islamaumaroc

مؤسسات التعريب ومنجزاتها: العقبات الحقيقية والمصطنعة في طريق التعريب

  دعوة الحق

العددان 164 و165

 قضيت خلال هذا الصيف قرابة شهرين في القاهرة، مشاركا في ندوة علمية دعت إليها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، للنظر في المعاجم العلمية الستة التي وضعها مكتب تنسيق التعريب في الرباط، وهي: الكيمياء، الفيزياء، الرياضيات، الجيولوجيا، الحيوان،  النبات. وقد عكف على دراسة كل معجم علماء متخصصون من البلاد العربية، جلهم من كبار أساتذة الجامعات، أعادوا النظر فيما اتفق عليه بمؤتمر الجزائر من مصطلحات، وحققوها وألقوا عليها النظرة الأخيرة قبل أن تدفعها إلى المطبعة لتخرج ـ بإذن الله تعالى ـ معجما علميا متكاملا للتعليم العام في البلاد العربية.
ولقد أفدت من هذه التجربة كثيرا، كما أفدت قبلها من مؤتمر الجزائر الذي انعقد في ديسمبر من العام الأسبق (1973) للنظر في توحيد المصطلحات العلمية، هذا بالإضافة إلى خبرة طويلة في الترجمة والتعريب، آخرها بضع سنوات دسمة في المكتب الدائم لتنسيق التعريب بالرباط بصفتي خبيرا ومشاركا في وضع المعاجم العلمية والإنسانية، وحصلت في آخر المطاف على آراء إخواني العلماء المتخصصين بندوة القاهرة ومؤتمر الجزائر وما دارت حوله مناقشاتنا وأدركت موضع الداء الحقيقي، وسأنشر حصيلة ذلك كله أمامكم  بمنتهى الإيجاز، لترو رأيكم وتقرروا بعد ذلك أمرا وتضعوا خطة حكيمة نتفق على تنفيذها في الوطن العربي بأجمعه، ونوحد جهودنا في الترجمة على أصول ثابتة نخدم بها الفكر العربي خدمة خالصة لا عوج فيها ولا أمتا.
نحن نشك في أن الغرب قد تقدم منا خلال العصر الحاضر تقدما واضحا، وأن علينا ـ إذا أردنا الدخول في حومة الحضارة الحديثة ـ أن نتتبع خطاه ونمشي على آثاره ونفيد من تجاربه ونستخدم مخترعاته ومكتشفاته وأن نستغل الزمن المتسارع بكل دقيقة من دقائقه لئلا تتسع الشقة بيننا وبينه مع الأيام، فلا نستطيع اللحاق به بعد ذلك أبدا. وأن نكف عن التبجح بالماضي، فقولنا: كنا وكنا، لا يفيدنا شيئا. نعم كان لنا ماض مجيد، وكانت لغتنا لغة الحضارة خلال القرون الوسطى، لم تعجز عن ترجمة ما لم يكن لها به علم من قبل، وآثار علمائنا شاهدة بذلك يكفي أن نذكر منهم: آل بختيشوع وابن ماسويه وحنين بن إسحاق والكندي والفارابي وعيسى بن يحي وثابت بن قرة والرازي وابن سينا وجابر بن حيان والزهراوي وابن جزلة وابن النفيس وابن زهر وابن رشد وابن الطفيل وابن حزم... وسواهم كثيرا جدا مما لا يمكن إحصاؤه ولكن هل يكفي التفاخر بهم وبماضينا اللامع ونحن نعيش في ظلام وتفكك وتأخر؟ هل يكفي قولنا: بأن اللغة التي لم تعجز عن الترجمة والاقتباس والخلق والإبداع في القرون الوسطى، لن تعجز اليوم عن ملاحقة العلوم؟ ! هذا القول قد فاته الزمن،  والتفاخر وحده لا يجدي، بل يجب العمل كما عمل أجدادنا الكرام. والعمل الفردي في هذا العصر ناقص مبتور، فلابد من التضافر، لابد من التآزر، لابد من توحيد المساعي لتتساوق خطواتنا مجتمعين.
 إن عصرنا هذا عصر العلوم والتقنيات، عصر الآلة والذرة والإلكترون، فيجب أن نتجه هذا الاتجاه لننسجم مع التطور المعاصر ولا نشذ عنه. كان اكتشاف البخار ثورة فكرية جبارة غيرت كثيرا من المفاهيم. وحرفت طرق التجارة عن مساراتها وخلقت طورا صناعيا جديدا لن نستطع اللحاق به في إبانه فاهتبل الغرب هذه الفرصة وسيطر على العالم واستغل بلادنا وخيراتنا سنين طويلة، وما كدنا نستيقظ لنتخلص من براثنه حتى ظهر عصر الكهرباء، ولحق به عصر الإلكترون، ومازال الكثيرون منا يعيشون بأفكار القرن التاسع عشر ويعدون أنفسهم متقدمين.
ومازال كثير من حملة الشهادات العليا يجترون ما تعلموا في معاهدهم ولا يتتبعون التطور المتسارع، فكأنهم جمدوا في مواقعهم لا يحيرون حركة، الزمن يتطاير بهم وهم لا يشعرون ! بينما أرى على الجانب الآخر أجيالا جديدة تتحرق لاكتساب العلم الجديد وتتمنى لو تفحمت الزمن وأحرقت المراحل للوصول إلى أهدافها، ولكنها لا تعرف الطريق الصحيح، فهي تتخبط تخبط الأعشى، يضرب هنا ويضرب هناك لعله يصيب هدفا وقليلا يصيب هدفا وقليلا ما يصيب.
