islamaumaroc

نضال المغرب في الحقل الدولي في سبيل استرجاع أراضيه المغتصبة

  دعوة الحق

العددان 164 و165

إن الحديث عن أراضينا العزيزة التي نطمح إلى تحريرها، ونعمل على تخليصها من ذل الاستعمار، حديث حبيب إلى النفس قريب إلى القلب والوجدان بما يثيره فينا من ذكريات حلوة ملهمة عن الشمل الذي كان ملتئما والأواصر التي كانت وشيجة متصلة روحا وقلبا وبدنا أيام كانت سبتة حاضرة بهية من حواضر وطننا العزيز، ومليئة ثغرا من ثغورنا الحصينة، والصحراء الجنوبية مرتعا من مراتع حضارتنا الأصيلة.
نعم، كانت سبتة ـ وما العهد ببعيد ـ حاضرة مغربية مشرقة، وكانت منبت أعلام أجلة من أفذاذ وطننا المسلم العربي ملأوا رحابها نورا وعلما وآدبا، وجعلوا منها مدينة فسيحة الساحة خلابة الطلعة، مريحة المقام، زانها العمران البديع، وانتشرت فيها المساجد والأسواق والحمامات وانعقدت في مدارسها وجوامعها حلقات الدرس وأمها العلماء والأدباء والطلاب من كل جهة، وصفها جغرافيونا ومؤرخونا بأحسن ما توصف به المدن، وصورها شعراؤنا وكتابنا في أشكال شعرية بديعة، فقال عنها مالك ابن المرحل:
كأنها عود الغنـاء وقـد  ألقى في البحر على بطنه
وإنك لتحلق اليوم فوقها بالطائرة فتشاهد ذلك العود وهو ما يزال ملقى على بطنه في البحر، إلا أن أوتاره قد ارتخت من طول البين وشدة الحنين.
وقال شاعرها أبو العباس العزفي عن ليلها، ليل سبتة:
فيا لك من ليلـة بتهــا  أنادم بدر دجاها البهيـا
لقد وقف عقبة الفاتح على أبواب سبتة فلم تزل منذ حلوله الميمون تغدق على مغربنا رفدا من نوابغ الرجال أثروا ثقافتنا وأسهموا بعملهم وعبقريتهم في تقدم الحضارة البشرية أيما إسهام.
ويكفي سبتة فخرا أن يذكر من أعلامها الأفذاذ رجال كالقاضي عياض بن موسى اليحصبي والعالم الأصولي عبد الرحمان المعافري، واللغوي النحوي الحسن بن طريف، والشاعر عبد الله بن القابلة، والعالم الصوفي أبي العباس الخزرجي السبتي دفين مراكش، والمحدث الأديب عثمان ابن دحية وأخيه اللغوي عمر، والعلامة الجغرافي الإدريسي، والشيخ الحكيم أبي الحسن المسفر، والرحالة ابن رشيد الفهري، والعالم الأصولي قاسم ابن الشاط، والأديب اللغوي محمد ابن هانئ اللخمي، والأديب اللغوي القاضي أبي القاسم الشريف، والطبيبة عائشة بنت أبي عبد الله الجيار، والشاعر المبدع مالك بن المرحل والشاعر الأديب سليل بيت الرئاسة والعلم أبي العباس العزفي، وغير هؤلاء من العلماء الميامين، والمجاهدين الطاهرين والأولياء الصالحين.
وكما نذكر بالفخر سبتة ومقامها السياسي والعلمي والعمراني من بلادنا، نذكر ((روسادير)) التي أقام بها أبناء عمومتنا الكنعانيين الذين أسسوا سبتة نذكر مليلية وموقعها الحصين ونذكر معها أهل الريف الأشاوس الذين يحيطون بها مترقبين، ونذكر جهاد أجدادنا وما أبلوه من بلاء حسن في سبيل تحريرها فتتوق نفوسنا إلى عتقها وتخليصها من قبضة الاستعمار. ولسنا ننسى صخورنا العائمة في مياهنا بالبحر الأبيض، فهي للريف بمثابة العيون ولبقية الوطن بمنزلة الأنامل.
