islamaumaroc

التضامن الإسلامي وأبعاده [سبق نشره في العدد 3 من السنة 13، 1970]

  دعوة الحق

العددان 164 و165

(( ينبغي أن نذكر أن الأخوة الإسلامية تظهر أقوى ما تظهر عندما يهدد العالم الإسلامي أو أي قسم من أقسامه مصدر غير إسلامي، وأنها تجنح أن تنسى حين لا يهدد الجماعة خطر وشيك من الخارج، ومع ذلك فإن هذه الرابطة قوة حقيقية، وفي الإمكان أن تصبح عامل تقوية في العالم الإسلامي كله)).
هذه الحقيقة التي قررها أحد كبار المستشرقين الأمريكيين (1)  ظلت قائمة على مدى العصور، منذ أخذت الغارات تتوالى على البلاد التي تستظل براية الإسلام طمعا في إذلالها والقضاء على التراث الإسلامي بها. وسواء في عهد التتار أو إبان الحروب الصليبية أو أثناء التسلط الاستعماري، لم تتخلف هذه الحقيقة فهب العالم الإسلامي بما لديه من وسائل لنجدة أطرافه المهددة بالغزو الخارجي. واليوم، إذ يعاني الإسلام محنة شديدة وتتحمل بعض الأقطار العربية غزوا شنيعا على يد الصهيونية التي كشفت عن نواياها باستباحة المقدسات الإسلامية نشهد بوادر تضامن إسلامي ببعث على الأمل.
لقد كان لحريق المسجد الأقصى في أغسطس 1969 أثر بعيد في نفوس المسلمين بمشارق الأرض ومغاربها، كما كان له صدى عميق في ضمائر قادته على اختلاف نزعاتهم وأجناسهم. وتفتحت الأبصار إلى الخطر الكامن في الروح الصهيونية، فخرج النزاع العربي، الإسرائيلي من المجال الضيق الذي كانت إسرائيل تحرص على إبقائه فيه إلى مجال أوسع، إذ أدرك قادة العالم الإسلامي لأول مرة أن مقدساتهم أصبحت هدفا للإنتهاك، واستجابوا إلى الدعوة الموجهة إليهم بعقد مؤتمر إسلامي للقمة واتخذوا مقررات على جانب كبير من الأهمية فاتفقوا على إنشاء أمانة عامة دائمة وتعقب الخطر الصهيوني. ولأول مرة في تاريخ الإسلام، اجتمع رؤساء الدول والحكومات الإسلامية للتشاور والتقرير في أمر يهم مصير مقدساتهم وبالتالي مصير أوطانهم التي توحدها العقيدة والتاريخ المشترك (2) وهي بداية الطريق نحو مسيرة طويلة ستنتهي ـ إن هي استمرت بمزيد التقدم والعزة والكرامة لأصحابها.

إن هذا الحديث العظيم الذي شهده جيلنا كان حلما يراود نفوس قادة الرأي والسياسة في العالم الإسلامي منذ أواسط القرن السابع الهجري حين دالت دولة العباسيين تحت ضربات الحركات الشعوبية وجحافل التتار بعد أن مرت بأدوار مختلفة من ناحية القوة والضعف ولم يبق لأواخر خلفائها من الحكم والنفوذ إلا الإسم. لقد اعترى الدولة الإسلامية الموحدة في عهد الخلفاء الراشدين ما اعترى غيرها من هزات داخلية بدأت بالخلاف بين الإمام علي ومعاوية والصراع بين الأمويين والعباسيين، انقسمت الدولة إثره إلى واحدة في الشرق وأخرى في الغرب، ثم أخذت القوى الخارجية تعمل عملها في تفكيك هذه الدولة الشاسعة الأطراف التي كانت تمد ظلها على أجناس وشعوب كثيرة.
ولقد عاصر الإمام أحمد بن تيمية نهاية الدولة العباسية على يد التتار وأبلى هو نفسه البلاء الحسن في الدفاع عنها وفي صيانة العقيدة من خطر الجمود والتحجر ومات ضحية أفكاره. ولما لا حظ الأخطار التي كانت تحيق بالعالم الإسلامي من كل جانب، دعا منذ ستة قرون إلى التضامن الإسلامي في كتابه (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) مناديا بتنظيم الجماعة الإسلامية على أساس توزيع السلطة في شكل أشبه ما يكون بالنظام الاتحادي أو (الكونفيدرالي)  في مفهوم القانون الدولي الحديث وبالرغم من هزيمة التتار على يد ظهير الدين يابر، فإن الوحدة الإسلامية لم تستعد متانتها لما كان يعانيه العالم الإسلامي من أسباب التمزق والانحدار.
ومما ضاعف متاعبه الحملات الصليبية التي وجهتها ضده دول أوربا المسيحية مجتمعة تحت قيادة الكنيسة. هاجمته في عقر داره واستولت زمنا طويلا على بعض الأقطار الإسلامية وسيطرت على أماكنه المقدسة إلى أن ردها أبطال نذكر منهم الأتابك زنكي وعماد الدين ونور الدين محمود وأخيرا صلاح الدين الأيوبي بعدما استنفروا المسلمين وعبأوهم لهذه الغاية وما كاد هذا الخطر ينجلي حتى مني العالم الإسلامي بخطر جديد مصدره أوربا التي أصابت حظا وافرا من التقدم إثر النهضة العلمية التي فسحت لها أسباب التطور منذ القرن الخامس عشر فأخذت الغزوات الاستعمارية تتوالى على الأقطار الإسلامية من إنجلترا وفرنسا وإسبانيا وهولندا والبرتغال، ودخلت الخلافة الإسلامية التي كانت تتركز في إستامبول في حرب ضروس انتهت بسقوطها فنصت معاهدة سيفر سنة 1924 على نهايتها، وهكذا تمت السيطرة الأوربية على الأقطار الإسلامية بدون استثناء.