لقد طلع علينا العصر الحاضر بكل هيله وهيلمانه ونحن لا نزال نرزح تحت وطأة استعمار وحشي غاشم، وكأننا طفل أمام عملاق. غير أن هذا الوضع لم يبعثنا على اليأس والقنوط، بل دفعنا نحو اكتساب أي شيء وبأي طريق وعلى أي وسيلة. ولنعد قليلا إلى الوراء، ولنقف عند مشارف القرن التاسع عشر، ولنلق بنظرة عجلى على الأمة العربية آنذاك ثم نسير، فماذا نرى؟ الإمبراطوري العثمانية تسيطر على الشرق الأدنى كله وعلى جزء كبير من شرقي أوروبا، وتقود هذا العالم المتسع باسم الخلافة الإسلامية. وتقف أوروبا إلى الجانب الآخر تدس على هذه الإمبراطورية المسلمة وتحاربها سرا وجهرا وتحاول تحطيمها بكل وسيلة. ولابد هنا من الاعتراف بأن العثمانيين لم يفعلوا شيئا لتقدم إمبراطوريتهم أو استنقاذها، بل تقوقعوا حول أنفسهم وتركوا الدنيا حولهم تدور كما تهوى. أوروبا تتقدم علميا واقتصاديا وعسكريا، وهم جامدون يراوحون في أماكنهم على ما كان أجدادهم، وجاءهم نابليون من أقصى الغرب فهز إمبراطوريتهم هزا عنيفا، ومكن انتصاره للمبدأ السياسي السائد في المحافل السياسية الأوروبية الذي يشبه هذه الإمبراطورية بالرجل المريض، ووقفت كل الدول العصرية تنتظر موته لتتقاسم إرثه.
وهزهم محمد علي باشا من بعده مرة ثانية، ودخل إبراهيم باشا بجيوشه إلى لب بلادهم، وتوقف عند كوتاهية يشرف على عاصمتهم. ولولا اختلاف الدول الأوروبية يومذاك على تقسيم الإمبراطورية العثمانية فيما بينهم، ولولا ضغطهم على إبراهيم باشا وإرغامه على التراجع، لكان هو الوارث الوحيد لها، ولبنى الإمبراطورية العثمانية المزعزعة، إمبراطورية عربية. وكانت الحرب العالمية الأولى ثالثة الأنافي ـ وقد مهدت لها حروب البلقان وليبيا من قبل ـ وصحونا عام 1918 فإذا الدنيا غير الدنيا وإذا البادشاه العظيم قزم محبوس في قصر يلدز، وإذا البلاد العربية مجزأة مفصصة. يحكم الإنكليز العراق والأردن وفلسطين ومصر وعدن، ويسيطرون على سواحل الجزيرة العربية كلها سيطرة مغماة بمعاهدات مع مشائخها وأمرائها، أقل ما يقال فيها: أنها ضحك على الذقون. ويحكم الأفرنسيون سوريا ولبنان وتونس والجزائر والمغرب. وتحكم إيطاليا ليبيا. وتحكم إسبانيا مراكز إستراتيجية مهمة في المغرب مثل مليليا وسبتة والصحراء المغربية والساقية الحمراء، وتحكم طنجة هيئة دولية من كل هؤلاء، لكل دولة في إدارتها نصيب خاص، وإذا وعود لورانس هباء، ومكماهون كذاب، وعصبة الأمم لعبة في أيدي كبار المجرمين والغدارين، والعرب يقطعون أصابعهم ندما على وقوفهم إلى جانب الحلفاء الخونة (بريطانيا وفرنسا وأمريكا).
ولكن هل وقف العرب مكتوفي الأيدي أمام هذه الفاجعة؟ هل استسلموا إلى اليأس والبكاء حسرة وعجزا؟
كلا، فقد نفروا إلى العمل في كل حومة، وقاموا بثورات دموية رائعة كانت مثالا في البطولة تسطر بحروف من ذهب، وناوروا مناورات سياسية بارعة جدا نجحوا في بعضها وأخفقوا في كثير لقوة أعدائهم وتكالبهم عليهم، واتجهوا نحو التعلم يعبون منه عبا سريعا لينقذوا شعبهم من الجهالة الطويلة التي ران عليهم ظلامها طوال العهود العثمانية، وطفق القادرون ينقلون إلى اللغة العربية ما لقنوه في الغرب، يجاهدون على كل جبهة لا يكلون ولا يملون حتى انحسرت الحرب العالمية الثانية عن استقلال البلاد العربية متتابعة متتالية، وها نحن الآن ـ بحمد  الله ـ مستقلون في كل قطر، فهل وصلنا إلى ما نبتغيه، وحططنا على الهدف الذي سرنا نحوه عصورا؟
عفوكم أيها السادة، كان لابد من هذا التمهيد التاريخي لتعرف أين نحن؟ وماذا علينا أن نعمل؟ وكيف نخطط لكي لا مضل السبيل. وأنا لم آتكم بجديد، وإنما قربت الأمر من ذاكرتكم تطبيقا لقول الله تعالى: ((وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)).
