islamaumaroc

ما هو مستقبل الإسلام ؟ [سبق نشره في العدد 7 من السنة 12، 1968]

  دعوة الحق

العددان 164 و165

كثيرا ما وضع هذا السؤال من جانب المهتمين بالإسلام، سواء من العرب والمسلمين، أو من جانب غيرهم من الباحثين، ومع ذلك فإن السؤال سيظل موضوعا إلى أن يجد الباحث المطلع الخبير الذي يجيب عنه علميا وتاريخيا واجتماعيا بطريقة موضوعية لا عاطفية، تستند على نصوص الأحاديث النبوية التي تنبأت هي نفسها بمستقبل المسلمين، وما سيواجهونه من تغير شامل في حياتهم، كما تستند على تحليل طبيعة الثورة الصناعية الحديثة، وتأثيرها البالغ في تغيير قيم وتقاليد المجتمعات التقليدية، بما فيها المجتمعات الإسلامية، وتعالج بصفة خاصة مشاكل التوافق والاندماج بين الحضارتين الإسلامية والغربية الصناعية،ومدى قدرة المسلمين على حل هذه المشاكل، ومنافسة الغرب في الميدان العلمي والصناعي.
لقد اجتاز الإسلام خلال الأربعة عشر قرنا التي مرت على ظهوره عدة مراحل تاريخية، عرف في أولها الانتشار والتمكن في الأرض، مع إدراك كامل لرسالته، وإخلاص كبير في أدائها. وجاءت المرحلة الثانية متميزة بإنشاء واستقرار الدولة العربية الأولى، وامتداد واتساع سلطانها، ولكن هذا الاتساع الجغرافي والامتداد البشري جعلا الإسلام يتفتح على شعوب وثقافات وأجناس ولغات مختلفة، ليحقق عالميته الإنسانية، وهكذا دفعه تطوره المرحلي ليخرج من إطار عروبته المحلية، ويبدأ مرحلة ثالثة يشترك فيها مع العرب شعوب أخرى غير عربية في بناء وإدارة الدولة الإسلامية العالمية. وقد احتفظ الإسلام مع هذه المرحلة أيضا، ليس فقط بسيادته المطلقة على هذه الشعوب، وإنما بقدرته على خلق الاندماج بينها، والتآخي بين أفرادها، وربطها في إطار (أمة إسلامية عالمية)، وامتصاص ثقافتها المحلية، لتصبح كلها من عناصر الثقافة الإسلامية العالمية، ولتلتحم وتتلاقح وتزدهر، ولتصبح بعد ذلك أساس التقدم الفكري والعلمي، الذي سيتمخض عنه عالم القرنين التاسع عشر والعشرين. أما المرحلة الرابعة فإنها تبدأ بزوال السيادة من يد العرب، أمة الإسلام الأولى، لتنتقل كليا إلى أمة إسلامية أخرى، ولتتوزع بين أمم إسلامية مختلفة بعد ذلك، وقد رافق انحسار السيادة العربية في هذه المرحلة انحسار الثقافة الإسلامية، وتأخر الفكر والعلم العربيين. وتنتهي مرحلة التراجع هذه بوقوع أغلبية البلدان الإسلامية تحت حكم دول نصرانية استعمارية، وزوال السيادة الإسلامية عنها، وهذه المرحلة من مراحل الشيخوخة.
ومن خلال هذه المراحل يتبين أن سيادة الإسلام ارتبطت تاريخيا بسيادة العرب، بحكم أنهم امة الإسلام الأولى، وأصحاب لغته الدينية، وحملة رسالته الأولون إلى سائر الأمم الأخرى، كما أن ضعف سيادة الإسلام، ثم زوالها، ارتبط بضعف ثم زوال السيادة العربية.
وقد عرف العالم الإسلامي بعد ذلك بداية (عصر اليقظة) الذي تمثل في الاستقلال السياسي والتحرر من سلطة الدول الاستعمارية النصرانية.
ولا نزال نحن اليوم نعيش هذا العصر الذي لم يستكمل فيه المسلمون بعد يقظتهم، ويبدو أنه لابد أن يمر جيلان أو ثلاثة قبل أن تتم هذه اليقظة.