ولم تخمد جذوة التضامن الإسلامي في نفوس المسلمين بالرغم عن ضعفهم ووقوعهم في يد الاستعمار الغربي، ولا تغلو في شيء، إذا ذكرنا أن فكرة التضامن الإسلامي أكثر أصالة من أي فكرة أخرى في ضمير الشعوب الإسلامية كما لا نجفو الحقيقة إذا أكدنا انه لم يتفق لفكرة أن لقيت حربا عوانا مثلما لقيته فكرة التضامن الإسلامي. وقد تعدد خصومها بقدر الأشكال التي برزت فيها عبر العصور. ذلك ( أن في العرف الإسلامي تصورا يتعلق بالفرد في الجماعة ويمنح الناس وسيلة للترابط وإحساسا بالاتحاد لا يوجد أحيانا في التصورات الغربية الحديثة للإنسان, هذه الشخصية المتحدة يعمل في تكوينها التصور الخاص (بدار الإسلام) أي تآخي المسلمين. وليس هذا التصور مجرد تفكير نظري، إنه واقع غير محسوس يضفي على كل مسلم شعورا بالترابط الوجداني مع كل مسلم أخر كما يهبه إحساسا بالأمن. فهو ينتمي إلى كل من يعلو عن فروق اللون والطبقة والجنسية ونظم الدولة، إنه يستطيع أن يحس بأنه في داره في أرض شاسعة متناثرة من الساحل الأطلنطي لإفريقيا إلى قلب المحيط الهادئ حيثما كان الإسلام هو الدين السائد والثقافة الغالبة )(3).
هذا الشعور هو الذي أنقذ الديار الإسلامية من المحن والهجمات التي تعرضت لها خلال التاريخ، لقد كان من أهم العوامل في استرجاع حرية الأقطار الإسلامية وأفاد ما لم تفد المبادئ التي دعت إليها المذاهب الاجتماعية التحررية منذ القرن الثامن عشر إلى اليوم، ويكفي أن نستعرض الحركات التي قامت هنا وهناك في العالم الإسلامي لندرك أن أكبر الفضل في الحقيقة يرجع إلى الطابع الديني الذي أضفاه قادة الرأي والسياسة المسلمون على كفاحهم لتخليص أوطانهم من ربقة المستعمر. لم تتحرك الشعوب الإسلامية لوتر مثل تحركها لوتر الدين. ومن الأمثلة الدالة على ذلك الثورة العربية في مصر وثورة المهدي في السودان والثورة الوهابية بالحجاز والثورة  السنوسية بليبيا، والثورة الجزائرية التي قامت على أساس الدعوة الإسلامية التي بشرت بها جمعية العلماء والحركة الوطنية بالمغرب التي سبقتها الحركة السلفية.
كان لدعوة التضامن الإسلامي ماهدون أشداء على الاستعمار، نعد في طليعتهم جمال الدين الأفغاني وتلميذه ورفيقه في العمل الشيخ محمد عبده، ويعتبران بحق أكبر من ؟؟؟؟؟؟ الشعور في الشرق الإسلامي قاطبة، كان جمال الدين أكبر داعية للجامعة الإسلامية بشر بها في مختلف البلاد الإسلامية وشرح حقيقتها كذلك في البلاد الغربية التي حل بها، وأقام لها دروسا وحلقات أينما ارتحل فترك أتباعا عديدين. كانت مقالاته في (العروة الوثقى) و (ضياء الخافقين) وغيرهما من الصحف العربية والإنجليزية النبراس الذي هدى الناس للسبيل الأقوم. ما فتيء جمال الدين الأفغاني يردد (أن للمسلمين شدة في دينهم وقوة في إيمانهم وثباتا في يقينهم يباهون بها من  عداهم من الملل، وأن في عقيدتهم أوثق الأسباب لارتباط بعضهم ببعض)(4)  حتى نفخ العزة في نفوسهم. ودفعهم إلى الثورة ضد الاستعمار وخاصة الاستعمار البريطاني الذي كان أكبر عائق في طريق تقدم البلاد الإسلامية. ونفس هذه الدعوة كان يرددها الشيخ محمد عبده، لكن بأسلوب أقل ثورية وأقرب إلى المنطق والإقناع(5) . وقد تناقلت الألسنة أخبار الرجلين، فكان لهما صدى بعيد.