وفي الجنوب تهفو القلوب إلى صحرائنا، مرتع صنهاجة، وموطن لمتونة، ومنطلق الدعوة الإسلامية التي رفع رايتها رجال من أمثال عقبة ابن نافع وموسى ابن نصير، وإدريس بن عبد الله وعبد الله بن ياسين ويحي بن إبراهيم، ويوسف بن تاشفين ومحمد الفاضل وماء العينين. إنها من حصون حضارتنا ومن متممات وحدثنا، نذكر رمالها وسواحلها ومسالكها التي كثيرا ما انطلقت منها قوافلنا المتجهة إلى قلب إفريقيا حاملة إليها نور الإسلام وثقافته. وإلى عهد قريب كانت مدينة (صمارة) حصنا من حصون العلم والمرابطة والجهاد فدمرها جند الاستعمار الفرنسي وأباد كتبها وأقلامها ومحابرها وهما منه بأنه سيمحو بذلك آثار أجدادنا الدالة عليهم. ولكن هيهات لهم ذلك، فإن آثارنا ممزوجة برمالها وقلوبنا نابضة بذكرها، وأيدينا ممدودة، بأيد إلى أشقائنا الرابضين فوق كتبانها في انتظار يوم التحرير والوحدة والتزاور وليس ذلك اليوم ببعيد، إن شاء الله.
لم يكن المغرب، في أي عصر من تاريخه، منعزلا بالمعنى السياسي والدبلوماسي للكلمة، بل كان دائما شاهدا في محفل الدول، يتبادل معها السفارات، ويبرم المعاهدات ويتبادل وإياها المنافع والمصالح في شتى الميادين. وكان المغرب وهو في أوج قوته يدلي برأيه في الشئون الدولية بدافع من حرصه على رعاية شؤون المواطنين وحماية حدود البلاد وتحصين ثغورها والدفاع عن وحدتها.
كانت وحدة المغرب متجلية قبل الإسلام، في وحدة العنصر والسلالة والانفراد برقعة من الأرض ذات تخوم معروفة ومعالم متميزة وذلك أيام كان المغاربة يسمون بلادهم بلاد الأمازيغ، وأطلق عليها الغزاة بلاد البربر أو موريتانيا أو ما إلى ذلك من الأسماء والنعوت، وقد أثبت ما كان قائما بين مغاربة ما قبل الإسلام من وحدة في السلالة والثقافة والمعتقد الحفريات الأثرية، والنقوش الصخرية التي اكتشفت حديثا في بعض جهات البلاد، كما أثبتها المؤرخون العرب والأجانب.
وحينما جاء الفتح الإسلامي الكريم، تكاملت بالدعوة الإسلامية والثقافة العربية مقومات المغرب وخصائصه، وأطلق عليه الإسم الذي يحمله اليوم، ولما استقل به حكم الأشراف الأدارسة عن كرسي الخلافة في المشرق أصبح المغرب في العرف الدولي العام، دولة ذات كيان واضح المعالم بكل ما يقتضيه ذلك من وجود أرض وطنية وشعب يمتاز بخصائصه الروحية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وقيام حكومة مركزية متواثرة السيادة والتنظيم. وما يزال هذا هو مفهوم الدولة في نظر القانون الدولي العام إلى اليوم. هذا هو مفهوم الدولة في نظر القانون الدولي العام إلى اليوم.
لذلك فإن المغاربة، الذين مارسوا سيادتهم على بلادهم أربعة عشر قرنا متتابعة، إذا اعتبرنا أن المغرب لم يكتسب صفة الدولة بالمفهوم العصري للكلمة إلا عند قيام الدولة الإدريسية وأن المغاربة لم يعترفوا قط بمشروعية الاحتلال الأجنبي لبعض ثغورنا وأراضينا. ومن هنا انطلقت الجهود والمساعي التي بذلها حكام المغرب في الميدان الدولي في أحقاب شتى قبل الحماية وبعدها. ومن أجل ذلك خاضت بلادنا الحروب، وأمضت المهانات، وأبرمت المعاهدات وعقدت المحالفات، يصيب في ذلك حكامها أحيانا ويخطئون أخرى، سيما حينما تدفعهم إلى الخطأ أو التفريط ظروف دولية معينة واعتبارات سياسية ودبلوماسية خاصة لا يخلو منها زمان.
