islamaumaroc

يوم الاحتفال بذكرى تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي

  دعوة الحق

العددان 164 و165

كان مؤتمر القمة الإسلامي الأول الذي انعقد في اليوم الثاني عشر من رجب عام 1389 برباط الفتح إيذانا بفجر صادق في حياة الأمة الإسلامية، وحدثا فذا من أحداث التاريخ لهذا القرن، ومناخا مناسبا لوضع أسس جديدة للتعاون والتآزر بين البلدان الإسلامية، وبشيرا بحاضر مزدحم بالآمال الكبيرة تثلج الصدر وتنعش الآمال، ومبشرا بالمستقبل العظيم الرائع الفسيح الذي أدخره الله للأمة الإسلامية التي تشرق أعمالها في الصفحات العظمى من التاريخ، والتي اصطفاها الله لتبليغ رسالته الخالدة التي لا يلحقها نقص الإنسان، ولا يسبقها تطور العالم، فضمن لها حياة صافية من الشوائب والأمشاج، تفيض فيها عوارف الود والإخاء، وعطايا المحبة والسلام، لأنها تقوم على التنافس في الخير، والتضامن على البر والتفاضل في التقوى...
                                                   -*-
ففي عام 1389 هب العالم الإسلامي للحادث المروع المفجع الذي أقض المضجع، وأدى إلى حريق المسجد الأقصى على يد الصهاينة وأحلافهم الذين كشفوا عن نواياهم العدوانية، مدركين إذ ذاك ما نحن فيه من ضراعة الجانب، وضيق المضطرب، فركبوا مركبا خشنا، أناروا به حفيظة المسلمين، وحمية المؤمنين، وكان له صدى عميق في ضمائر قادته على اختلاف نزعاتهم، وأجناسهم... ولفرط فداحة الألم الممض الذي جمع شتى القلوب على الإحساس المتحد، والمقاومة الشديدة، والحياة العزيزة تداعي ملوك ورؤساء الدول الإسلامية إلى مؤتمر عاجل في مستوى القمة يعالج ما مني به أبناء الأمة الإسلامية من علل الفساد، وأسباب الوهن بالعلاج الصواب، والنفع المحقق، فهتفت قلوب إلى قلوب، وسعى بعض إلى بعض، وائتمروا بينهم بمعروف، ورجعوا إلى التوحيد جوهر الإسلام الذي يؤول إلى التحاب في ذات الله، والتعاون في سبيله، والتفاهم عل حقه...
ولعل من نهض بهذا العبء الباهظ، وعبأ له كل القوى الزاخرة، وأرصد له كل الأهب الحية جلالة الملك المسلم رائد التضامن الإسلامي مولانا الحسن الثاني حفظه الله الذي دعا الأمة الإسلامية إلى كلمة سواء، وسعى لها سعيا وهو مؤمن، وعمل لتدارك أحوالها وجمع كلمتها إيمانا منه بأن هذه الأعمال الواجبة، أمر يحتمه الشعور الحقيقي بعظمة الغاية التي تهدف إليها، وبثقل التبعة التي تنتظر من ينهض لهذه الغاية التي تقوم على حياة جديدة، وأسس علمية واقعية، وعمل عسير ضخم يكون في حاجة إلى حماسة في الإيمان به، وجرأة  في اقتحام العقبات المرصودة في طريقه، وصبر على الجهد الشاق الواجب له حتى يصبح الأمل واقعا، والرجاء حقيقة....
                                                -*-
وهكذا كان صوت سبعمائة مليون مسلم في رحاب عاصمة المملكة المغربية واضحا صريحا في قلوب المؤمنين، وململما مجلجلا في قلوب المذبذبين خر له العدو صعقا، ومادت الأرض تحت أقدامه، وأتاه العذاب من حيث لا يشعر، حيث أخذ المد الإسلامي الزاخر الذي يعب عبابه، وتصطخب أمواجه منذ يومها في الظهور في كل مكان، على الرغم من الضربات الساحقة المتلاحقة التي كانت توجه ضد طلائع البعث الإسلامي من طرف أعداء التحركات الإسلامية ومروجي الدعايات المغرضة التي كانت، بفضل الصمود والثبات، تنفثئ مؤامراتها النيئة اللعينة كما تنفثئ الفقاعات الفارغة دائما مهما كانت ضخمة المظهر، شديدة البريق، قوية اللمعان...