لنعد إلى عهد إبراهيم باشا، فقد تنبه إلى ضعف الإمبراطورية العثمانية وتهالكها، ووطن نفسه ليكون وريثها، وعرف أن عصره عصر علم وتخطيط لا عصر كلام وتخليط، إن الدجل السياسي لا يبني دولة، فعليه أن يعمل، فكيف عمل؟
إنه هو الذي استحدث والده الروحي محمد علي باشا على إرسال البعوث إلى أوروبا للدرس والتعلم، وليكونوا نواة للدولة الناشئة. وهو الذي رسم خطة التعريب التي سار عليها خلفاؤه من بعده، فلما احتل الإنكليز مصر عرقلوها ثم منعوها. ولو رجعنا إلى عهد التعريب الخديوي لرأينا مؤلفات عربية بعلوم عصرية كالطب والصيدلة والنبات والفلك والجيولوجيا والفيزيا والكيميا والميكانيك والهندسة والهيدروليك والعلوم العسكرية وسواها.
فلماذا لا نجد الآن مثل هذه الهمة وعلى المستوى الذي نريد؟ مع أنا جئنا بعهدهم بقرن أو يزيد !
لعلنا لو استقصينا الأسباب وحاولنا حصرها، لما وجدناها خارجة عما يلي:
1- قناعة بعضنا بعجز اللغة العربية عن مساوقة العلوم العصرية، واعتقادهم بأنها لغة لم تخلق إلا للشعر والأدب والغناء.
2- عجز بعض البلاد العربية عن تعريب التعليم والإدارة حتى اليوم بسبب تفشي اللغة الأجنبية التي كانت حكومتها مسيطرة عليهم.
3- وإذا عربت بعض البلاد التعليم الابتدائي والثانوي، فما زال التعليم الجامعي فيها بلغة أجنبية.
4- ارتباط المصالح المتبادلة ما بين بعض المتنفذين والدولة الأجنبية ارتباطا ماديا وثقافيا، فقد نشأوا في ظلها وتعلموا بلغتها، وهم يجهلون اللغة العربية أو يكادون.
5- العمل الخارجي الحثيت، والمخطط تخطيطا شيطانيا لإقناعنا بأن سير العلوم الذي يكاد لا يصدق العقل مدى تسارعه، لا يترك للغة العربية الجامدة مجالا لمجابهة التطور العالمي حتى ولا إمكانية ملاحقته.
والجواب على كل ذلك سهل ميسور، فلغتنا ليست لغة شعر وأدب وحسب، بل هي لغة علوم كذلك. والأدلة عليها كثيرة موفورة نقتصر مها على ما يلي:
1- حينما اضطر العرب إلى الترجمة لمجابهة حضارة لم يكونوا يعرفون عنها شيئا، لانت لهم اللغة وأعطتهم ما يشتهون فترجموا وعربوا الفلسفة والفيزيقا والإرطماطيقا والماطماطيقا والجيومطريا وعلم الهيئة والطب، ، ولم يقفوا عند حد.
2- وفي بدء عهد الدولة الخديوية في مصر، ساروا على الخطة نفسها، وأسعفتهم اللغة بكل ما يريدون. و عندنا من آثارهم في العلوم المختلفة والطب والصيدلة والميكانيك والهيدروليك وسواها. ما نقف أمامه بكل احترام.
3- وفي فترة استقلال سوريا عام 1918 وهي فترة لم تزد على عامين، عربت الإدارة كما عرب التعليم من أدنى درجاته حتى نهاية التحصيل العالي والجامعي، ولم يتراجع السوريون عن تعريبهم حتى اليوم، ولقد حضرت في العام الماضي درسا بالإلكترون في الجامعة السورية بدمشق ألقاه أستاذ شاب عرض فيه مصطلحات العلم مترجمة إلى اللغة العربية، مما أدهش زميلي مدير مكتب تنسيق التعريب ـ وكان رفيقي في هذه الزيارة ـ وزاده يقينا بقدرة لغتنا وليونتها.
4- الأعمال العلمية التي قمنا بها في مكتب تنسيق التعريب إذ وضعنا معاجم علمية كثيرة، منها التي عرضت في مؤتمر الجزائر وندوة القاهرة، فوحدت وأقرت صيغتها النهائية، وستكون بين أيديكم بعد بضعة شهور. ومنها معاجم في البترول والحقوق والإدارة والاقتصاد والخرائط والهيدروليك وسواها، وجميع مصطلحاتها باللغة العربية ترجمة أو تعريبا لما في اللغة الإنكليزية واللغة الفرنسية معا، وجميع معاجمنا ثلاثية اللغات ولنا الأمل أن نرفعها إلى خمس لغات حين تضيف عليها الروسية والألمانية.
5- الأعمال العلمية التي قام بها أساتذة الجامعات في سوريا والعراق ومصر، وسجلت في مؤلفات
قيمة جدا، هي موضع تقدير العلماء العرب والأجانب على حد سواء.
6- آلاف المصطلحات العلمية التي وضعتها المجامع اللغوية والعلمية في القاهرة ودمشق وبغداد. ومجلاتها القيمة شاهدة بذلك، بل أن في بعضها تحقيقات علمية جديدة تصحح كثيرا من المفاهيم السائدة في الغرب.