إن مستقبل الإسلام مرتبط ارتباطا عضويا بمستقبل المسلمين، والمسلمون متأخرون عن عصرهم الحالي بعدة قرون، وهذا التأخر هو الذي خلق رد الفعل عند أجيال الشباب المعاصرة، المتمثل في حالة التمرد والثورة على كل القيم والأنظمة، حتى الإسلامية منها، إذا اعتقدوا أنها تقف حجر عثرة في سبيل التقدم والتطور السريع، واستدراك الوقت الذي ضاع.
وقد برهنت مأساة فلسطين منذ نصف قرن، وحتى اليوم، على أن شعوب العالمين العربي والإسلامي لم تستكمل بعد شروط اليقظة، ولا أقول النهضة، وهذا ما يفسر عدم قدرتهم عل استيعاب مدركات عصرهم، أن عصور الجهل والفقر والخمول والاستبداد أضعفت شخصيتهم الدينية والقومية، وخصائصهم الفكرية والعقلية، وقبل أن يتم انتشار التربية والتعليم، ومحو الأمية، وتعميم الثقافة، ومحاربة الفقر والتخلف، ورفع مستوى الفرد الأدبي والمادي، لا بمكن أن يسترد المسلم شخصيته ـ وخصائصه الضائعة.
إن الحضارة المعاصرة قامت على تقرير واستغلال ثلاث مدركات رئيسية: المال، والعلم، والصناعة، ومع أن الإسلام حث المسلمين، بكل إلحاح على اكتساب وتنظيم واستغلال هذه الطاقات الحضارية الهائلة التي سخرها الإنسان، إلا أن توقف سير الحضارة الإسلامية، عطل الفكر الإسلامي عن الاستفادة من هذه المدركات التي استوعبها الفكر الغربي، ليجعلها في خدمة نهضته وتقدمه وسيطرته على العالم.
لقد فشلت حتى الآن عدة حركات إسلامية في إقامة مجتمع إسلامي شبيه بالمجتمع الإسلامي الأول، لأنها لم تقم الحساب في دعوتها وأسلوبها لاختلاف العصرين لم تقم تستطع أن تحقق التوازن ـ في الميدان الفكري والتنظيمي على الأقل ـ بين مدركات الحضارة المعاصرة: المال والعلم والصناعة، التي تعتبرها ناحية مادية للإنسان، وبين مدركاتها الخاصة عن الحضارة الإسلامية، التي كثيرا ما تقصرها على القيم الدينية والخلقية، باعتبار أنها الجانب الروحي الأهم للإنسان. وهكذا برهنت هذه الحركات على أنها لم تصل بعد إلى مستوى الفكر الإسلامي الأول في سعة وعمق إدراكه للحقيقة الإنسانية والاجتماعية، وهو الفكر الذي لم يفرق بين المادية والروحانية، ولم يطلب من المسلمين أن يزهدوا في الحياة ويعيشوا في فقر وقناعة، لأن  الدنيا دار فناء، وإنما طالبهم بالعمل والسعي من أجل الدنيا أيضا: ((ولا تنس نصيبك من  الدنيا))، ((المال والبنون زينة الحياة الدنيا))، ((المال والبنون زينة الحياة الدنيا))، لينهاهم بعد ذلك عن إهمالها: ((قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)). فهل آن الأوان ليدرك العرب والمسلمون بعد تجاربهم التاريخية القديمة، وبعد تجاربهم المعاصرة مع الاستعمار والصهيونية، أنه لا إسلام أبدا مع الفقر، في عالم، غني، ولا إسلام أبدا مع الجهل، في عالم التخلف، ولا إسلام أبدا مع التخلف في عالم متقدم، وأن الصناعة الآلية التي هي طابع العصر الذي انتهى إليه التقدم البشري، ما هي إلا ثمرة من ثمرات العلم والمال.
