islamaumaroc

من فرويد إلى لاكان، دراسة للدكتور هينار

  دعوة الحق

العددان 164 و165

إن الدكتور هينار في غنى عن كل تعريف، كما أن أثاره لا تحتاج إلى التمهيد والتقرير، في أوربا عموما وفي البلاد الفرنسية بوجه الخصوص فهو زعيم المدرسة التحليلية في هذا الموطن، وهو رسول فرويد إلى هذا البلد، قضى حياته في التعريف به وبأعماله حتى اختطفته يد المنون يوم السابع عشر من أبريل سنة 1969 عن سن تناهز الثالثة والثمانين.
والكتاب الذي نقدمه اليوم للقارئ الكريم هو آخر ما خلفه الراحل الكبير قبل أن يبارح دار الفناء إلى دار البقاء. وقد كان يعتزم، على سنه الطاعنة، أن يكتب عن العلاقات الإنسانية كتابا كان يريد به أن يقدم التحليل النفسي بوصفه رباطا ومكاشفة، واتصالا وثيقا بين الفرد والإخصائي وبين الفرد وغيره من الأفراد مهما تعددت المشارب والجنسيات، فالحياة في  باصرتيه وشيجة تتضح رؤيتها الشمولية في تفاعلات الأفراد من خلال علاقاتهم ببعضهم.
وإذا كان القدر لم يمهله، فإنه لم يمهله أيضا، لأن الكاتب كان رائدا للمدرسة التحليلية ينهض بأعبائها ويتزعم مسيرتها في وطنه دون أن يغفل التيارات الجارفة التي اجتاحت عالم التحليل النفسي منذ أن تمرس بهذه الصناعة حتى وفاته، فقد أصدر في كهولته مؤلفا أسماه: (خلق بدون إثم)  Morale sans pêché مما أثار ضغينة الكنيسة وسخطها في أوربا بكاملها. والحدث في حد ذاته قابل للتفسير والتحليل، ذلك أن الكنيسة الكاثوليكية، خاصة، تفقد ذاتيتها وكيانها إذا عمت بين أشياعها ومناهضيها فكرة الخلق الذي يتنكر للإثم ولا يفتقد الحاجة إلى الإعتراف والإقرار. ورغم ذلك كله فإنه لم يعبأ بالضجة المصطنعة التي افتعلها رجال الدين في موطنه وفي غيره من بلدان العالم المسيحي ولم يكترث للقرار الذي اتخذته الكنيسة في حقه بأبعاده عن حقل الدين وشؤونه، بل كان يقابله بالدعابة واللطف والبشاشة لأنه عبر، في موضوعية وتجرد، عن مقولة العلم في شأن التربية ومبادئ الأخلاق.
وقد مهد الأستاذ الجليل (موكلي) لآخر آثاره، عند إحياء الذكرى السنوية الأولى لوفاته، بتوطئة لانخاله قد بخست الكتاب ولا كتابه حقهما من التقدير والإجلال، فقد كان على صلة وطيدة بالمؤلف، يشاطره معظم أرائه في المفاهيم التي تمخضت عنها جهود العلماء في هذا المجال أيا كانت مواطنهم ومهما تعارضت آراؤهم ومنازعهم، فقد أقر الأستاذ (موكلي) على نسق العالم الرحال، بأن نظريات فرويد تحتاج إلى المراجعة والتمحيص والتطعيم دون أن يكون في ذلك تنكر للجهد الذي بذله النابغة الكبير، لأنه اللبنة التي توضع في صرح المعرفة قبل أن توضع على محك التجربة ولأنه الأفق الذي يتفتح على النور والأمل ويتوصل طريق التجربة والإستدلال قبل أن يقول كلمته الفاصلة في ماهية الفرد والجماعات.