وأما قول بعضهم بأن العلوم العصرية يدخل عليها في كل يوم نحو خمسين مصطلح جديد، وبأن التطور يخلق كل يوم علما لا تعرفه اللغة العربية، فالجواب عليه: بأنا استطعنا في مكتبنا ـ على ضعفه وفقره ـ أن نجابه هذا الوضع، ونجحنا فيه إلى حد بعيد جدا، ولو فسح لنا في العمل كما نشاء. ورفعت من طريقنا العقبات أزيحت المثبطات لادينا خدمات أكبر، ولساعدنا بمجهودنا المتواضع المجامع اللغوية التي لم تقصر هي كذلك في الترجمة والتعريب، ولولا الروتين الدائر، وحكمة الشيوخ المتأتية، ومحاولة تحري أكبر ما يمكن من دقة، لماشت جميعها تسارع العصر الحاضر.
                                                   * * *
وقد كنا وما زلنا ننقل عن الغرب ترجمة وتعريبا بصورة شخصية فردية يشعر أحدنا بالحاجة إلى الترجمة فيقوم بواجبه وحده مستهديا بهدى ضميره وقد يقع أن يترجم المصطلح العلمي عالم عربي آخر أو أستاذ في جامعة، فينشأ للمصطلح العلمي الواحد ترجمتان أو أكثر. وتنشأ مع هذه الفوضى لهجات علمية جديدة تشبه ما نحن فيه واقعون من اللهجات العامية المتباينة. ومن هنا كانت الدعوة الملحة التي يقوم بها مكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي لتوحيد هذه المصطلحات، وبسببها أقيم مؤتمر الجزائر ومن أجلها استدعيت الندوة العلمية هذا الصيف. وقد أخذت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم خدمة هذه الفكرة على عاتقها، وستدعو إلى مؤتمرات كل عامين، لتوحيد ما يجمعه مكتب تنسيق التعريب ونستطيع أن نطمئن بعد الآن، إلى أن المصطلح العلمي قد أخذ سمته وعرف طريقه، وسيكون للأمة العربية كلها مصطلح موحد مقابل المصطلح الأجنبي.
لقد أكدت على المصطلح العلمي كثيرا وأهملت ما سواه، فما شأن التراجم يا ترى ؟ وهل إذا كان عصرنا عصر علم وتقنيات، يجب أن ينصب اهتمامنا عليها وحدها، وأن نهمل ما عداها؟
كلا، فالأدب  والفن شأنهما هين جدا إذا قيسا بالعلم ولقد أكثرنا من ترجمة الروايات والقصص والمسرحيات ونثرنا على العالم العربي كميات هائلة جدا من أثار أدباء العالم الكبار من كل لغة، بل بلغتنا فيها حد التخمة، ودخل علينا بسبب ذلك كثير من الكتب التافهة واللاأخلاقية والمؤذية. ونحن لا نستطيع، أن نغل أقلام الكتاب والصحفيين والمنشئين والقصاصين والشعراء وتحصر حق الترجمة بهيئة معينة ـ حكومية أو غير حكومية ـ كما تفعل بعض الدول التي تلغي حرية الفكر، ولا ندعو إلى ذلك، ولكنا نستطيع أن نجابه المشكلة بأسلوب آخر، يفسح المجال للمنافسة ويمنح الحرية للجميع بلا حدود، وهو أن نؤسس هيئة عليا للترجمة في كل قطر عربي ونربط بينها بصلات وثيقة ونطلق يدها في اختيار ما يجب أن يترجم فيما بينها، لكي لا تتعدد ترجمات الكتاب الواحد، وتقوم هي بالترجمة أو تكلف من ترى فيه القدرة على القيام بهذا العمل، وتنشر أعمالها مطبوعة طبعا أنيقا متقنا، وتعرضه في السوق رخيصا، يجتذب القراء نحوها فيميلون إلى الأصلح ويهملون ما عداه.
ولو رجعنا إلى تاريخنا القريب لوجدنا شبيها بهذه الفكرة التي أملتها الحاجة إلى الذوق الرفيع والإيمان بقيمة ما يجب أن يقدم إلى القارئ العربي من زاد فكري سليم.
ففي زمن محمد علي كانت هناك هيئة عليا للترجمة، ولعل الطهطاوي أول من ساهم في تقويتها وتدعيمها، ثم ضعفت بعده وتضاءلت بعد احتلال الإنكليز مصر، ثم انمحت نهائيا.
وتأسست في مصر بعد الحرب الكونية الأولى لجنة غير حكومية أطلقت على نفسها اسم: (لجنة التأليف والترجمة والنشر). من أشهر أعضائها: طه حسين وأحمد أمين أحمد زكي وعبد الوهاب عزام وأحمد حسن الزيات وإسماعيل مظهر، ونشرت إنتاجها الأدبي والعلمي فحازت ثقة القارئ العربي بدقتها وإتقانها وحسن تخيرها للموضوعات المترجمة والمؤلفة.
وتأسست في سوريا حوالي عام 1934 عصبة الأدب، تحمل الفكرة نفسها، من أعضائها عمر أبو ريشة، وسامي الكيالي وٍأورخان ميسر وممدوح حقي ونشرت من آثارها كتاب الكشاف وديوان أبي ريشة والغريزة الجنسية، ثم أدركها ما أدرك لجنة التأليف والترجمة المصرية.