إن الإسلام الذي يتضمن التصور الكلي الشامل المتناسق عن الوجود والحياة، ويقيم التكافل الاجتماعي في المحيط الإنساني مقام الصراع والتطاحن هو الذي دعا المسؤولين من رواد البعث الإسلامي وقادة التضامن منذ بداية هذا القرن، لإقامة جسور من الاتصال والتعاطف بين مختلف الأمم والشعوب، والعمل على استيناف حياة إسلامية نابضة في مجتمع إسلامي تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي والحياة الإسلامية التي توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض، وهي، اليوم، تعود إلى مسيرتها الظافرة متفيئة ظلال هدي إسلامي، وقيم روحية عالية، وقوة علمية مبصرة، وحضارة عصرية راقية تسلمهم دفة الموكب، وتذلل أمامهم عجلة الزحف، وتقدم إليهم راية الطليعة....
لقد فيض الله للأمة الإسلامية في عصرها الحاضر زعماء للإصلاح، ودعاة للتجديد، وروادا للتوحيد شغفهم حب الخير، واستمسكوا بروح الله، واعتصموا بحبله، وتغلبوا، بعون الله وتوفيقه، على عصف الخطوب وإلحاح المكايد، وخبيث المؤامرات، فأقاموا المنآد، وأزالوا من الطريق الفساد، وأيقظوا الغافل من السبات حتى سرى الشعور الإسلامي، بفضل النوايا الطيبة، والإرادة الصادقة بين أمم الإسلام مسرى النور في الظلم بعد أن استوفت كل أمة حظها، وبدأ الركب يتحرك بأقدام ثابتة، وهامات مرفوعة، ونفوس عالية، ويسير بخطى حثيثة قاصدة إلى غاياته المرصودة نحو صبح مشرق، ونهار ضاح، وأخذت المشاعر الإسلامية تنتظم هذا العالم الكبير الفسيح، وتهز الطيب من أعراقه، والأصيل من غرائزه، والدفين من ماضيه لتجعل منه أمة تعمل على نصرة الخير، وإذاعته بين الناس، وتطمئن إلى ظل الإسلام الظليل، ورخائه الوارف، وأمنه المديد...
 
                                                               -*-
إن الألم يجمع القلوب الشتيتة، ويؤلف نافر المشاعر المتأججة، ويوحد بين النفوس المتباينة لأن المصائب تجمعن المصابينا....والارزاء التي مني بها العالم الإسلامي من عداته وخصومه، وتوالت ضرباتها خلال هذه الأحقاب المتأخرة، وحدت صفوف المسلمين، وقربت بينهم مسافة الخلف كلما وهي نظامهم الجامع، وانفرط عقدهم المتسق، فأبناء الأمة الوسط يتضامنون كلما حز بهم أمرا، أو حل بساحتهم مكروه، لأنهم  كالعضو الواحد، إذا اشتكى من عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، والله تعالى يأمرنا بقوله: (( واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا.)) ورسول الله صلى الله عليه وسلم شهد قبل الإسلام، وهو ابن عشرين سنة حلف الفضول الذي انعقد بين بعض زعماء قريش لرد المظالم، ونصرة المظلوم... وأثنى عليه بعد السلام فقال: ((شهدت حلفا في دار جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم...ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت...))، وقد قرر السيد هارولد سميث رئيس قسم الديانات بكلية ووستر بولاية أهايو في أمريكا وأحد كبار المستشرقين بها هذه الحقيقة التي طالما ظلت قائمة على مدى العصور حيث قال:
(( ينبغي أن نذكر أن الأخوة الإسلامية تظهر أقوى ما تظهر عندما يهدد العالم الإسلامي أو أي قسم من أقسامه مصدر غير إسلامي، وأنها تجنح أن تنسى حين لا يهدد الجماعة خطر وشيك من الخارج، ومع ذلك فإن هذه الرباطة قوة حقيقية، وفي الإمكان أن تصبح عامل تقوية في العالم الإسلامي كله)).
تجلت هذه الرابطة  القوية الحقيقية التي أطارت النوم عن معاقد الأجفان في اللقاء الإسلامي الأول الذي انعقد في مستوى القمة برباط الفتح عاصمة المملكة المغربية، والذي كان حلما جميلا طالما داعب الضمير الإسلامي منذ عدة قرون بعد أن تعثر في طرقه بسبب التخلف والجمود ردحا من الزمن غير قليل، إلا أنه تبلور بصيحات زعماء الإصلاح، وعلماء   الدين ودعاة التجديد الذين أعطوا قضاياهم الكبرى زخما جديدا قويا، وأرصدوا الأهب للقيام ببث الفكرة الإسلامية على وجهها الصحيح، والأخذ بضبع المسلمين، وانتشالهم مما حاق بهم من كيد الاستعمار الذي كان يفت في الأعضاد، ويفل غرب العزائم... وقد كان العلاج الناجع كامنا في عودة المسلمين إلى الصف، ووحدتهم الجامعة، وقوته الظافرة، والتمسك بحبل دينهم المتين، والسير على النهج القويم الذي سار عليه أسلافنا الأبطال الذين فتحوا عذارى المماليك وطهروا العالم من الوثنية والفسوق والفجور والإلحاد، وأعلنوا دين الله ونشروه، وعلموا كتاب الله ونصروه... وكان حقا علينا نصر المؤمنين...