ومن أفضال الدكتور هينار أنه لم يقصر نشاطه الدائب على زعامة المدرسة التحليلية في بلاده ولم ينفق وقته الغالي في التعريف بمؤسس المدرسة وآثاره فحسب فقد تعداهما إلى جلاء الميادين التي لعب فيها التحليل النفسي دوره الحاسم، إذ أنه انطلق بها إلى غاياتها التي كانت تهفو إليها ولم يتيسر لها تحقيقها إلا بعد أن قوبت بروافد هذه المدرسة. فالتحليل النفسي كما يؤكد العالم البلجيكي (بيير داكو) موقف إنساني وفلسفة إنسانية قبل أن يكون وسيلة من وسائل العلاج والاستشفاء. ويمكن القول أنه قد حقق أهدافه وخدم أغراضه حين نبذ عنه طابع التزمت والإنطواء وأخذ بأسباب المرونة والتفتح فكان غنما للعلوم الإنسانية وغيرها من ميادين المعرفة (1). وقد سلخ العلماء (بما فيهم صاحب الكتاب) سنوات طوالا من أعمارهم في إقرار حقيقة المنهج التحليلي ومقاصده وتباين أصالة الفكر التحليلي وفعاليته فقاسوا الأمرين، ومازالوا على الدرب سائرين، وقد اتسمت مرحلية المعركة التي خاضها العلماء لنشر مبادئ فرويد بالبطء وقوبلت باللامبالاة والعرقلة فاقتصرت في بادئ الأمر على بعض المحافل الأدبية والطبية لتجتذب فيما بعد، كثير من العناء، نفرا قليلا من أطباء العقل الذين  تبنوها كمعطيات علمية تساير النشاط المهني الذي يمارسونه ولا تتعارض ونظريات الطب العقلي على صورته البدائية وفي تطوره البطىء وتطلعاته اللاحقة.
وتتجلى عبقرية الدكتور هينار في الرهان الذي فاز به عندما تصدى للتعريف بهذه المدرسة واستقطب صفوة ممتازة من العلماء الفرنسيين في بلاد قال عنها فرويد نفسه سنة 1927 في كتابه: (مساهمة في دراسة الحركة التحليلية (2))، إن فرنسا آخر من آمن بالخصائص العلمانية للمدرسة التحليلية في بلاد الغرب كافة. وقد ظهرت أولى بوادر التعاطف في جنوب البلاد الفرنسية. ويعزو بعض العلماء في العصر الحاضر هذه الظاهرة الغريبة إلى سوء فهم ( الإيديولوجية الفرودية) التي عرفت تحولات متواترة في توقانها إلى اكتساب طابع الموضوعية، لترقى إلى مصاف العلوم البحتة دون التجرد من أغراضها الإنسانية التي تتصل بالكائن البشري والمجتمع الإنساني عامة. والواقع أن بعض رواد النقد الفلسفي ينظرون إلى فرويد بوصفه علما ورائد لا يقل شهرة وعصامية عن كبار المفكرين المحدثين كهيجل ونيتشه وماركس(3) . وفي اعتقاد لفيف آخر من العلماء أن ظاهرة اللامبالاة التي اختصت بها فرنسا دون غيرها من جيرانها ونظيراتها راجعة إلى طبيعة الفكر الفرنسي الذي يلتزم مبادئ الوضوح والدقة في التفكير والتعبير عند تقييم كل مستجد من النظريات والآراء.
والحق أن تبادل الخبرة بين علم النفس عموما والعلوم الأخرى من إنسانية وبحثة، من المسلمات التي لا تقبل الجدل، فالكاتب يؤكد في تمهيده لكتابه أن التحليل النفسي، وهو يعبر عن وفائه للأسس التي نادى به مؤسس المدرسة، لا يتقاعد عن اقتباس وتمثل المكاسب التي حققتها مختلف العلوم الأخرى. ويتبلور هذا التيار في الاستفادة من منجزات الإننوغرافيا والظواهرية Phénoménologie وعلوم اللغة وغيرها. بل أنه أخذ عن فن الخراطة ما ييسر توضيح المفاهيم التحليلية. ويمكن القول أن التحليل النفسي يعتبر ميدانيا، الشعبة العلمية الوحيدة التي رحبت بمختلف الاتجاهات والمنازع دون التخلي عن الموضوعية والواقعية العلمية المرنة التي تصنع منه دعامة وطيدة في بناء العلاقات الإنسانية على أساس التكاشف والتعاطف والاتصال المتين كما أوردت ذلك (أنا فرويد) في مختلف آثارها (4).