وقامت في دمشق وقبيل الحرب الثانية جماعة التحصيل العالي ونشرت مبادئها وهي لا تخرج عن مبادئ عصبة الأدب كثيرا، فقضت عليها قوانين الحرب سريعا ولم تنجز عملا ذا قيمة.
وقام بعض الشبان الجامعيين في مصر بتأليف لجنة لترجمة الموسوعة الإسلامية، وها قد مضى عليها نحو أربعين عاما ولم تترجم نصفها، بينما أعيد طبعها في أوروبا للمرة الثانية منقحة مزيدة موضحة.
وظهرت في العراق محاولة شبيهة بها دعا إليها الشاعر الرصافي، لكنها لم تنجح، وجدد الدكتور داود الجلبي الدعوة، فأخفق.
وأقيمت في الأردن لجنة حكومية للتعريب والترجمة والنشر، ومازالت نشيطة تعمل وصلتها بمكتبنا وثيقة جدا.
وكذلك فعلت الحكومة السورية، وأكثر منشوراتها علمية قيمة ومثلها سلكت حكومة الكويت لكن أكثر منشوراتها أدبية.
ولم يظهر في الجزيرة العربية كلها، ولا في الشمال العربي الإفريقي حتى اليوم ما يشبه هذه الهيئات، كل ما هنالك أعمال فردية أو حكومية تنشر أعمالها من دون تخطيط تم تضمحل.
وأراني أقف احترما وإجلالا لعمل المجامع اللغوية الثلاثة: مجمع القاهرة ومجمع دمشق ومجمع بغداد، وللجامعات العربية وبخاصة منها جامعة دمشق التي باشرت تدريسها بعيد الحرب الكونية الأولى باللغة العربية، وما زالت مستمرة على ذلك حتى اليوم، وترك كبار أساتذتها آثارا علمية جديرة بالتقدير، نذكر منهم: القنواتي والخياط وخاطر والكواكبي والقباني وحسني سبح، وهو الآن رئيس المجمع العلمي العربي في دمشق، ومع أنه قد بلغ من العمر ما ينبغي لمثله أن يستريح فيه، لكنه ما زال دائبا على التأليف والترجمة، وآخر أثر له: نقد وتصحيح لمعجم كلير فيل الطبي الفرنسي.
وإذا كنا نقدر المجامع اللغوية والجامعات العربية إجمالا، فيجب أن لا ننسى عمل المؤتمرات العلمية المتمادية منذ نحو ثلث قرن، كالمؤتمرات الطبية والصيدلية والهندسية والقانونية والاقتصادية والمالية وسواها. تتناوب اجتماعاتها في مختلف العواصم العربية ويشهد كل عام عددا منها تسجل أعماله في ضبوطها، ويفيد منها العلماء والمتخصصون بعد ذلك. ونحن في مكتبنا أفدنا من نتائج هذه المؤتمرات.
وصححنا كثيرا من المفاهيم والترجمات على ضوء بحوثها ومناقشاتها وتقاريرها وتوصياتها.
وتمخضت الحرب العالمية الثانية عن أحداث جسام، هزت العالم العربي هزا عنيفا، ودست في جنبه خنجرا مسموما هو ما يطبقون عليه اسم إسرائيل وتبلبلت الأفكار وولدت أحزاب متعددة تحمل مبادئ متباينة تتفاوت ما بين أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وظهرت في الشرق الأدنى على أثر ذلك، كتب يسارية بعضها معتدل وبعضها متطرف، وترجمت جميع آثار ماركس وهيغل ولينين وماو، تؤيدها وتساعد على نشرها دولة شرقية كبيرة.
وظهر مقابلها في لبنان وفي مصر كتب يمينية عليها مسحة أدبية ما بين قصص ومسرحيات وتاريخ شخصيات وشعر، تؤيدها وتنشرها هيئة موكلة عن حكومة غربية كبيرة كذلك.
وتصارعت الآراء وتشوش الفكر العربي وتحير الجيل الناشئ كيف يقرأ؟ ولمن يقرأ؟ وتنبهت جامعة الدول العربية إلى هذا الوضع الشاذ، فأنشأت فيها مكتبا أسمته: (الإدارة الثقافية) وكلفته بدرس النشاط الفكري العربي وتوجيهه توجيها عروبيا  حسنا ما أمكن.
ومازالت الفكرة تتطور تطورا مستمرا حتى خلقت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وضمت إليها: الإدارة الثقافية، ومكتب تنسيق التعريب، وجهاز محو الأمية، ومعهد الأبحاث والدراسات العربية، وأخذت تعقد الاجتماع تلو الاجتماع لبحث موضوعات فكرية وعروبية شتى وتضع تقاريرها وتقدم توصياتها.
ولما عقدت حلقة الترجمة في الكويت أواخر العام الفائت، نوقشت الترجمة مناقشة صريحة جدا، وتقدم كثير من ممثلي الحكومات العربية بآراء قيمة، ولكنها جميعا لم تنظر إلى ترجمة المصطلحات العلمية. التي هي أساس التطور المعاصر، وكأنها تركت الأمر لمكتب تنسيق التعريب المتخصص الوحيد في الوطن العربي بهذا الموضوع، والمكتب وحده لا يستطيع عمل شيء إذا لم يقف العلماء العرب إلى جانبه يمدونه بالعون والمساعدة التي نتطلبها تتلخص فيما يلي:

1- أن تتكون في كل قطر عربي كتلة من العلماء والأستاذة الجامعيين يتابعون التطور العلمي ويمدوننا بما استحدث من مصطلحات جديدة بأي لغة، وبما يقترحون لها من ترجمة ملائمة.