لقد احتل البرتغاليون مدينة سبتة بعد مقاومة شديدة صمد فيها الجيش المغربي بأمرة القائد صلاح وكان ذلك سنة 1415، أي قبيل سقوط غرناطة بنحو ثمانين عاما. وقد اقترن هذا الغزو باشتداد الحمية الصليبية التي كان من مظاهرها تنصيب محاكم التفتيش وإعداد العدة لاحتلال مواقع في شمال إفريقيا بتشجيع ودعم من صاحب الكرسي البابوي في روما.
وجدير بالذكر أن البرتغاليين حينما أخفقوا في محاولتهم احتلال طنجة سنة 1437 بعد أن ردتهم الحامية المغربية على أعقابهم خاسرين، وقع حكامهم عقدا مع المغرب تعهدوا فيه بالانسحاب من سبتة. وقد نقضوا عهدهم وفوتوا هذه المدينة للإسبان بموجب معاهدة لشبونة المبرمة بينهما سنة 1668 ـ على إثر انفصال البرتغال مرة أخرى عن إسبانيا التي حطت  أقدامها لأول مرة في سبتة 1580 في  عهد فيليب الثاني ملك إسبانيا والبرتغال.
فانظروا إذن، كيف كان احتلال إسبانيا لمدينة سبتة المغربية قائما على معاهدة أبرمت بينها وبين البرتغال، وهي معاهدة تناقض ما التزم به  البرتغاليون حين اندحارهم في طنجة من إخلاء مدينة سبتة.
أما مليلية فقد أغار عليها الدوق دي ميدينا دي سيدونيا سنة 1496 واحتلها بعد أن كان السلطان محمد الشيخ قد اتفق ـ تهاونا أو خيانة ـ مع أمير تلمسان علما بإخلاء المدينة من سكانها. ولم ينفعه بعد ذلك توجيه كتائب من الفرسان إلى مليلية إجلاء الإسبان عنها.
إذن سبتة ومليلية وقعتا في قبضة الإسبان عن طريق الغزو العسكري، كما استهدفت مدن مغربية أخرى ـ (طنجة، أصيلا، العرائش، الصويرة، الجديدة، أكادير) لمحاولات مماثلة من جانب إسبانيا والبرتغال وإنجلترا والنمسا، إلا أن  الشعب المغربي المجاهد تمكن من أن يخرج منها المحتلين، والمغاربة لم يقبلوا قط بقاء الاحتلال في ديارهم بذلوا الجهود لتحرير سبتة ومليلية في أحقاب متلاحقة من تاريخنا، ونذكر المحاولات التي بذلها السلطان مولاي اسماعيل العلوي والسلطان المصلح سيدي محمد بن عبد الله العلوي بمحاصرتهما الشديدة للثغور المحتلة وسعيهما الجاد لتخليصهما من قبضة الاستعمار، جاهدت القبائل المجاورة لتحرير المدينتين المغربيتين سبتة ومليلية جهادا مستمرا، ولم يتوقف رجال قبيلة أغبرة الأشاوس عن الإغارة على سبتة إلا بعيد حرب تطوان والمعاهدة المغربية الإسبانية التي أعقبتها (1860) وكان آخر حصار مغربي لمليلية سنة 1921 من طرف المجاهدين الريفيين بقيادة البطل المغوار محمد بن عبد الكريم الخطابي.
أما بالنسبة للجزر فقد احتل الإسبان جزيرة بادس الغمالية سنة 1508 احتلالا عسكريا ومهدت خيانة السلطان السعدي الغالب بالله لاحتلال جزيرة الحسيمة (أو جزيرة المجاهدين)، ذلك أن هذا السلطان تنازل عن الصخرة للملك كارلوس الثاني مقابل أن يصد هذا الخير الأتراك العثمانيين ويمنعهم من احتلال مواقع على الساحل المغربي.
أما جزر (الشفارين) فقد احتلها الإسبان احتلالا عسكريا سنة 1847، وهي جزر تواجه مصب نهر ملوية.
وبدأ الإسبانيون محاولاتهم لاحتلال الصحراء في القرن الخامس عشر الميلادي، إلا أن الأمر لم يستتب لهم فيها إلا سنة 1934 بعد مقاومة باسلة أبداها الشعب المغربي الذي حارب الاستعمار الإسباني وقاوم توغله ولا سيما منذ القرن التاسع عشر.