بيد أن الدكتور هينار لم يقف عند هذا الحد، ذلك أن مؤلفه يستهدف إلقاء النور على كل الملابسات التي أحاطت بمسيرة هذه المدرسة منذ أن قال عنها الفيلسوف برجسون : (أن القرن العشرين سيكون قرن اللاشعور) حتى أيامنا هذه حيث غزا التحليل النفسي جل مرافق الحياة فتعرض في بادئ الأمر لهزات عنيفة على يد بعض أطباء العقل ذاتهم وأنصاف المثقفين الذين أساءوا فهم أساليبه ومقاصده.
 والحقيقة أن فكرة اللاشعور ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر فلم تحفل بها الدوائر العلمية كثيرا ولم تنل من العناية إلا النزر اليسير فقد كان اللاشعور في نظر العالمين (هارثمان) و (جاني) صفة توسم بها بعض ظواهر النشاط النفسي، وجاء فرويد ليضيف إليه جديدا  ويصنع منه علما ديناميكيا مستقلا يطبع حيزا موفورا من نشاط الحياة النفسية ويوجهها على ضوء معطيات الطفولة ومكاسب الشخصية مما أسدلت عليه الأيام ستار البلى والنسيان. فألف في مطلع حياته جمعية دولية ما لبثت أن تعرضت للتصدع والشتات فتمخضت عنها في فرنسا جمعية ثانية لم تصمد، رغم نشاطها المتوثب الخصب أمام ألوان الصراع المذهبي الذي كان يتوزع الأمم الأوربية والأمريكية. وتعرض كثير من العلماء، على ضلاعتهم ووفرة تجاربهم، للقذف والازدراء بدعوى أنهم حادوا عن الجادة وزينوا مبادئ الرائد الكبير ولم يصونوا قرائه ولم يحتذوا نظرياته وآرائه ولا ساروا على خطته ومنهجه.
والعجالة التي نتولى كتابتها لقراء العربية والمهتمين بشؤون التحليل النفسي عامة لا تهبنا متسعا نقوى معه على الإضافة في عرض التطورات الهامة التي كادت أن تزلزل أركان هذه الشعبة الفتية في ميدان المعرفة، التي تتناغم فيها الموضوعية والذاتية على وفاق. وحسبنا أن نثير إلى أن الذهنية الفرنسية لا تهتم بالأفكار المناهضة للرائد كما كان الشأن يوم استبدت بالأخصائيين نزوة الانفصال والفرقة بقدر ما تنعي اليوم بالطريقة التي يجب ترسمها في فهم الحدود التي تقف عندها وجهة النظر الفرودية(5) .
وإلى أصدقاء الفقيد وأحبائه نقدم عبارات مواساتنا وعبارات تهنئتنا وإعجابنا للجهد المتكرر الذي بذله باستمرار ولمدة خمسين سنة كاملة، لتطبيق منهجية فرويد مما أهله لزعامة جمعية التحليل النفسي الفرنسية ما بين 1959 و 1960. وإذا كان الفقيد قد عاش مطلع حياته في عزلة وانطواء، يكتنه مطاوي هذا العلم ويستقرئ مبادئه ويواجه حملات الإعراض والطعن الرخيص فقد استحق بعطائه الموفور وطيب عنصره ووجاهة أدلته ورصانة تفكيره أن يتبوأ مكانه عضوا مؤسسا في أول جمعية للتحليل النفسي في فرنسا، ليصبح غداة الحرب الكونية الأولى زعيما للمدرسة تشد له الرحال ويفتقد الأخصائيون أثاره فلا يجدون منها إلا أقل من القليل.