2-  ونحن نتلقى من كل قطر ما بعث به، وننسقه مع ما يأتي من الأقطار الأخرى، ونضع فيه مشروع معجم ننشره على العلماء لنتلقى آراءهم فيه نقدا واصطلاحا ونسجل ذلك كله، وننقح مشروعا بالقدر المستطاع، ثم نعقد ندوة من كبار المتخصصين من كل قطر لدراسته، حتى إذا أشبعوه بحثا وتحقيقا وتصحيحا، أعدنا تنسيقه من جديد، وعرضناه على المؤتمر العربي الكبير  ليكتسب شرعيته.
3-  وبعد موافقة المؤتمر عليه، يصبح معجما شرعيا، نطبعه طبعا أنيقا صحيحا ونقدمه إلى العالم العربي لتطبق مصطلحاته الموحدة في جميع الأقطار على السواء.
لكن هل انتهت مهمتنا عند هذا الحد؟ كلا، لأن العلوم في تطور مستمر، ويدخل عليها في كل يوم نحو خمسين مصطلحا، فعلينا متابعة هذا التطور وملاحقة ما يستجد يوميا وتسجيله وإعادة البحث فيه وتوحيد ترجمته باستمرار وإدخاله في المعجم الجديد بالطريقة نفسها التي صنع بها المعجم المتقدم.
تلك هي إحدى الصعاب التي تعانيها ترجمة المصطلحات العلمية، وهي عقبة يسهل تجاوزها بالدأب والإيمان، وهناك عقبات أخرى كثيرة نسرد بعضها فيما يلي:
1- لا شك أن كثيرا من العلوم المعاصرة لم يكن العرب يعرفون عنها شيئا، بل حتى الأمم المتمدنة الحديثة لم تكن تعرفها قبل ولادتها، ومع كل علم مصطلحات جديدة، فكيف نضع لها مقابلاتها، وليس في معاجمنا لها شبيه؟ من أين نأتي بالراديو والتلفزيون والهيغرومتر والبارومتر والجيوفيزيا والجيوموفولوجيا والبتروغراف والستراتيغراف، وما ماثلها، وهي تعد بمئات الآلاف، ولم يكن أحد في الكون يعرفها قبل خلقها في العصر الحاضر، وأحرى ألا يعرفها العرب وألا توجد في معاجمنا حتما.
 هناك طريقتان رئيسيتان نتبعهما دائما في صياغة المعاجم، إحداهما الترجمة والثانية التعريب. فإذا لم نوفق بالترجمة الصحيحة إلى مصطلح من كلمة واحدة، وضعنا اثنتين، إما بطريقة الإضافة كقولنا لكلمة menophious هوائي التلقيح، أو بطريق الوصف كقولنا لكلمة anomalos stem ساق شاذة، وحين نعجز عن الترجمة الصحيحة نعربه تعريبا، وهو أن نقربه من وزن صرفي معروف فيقول للتلفزيون مثلا (تلفاز) على وزن فعلال، ولكلمة machine مكينة على وزن فعيلة، ونشتق منها بعد ذلك ما نشاء فنقول: تلفز يتلفز تلفزة متلفز متلفز،، الخ. وإذا عسر علينا وضعه في وزن صرفي عربي أخذناه كما هو فقلنا: رادار radar وكروماتيد chromatid وكيوتن... ثم نشتق منها ما يمكن، فنقول مثلا من كيوتن: كوتن يكوتن مكوتن مكوتن cutinised وإذا لم يسعفنا الإشتقاق، عدنا إلى الترجمة الجميلة.
2- وقليلا ما نلجأ إلى النحت فنقول: برمائي مثلا قياسا على ما قاله العرب: عبشمي من عبد شمس وحضرمي من حضرموت، وعبد لي من عبد الله، وحمدل من الحمد لله،، ولكنا نخشى أن نفتح الباب على مصراعيه فتدخل علينا تراكيب مستقلة نحن في غنى عن اختصارها بهذا النحت المستهجن، ولا يدفعنا إليها إلا حب التقليد والمحاكاة.
3- وتنهد أمامنا صعوبات جديدة هي المترادفات فاللغة العربية من أغنى لغات العالم بالمترادف ـ وإن كنا لا نؤمن بالمترادف المطلق على إطلاقه ـ لكن كثرة هذا الترادف، إن أغنى لغة الأدب والشعر، فقد يخلق في العلوم فوضى ويسبب بلبلة، إن أهم شيء في العلم هو دقة التعبير، بحيث إذا لفظنا المصطلح لا ينصرف إلى سواه، ولو بالتشبيه، والمترادف لا دقة علمية فيه، فكيف نقول في الألفاظ التالية مثلا:
Calamidous : غلافي أم غمدي؟
 Chromosome déficiecy : نقص صبغي أو قصر صبغي؟
Curved: منحن ؟أم مقوس أم ملتو أم معوج؟
Dormant stage: طور السكون أم طور السبات أم النعاس أم النوم أم الرقاد؟
Energy liberation: تحرير الطاقة أم إطلاق الطاقة.