صادف قيام هذه الدعوة حلول عصر النهضة في الشرق وبروز طائفة من رجال الفكر اللذين رحلوا إلى أوربا واطلعوا على نهضتها وتشبعوا بالأفكار الجديدة وأخذوا يرجونها بعد عودتهم، نذكر من بينهم رقاعة الطهطاوي ومصطفى كامل وقاسم أمين وعلي عبد الرزاق. كل كان يدعو إلى فكرة تحررية أما في الدين أو السياسة أو الاجتماع، ولكن جميع الاتجاهات كانت في الواقع من البذور التي ألقاها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. انكب الجميع على دراسة أسباب انحطاط العالم الإسلامي مبشرين بالعلاج، وصدرت في ذلك الوقت رواية تحمل عنوان:( السبب اليقين المانع لاتحاد المسلمين) لأحد الكتاب المغمورين واسمه محمد كاظم تلتها مقالات ومساجلات تناول أصحابها بالبحث أسباب التفكك الموجود بين المسلمين والوسائل المجدية في التئام شملهم. وبعد قليل صدر كتاب (أم القرى) لعبد الرحمن الكواكبي يحمل دعوة صريحة للجامعة الإسلامية، فقد (تخيل مؤتمرا في مكة يجمع ممثلين من مختلف الأقطار الإسلامية يبحثون فيه حالة الأمة ويرسمون سبل الإصلاح ويهزمون هذا العالم الإسلامي لتسري فيه رعشة الحياة، وبدأت مناقشة المؤتمر حول حالة الفتور العام التي تعتري المسلمين كافة...واحتدمت المناقشة حول الأسباب الدينية والسياسية، ولم يرض المؤتمر بالاكتفاء بالبحث في الأمراض وعلاجها بل اقترح إنشاء جمعية دائمة تعنى بإصلاح المسلمين وتشرف على تنفيذ برامجها في الإصلاح) (6).
ونشأت تبعا لهذه الأفكار التي صادفت كثيرا من الرواج مدارس عدة في الإصلاح السياسي والإصلاح الديني والحكم الديمقراطي ؟؟؟؟ وتبين بوضوح الخط الفاصل بين من كانوا يرون الثورة وسيلة للإصلاح السياسي وبين الذين كانوا يرون الحكم الديمقراطي سبيلا للإصلاح السياسي. وعملت الأفكار الجديدة عملها في النفوس فدفعتها إلى الكفاح في سبيل حياة أكرم، وكانت بمثابة الشرارة التي ألهبت حمية الشعوب ونزلت بها إلى ميادين النضال ضد السيطرة الاستعمارية التي كانت تقبض على بعضها بيد من حديد وتستعد للأخرى.
كان الاستعمار الغربي إذ ذاك في أوج قوته يتسابق على الفتوحات وتأمين الأسواق لتجارته والاستئثار بموارد إفريقيا وآسيا، ولم يكن يرعى إلا ولا ذمة في الشعوب المستضعفة مستعملا جميع الوسائل لإذلالها. كان من جملة مخططاته القضاء على الخلافة الإسلامية من الداخل والخارج تمهيدا لاستعباد الأقطار المنضوية تحت لوائها، ومن أهم برامج بريطانيا العظمى إذ ذاك الاستيلاء على الشرق الأوسط لتأمين طريق الهند (درة التاج البريطاني) كما كانت تدعى، بينما كانت فرنسا تشره لمد سيطرتها على سوريا ولبنان. وما كادت الحرب العالمية الأولى تقوم حتى كانت جميع المخططات جاهزة للتنفيذ، ففي الوقت الذي كانت المحافل الرسمية في لندن تتعهد فيه للعرب باستقلالهم لقاء انتقاضهم على الحكم العثماني، كانت تبرم مع فرنسا الاتفاق المعروف باتفاق سايس بيكو (7) لاقتسام أقطار الشرق العربي، وتلتزم للصهيونية العالمية في وعد بلفورد سنة 1917 بإنشاء وطن قومي لها في فلسطين، انتهت الحرب العالمية الأولى بانهيار الخلافة الإسلامية من جهة، وبوقوع الدول العربية كافة فريسة في يد الاستعمار من جهة ثانية.
إنها أكبر نكسة تعرض لها الشرق العربي وهو في بدء نهضته يسعى بمفكريه ومصلحيه في شتى الميادين لشق طريقه إلى التطور ومجاراة قافلة الدول المتقدمة. أخلفت الدول الغربية ـ وفي طليعتها بريطانيا العظمى وعودها للعالم الإسلامي والعربي فانتهجت خلال الحربين العالميتين سياسة مبنية على الدس والتآمر وشجعت قيام إسرائيل في المنطقة العربية لعرقلة تقدمها وإلهاء شعوبها، كل ذلك لاستغلال ما تزخر به المنطقة من موارد طبيعية هائلة، وقد دلت الأحداث التي تمت بعد ذلك على ما كان الغرب بيته من النوايا.
ولا يفوتنا ونحن نستعرض بسرعة  الأحداث التي مرت بالعالم الإسلامي أن نشير إلى ما قام به الاتحاد السوفياتي من جهته حيال الأقطار الإسلامية الواقعة في آسيا الوسطى إثر الحرب العالمية الأولى. فبعد قيام الثورة الشيوعية في أكتوبر 1917 وانسحاب روسيا من الحرب، وجهت موسكو اهتمامها لتلك الأقطار. وبالرغم عن إعلان حكومة الثورة لحق الشعوب في تقرير مصيرها بما فيها الشعوب المشمولة بالنفوذ الروسي، فقد واصلت السير على سياسة النظام العنصري فجعلت من أوزبيكستان وكازاغستان وتادجيكستان وتركمينستان جمهوريات متحدة في دائرة الاتحاد السوفياتي، بينما ألحقت عددا كثير امن الأقطار الإسلامية بجوارها وخولتها أنظمة مختلفة، ويبلغ ما بالاتحاد السوفياتي الآن من المسلمين نحو خمسة وثلاثين مليون شخص، وكانت هناك حركات إصلاحية يقودها زعماء مسلمون أمثال اسماعيل بك غابرانسكي والمصلح الكبير عبد الرؤوف فطرت والبطل شامل الملقب بعبد القادر القوقازي تشبيها له بالأمير عبد القادر الجزائري. تناولت الحركة الإصلاحية ميادين شتى ولقيت محنا كثيرة، ولكنها تشجعت عند قيام الثورة الشيوعية وصدور إعلانها المتضمن لمبادئ تحررية فراح زعماؤها يحثون الخطى لتنظيم أقطارهم على أساس إسلامي وأنظمة عصرية. ومما يذكر في هذا الصدد أن السيد اسماعيل بك غابر أنسكي دعا لعقد مؤتمر إسلامي عالمي سنة 1926 عقب انهيار الخلافة الإسلامية فاجتمع المؤتمر وأصدر عدة قرارات في توحيد العالم الإسلامي وإدخال إصلاحات على النظم السياسة والاجتماعية. ودخلت الحركة في خلافات إيديولوجية مع الأعوان الروسيين ثم في اشتباكات مسلحة وتصفية العناصر القومية على يد ستالين وبيريا، وتشرد من استطاع أن ينجو بنفسه في أفغانستان وإيران. وهكذا قضي على الحركة الإصلاحية في المهد وأصبح العالم الإسلامي كله أسيرا في قبضة الغرب من جهة والاتحاد السوفياتي من جهة ثانية.
