمانة ـ يكن حجة بين يديك، وظهيرا لك. وإن لم تعمل به، يكن حجة عليك، وأنا أسأل الله أن يعينك ويقويك ويرشدك، ويوفقك ويسددك إنه خير موفق ومعين، وصلى الله على محمد)).
وليس هذا النموذج الوحيد الذي يثير اهتمام من يتصفح كتب التراث العربي، فهناك النماذج العديدة سواء في هذا الميدان أو غيره من الميادين الأخرى:  العلمية والأدبية، وكلها مما يتطلب اهتماما ودراسة، للوقوف على هذا الماضي المشرق الذي تستمد منه العروبة نورها لتضيء المستقبل الذي هي في طريق بنائه على يد أبنائها المخلصين العاملين الذين يسعون إلى ما فيه خير الإسلام والعروبة، وإذا كانت الأندلس قد خرجت من يد العرب لأنهم لم يعرفوا في وقت ما كيف يحتفظون بها، فإن ما تركه العرب هناك من مآثر مادية ومعنوية يعيد تلك الصورة المشرقة. وذلك العهد الذهبي الذي يعتبر طوق فخر في جيد كل عربي مسلم، وأن الاهتمام بتراث هذه البلاد جزء من خدمة العرب والعروبة، وهو اهتمام بدون شك سيكون حافزا للعمل والتشييد.
وبالإضافة إلى تلك القيمة البارزة المتعلقة بالمضمون، نجد في هذه الوثيقة السياسية قيمة أخرى تتعلق بالشكل، فهي تبرز جوانب من خصائص فن من الفنون النثرية المهمة: العهود، في وقت مبكر هو أوائل القرن الثاني للهجرة، ممثلة في طريقة مهدي بن مسلم الفقيه العالم الأديب، فنلمس فيها هذا الميل إلى التقرير والوضوح، والإحاطة بجوانب الموضوع، والجمع بين الدين والسياسة، في عبارات بعيدة عن التنميق والمحسنات إلا ما جاء عفوا، وفي جمل قصيرة قوية جزلة تؤدي المعنى المقصود بطريقة مباشرة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here