لقد عاش الدكتور هينار تاريخ التحليل النفسي في وطنه وتصدى لتمثيله، باتفاق مع رفقائه، في كافة المحافل الرسمية. فقام بمهمة التقرير في مؤتمر أطباء النفس والعقل الفرنسيين بمدينة (بوزانسون) BESANSON  سنة 1923 كما أنه كان مقررا للمؤتمر الدولي لعلم النفس والعقل بباريس سنة 1950 ليترأس بعد ذلك مؤتمر بوردو الشهير سنة 1956. وإلى شخص الفقيد يرجع الفضل في تطبيق التحليل النفسي على تنوع وتعارض الأوساط الاجتماعية، خاصة في إفريقيا الشمالية التي كان يكن لها حبا خالصا ولأهله مودة سابقة. وكن يفتح صدره ويمد يده لكل الذين أبانوا عن حاجتهم إلى غزارة معرفته وسعة اطلاعه وطول مراسه بهذه المهنة، فيغذق عليهم معونته ويشد أزرهم في مكابدة الحياة، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والسياسية. ومن بوادر التساهل في سليقة المؤلف أنه لم يتوان قط عن تطبيق العلاج النفسي الذي يدعو إلى تطويع وتمطيط النظرية التحليلية الأورثودكسية كلما دعت الضرورة إلى ذلك. بل أنه كان يسعى جهده لإذكاء جذوة الحوار المثمر البناء في مختلف المؤتمرات والجمعيات ويعتبر احتكاك الأفكار وتصادمها أكفل الوسائل لضمان نجاح الإيديولوجية الفرودية في تطلعاتها إلى الكمال.
ليس هدفنا من وراء هذا التقديم إبراز الهجمات التي تعرضت لها بعض الجمعيات أو النظريات ولا نحن نتصدى للدفاع عن كاتب معين أو عقيدة معينة. فجل ما نرويه أن نؤرخ لفترة حاسمة من الفترات التي عاشها التحليل النفسي في بلاد ما فتئت تربطنا بها روابط الصداقة والمصلحة المتبادلة
وقد شهدت هذه الفترة حدثا له أهميته ووزنه لا في فرنسا فحسب بل في كل أقطار المعمور: إنه الخلاف الحاد الذي نشب بين الأستاذ (لاكان) وبين البعض من نظرائه في الجمعية الفرنسية، وانتهت بإقصائه منها، مما جعله يشيد مدرسة جديدة ويوطد لها الأسس والدعائم ويبحث لها عن الأنصار والمشايعين.
وقد تساءل جمهور المثقفين، في كثير من العجب، عن المسوغات الخفية التي تكمن وراء الخلاف الذي دب في أوصال الحركة التحليلية في وقت كانت الإنسانية ترى فيها أنجع الطرق لتحقيق الوحدة البشرية عن طريق الحوار. وأن صراعا من هذا القبيل، بما اتسم به من شراسة ونرجسية وعداء كما يقول صاحب الكتاب، لمن شأنه أن يبتعد بأصحابه عن مبادئ الرائد الكبير.
وقد قسم الدكتور هينار كتابه إلى خمسة فصول شفعها بخاتمة نأمل أن نوردها بشيء من الإسهاب لأنها في اعتقادنا عصارة الفكر التحليلي في فرنسا التي أدارت ظهرها طويلا لمدرسة التحليل النفسي، لتجنب بعد ذلك من المفكرين أفذاذا من أمثال الدكتور هينار آمنوا بأن الإنسان، مهما تباعدت ألوانه وأجناسه ولغاته وأديانه، في مسيس الحاجة إلى أخيه الإنسان.