بالرغم من هذه النكبات لم يستكن العالم العربي والإسلامي للحظ العاثر ولم يقبل الضيم، وكانت له قوة دافعة من ذاته هي قوة الإسلام التي تأبى الذل والخنوع، قوة من الخارج تتمثل في الأفكار   التحررية التي هبت على العالم ففتحت العيون وأيقظت الهمم. وحملت الشعلة جماعة من قادة الرأي والسياسة في المشرق والمغرب نذكر من جملتهم سعد زغلول وشكيب أرسلان والسنوسي وابن باديس والحركة السلفية التي انقلبت إلى حركة وطنية في بلادنا دون أن نغفل عن ثورة الريف التي كان لها الصدى البعيد في المشرق من أدناه إلى أقصاه. ولم تهادن هذه الحركة على قلة وسائلها القوى الاستعمارية خلال الفترة الواقعة بين الحربية العالميتين، ولم يخمد أوراها في أي بقعة من بقاع العالم الإسلامي، بل كان يسند بعضها بعضا في معركة التحرير ومعركة المصير، ناهيك بالأعمال البطولية التي قامت بها ضد المحتل في الشرق العربي على اتساع رقعته وفي غير ما مكان من المغرب العربي. وعانت الشعوب فيها ما عانته من المحن والتضحيات. وقد تجلى التضامن الإسلامي أروع ما تجلى في هذه التظاهرات التي كانت تجري بأقصى المشرق احتجاجا على ما كان يقع من تعسفات في الأقطار المغربية، والعكس بالعكس. وازداد التضامن الإسلامي حين استفحل الخطر الصهيوني في فلسطين وبدأت انجلترا تحت قناع الانتداب تمهد بقيام الوطن القومي الإسرائيلي. فقد ساندت الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها القضية الفلسطينية ولم تتردد في أداء واجبها بما كانت تستطيع بالرغم عن وقوعها تحت السيطرة الاستعمارية.
وإذا كانت بعض الأقطار الإسلامية كمصر وإيران وأفغانستان والمملكة السعودية قد استطاعت أن تتحرر من ربقة الاستعمار، ولو أنها لم تستكمل كل صفات السيادة ـ قبل نشوب الحرب العالمية الثانية ـ فإن هذه الحرب بما حملته من تيارات تحررية جديدة وبما ترتب عنها بالأخص من إنهاك الدول الاستعمارية قد زادت من إيمان الشعوب المستضعفة بعدالة كفاحها ودفعتها قدما لاسترجاع سيادتها، وكانت الأقطار العربية والإسلامية في مقدمة المعركة فبذلت الكثير من الجهود حتى استطاعت أن تتخلص في فترات متلاحقة من الاستعمار الغربي وباستثناء بعض الجيوب الاستعمارية التي ظلت أسيرة لحد الساعة والتي لا محيد من انعتاقها فالنقطة السوداء في العالم الإسلامي الآن هي فلسطين المغتصبة التي منيت باحتلال من أبشع أصناف الاحتلالات التي عرفها شعب في تاريخه. تآمرت على الشعب الفلسطيني الصهيونية العالمية مع الدول الكبرى ولا تزال بعض هذه الدول تضمن بصورة أو بأخرى الكيان الصهيوني وتدعمه بالقوة والمال، فتزداد جبروتا وتحديا وتشكل أكبر خطر على الدول العربية.
