islamaumaroc

المسلمون والماركسية

  دعوة الحق

العددان 164 و165

رغم ضخامة وسائل الماركسيين وإمكانيتهم المادية، ورغم شعاراتهم وبراعة دعايتاهم وسخاء مموليهم، لم يستطيعوا الاندماج بالشعوب الإسلامية، ولم يستطيعوا التخلص من الرواسب الإسلامية، ويعيشون على الإستيراد المستمر للأفكار والحلول والمواقف الجاهزة.

                                                5*5
التمزق المميت:
فالرواسب الإسلامية، تضيف إلى تمزق الماركسيين بين الفكر والممارسة، تمزقا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في إيمان بعضهم بثورية الإسلام، وإيمان بعضهم الآخر بأنه أفيون الشعوب كباقي الأديان.
ولا يعني هذا أن البلاد غير الإسلامية، لا يعرف فيها الماركسيون مثل هذا التمزق، فهو ظاهرة لم يخل منها أي مجتمع، ولم تخل منها المجتمعات المسيحية بصفة خاصة، ولكن ليس بنفس الدرجة وبنفس الحدة. فإذا كان الاختيار المطروح في المجتمعات المسيحية، ينحصر في اتجاهين للعمل، لا يرى أحدهما مانعا من الإيمان بالله على طريقته الخاصة، ويرى الآخر عدم إمكانية هذا التعايش بين الإيمان الديني والماركسية، فإن الاختيار المطروح على صعيد المجتمعات المنتسبة للإسلام، يتعدى هذا النطاق الضيق، لوجود اتجاهات متعددة ومتناقضة في مواقفها من الإسلام. ومع ذلك، يمكن التمييز بين اتجاهين رئيسيين، يرى أحدهما أن الإسلام اشتراكي أو ذو نزعة اشتراكية ويضفي الصفة الثورية على هذا أو ذاك من القادة المسلمين الأوائل، ويصنفه ثانيهما بين أكثر الوسائل تأثيرا التي استغلتها الإقطاعية في تركيز نظمها وتثبيت دعائمها.
لكن الاتجاهين، من الوجهة الإسلامية، رغم تباين موقفهما من الإسلام من حيث المبدأ، تجمع بينهما خاصية واحدة، هي الإسراف اللفظي عند معاجلة الموضوعات الإسلامية، والتشويه الفكري للمعتقدات والحقائق الإسلامية. لكن هذا التباين له أثر كبير في زيادة التناقض بين الفكر الماركسي والممارسة الماركسية، ويعمق بصورة واضحة الهوة بين المواقف النظرية والحلول العملية لكل مجموعة ماركسية على حدة، كما تجعل كل واحدة منها تدعي أنها وحدها التي تقدم الوصفة المعصومة التي تتضمن الدواء السحري لجميع المشاكل التي تعاني منها البلاد الإسلامية، وتصف لذلك مفاهيم المجموعات الأخرى، بأنها صبيانية، ومغلوطة، ولا تنتسب إلى الأصول الصافية المتمثلة في أفكار ماركس وإنجلز وتطبيقات لينين.

لكن النتيجة الأهم لهذا التمزق، هي أن الماركسية يكتنفها غموض كثيف في البلاد الإسلامية، ينحرف بها عن الطابع الإيديولوجي العام المميز للحركات الفكرية والمنظمات السياسية الماركسية في البلدان غير الإسلامية. ولا شك في أن هذا الشذوذ يرجع إلى الجذور العميقة للديانة الإسلامية في عقول المثقفين والجهلاء على السواء، ويرجع إلى الرواسب الإسلامية، التي لم يستطع التخلص منها إلا أفراد قلائل، تصفهم أغلبية الناس بتفاهة الأفكار وبخدمة الاستعمار الفكري الجديد، وبالطابع الشيوعي الذي يكرهه المسلمون عن وعي وعن غير وعي.