إنني أقف دائما مندهشا أمام الحديث المعجز الذي أخبر فيه الرسول عليه السلام عن العصر الذي يعيشه المسلمون اليوم حيث قال: (( يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: يا رسول الله أمن قلة نحن يومئذ؟، قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل)) فهذه كانت الحال التي انتهى إليها أمر المسلمين منذ القرن الماضي، والاستقلال السياسي للدول الإسلامية لم يغير من حقيقتها إلا قليلا، كان فقط تعبيرا تاريخيا واجتماعيا عن يقظتها، وبقي أن تساءل عن عصر نهضتها متى يبدأ؟، ونجيب بان هذا العصر سيشرق عندما يصمم المسلمون على إعلان الثورة، لا ضد أعدائهم فقط، ولكن ضد أنفسهم، ضد قيمهم النفسية والاجتماعية التي حافظت على تخلفهم وفقرهم وجهلهم عدة قرون، إن الأجيال العربية والإسلامية الثائرة اليوم، لم تثر ضد الإسلام، في واقع الأمر، ولكنها ثارت ضد نظام التخلف الذي قيل لها أنه هو الإسلام، وثارت ضد العقلية المتحجرة التي أرادت أن تحمي المسلمين من سيئات الحضارة المعاصرة، فأضافت إليها حرمتنهم من حسناتها، وثارت ضد المسلمين الذين   تركوا شعوبهم فريسة للفقر والجهل والاستغلال، فأضحت لقمة سائغة للإستعمار ثم للصهيونية.
ولا يمكن لمن يحاول أن يتحدث عن مستقبل الإسلام، أن يغفل أيضا عن دراسة وتحليل تجربة مرة، عاشها العرب منذ الحرب العالمية الأولى، تمثلت في اتجاه كثير من الزعماء والأحزاب ـ لدوافع وأسباب مختلفة ـ لخلق إطار موحد للعمل، يكون أساسا للنهضة العربية، ويجمع شمل الأمة العربية، أصًبح يسمى ((القومية العربية)، وقد قبل العرب هذا الإطار باعتبار أنه مجرد غطاء خارجي لمحتوى أساسي هو الإسلام، ولكن هذا الاتجاه تطور فيما بعد ليجعل (الغطاء) يحل محل (المحتوى)، وبدأ الناس يبحثون عن فلسفة خاصة للقومية العربية، واشتراكية خاصة بالقومية العربية، وثورة نابعة من القومية العربية وهكذا.. وأصبحنا نحن الذين أيدنا القومية العربية (الإطار) نراها تتحول إلى (المذهب)، رغم ذلك، أن تتمتع بالتأييد لزمن أطول، لو أنها استطاعت أن تحقق أقل قدر من النجاح، فأثبنت أصالة بنائها، وأنها قامت حقا على أرض صلبة، لا على كثبان من الرمال.
إن أقل ما يجب أن يخلقه المذهب، أي مذهب كان، هو الإيمان به، والتضحية من أجله، ولكن مذهب (القومية العربية) لم يستطع أن يخلق في نفوس أصحابه شيئا من هذا الإيمان، أو قليلا من هذه التضحية، وكان من المفروض أن تحقق فكرة (القومية العربية) ذاتها على الأقل، أي الوحدة العربية، ولكن هذه الوحدة أم تتحقق حتى بين دعائها وأنصارها الذين اتخذوها شعارا لهم، إن مذهب الدولة يعتبر القوة المعنوية التي تسندها في الشدائد، فضلا عن أنه المثل الأعلى الذي يستميت الناس من أجله، فهل حقق مذهب (القومية العربية) بفلسفته واشتراكيته وثوريته شيئا من ذلك للعرب المؤمنين به.
إن تجربة هذا المذهب تكون قد استنفدت غرضها بعد أن أدى العرب ثمن فشلها غاليا، وينفتح الباب أمام الإسلام من جديد، برجال جدد من العرب أنفسهم، ويمضي العرب مرة أخرى إلى تحقيق وحدتهم، ولكن باسم العقيدة التي وحدتهم أول مرة، وباسم هذه العقيدة سيواصلون معركتهم في واجهتين: ضد التخلف بجميع صور داخل الوطن الإسلامي الكبير، وضد الاستعمار والصهيونية في كل مكان في الأرض، عندئذ فقط، يكون عصر اليقظة الإسلامية قد انتهى، يبدأ فجر النهضة، وتشرق شمس الإسلام من جديد على العالم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here