لقد كان لقيام إسرائيل في العالم العربي أثر بعيد في قلب أوضاع الشرق الأوسط، خاصة بعد الهزيمة التي منيت بها الجيوش العربية سنة 1948 والهجوم الثلاثي على مصر سنة 1956، وبعد الثورة المصرية سنة 1951 وما تلاها من مضاعفات وانعكاسات على الشرق العربي عموما وبعد الدعم المستمر الذي كانت تلقاه إسرائيل من لدن الغرب اضطرت أنظمة الحكم القائمة في الشرق ـ وخاصة منها الأنظمة الثورية ـ أن تبحث عن حلفاء يمدونها بالعون المادي والمعنوي. وتبلورت القومية العربية فأصبحت بالنسبة للأنظمة الثورية على الخصوص الدرع الواقي ضد الأطماع الاستعمارية والتوسع الصهيوني وهبت على المنطقة تيارات فكرية ومذاهب جديدة تمت بأوثق الصلات إلى الاشتراكية العالمية، فوجدها الاتحاد السوفياتي مناسبة للتسرب الفكري والمادي إلى هذه المنقطة واتخاذ موطئ قدم بها: وهو حلم طالما كان يراود أفكار ساسة روسيا القيصرية، فتحقق على يد النظام البولشفيكي. وبفعل التطاحن المذهبي، أصبحت دول الشرق العربي ممزقة الفؤاد بين المعسكرين المتنافسين على النفوذ في العالم، وكل من المعسكرين يسعى لمصالحه الخاصة ولا يمنح (صداقته) أو (معونته) إلى تلك الدولة إلا بالقدر الذي يضمن معها تلك المصالح وما أكثرها... لما تحتويه أرضها من الذهب الأسود عصب الصناعة الغربية الذي يدر أرباحا باهضة على الدول الغربية، زيادة على الأهمية الستراتيجية التي يكتسبها الشرق العربي في الرقعة العالمية. لقد شاهدنا في العقدين الأخيرين احتدام النزاع بين الدول العربية الثورية والأخرى ذات الأنظمة التطورية، وما ترتب عن ذلك من انقلابات في أنظمة الحكم ونزاع مسلح على أرض الوطن العربي بين الأشقاء. ولم تنفع جامعة الدول العربية التي ينص ميثاقها على منع كل التحام بين الأعضاء في حسم هذه النزاعات فكان فشلها واضحا بينما كانت إسرائيل تقف موقف الشامت وتستفيد من هذا الوضع وقد تجلى مدى ما استفادته في حرب يونيو 1967.. 
 قبيل هذه الحرب بثلاث سنوات ظهرت على مسرح الأحداث في العالم العربي الدعوة من جديد إلى التضامن الإسلامي لمواجهة القضايا والمشاكل التي كانت تجابه هذا العالم وما تزال. وما انفكت هذه الدعوة أن انقلبت إلى دعوة (لمؤتمر قمة إسلامي) فأحدثت عديدا من ردود الفعل داخل العالم العربي وخارجه بحسب أنظمة الحكم الموجودة في البلاد العربية والإسلامية وبحسب التيارات الإيديولوجية التي كانت تهب على الأقطار العربية.
كيف عادت فكرة التضامن الإسلامي إلى الوجود؟ وما هي الأسباب التي دعت إليها؟ إن فكرة الدعوة إلى عقد مؤتمر إسلامي للقمة ترجع في الأصل إلى  رئيس جمهورية الصومال الأسبق، فقد صدرت عنه في مؤتمر إسلامي انعقد بموقاديشيو سنة 1964، فتبنتها (رابطة العالم الإسلامي) في المؤتمر المنعقد سنة 1965 والرابطة ـ كما هو معلوم ـ منظمة تأسست بالمملكة السعودية سنة 1961 وجعلت مكة المكرمة مقرا لها. ومن جملة الأهداف التي رسمتها لنفسها: (قيام جامعة للدول الإسلامية بغية توحيد طاقتها وتنسيق جهودها في حماية العقيدة الإسلامية والذود عن أوطان الإسلام) وقد سبق للمجلس التأسيسي للرابطة أن أرسل مذكرة في هذا المعنى إلى رؤساء الدول الإسلامية مقترحا خطوات إيجابية للوصول إلى هذا الهدف. وكان المؤتمر الإسلامي الموسع الذي انعقد بمكة سنة 1965 أهم مؤتمر إسلامي نظمته الرابطة وشارك فيه 300 مندوب من مختلف البلاد الإسلامية ما بين وفود حكومية وشعبية وألقى فيه الملك فيصل ـ باعتباره الرئيس الشرفي للمؤتمر ـ خطاب الافتتاح فأعلن: (إننا نؤيد الدعوة إلى مؤتمر قمة إسلامي ليكون في مقدور أعلى قمة إسلامية أن تبحث في قضايا المسلمين وتقرر مصيرهم). وتداول مؤتمر الرابطة في الفكرة ثم أصدر قرارا خاصا بتأييد الدعوة إلى عقد مؤتمر إسلامي للقمة والتمس من الملك فيصل أن (يواصل السعي لتحقيق هذا الهدف الأساسي الكبير). كما كلف المؤتمر الزعيم النايجري الشهيد أحمد بيلو بدراسة الموضوع وتقديم تقرير عنه، فأنجز العمل قبل الانقلاب الذي أطاح بالنظام السابق وذهب هو نفسه ضحيته.
أما الأسباب التي أوحت بالدعوة لانعقاد مؤتمر إسلامي للقمة فكثيرة ترجع في جملتها إلى الحالة التي كان يتخبط فيها العالم العربي بالأخص. فلا يخفى أن حرب اليمن كانت مستمرة ولم ينفع في إخمادها اللقاءات الثنائية التي تمت بين المملكة السعودية والجمهورية العربية المتحدة وما ترتب عنها من اتفاق مرض ولا مؤتمرات القمة العربية التي كثيرا ما أوصت بحسم الخصومات بين الدول الأعضاء في الجامعة العربية. ومع ذلك فلم تفتر حدة الحملات الإذاعية والصحفية والمناوشات على الحدود والمؤامرات لقلب أنظمة الحكم في بعض أقطار الشرق العربي وكانت الخلافات العقائدية على أشدها بسبب تسرب إيديولوجيات دخيلة في المنطقة كما سبق ذكره، مما أدى إلى انقسام الدول العربية والإسلامية على نفسها وشغلها على الأخطار الحقيقية التي كانت تحيط بها من كل جانب.