وقد دفع الإسبانيين إلى احتلال الصحراء اعتبارات استراتيجية مع رغبة في التوسع واستغلال الثروة المائية والموارد الطبيعية الصحراوية كما شجعهم على ذلك ما أصاب المغرب في القرن الماضي من تضعضع داخلي تجلى في تفكك الأسطول البحري المغربي وضعف الجيش وانحلال قواده وأنفاره، كما كان من مظاهره انهيار الاقتصاد الوطني. وقد ظهر هذا الضعف جليا في موقعة إيسلي (سنة 1843) وموقعه تطوان (1859) في وقت تفاقمت فيه الأطماع التوسعية الاستعمارية التي كرستها دوليا معاهدة برلين (1884) وثنائيا المعاهدات السرية والعلنية المشهورة التي أبرمت في غيبة المغرب بين فرنسا وإنجلترا، وبين إسبانيا وفرنسا، وبين ألمانيا وهذه الأخيرة، وذلك منذ بداية هذا القرن لاسيما في سنة 1904، ولا حاجة إلى القول بأن هذه المعاهدات لا تلزم المغرب من وجهة نظر القانون الدولي، فهي بذلك لا تحق حقا ولا تبطل باطلا.
وكانت آخر محاولة بذلها المغرب في الحقل الدولي، قبل عهد الحماية، للحفاظ على وحدة المغرب وتمام أراضيه الوطنية، سنة 1906 في مؤتمر الجزيرة الذي انتهى بإبرام عقد دولي ليس فيه من المحاسن سوى ما نص عليه من وجوب احترام سيادة السلطان ووحدة مملكته وتمام ولاياته.
وتعتبر معاهدة الحماية المفروضة على المغرب سنة 1912، انتهاكا فاضحا لعقد الجزيرة الخضراء الدولي، وكل ما ترتب عن معاهدة الحماية، إذن باطل مفسوخ، وكل ما انبنى على وجودها من احتلال أو ضم أو إلحاق لأي جزء من أجزاء المملكة فهو غير مشروع لأن المعاهدة نفسها قامت على الإكراه والتعسف والخديعة.
بعد هذه النظرة الخاطفة على تاريخ الاستعمار الإسباني للأراضي التي نسعى الآن إلى استرجاعها
انتقل إلى الجهود التي بذلتها الحكومة المغربية في الحقل الدولي لإستعادة المدن والأقاليم المغتصبة وتصفية الاستعمار فيها.
أثيرت مسألة إيفني والصحراء المغربية لأول مرة أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1961، والذي دفع المغرب إلى لفت نظر الأمم إلى مسألة أراضيه المحتلة اعتباران رئيسيان:
أولهما: أن مساعي المغرب في سبيل فض النزاع عن طريق التفاوض لم تؤد إلى نتيجة حاسمة.
ثانيهما: أن الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت قد صادقت في دورتها الخامسة والعشرين المنعقدة سنة 1960 على وثيقة دولية تحمل عنوان: (تصريح حول منح الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة) الذي أصبح معروفا منذ ذلك التاريخ بالتصريح رقم 1514.
أن هذه الوثيقة الهامة التي تحدد الموقف العام للأمم المتحدة تجاه الاستعمار هي من صنع الأقطار غير المنحازة التي رسمت فيما بعد منهاجها السياسي والاقتصادي في مؤتمر بلغراد في سبتمبر 1961.
ومما ينصح عليه هذا التصريح:
((تتخذ التدابير الفورية في الأراضي الموضوعة تحت الوصاية والأراضي التي لا تتحكم في أمورها بنفسها، وسائر الأراضي الأخرى التي لم تنل بعد استقلالها، وذلك لتفويت كل السلطات إلى شعوب هذه الأراضي، دون ميز قائم على السلالة أو المعتقد أو لون البشرة)).
(( كل محاولة لتدمير الوحدة الوطنية أو الأرضية لأحد الأقطار ـ جزئيا أو كليا ـ تعتبر منافية لأهداف ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه)).
هذا بعض ما جاء في التصريح العالمي المذكور وقد قررت الجمعية العامة في السنة التالية لإعلانه أحداث لجنة خاصة تعرف الآن بلجنة الأربع والعشرين وقد عهد إليها بدارسة تطبيق التصريح المذكور ووضع توصيات في هذا الشأن، وما تزال هذه اللجنة تواصل بانتظام أعمالها واجتماعاتها وتقدم تقاريرها السنوية إلى الآن، ولن تنتهي مهمتها حتى ينتهي الاستعمار في كل مكان.