يعالج المؤلف في الفصل الأول نشأة التحليل النفسي في بلاده قبيل الحرب الكونية الأولى ويسهب في تعداد العوامل التي أدت بها في البداية إلى التعثر والتأرجح، فيقول على الخصوص: أن الأخصائيين في فرنسا لم يكترثوا إلا قليلا بهذه المدرسة لأن الحرب المذكورة قبلت، على يد الألمان، كثيرا من الأوضاع الاجتماعية في امة كانت وما تزال تفاخر بأمجادها وحضارتها وتراثها، علاوة على أن المفكرين الفرنسيين كانوا آنذاك يخلطون بين الفكر الألماني وبين الساسة الألمان. وغني عن البيان أن فرويد بحكم انتمائه إلى النمسا، كان يصدر عن اللغة الألمانية التي أجمع النقلة والتراجمة على أن النقل عنها أمر جد عسير(6) .
ورغم ظواهر المقاومة والحذر الذي لقيته الفكرة التحليلية في فرنسا في مطالع القرن العشرين فقد وجدت هناك جماعات من العلماء انصرفت إل دراستها واكتناه حقيقتها وتقييم أبعادها وإبراز انعكاساتها على علوم الإنسان، على نزرة الموارد وقل الأشياع والأنصار ومكايد الخصوم والأعداء، الأمر الذي حفزها إلى تأليف أول ودادية انبثقت عنها، عقب الحرب الكونية الأولى ما يسمى اليوم بالجمعية الفرنسية للتحليل. ويجد القارئ في هذا الكتاب (ص 33) كشفا مفصلا بالأعمال التي قام بها أعضاء الجمعية في إطار الحملة الفرنسية للتحليل النفسي ومساهماتهم المشكورة في المؤتمرات الدولية التي عقدت حتى سنة 1965.
والفصل الأول غني بالأحداث الحاسمة التي عاشتها الجمعية المذكورة، فقد تزعم الدكتور (ناخت NACHT الذي قدمنا له كتابا حول الماسوشية (7) حركة كان من نتائجها المباشرة اعتماد نظرة جديدة في استيعاب الفكر التحليلي، فتألفت آنذاك وبصورة رسمية (سنة 1953) الجمعية الفرنسية للتحليل التي انتظمت ضمن أبرز أعضائها الدكتور (لاكاش) LACACHE، بالسوربون (8) الذي كان يسعى جهده للتقريب بين علم النفس على صورته الديالكتية وبين التحليل النفسي الذي كان يتوخى غايات علاجية وأهدافا إنسانية يلتقي بعضها مع البعض الآخر دون كبير خلاف. واتسع نطاق العمل وامتد نشاط الجمعية فأشرفت على تنظيم لقاءات دولية كان أخطرها وأبعدها أثرا في  (ديرروايومون) بحضور الأستاذ ولهينس سنة 1958. كما نظمت باتفاق مع الجمعية الهولندية وبإشراف عميدها الدكتور (ويسترمان هوادستين) مناظرة تمت خلالها المقابلة بين نظريات التحليل في فرنسا ونظيراتها في هولندا. والذي يدعو إلى الإعجاب أن جمعية التحليل النفسي الفرنسية قد منحت نفسا جديدا للمجموعات الدراسية التي تألفت في عاصمة فرنسا وفي غيرها من أقاليم هذه البلاد، خاصة في استراسبورغ حيث كانت السيدة (بوتونيي) BOUTONIER أستاذة الآداب في 
جامعة هذه المدينة تواكب مسيرة المدرسة التحليلية المركزية وتقتبس عنها نظريات الرواد كالأستاذ (لاكان) الذي أثار انفصاله عن الجمعية نقصا كبيرا في أوساط الجمعية وفي غيرها من الأوساط الأدبية. وفي اعتقاد الدكتور هينار أن خروج (لاكان) لم يكن من الأحداث التي بتقبلها الفكر في أوانها ويغفلها في غمرة التحولات التي تطرأ على المؤسسة العلمية.
ذلك أن الدكتور (لاكان) بارح الجمعية وهي تتخطى إحدى الأطوار الحاسمة التي شهدت فيها إشعاعا عز نظيره، فقد كانت تستقطب حينئذ اهتمام الأنصار كما كانت مثار عناية الأوساط الثقافية وعامة القراء الذين يستهويهم التحليل النفسي. ومن الإنصاف أن نقول أن موقف الأستاذ المعزول كان أقرب المواقف إلى مبدأ الرائد الكبير، فيه وفاء وولاء وإخلاص لمبادئ الجمعية  التي كان ينتسب إليها، مع الجنوح إلى الأنثروبولوجيا كعلم يستوي على نفس المبادئ التي اعتمدها التحليل النفسي ويلتقي معه في ميدان التجربة والتطبيق.