لوحظ أن القرار بعقد مؤتمر إسلامي للقمة لم يثر أي رد فعل في العواصم العربية لأول وهلة لصدوره عن منظمة لم تكن تعيرها هذه العواصم اهتمام كبيرا ولم تأبه له إلا بعد ما أخذ الملك فيصل عصا الترحال وقام بجولة في كثير من العواصم الإسلامية فزار كلا من إيران والسودان وتركيا والأردن ومالي والمغرب وتونس، داعيا إلى تحقيق المشروع. ولما لاحت في الأفق حظوظ نجاح الفكرة، شنت بعض العواصم العربية حملة لإحباط المشروع وصورته في شكل حلف شبيه بحلف بغداد، كما جردت وسائل الإعلام السوفياتية ما لديها من دعاية لمحاربة انعقاد المؤتمر. ففي تصريح أدلى به الرئيس جمال عبد الناصر لصحيفة (إيزفيسنتيك) السوفياتية أثناء زيارته لموسكو في خريف 1965 ورد ما يلي: ( إن ثمة شعارات يجري الترويج لها مثلا فكرة إقامة حلف إسلامي، وليست هذه الفكرة بجديدة، فقد سبق أن شاهدنا محاولات مشابهة مثل حلف بغداد، ولا أعتقد أن مصير هذا الحلف إذا خرج إلى الوجود ـ يمكن أن يختلف عن سابقيه).
وقد حمل الرئيس المصري حملة شعواء على الداعين للمؤتمر الإسلامي في خطاب ألقاه بعد ذلك بمدينة السويس، ثم ترددت أصداء معارضة الفكرة في العواصم العربية التقدمية بالشرق.
لم تثن تلك الحملات الملك فيصل عن مواصلة العمل الذي كلفته رابطة العالم الإسلامي بتحقيقه وشرحته في البيان الذي أصدرته ذاكرة (أنه أداء فريضة الله علينا في تبليغ دعوة الإسلام وشرح مبادئها وتعاليمها ودحض الشبهات عنها ومجاهدة  المؤامرات الخطيرة التي يريد بها أعداء الإسلام فتنة المسلمين عن دينهم وتمزيق وحدتهم وأخوتهم والنظر في القضايا الإسلامية بما يحقق مصالح المسلمين وآمالهم), وقد قام الملك فيصل خطيبا في البرلمان الإيراني فذكر أن العالم الإسلامي في حاجة إلى التضامن لحماية الدين والنهوض بالأمة الإسلامية ومقاومة موجة الانحرافات والمبادئ الملحدة. وفي خطابه بالخرطوم ذكر أن المؤتمر يهدف لدعوة المسلمين والتعاون والتعارف فيما بينهم لما فيه صلاح دينهم ودنياهم) ولا علاقة له بالأحلاف المعروفة ولا ببث العداوة والبغضاء بين المسلمين وغيرهم ولا بخدمة أغراض سياسية، وإنما هو ( يدعو إلى الله ويدعو المسلمين إلى المحافظة على دينهم والتعاون فيما يصلح دنياهم). وكان الملك فيصل يردد أن ثلاث قوى تناهض تحقيق هذا المؤتمر: الاستعمار والصهيونية والشيوعية.
كان المؤتمر إذن يهدف ـ بحسب تصريحات القائمين به ـ إلى الدفاع عن الفكرة الإسلامية ودفع الشبهات عنها وتصحيح الانحرافات التي شغلت العالم العربي والإسلامي وأشاعت الفتنة والشقاق في أجزائه، وقد وجدت هذه الدعوة معارضة شديدة من لدن بعض الجهات التي كانت تخشى على نفوذها من نجاح فكرة التضمن الإسلامي. لقد صادف قيام الدعوة إلى مؤتمر قمة إسلامي دعوة الفاتكان هو كذلك إلى توحيد صفوف المسيحيين والنتائج التي ترتبت عن ذلك. وعبر المطران اللبناني المعوشي عما لقيته هذه الدعوة وربطها بالدعوة إلى المؤتمر الإسلامي فقال: ( قامت ضجة من الملاحدة ودعاة الهدم عندما دعت الفاتكان إلى مؤتمر لتوحيد كلمة المسيحيين حول عقيدتهم ولكن المؤتمر المسكوني اجتمع وكان من نتائجه ما هو معروف وسيكون الأمر كذلك في حق هذا التجمع الإسلامي (8).
ظلت الدعوة إلى المؤتمر الإسلامي للقمة بين مد وجزر، بين مؤيدين ومنكرين، وظل العالم العربي والإسلامي يعاني كثيرا من أسباب الخلاف والتناحر، إلى أن اكفهر الجو من جديد في الشرق الأوسط ونشبت الحرب بين الدول العربية وإسرائيل... وكانت النكبة، فكان للإهتمام بمحو عار الهزيمة ومواجهة عواقبها أثره في تأخير تحقيق الفكرة.
بذلت الدول العربية قصارى جهدها على الصعيدين السياسي والدبلوماسي لمحو آثار العدوان. ولحد الساعة، ورغم مضي سنتين ونصف، تصر إسرائيل على احتلال أجزاء من الأراضي العربية فضلا عن فلسطين، مواصلة عدوانها المسلح في تحد وعناد محتمية بالدول الاستعمارية، مشجعة من لدن الصهيونية العالمية التي تستحوذ على مصادر القوة والنفوذ في الغرب وظهر جليا أن إسرائيل لا تبغي بديلا من استسلام العرب لإرادتها وأنها ترغب في الاعتراف بوجودها وضمان كيانها كخطوة في سبيل تحقيق مطامعها التوسعية على حساب الوطن العربي. ولقد تجاوزت الحد، فأخذت تسعى لمحو التراث الإسلامي في البلاد التي تحتلها، هودت عشرات المساجد، وأحلت شريعتها محل الشريعة الإسلامية واللغة والبرامج العربية في المدارس العربية وتوجت كل هذه الانتهاكات بالحريق الذي التهم المسجد الأقصى في شهر أغسطس الماضي.