وإذا كان المغرب ـ كما قلت ـ قد لفت نظر المنظمة الأممية إلى قضية نزاعه مع إسبانيا، فإن حكومة صاحب الجلالة لم تفتأ تواصل الجهود والمساعي في الميدان الثنائي، مراعية في ذلك روابط الصداقة وحسن الجوار بالإضافة إلى أن المغرب، كان يتحاشى تدويل النزاع، لاعتباره أن قضية أراضيه المحتلة هي في طبيعتها وواقعها قضية  قائمة بينه ـ وهو صاحب الحق الوحيدـ وبين إسبانيا التي تستعمر أراضيه وتدير شؤونها.
وتستمد الحكومة المغربية موقفها هذا من الحق والواقع أولا، ومن البيان المشترك الإسباني المغربي ثانيا، وينص هذا البيان الموقع في السابع من أبريل سنة 1956 على أن الحكومة الإسبانية (تؤكد عزمها على احترام تمام أرض المملكة الذي تضمنه المعاهدات الدولية وتتعهد باتخاذ جميع التدابير الضرورية لجعل هذه الوحدة أمرا فعليا.
ويلاحظ أن هذه الفقرة من البيان المشترك المغربي الإسباني تشابه لفظا ومعنى ما نص عليه البيان المشترك المغربي الفرنسي الموقع في باريس في الثاني من شهر مارس سنة 1956.
وواضح أن الطرف المغربي كان يفهم من إقرار هذا المبدأ والتأكيد عليه شمول سيادة الملك على جميع الأراضي المغربية التي احتلتها فرنسا وإسبانيا قبل فرض الحماية وبعدها.
وربما يتساءل بعضنا: ألم يكن في وسع الوفد المغربي المتفاوض سنة 1956 أن يقنع الطرفين الفرنسي والإسباني بوجوب تعيين رقعة الأرض المغربية التي تشملها سيادة السلطان وبيان حدودها وأقاليمها، وخاصة في الوقت الذي تم فيه تسليم السلطات للحكومة المغربية عقب التوقيع على البيانين المذكورين وما تبعهما من مفاوضات خاصة بتسليم السلطات وتحديد إطار العلاقات الجديدة؟
لست أزعم أنني أستطيع الجواب عن هذا السؤال، لأن ذلك يتطلب بداهة الإطلاع على مضابط المفاوضات التي وقعت في باريس ومدريد وأنا أعلم اليقين أن الوفد المغربي قد أثار أثناء مفاوضاته مع إسبانيا مسألة يفنى والصحراء.
ويمكن أن يقال بصفة عامة أن المغرب قد آثر أن يستلم ما يمكن استلامه من أراضيه التي كانت تحت الحجر لأجنبي على أن يواصل مساعيه لاسترجاع
الأراضي الأخرى التي افتعل لها الاستعمار أوضاعا سياسية وإدارية خاصة. وهذا هو السبيل الذي سلكه المغرب بالفعل، إذ أنه بالرغم من أن البيانين المشتركين لم ينصا، صراحة، على وضعية طنجة، وطرفاية ويفني، فإن حكومة جلالة الملك توصلت إلى حل النظام الدولي الخاص بطنجة في أكتوبر 1956 واسترجعت طرفاية سنة 1958 ويفني سنة 1969 دون أن تنسى مطالبها بخصوص الصحراء وسبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة سالكة في ذلك سياسة المراحل مع مراعاة الاعتبارات الدولية والروابط الثنائية.
وكيفما كان الحال فإن الحكومة المغربية ـ التي بذلت منذ سنة 1956 مساعي كانت الغاية منها إقناع إسبانيا بإنهاء احتلالها للأقاليم المغربية وبالتفاوض مع المغرب، اضطرت إلى عرض أمر هذه الأقاليم على منظمة الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية وهيآت دولية وإقليمية أخرى.