أما الفصل الثاني فقد أفرده المؤلف لرسالة فرويد، وقال بعد أن وصف النزعة الإنفرادية التي عرفت عنها منذ وفاة صاحبها: إني أعتقد جازما بأن العمل التحليلي غوص في أعماق الكائن البشري واستجلاء منهجي لكيانه وبحث دائب في صلاته الوطيدة والدائمة بالعالم وبالحقيقة. ويضيف: إني كثيرا ما أنقل عن دانييل لاكاش قوله: إن الإنسان مجموعة من الحقائق لا تتبدى رؤيتها إلا في إطار الوشائج الإنسانية التي تشد (الإنسان) إلى نظرائه وأقرانه وأنداده(9) .
وإذا كان الكاتب قد عرض في مختلف آثاره لأصول الإيديولوجية الفرودية وكشوفها (10) فإنه خص هذا الفصل بدراسة أعمق عن اللاشعور وعقدة أوديب، في محاولة لجلاء مفاهيم الرمزية الفرودية ومجالات تطبيقها.
أما الفصل الثالث فقد عقده للكلام عن (لاكان) وتعاليمه، وقد ألمعنا سالفا إلى أن انسحاب (لاكان) من الجمعية الرسمية للتحليل النفسي لم تكن تمليه نوازع الثورة وبادرات التجديد وأن تأسيسه، عن جدارة، لجمعية فرويد الباريسية كان، على نقيض ما يتهمه به ذوو النظرة السطحية وأصحاب الاتجاه الأورثدكسي على السواء، تعبيرا عن التشبث المكين بمبادئ فرويد، مع الرغبة في تطعيمها بما يفتحه تقدم العلوم الإنسانية اليوم لجميع المفكرين من آفاق جديدة، لا تتعارض طردا ولا عكسا مع الإيديولوجية  الفرودية. وبديهي أن تضاؤل الفوارق بين مختلف العلوم الإنسانية واطراد الحاجة المتبادلة بينها من البواعث التي جعلت (لاكان) يعرب عن رغبته في التفتح ويؤكد أن الحور لا ينفصل، بأي حال من الأحوال، عن مبادئ الرائد الكبير الذي كان يؤمن بأن الكلمة مفتاح كل سر وطريق كل نجاح، وهكذا فقد أصبح الفكر التحليلي، بفضل منهجية الأستاذ المجدد، يرقى إلى مصاف الآثار التي خلفها الفلاسفة من أمثال هوسبرل  وهيدجير وويلهنس وإضرابهم، والغريب أن (لاكان) الذي لم يحد قط عن خطة فرويد، بل كان يناصرها ويدعو إليها بكل جهده، قد اصطدم بروح التعنت والتحجر، ولم يسمح له بالمخاطبة والحوار في عالم يقوم أساسا على المخاطبة والحوار.
وقد أورده الدكتور هينار في الفصل الرابع الذي أسماه (الوعي وتصحيح المفاهيم) جملة الأعمال التي أنجزها (لاكان) منذ استقلاله عن الجمعية الرسمية فيقول: خلافا لما جاء في آثار الفيلسوف ريكور RICOEUR فإن صديقنا المعزول قد وضع نصب عينيه توضيح بعض الجوانب من نظريات فرويد التي تدعو إلى المراجعة والتمحيص وأن نشاطه، كمجدد، انصب على سد الثغرات التي كان العلماء يستشعرونها في فرنسا لأنهم تقبلوا نظريات الداعية الكبير كما جاءت في محاضراته وآثاره ولم يجشموا أنفسهم مشقة النقد والتصحيح.