كان لهذا الحدث المفجع دوي مرعب لا في الرأي العام العربي وحسب بل وفي الرأي العام الإسلامي كذلك، فظهرت على إثره الدعوة من جديد إلى عقد مؤتمر إسلامي للقمة. ووجدت آذانا صاغية وعقولا متفهمة. انعقد اجتماع وزراء الدول الخارجية في الأسبوع الأخير من أغسطس 69 بالقاهرة، وقرر من جملة ما قرر (تأكيد أهمية عقد مؤتمر قمة إسلامي وأن يعهد إلى المملكة المغربية والمملكة العربية 
السعودية بإجراء الاتصالات اللازمة من أجل عقد هذا المؤتمر), وتجدر الإشارة إلى أن جلالة ملك المغرب سبق أن حث على عقد هذا المؤتمر بمناسبة عيد المولد (شهر ماي) حين ظهر بما لا مزيد عليه من اليقين أن إسرائيل مصرة على عدوانها ومتربصة بالتراث والقيم الروحية الإسلامية.
وفي 5 شتنبر اجتمعت اللجنة التحضيرية للمؤتمر في مدينة الرباط واتفقت على أيام 22 إلى 24 شتنبر موعدا لانعقاده في نفس العاصمة. انعقد المؤتمر ـ كما هو معلوم ـ على مستوى رؤساء الدول والحكومات الإسلامية وحضرته وفود 25 دولة، وشارك في أعماله ممثلو منظمة التحرير الفلسطينية بوصفهم مراقبين.
صدر عن المؤتمر إعلان مهم تضمنت ديباجته هذا الالتزام: ( ستشاور حكوماتهم بغية التعاون الوثيق والمساعدة المتبادلة في الميادين الاقتصادية والعلمية والثقافية والروحية وحيا من تعاليم الإسلام الخالدة، وتعلن التزامها بتسوية المشكلات التي قد تنشأ فيما بينها بالوسائل السليمة بما يؤكد مساهمتها في تدعيم السلام والأمن الدوليين وفقا لأهداف ومبادئ الأمم المتحدة)). وتضمنت المقررات التي تعهد بها رؤساء الدول والحكومات الإسلامية النقط الأساسية التالية:
1- إدانة إسرائيل لما ترتكبه في البقاع المقدسة ورفض كل حل للقضية الفلسطينية لا يكفل لمدينة القدس وضعها السابق لعدوان 1967.
2-  مساندة الشعب الفلسطيني مساندة تامة لاسترجاع حقوقه المغتصبة ومواصلة نضاله من أجل تحرير وطنه.
3-  إقامة أمانة دائمة للمؤتمر الإسلامي للقمة تكون من جملة مهامها الاتصال مع الحكومات الممثلة في المؤتمر والتنسيق بين أعمالها وتقرر انعقاد اجتماع لوزراء خارجية الدول المشاركة بجدة في شهر مارس 1970 لبحث نتائج مقررات المؤتمر وموضوع تأسيس الأمانة الدائمة.
تستخلص من هذه المقررات نتيجتان على جانب كبير من الأهمية:
أولا: بروز التضامن الإسلامي وخروجه من الإطار العاطفي إلى مجال الواقع بتجليته في مظاهر التعاون بين مختلف البلاد الإسلامية في شتى المجالات وطرحه على المستوى الدولي.
ثانيا: إضعاف الطابع الإسلامي على القضية الفلسطينية بإخراجها من إطار العروبة الضيق وتقويتها بالصبغة الإسلامية ثم عرضها دوليا على هذا الأساس بالإضافة إلى صبغتها الإقليمية، وبذلك يضمن دعم أكبر لحق الشعب الفلسطيني المغتصب.
إن الاتفاق الذي تم بين رؤساء الدول الإسلامية في الرباط قد أنعش الآمال. وتتطلع الأنظار الآن إلى مشاهدة ما سيعقبه من نتائج علمية وأول خطوة هي قيام الأمانة الدائمة للسهر على تطبيق الاتفاق حتى لا يبقى حبرا على ورق كما حصل بالنسبة لمؤتمرات أخرى نذكر منها مؤتمر باندونغ الذي أصبح ذكرى من الذكريات فقط، وكان المؤمل أن يستمر إلى أن تتخلص جميع أقطار العالم الثالث من الاستبعاد والاستغلال(9) .

لقد تعرض العالم العربي ـ وفلسطين بالذات ـ خلال تاريخه الطويل إلى هجمات وغزوات ومخططات رهيبة اختلفت صورها بحسب الدول التي كانت تنجذب إلى المنطقة وتسعى للسيطرة عليها، وها هو ذا اليوم يعاني من الصهيونية غزوا بلغ درجة قصوى من الضراوة. وقد جربت الحكومات العربية صده بكل ما لديها من الوسائل ومرت أزيد من عشرين سنة على قيام إسرائيل، سلك القادة العرب خلالها عدة طرق لوضع حد لمأساة وطنهم دون أن يجدوا مخرجا. وهاهم اليوم قد اهتدوا إلى سبيل التضامن الإسلامي فلعل فيه الأمل والنجاة، لقد جرب في عهد صلاح الدين الأيوبي، وبالأمس القريب حين كانت الشعوب الإسلامية واقعة تحت السيطرة الاستعمارية، فأتى ثمرته. وما أفاد بالأمس حقيق بأن يفيد في المستقبل، مع المحافظة على كل أساليب الكفاح والدعوة، وعدم التفكير في التخلي عن إقناع أي من الأجزاء التي يتكون منها الرأي العام العالمي بعدالة قضية فلسطين والقضايا الإسلامية الأخرى التي أصبحت محط العدوان الصهيوني.