وسلكت الحكومة المغربية في ذلك توقيتا زمنيا ومنهاجا سياسيا قطعته على مراحل أربع:
بدأت المرحلة الأولى سنة 1961 بإثارة قضية يفني والصحراء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتميزت هذه المرحلة بصدور قرار عن لجنة تصفية الاستعمار بتاريخ 16 أكتوبر 1964 أعربت فيه عن أسفها لتماطل الدولة المتصرفة في تحرير يفني والصحراء. كما صادقت الجمعية العامة في ديسمبر 1965 على قرار دعت فيه بإلحاح الحكومة الإسبانية إلى اتخاذ التدابير الفورية الضرورية قصد تحرير أراضي يفني والصحراء الإسبانية من السيطرة الاستعمارية، والدخول، للوصول إلى هذه الغاية في مفاوضات حول المشاكل الخاصة بسيادة الإقليمين المذكورين)).
وواضح أن الحكومة الإسبانية لم تستجب لهذه الدعوة، ولم تلب طلب المغرب الذي فاتحها في شان التفاوض معه، وذلك بواسطة اتصالات كتابية ودبلوماسية أجراها جلالة الملك الحسن الثاني وحكومته مع رئيس الدولة الإسبانية ومع المسئولين في حكومته، وقد سافر العاهل المغربي إلى إسبانيا بنفسه سنة 1970 حيث عرض على رئيسها مشكلة الأراضي المحتلة.
ونتيجة لذلك وأمام تظاهر الوفد الإسباني في نيويورك بالتمسك بمبدأ حق الشعوب المستعمرة في تقرير مصيرها بنفسها عمدت الحكومة المغربية تغيير أسلوب المطالبة باسترجاع الأراضي المغتصبة فكانت هذه هي بداية المرحلة الثانية وفيها وافق المغرب، في ظروف دولية معينة على تنظيم استفتاء في الصحراء المحتلة يقرر بموجبه سكانها مصيرهم بأنفسهم. وقد أوضح وزير خارجية المغرب، إذا ذاك أمام الجمعية العامة، سنة 1966، شروط المغرب للموافقة على إجراء الاستفتاء، وهي:
1- انسحاب جميع القوات الإسبانية من الساقية الحمراء ووادي الذهب، على أن تبقى في الإقليمين قوات من الشرطة تعتبرها الأمم المتحدة ضرورية لحفظ المن العام.
2- انسحاب الإدارة الإسبانية من الإقليمين.
3- عودة اللاجئين والمبعدين المنتمين إلى الإقليمين.
4- تحدد الأمم المتحدة ظروف إجراء الاستفتاء.
وقد رفض الوفد الإسباني حينئذ، مبدأ الاستفتاء من أساسه إلا أن الجمعية العامة وافقت على قرار يحمل رقم 2229، جاء فيه بخصوص الصحراء التي تحتلها إسبانيا ما يلي:
- تدعو (الجمعية العامة) الدولة المتصرفة أن تضع في أقرب أجل ممكن، وفقا لمطامح سكان الصحراء الإسبانية أصليين، وبالتشاور مع الحكومتين المغربية والموريتانية ومع كل من يعنيه الأمر من أطراف أخرى، أن تضع الترتيبات لتنظيم استفتاء يقوم تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة، وذلك من أجل السماح للسكان الأصليين للإقليم أن يمارسوا بحرية حق تقرير مصيرهم بأنفسهم وللوصول إلى هذه الغاية يتعين:
أ- إيجاد جو سياسي ملائم حتى يجري الاستفتاء على قواعد حرة وديمقراطية وخالية من التحيز تؤدي من بين أمور أخرى إلى عودة اللاجئين إلى الإقليم.
ب- اتخاذ جميع التدابير الضرورية لكي يشترك في الاستفتاء سكان الإقليم الأصليون وحدهم.
ج- الإمساك عن كل عمل من شأنه أن يؤخر مسيرة تصفية الاستعمار في الصحراء الإسبانية.

د- إعطاء التسهيلات اللازمة لبعثة الأمم المتحدة كي تتمكن من المساهمة مساهمة نشيطة في تنظيم الاستفتاء وسيره.
وقد طلبت الجمعية العامة في هذا القرار من الأمين العام للأمم المتحدة، أن يعين فورا بعثة خاصة تتوجه إلى الصحراء الإسبانية لتوصي بما تراه من تدابير عملية في شان تطبيق قرارات الأمم المتحدة ومشاركتها في إعداد الاستفتاء ومراقبته.