وما من شك في أن الرأي العام العالمي لاحظ تضامن المسلمين المتين، وقوتهم الظافرة، وتأييدهم المطلق لشعب فلسطين في نضاله المشروع، وجهاده المقدس،  ودفاعه المستميت ضد الظالمين البغاة، فلم يسجل ذلك التضامن تكتلا دينيا تعصبيا يستهدف مناصبة الأديان السماوية الأخرى العداء، بل لكي يحارب ويقاوم ما تحاربه هذه الأديان ذاتها على اختلافها من ظلم وعسف واستهتار بالمثل العلي، تجلى ذلك في البيان النهائي لأشغال مؤتمر الرباط الذي كان واضحا مركزا بعيدا عن كل تعصب مقيت، أو عنصرية وعناء أ حقد دفين، أو ديكتاتورية باغية.
                                                    -*-
كان لدعوة التضامن الإسلامي ماهدون أشداء على الاستعمار والصليبية، وقد مرت فترات عديدة على المسلمين كانت تدعو إلى عقد مؤتمرات في مستوى القمة لتدارك الحال، لكن الحدث المفجع المروع الذي أقض المضجع، وكان له دوي رائع مرعب لا في الرأي العالم العربي وحسب، ولكن في الرأي العام الإسلامي والذي استهدف حريق المسجد الأقصى هو الذي دعا الأمة الإسلامية إلى تجميع رأيها وتنسيق خطتها، وتوحيد صفها..
ويجب أن نشير إلى أن أول مؤتمر إسلامي رسمي قد انعقد في القدس عام 1931 برئاسة المرحوم سماحة مفتي فلسطين الأكبر الحاج محمد أمين الحسيني، اشترك فيه زعماء من بعض بلدان العالم الإسلامي، وكان ذا صفة شعبية، لم تتمثل به أية حكومة من الحكومات، لأن معظم دول العالم الإسلامي كانت تحت كابوس الاستعمار والاحتلال حيث لم يكن هنالك إلا القليل النادر جدا من الدول الإسلامية المستقلة استقلالا تاما ناجزا...
وقد انبعث، أيضا، دعوة مؤمنة في المؤتمر الإسلامي الذي انعقد عام 1964 بموقاديشيو، ترمي إلى عقد اجتماع قمة إسلامي كبير يتغيا جمع كلمة المسلمين ليزدادوا تعارفا وتآلفا، ويتباحثوا في شؤون شعوبهم، ويعززوا صفوفهم ويؤلفوا قوة جبارة تكفل لهم حياة العز المنيع، كما تضمن لهم فرض وجودهم في معترك الحياة، وتعطيهم المكانة المرموقة التي يجب أن يحتلوها على الصعيد العالمي....

كما جدد مؤتمر رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة لدى اجتماعه في أعقاب حج 1965 الدعوة لعقد مؤتمر في مستوى القمة، وشرح المرحوم جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود في زيارته لعديد من العواصم الإسلامية دعوته إلى عقد اجتماع في مستوى عال يستهدف تقاربا إسلاميا خالصا، وقد حل جلالته بالمملكة المغربية عام 1966 ضيفا على جلالة الملك مولانا الحسن الثاني حفظه الله الذي ألقى بمناسبة هذه الزيارة خطابا جامعا صريحا دعا فيه إلى توحيد الصف وجمع الكلمة، وتآلف القلوب، ومما جاء فيه:
((إيماننا هذا هو الذي دفع بنا كذلك إلى الترحيب بدعوة تآلف شعوب المسلمين، وجمع صفهم وتوحيد كلمتهم تحقيقا لمصداق الحديث: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) فنحن نفهمها كما تفهمها جلالتكم ، نريدها كما تريدونها دعوة إسلامية تستجيب لواقع الإسلام والمسلمين، ولم نردها، ولن نريدها أخوة يتكتل فيها بعضنا ضد بعض، ولم نتصورها في خدمة مصلحة خارجة عن مصلحة مصلحة المسلمين أنفسهم، كما لا نريدها أن تكون أخوة متعصبة عدوانية أو يستغل فيها الدين للمساومة على الرخيص من الأغراض والمصالح، وفي كلمة جامعة نريدها كما تريدونها قوة تعزز قوات السلم والحرية وفي خدمة أغراضها، وأن منها الدعوة لتآلف شعوب المسلمين)).