                                                   5*5
الاندماج المستحيل:

وكل هذه الأسباب مجتمعة، جعلت الماركسيين يعيشون على هامش القاعدة الشعبية الإسلامية، ويبادرون، كتعويض عن هذا الفشل، إلى التركيز في المرحلة الراهنة على اكتساب الإطارات المثقفة.
ومع ذلك فإن الخلافات العميقة الموجودة بين الماركسيين، تقلل من أهمية انتصاراتهم في الأوساط الجامعية بصفة خاصة، لا سيما وأن غالبية المثقفين، ينظرون إلى الشيوعيين على أنهم أشخاص يوجهون من الخارج، ويتحملون مسؤوليات موكولة لهم من أوساط أجنبية معادية للإسلام والمسلمين.
وليس هذا من قبيل المبالغة، فالواقع يشهد بأن الماركسيين في البلاد الإسلامية، لا يعيشون في بيئة شيوعية مشابهة لما تيسر لغيرهم من الماركسيين، وهم ليسوا بالكثرة التي يتخيلها البعض، لأن الأسرة الشيوعية إن صح التعبير، والبيئة الذهنية للماركسية، شرطان لا يتوفران بالدرجة المطلوبة، بل نادرا ما يتحققان، ونادرا ما يجتمعان، ثم إن الماركسي لا ينجو من الأشكال والغموض والتمزق، ولو توفر الشرطان المذكوران، وهذا ما يجعله مترددا في الانتساب إلى مذهب معين، وما يجعله متقلبا بين الالتزام إلى جانب حركة ماركسية أو أخرى.
وهذه الملاحظات، تبين أن الماركسية تعمل في مناخ غير مناسب، لا يمكنها أن تنجح فيه، إلا عن طريق تهديم بقايا العقلية الإسلامية، وتحطيم رواسب النظم الإسلامية، وهذا أمر لا يقبله المسلم العادي، بل ولا يقبله بعض أنصار الماركسية أنفسهم في البلاد الإسلامية، إلا إذا كانوا مسحورين ومخدوعين بعدم وجود أي تناقض بين الإسلام والشيوعية.
وهذا يعني من ناحية أخرى أن الانتصارات التي حققتها الماركسية لحد الآن في دار الإسلام، لا يمكن وصفها بالنصر الكامل والساحق، رغم ما يشيعه بعض المعتوهين والمأجورين حول المسيرة الماركسية المظفرة. فالواقع يكذب هذه الإشاعة، لأن التمزق الذي تعانيه الماركسية في البلاد الإسلامية، لا يرجع فقط إلى اختلاف أساليب العمل الماركسي، وتشعب الاتجاهات الماركسية وتعددها، ولكن يرجع، وبنفس الدرجة إلى الرواسب الإسلامية التي لازالت مهيمنة على الفرد والمجتمع في هذه البلاد والتي لازالت تطبع الحياة اليومية فيها، وتمنع أية ردة شاملة.
ومما يؤكد هذه الحقيقة، أن الأحزاب والحركات الماركسية في الدول غير الإسلامية، غير مطمئنة لهذه الإشاعة. فعلامات عدم الرهن لا تقتصر على أسياد الكرملين الذين ينفقون بسخاء للحصول على نتائج مرضية، بل يتعداه إلى الأصنام البشرية التي لم تجرفها الثورة الثقافية في الصين، وإلى باقي الأحزاب الشيوعية الأخرى، وهذه الأحزاب والحركات الماركسية محقة في عدم اطمئنانها، فالماركسيون في البلاد الإسلامية لم يستطيعوا الحصول على الاعتراف لماركسيتهم بأنها المعبر الأمين عن أماني الشعوب الإسلامية المسحوقة، فهذه المشاعر تكاد لا تتعدى الماركسيين أنفسهم، وهم يشكلون نسبة ضئيلة من أي مجتمع يدين بالإسلام.
ومن هنا فإن الخطر الوحيد الذي تشكله الماركسية الآن في البلاد الإسلامية، هو خطر استيلاء المجموعات الماركسية على الحكم. أما اندماجها بالشعب، وحلولها محل الإسلام، فهو أمر بعيد المنال، مهما توفرت الوسائل والإمكانيات، ومهما تصاعد القمع والإرهاب. وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في البلاد الإسلامية التي تحكمها الماركسية بقوة الحديد والنار. فالاستعمار الروسي فشل في استئصال الإسلام من البلاد الإسلامية التي خضعت  لنير حكمه الشيوعي منذ خمسين سنة تقريبا، رغم ضخامة الوسائل والإمكانيات، ورغم الإعدامات والإبادات. والثورة الثقافية في الصين ليست ببعيدة، فقد كان من شعاراتها القضاء على المخلفات الرجعية في عقول المسلمين الصينيين، مما يدل على أن المسلمين الصينيين لم يندمجوا مع الماركسية الصينية اندماجا مرضيا. ولا نريد الإكثار من هذه الأمثلة، التي تبين عجز الحكم الشيوعي عن الحلول محل الإسلام رغم طول مدته، فأغلب الشعوب الإسلامية لا تخضع الآن للحكم الشيوعي.