آمن العالم المعزول بضرورة توضيح الإيديولوجية الفرودية، ونادى بمبادئ الحوار، وطبقه في مختلف أعماله فانسحب من الجمعية الرسمية غير آسف، لأنه تمثل نظريات فرويد على الوجه الذي تستقيم عليه ووجد من التلاميذ والأنصار من يؤازره وبعضده ويسير على مسلكه، وجاء الدكتور هينار في الفصل الخامس من هذا الكتاب (تقديس النصوص الفرودية ومشكلة الحوار) ليؤكد بأن التحليل النفسي لم يكن
في يوم من الأيام، بحاجة إلى إعادة النظر والتطعيم أكثر من أيامنا هذه ، مع احترام المبادئ الجوهرية للمؤسس الكبير، وهو يرى أن الحوار يقوم بدور قيادي وأن لا وجود للإيديولوجية الفرودية ما لم يكن هناك حوار يمنحها وجودها ويستوعب في آن واحد قواعدها وغاياتها ويوفر لها مزيدا من الفعالية والعطاء.
فجذوة الحضارة في نظره تخبو وتنطفئ شعلتها  كلما تكالبت قوى الأثرة والاستبداد ودوافع التحجر والطغيان على التعطيل والجحود لأنها تفقد بذلك أهميتها وتبقى  حبيسة الجهل والأخطاء.
ويشير المؤلف في خاتمته إلى أن تجربته الخاصة التي امتدت لفترة تجاوز الخمسين سنة قد علمته أن التحليل النفسي عمل ذو أبعاد إنسانية في غاية الأهمية تتبدى فعاليته عند ممارسته بحكمة ودراية وبما يلزم من الحيطة والحذر. ذلك أنه سلاح  يشهره الكائن الإنساني في وجه الحياة بما تحمله إليه من قسوة ومرارة وحرمان ويساعده على مواجهة مختلف البدوات الإنسانية العارمة التي ليس بوسعه أن يكبحها والتي قال عنها فرويد نفسه: (إني أندد بقصور الإنسان عن التحكم في غرائزه البدائية). كما أن التحليل يفتح للشخصية الإنسانية، فضلا عن جهود التصعيد والاستعلاء، آفاق الهناء في المعيشة وأسباب الارتباط بالآخرين لأن السبيل إلى الحرية يكمن أصلا في محبة الغير، وعلى هذا  الدرب تتكشف له حقيقة وجوده الإنساني كما وجدت وكما يجب أن تكون، بعيدا عن أضاليل الخيال. فهو بهذا الوصف أداة تقوده إلى معرفة ذاته ومعرفة الغير. ولا سبيل إلى هذا العرفان إلا عن طريق الحوار.


1-  راجع الكتاب في: مشكلة الإجرام على ضوء التحليل النفسي بالعدد الممتاز لمجلة البيان الكويتية أبريل 1970، صفحات 91-92-93.
2 -S. Freud : Contribution à l’étude du mouvement psychanalytique ( Essaie de psychanalyse Payot 1948)
3 - De l’interprétation, essai sur Freud par P Rieoeur (Edition de seuil).
4 - K. Honey : la névroso de notre temps (1937) et D. lagache
La psychanalyse – Collection que sais je ? n° 660 page 16
5 - مقدمة الكتاب الذي نقدمه للقراء الكرام ( ص 21).
6 - راجع :S. Freud : Introduction à la psychanalyse – Collection Payot - Paris

7 -  الماسوشية لكاتب المقال، مجلة البيان الكويتية – عدد ممتاز – أبريل 1972 ( ص 81).
8 - D. Daniel Lagache La psychanalyse – Collection que sais je ? n° 660
9 - راجع على الخصوص
 L’œuvre de Freud et son importance dans le monde moderne, chapître I par l’auteur du livre.
10- راجع الدكتور دانييل (لاكاش) في كتابه المتبث بالمرجع رقم : (4)
 - Dr hesnard: l’oeuvre de Freud et son importance dans le monde moderne – Editions – Payot – Paris. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here