Carly flower: زهرة مبكار أم بكور أم معجال أم عجول أم متبادرة أم بادرة؟
paléobotany: علم الحفريات النباتية أم الأحافير أم المتحجرات أم علم الإحاثة؟
Herbivor: نباتي أم عاشب؟
Fraail: هش أم قصف أم كسور أم عطوب أم هشوم؟ وماذا نعطي لكلمتي:
Cassant – écrasable
Fraament: كسرة أم فتيتة أم قطعة أم جزء أم شظية؟
 
 Hibernation  : بيات شتوي أم خمود أم رقاد أم سبات أما نوم؟
ومثل ذلك كثير جدا وإنما مثلت بهذا العدد القليل لتقريب الفكرة، على أننا قد نفيد أحيانا من بعض المترادفات، وبخاصة إذا كانت تشير إلى وصف معين، فنحددها تحديدا استعماليا جديدا يضعها في مكانها من التعامل العلمي، وبهذا نحاول التفريق بين: السيولة والميوعة. اللدونة والليونة والمرونة. السد والسد، الإفراز والإبراز والإخراج، العمومي والعام، الخ، ومثل هذا عدد وفير، لكن من هو صاحب الحق الشرعي في وضع ذلك كله وتحديده؟
4- ومشكلة الوحدات والمقاييس والرموز والأرٍقام الحسابية الجبرية لم تحل بعد.
كان أجدادنا يعرفون القمحة والدرهم للوزن الخفيف الثمين كالذهب والفضة والحجارة الكريمة. ويعرفون الأوقية والرطل والقنطار للوزن الثقيل، ويعرفون الذراع والباع والمرحلة والميل للأطول والمسافات، ويعرفون القصبة والفدان للمساحات، ويعرفون الصاع والمد والغرارة للكيل، لكن كل هذه الوحدات والمقاييس غير دقيقة، فما وزن القمحة مثلا، وما عرض الشعرة، وكم هي الأوقية والرطل؟ وما طول الذراع والميل؟ وما الفرق بين الذراع الهاشمي والذراع العادي؟ الخ.
كان كل بلد يستخدم مقياسا خاصا به، فالرطل في مصر مثلا صغير جدا إذا قيس برطل الشام الذي يزن 800 درهم أو رطل حلب الذي يزن 1000 درهم، وتنسحب هذه الفوضى على كل مقاييسنا القديمة، فلما حل المقياس المتري محلها وانتشر في البلاد العربية المتقدمة، تقاربت المفاهيم، لكن ما زالت هناك وحدات ومقاييس أخرى سواها، إن لم تبلغ الآلاف فهي حتما بضع مئات، كيف نحل مشكلتها؟ كوحدات للوقت والزمن والسرعة والشدة والشغل والعزم والتردد والمقاومة والكثافة وطول الموجة والانحراف والاحتكاك واللزوجة والصوت والإضاءة والإلكترون والكهرباء، فهذه كلها كيف نترجمها؟
5- ومشكلة الرموز الكيماوية والرياضية والفزيائية والكهربائية والإلكترونية وما شابهها كيف نجد طريقا لحلها.
6- وإذا انتهينا من مشاكل الترجمة والتعريب نجد أنفسنا في موقف آخر تجابهنا فيه  المطبعة بالحرف المشكول والحرف العاري والحرف الراكب والحرف المسطح، ومشاكل طباعية كثيرة بحثتها  الندوة التي عقدتها المنظمة العربية للتربية والثقافة العلوم أواخر 1971 وانتهت منها إلى توصيات نرجو لها حسن التطبيق لأن الحرف هو الوسيلة التي تتشكل بها الكلمات المتفاهم بين الناس، فإذا كانت هناك صعاب طباعية قائمة، تلكأ الحديث المتبادل ما بين العالم والمتعلم، وتباطأ التفاهم وعسرت الاستفادة والإفادة وخدمة الفكر.
7- يقولون: إن في اللغات الأوروبية سوابق ثابتة على الكلمة، ولواحق تساعد على التصريف وتقليب المعاني، وليس في العربية ما يشبهها، ولذلك لا يمكن أن تكون وسيلة سهلة للعلم. ونسي هؤلاء الشعوبيون أو تناسوا أن لكل لغة عبقريتها الخاصة في الصياغة والتصريف وابتداع الصور المختلفة للمعاني المتباينة، وإذا لم يكن للعربية هذه السوابق واللواحق فلديها مئات الأساليب الاشتقاقية مما يفتقر إليه سواها. وما قول هؤلاء الشعوبيين باللغات التي كانت ميتة فأحياها أهلها في برهة عقدين من السنين أو ثلاثة، وهي الآن تتعامل إداريا وتدرس كل العلوم بلغتها القومية كالفيتنامية والكورية والعبرانية. فهل تكون العربية أقل منها؟ وإذا كانت هيئة الأمم قد اعترفت بالعربية لغة خامسة في التعامل الدولي، أفنكون أقل حماسة للغتنا من الغريب؟
8- تلك هي أهم مشاكل الترجمة تناولتها من الداخل، وأخرت عن عمد المشكلة الخارجية الكبرى لأركز عليها.