                                                5*5
الاستيراد المستمر:
وقد يتعرض البعض بأن فشل الحكم الماركسي في استئصال الإسلام، لا يدحض بأي حال ما يشاع عن المسيرة الماركسية المظفرة للماركسية في البلاد الإسلامية. ولن نرد على هذا الاعتراض بتعداد الإخفاقات التي مني بها الماركسيون  في عدد من البلاد الإسلامية، ولكن ستجيب عليه من وجهة أكثر دقة وتحديدا، وهي أن الماركسيين يعيشون على الإستيراد المستمر للأفكار والحلول والمواقف الجاهزة.
فالماركسيون الآن في البلاد الإسلامية، لهم أساتذة غير محليين، ويأخذون مواقفهم ونظرياتهم عن هؤلاء الأساتذة الأجانب، بل أن كثيرا منهم لا يحدد مواقفه بعد الإطلاع على النشرات المجانية التي تصدرها مصالح الاستعلامات الشيوعية. ولم يعد خافيا الآن أن المجموعات الماركسية في البلاد الإسلامية توفد بعثاتها إلى المؤتمرات والمهرجانات الثقافية للأحزاب الماركسية المتقدمة، حتى تكون على اتصال مستمر بها، وحتى تستفيد من تجاربها. كما لم يعد خافيا أمر البعثات الشيوعية التي تفد سرا وعلانية بقصد تثقيف أعضائها، ونصحهم بالمواقف التي يجب أن يتخذوها، وبالنظريات والحلول التي يجب أن يدافعوا عنها.
ومما يزيد في عمق هذه الوصاية المشؤومة، أن المصادر والمراجع الماركسية المعتمدة، وجهت عنايتها إلى المجتمعات الأوربية بصفة خاصة، وإلى  المجتمعات غير الإسلامية بصفة عامة، ولم تدرس مجتمعات العالم الإسلامي في ماضيها وحاضرها. بل أن الدراسات الماركسية في هذا الميدان، لا تتعدى بضع دراسات معتوهة، أو نشرات صحفية يتلقى القائمون عليها مساعدات سخية. ولهذا فإن مستوردي الماركسية لا يتعدوا صنفين من الناس: العلماء المأجورون أو الأنصار الذين لا يعرفون عن الإسلام شيئا. وهذين الصنفين، لا يضمنان للماركسية أي مستقبل زاهر، رغم الانتصارات الجزئية التي يتم تحقيقها بين الفينة والأخرى. بل أن التطورات التي يشهدها العالم الإسلامي، تبين منذ الآن، أن تصاعد المد الإسلامي لن يترك للماركسية أي دور مهم في تقرير مصيره.
وتبدو أجنبية الماركسية في البلاد التي تتكلم اللغة العربية، أكثر بشاعة، لأن الماركسيين، أو المتأثرين بالفكرة الماركسية في هذه البلاد، عندما يثورون على الوصاية الغربية، إنما يتجهون فعليا إلى الماركسيين الأوروبيين بصفة خاصة، لكي يتلقوا منهم النظريات والآراء والمواقف، وليستلهموا منهم الحلول الآجلة والعاجلة لمشاكلهم. بل أن الكثيرين منهم يرون أن الماركسيين الغربيين يمكنهم وحدهم أن يرشدوهم إلى المستقبل الأفضل، ولا يتوانون عن مطالبهم بالتوجيهات الضرورية لتهيئته. وهذا تسليم بالسمو النظري لماركسيي أوربا الغربية، ولا يعني بأي حال، أن نظريات هؤلاء الماركسيين الأوربيين منزهة عن الخطأ والإنحراف في رأي الماركسيين الآخرين.
وخلاصة القول، أن الماركسية في البلاد الإسلامية،  تخضع للوصاية الخارجية، ولا أدل على هذا من أن الأعمال الفكرية الماركسية الجيدة، هي من إنتاج ماركسيين غير منتسبين للبلاد الإسلامية. وهذا هو سبب إغراق المكتبات بالكتب الماركسية المترجمة. لكن الملاحظ هو أن الأعمال الفكرية الماركسية المترجمة. لكن الملاحظ هو أن العمال الفكرية الماركسية المترجمة، ليست في الواقع إلا تعبيرا عن تناقضات الماركسيين، واختلافهم في طريقة فهم الماركسية وتطبيقها. وهذا يعني أن البذار الماركسي لا ينتظر منه موسم حصاد ممتاز، لأنه يبذر في تربية غير خصبة، تلفظه باستمرار.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here