1 - هو السيد هارولد سميث  Harold Smith رئيس قسم الديانات بكلية ووستر بولاية أوهايو في أمريكا. وكان قبل رئيس قسم الفلسفة والأخلاق بالجامعة الأمريكية في القاهرة.
  - ورد في " مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها " للأستاذ علال الفاسي فصل يتعلق بالأمة والدولة في الإسلام جاء فيه صفحة 217 ما يأتي:
 (( الأمة الإسلامية أمة واحدة، حدودها هي دار الإسلام وشعارها توحيد الله وإقامة العدل بين الناس ( وأن هذه أمتكم امة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون)) وصفة الوحدة هذه تقضي على كل فارق مبني على الجنس أو اللغة أو اللون... وتكون الأمة الإسلامية وحدة سياسية دون اعتبار للحدود الجغرافية...والأمة الإسلامية متضامنة الحقوق متكافئة الذمم، وقد وصف ما بين أفرادها من التضامن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ـ مثل المؤمنين في تواددهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وفي حديث آخر ـ المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا).
3 - مأخوذ عن هارولد سميث الآنف الذكر في بحثه عن "مذهب الإسلام في الإنسان"
4 - العروة الوثقى العدد الصادر في 10-4-1884.
5 - في هذا الصدد كتب الدكتور محمد البهي أستاذ الفلسفة بالأزهر في بحثه عن اتجاهات الفلسفة الإسلامية، (عندما حدد الشيخ محمد عبده الإسلام الذي يجب أن يتمسك به المسلمون رأى أن اتخاذ الثورة ـ قبل إعداد العدة لها ـ وسيلة في إخراج المستعمر من بلاد الشعوب الإسلامية يتصل بالعاطفة والحماسة الوقتية أكثر مما يتصل بواقع الأمر، ولذا رأى أن يتخذ المسلمون وقادتهم أسلوبا، أخر هو ما اتخذه المسلمون الأولون في تكوين جماعاتهم).
7 - هذا الاتفاق يحمل اسم ديبلوماسيين أحدهما إنجليزي سيرمارك سايكس والآخر فرنسي وهو جورج بيكو وقد أبرم بينهما بلندن في شكل تبادل رسائل ما بين 9 و 16 ماي  1916 بعد اطلاع روسيا على ذلك، ونص على اقتسام الأراضي العربية بين  إنجلترا وفرنسا إما بإلحاقها أو بوضع حمايتها أو نفوذها عليها، وتم الاتفاق في تكتم تام لأنه كان متناقضا مع الاتفاق الذي أبرمته إنجلترا مع الملك حسين أمير مكة وتعهدت فيه بإقامة دولة عربية مستقلة، فكان السبب في الثورة العربية ضد السيطرة العثمانية وقد نشرت حكومة الاتحاد السوفياتي نص اتفاق سايكس - بيكو بمجرد ما انسحبت من الحرب. فكان لذلك خيبة أمل في وسط الشعوب العربية.
8 - كتب الأستاذ أحمد زكي رئيس تحرير (العربي) في هذا الصدد ( ع 132 نوفمبر 1969)
((ومن الناس من يخشى أن ينعقد مؤتمر إسلامي.
وهؤلاء لم يخشوا أن ينعقد مؤتمر عربي.
وهؤلاء لم يخشوا أن ينعقد مؤتمر إفريقي أكثر أممه لها بإسرائيل اتصال وثيق.
وهؤلاء لم يخشوا أن ينعقد مؤتمر للدول غير الملتزمة، وهم بواقعهم، لا في نياتهم الحسنة ملتزمون إلى حد غير صغير.
وتجتمع في العالم مؤتمرات قمة للأحزاب الشيوعية
وتجتمع في العالم مؤتمرات مسيحية ومنها تناول شؤونا سياسية حتى إذا نودي باجتماع مؤتمر إسلامي، ظهرت الخشية وظهر الحذر القديم من أن يقوم العالم أن روح التعصب الديني قد عادت))
9 - تجدر الإشارة بهذه المناسبة إلى القرارات التي أصدرها المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة التي عقدت بين فاتح و 14 شعبان 1389، و12 ـ 25 أكتوبر 1969 بمكة المكرمة والتي جاء فيها: (( أن انعقاد مؤتمر القمة قد وضع الأمة الإسلامية على بداية الطريق الواضحة...لتحقيق الأمل الكبير الذي عمل له المفكرون والرواد المسلمون خلال الأجيال المتعاقبة في قيام عالم إسلامي متضامن موحد يرتكز على أساس ثابت من العقيدة الإسلامية الغراء التي تستطيع وحدها أن تعطي للمسلمين أسباب القوة المادية والمعنوية وتمنحهم القدرة على  الدفاع عن كيانهم وعقيدتهم أمام كل المعتدين)). والنتيجة الهامة التي يراها المجلس هي أن يكون المؤتمر، منطلقا لمراحل جديدة وأساس لتنظيم ثابت ومستمر تكون مهمته توسيع آفاق التعاون بين الدول الإسلامية في كل المجالات الممكنة وجمع مواردها وطاقاتها في خطة عملية وجهد منسق لتدعيم القضايا الإسلامية، ولا سيما القضية الأولى في المرحلة الراهنة، قضية فلسطين)).

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here