نحن نعمل ونجد ونترجم ونضع المعاجم ونوزعها على العالم العربي بقصد استخدامها والإفادة منها، فإذا بقي التعليم بلغة أجنبية، وبقيت الإدارات تمارس اتصالاتها وأنظمتها بلغة غير لغة الشعب، فما هي الفائدة من كل هذا العمل؟ ولماذا اجتمعنا نحن هنا؟ الأجل أن ننظر في ترجمة شكسبير ودانته وغوته ولودفيغ وريكله وبيليكو ولامارتين وكافكا؟ دعوا الأدب يسير في طريقه وحده فهو كفيل بالنهوض على قدميه من دون هذا التدخل، ولنركز على الترجمة العلمية لننقل ما وصل إليه الغرب من علوم بها طغى علينا وحطمنا واستعمرنا، تعالوا نستعمل سلاحه نفسه لكي نعرف كيف ندافع عن أنفسنا ونحمي كياننا
وننطلق مع الحضارة الحديثة بكل كيانها. الشعوب الزراعية دائما في الدرجة الثانية، والشعوب الصناعية دائما في الدرجة الأولى، إن الشعب الذي لا يعرف كيف يدبر الآلة ويسخر الكهرباء ويطوع الإلكترون، ويقف عاجزا أمام التقدم الحضاري ويستعير مظاهر المدنية استعارة. شعب مقضى عليه بالجمود والتأخر.
ولا يعيبنا أن نأخذ العلم عن سوانا مهما كان شأنه، نستفيد من الصديق والعدو إلى مبتكرات العلم في أقاصي الأرض، أو لم يأخذ الغرب عنا علومه وفلسفته حينما هم بالنهوض؟ هم أنفسهم قالوا بأن حضارتهم الحديثة مدينة للعرب. اسمعوا أقوال عظمائهم:
قال جورج سارتون مؤلف (تاريخ العالم): كان العرب أعظم معلمين في العالم، زادوا على العلوم التي نقلوها عن غيرهم، ولولا عملهم لتأخر سير المدنية قرونا عديدة).
وقال نيكلسون: (ما المكتشفات اليوم بمحسوبة شيئا مذكورا إزاء ما نحن مدينون به للعرب الرواد الذين كانوا مشعلا وضاء إبان القرون الوسطى المظلمة في أوروبا).
وقال أكثر مؤرخي العلم من الأجانب: ( إن الحضارة الإنسانية مدينة للعلماء العرب في كل فرع من فروع المعرفة، وأنه كان لابد من ظهور ابن الهيثم والبيروني والكندي وأمثالهم لكي يتسنى ظهور جاليلو وكيلو وكوبرنيق. وإنه لولا أعمال العرب، لاضطر علماء النهضة الأوروبية للبدء من حيث بدأ هؤلاء، ولتأخر سير المدنية عدة قرون).
وكذلك قال كليردونو وسيديو وولز ونيو برجر ولكلرك مؤرخ الطب العربي وجرمان وبرترام وهومبولد وبيتر باخمان وغوستاف لوبون، وكثير غيرهم.
قال عبد الحليم المنتصر رئيس اتحاد الجمعيات العلمية في العالم العربي، تعليقا على ذلك: أذكر أنني شاهدت في سقف مكتبة الكونكرس الأمريكية، منقوشا بما الذهب: (إن مصر هي الينبوع الأول للحضارات جميعا، وأن العصر العربي الإسلامي هو الينبوع الأول للعلوم الطبيعية) فشعرت بالزهو أن أكون سليل هاتين الحضارتين ووريث هاتين الثقافتين.
وأنا نفسي جمعت من المعجم الفرنسي وحده بضعة آلاف كلمة عربية، أخذوا بعضها من اللغة الفصحى كالأمبيق والغول والألفباء والأبجدية والبرقوق والتكويم والطبيب ودار الصناعة، وأخذوا بعضه الآخر من العامية السائدة كالأفندي والآغا والعيش وكلمة بزاف المغربية (وهي بمعنى كثير). وتصرفوا ببعض الأسماء المشهورة تصرفا ليس فيه ذوق فقالوا: أفيسين لابن سينا، وأفرويس لابن رشد، وسلادان لصلاح الدين، وأبدل لعبد الله، بينما حافظ العرب قديما على النطق الأصيل في الترجمة فقالوا: أرطماطيقا وفيزيقا وجيومطريقا.
ونحن في هذا العصر نقول: بتروغرافيا وستراتيغرافيا وخونه ولونا. وإذا لم يكن لبعض الحروف الأجنبية مقابل عربي مثل U.G.P فإنا نقربها بقدر الإمكان من حرف شبيه. ولهذا عدل عن اليصابات إلى إليزابيث مثلا. وقد وضع المجمع اللغوي بعض القواعد لذلك، نرجو أن تنتشر وتطبق، ولغتنا كريمة معطاءة تساعدنا على الترجمة الدقيقة، والشعب الذي لا يستخدم لغته القومية في التعليم وفي الإدارة شعب مستبعد ثقافيا لسواه، وشهامتنا العربية تأبى لنا مذلة الجهل، وديننا يأمرنا بالعلم وبالعمل: (( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)) والأرض يرثها عباد الله الصالحون لإعمارها والحياة فيها. ((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم)).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here