وفي عام 1969 احتضنت كوالالمبور عاصمة ماليزيا مؤتمرا إسلامي دوليا في مستوى الحكومات بمقتضى الدعوة التي وجهتها حكومة هذه البلاد إلى الأقطار الإسلامية، وقد قرر المؤتمر دعوة جميع الدول الإسلامية إلى مؤتمر سياسي على مستوى عال يضم ملوك ورؤساء الدول الإسلامية إلى مؤتمر سياسي على مستوى عال يضم ملوك ورؤساء الدول الإسلامية للتباحث والتشاور لتخليص القدس من التهويد وتحرير فلسطين المجاهدة، وكان هذا المؤتمر فرصة فريدة للتباحث في تاريخنا الإسلامي الحديث حيث سجل تقاربا متينا حيويا مثمرا بين البلدان الإسلامية، كان مناسبة لإبراز التضامن والوئام بين الإخوة المسلمين بالخير المحض والنفع العام حتى يشعروا عن وعي يقظ وتبصر حي بقوتهم السياسية والبشرية وإمكانية تسخيرها لخير شعوبهم ولصالح الإنسان...
وظهرت الدعوة بصفة صريحة ملحة إلى عقد مؤتمر إسلامي للقمة في اجتماع وزراء الدول الخارجية في الأسبوع الأخير من شهر غشت 1969 بالقاهرة، وقرر في جملة ما قرر: (تأكيد أهمية عقد مؤتمر قمة إسلامي، وأن يعهد إلى المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية بإجراء الاتصالات اللازمة من أجل عقد هذا المؤتمر..
فكان مؤتمر القمة الإسلامي الأول الذي انعقد برباط الفتح عاصمة المملكة المغربية تتويجا للجهود المضاعفة التي بذلها رائد التضامن الإسلامي مولانا الحسن الثاني في جميع المناسبات لتوحيد كلمة المسلمين، واجتماع قادتهم وملوكهم للقضاء على أسباب النفرة الطارئة، والعمل على محو النكسة الأليمة التي وقعت في سعيرها الأمم الإسلامية التي تعيش اليوم في دور التجمع والاستعداد على الرغم مما يبدو أحيانا من عوامل  المقاومة والانتكاس وستظل فلسطين مؤشرا أمام المسلمين والعرب على ضرورة الحذر والحرص على المرابطة والإعداد وحراسة الثغور والمصابرة على النحو الذي دعانا إليه الإسلام.
وهكذا وضع انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الأول الذي انعقد بالرباط والذي نحتفل هذا العام بذكراه السادسة، أو الثاني الذي انعقد في مدينة لاهور بالباكستان عام 1974 الأمة الإسلامية على بداية الطريق الواضحة لتحقيق الأمل الكبير الذي عمل له المفكرون والرواد المسلمون خلال الأجيال المتعاقبة في قيام عالم إسلامي متضامن موحد يرتكز على أساس ثابت في العقيدة الإسلامية الغراء التي تستطيع وحدها أن تعطي للمسلمين أسباب القوة المادية والمعنوية، وتمنحهم القدرة على الدفاع عن كيانهم وعقيدتهم أمام كل المعتدين.
إن يوم الثاني عشر من رجب الفرد الذي قرر مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي الذي انعقد بكوالامبور في السنة الماضية الاحتفال بذكرى تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي لخليق بأن نجعل منه عيدا إسلاميا لتأكيد عزم الأمة الإسلامية وإصرارها على مواصلة الخطى الثابتة الرائدة، والسير في درب الحرية الراشدة على ضوء المبادئ القويمة السليمة، والمقررات التي انتهى إليها المؤتمر الأول الذي انعقد بالرباط، فشهد ميلاد منظمة تجمع كلمة الدول الإسلامية...
وإنه سبحانه وتعالى حري أن يسدد خطانا، ويظهر قوانا، ويعيننا على النهوض بالعبء والصمود في الرأي، والثبات على المبدأ، والوقوف عند حدود الله...
سدد الله الخطى، وما التوفيق إلا من عند الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here