ويلاحظ أن هذا القرار قد فصل، خلافا للقرار السابق، بين يفني والصحراء، فجعل منهما قضيتين متباينتين. فإذا كان القرار قد أوصى بإجراء الاستفتاء في الصحراء، فإنه بالقياس إلى يفني، اكتفى بمطالبة إسبانيا بالتفاوض مع الحكومة المغربية في مسألة تفويت السلطات.
والملاحظة الثانية هي أن الجزء المتعلق بالصحراء في قرار الجمعية العامة المذكورة يشير إلى الحكومة الموريتانية وكل طرف آخر يعنيه الأمر، وذلك نتيجة لإلحاح الوفدين الموريطاني والجزائري، وقد أثارت هذه  المسألة مناقشات طويلة وصعبة حين صياغة مشروع القرار الذي لم يشر في شكله الأول للحكومة المغربية. وأذكر ـ وقد كنت في ذلك الحين عضوا في الوفد المغربي بنيويورك أن الوفد الذي كان يمثل الصحراء المحتلة عارض معارضة شديدة في ذكر موريطانيا والجزائر في صلب القرار، باعتبار أن المغرب وحده هو صاحب الحق على الصحراء، وكان هذا هو الرأي الذي بقي الوفد  المغربي متمسكا به إلى النهاية.
ورب متسائل يقول: لماذا قبل المغرب سنة 1966 إجراء الاستفتاء في أرض تعتبر جزءا لا يتجزأ من كيانه القومي، وكيف تتغاضى عن ذكر اسم موريتانيا وكل طرف معني أخر في صلب القرار؟ وتعليل ذلك:
أولا: أن الحكومة المغربية أرادت، بعد فشل جهود المفاوضات الثنائية، أن تضع الحكومة الإسبانية بين السيف والجدار، كما يقال، وذلك لإخراج قضية تصفية الاستعمار في الصحراء من الركود الذي أدت إليه مراوغات مدريد ومماطلات حكومتها.
ثانيا: أن المغرب كان ـ على ما يبدو ـ واثقا من نتيجة الاستفتاء التي لن تكون على كل حال لصالح الاستعمار، سيما وأن قرار الجمعية العامة نص على وجوب إجراء الاستفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة وبعد عودة اللاجئين، وكان معظمهم مقيما بالمغرب المحرر.
ثالثا: أن الظروف الدولية، سيما على صعيد القارة الإفريقية كانت تفرض على المغرب أن ينتهج خطة سياسية معينة تراعي الأوضاع الخاصة لبعض الدول الإفريقية المستقلة إذ ذاك وكفاح شعوب إفريقية أخرى في سبيل استقلالها، وبانتهاج هذه الخطة تمكن المغرب من تهدئة بعض الشكوك التي أثارتها حوله ظروف وخصومات لا محل لذكرها الآن.
رابعا: إن العمل في المجال الدولي يفرض بطبيعته نوعا من المرونة في مواجهة المواقف المتضاربة التي لا يخلو منها اجتماع دولي.
ومهما يكن من أمر فإن إسبانيا رفضت ما أوصى به القرار سنة 1966، ثم غيرت موقفها في الدوارات اللاحقة للجمعية العامة التي كانت قراراتها تؤكد وتلح على إجراء الاستفتاء في الصحراء، وهكذا وافقت إسبانيا، نظريا ومبدئيا على القرار الصادر سنة 1967، ولكنها لم تسمح قط بتطبيقه ولم تتح لبعثة الأمم المتحدة الفرصة لأداء المهام التي أسندتها إليها الجمعية العامة.
ولم تلبث نوايا إسبانيا أن ظهرت جلية سنة 1973 على إثر نشر مذكرة لرئيس دولتها تتضمن جوابا عما سمته أجهزة الإعلام الإسبانية بنداء (الجمعية الصحراوية) التي هي في الحقيقة هيئة مفتعلة، القصد من إقامتها تزييف إرادة سكان الصحراء المغربية الذين شرد الحكم الاستعماري آلاف منهم لجأوا إلى الأقاليم المغربية المحررة فرارا من البغي والاضطهاد أو استنكار لما تحوكه الإدارة العسكرية الحاكمة من مؤامرات على حاضر الصحراء ومستقبلها.
ولذلك فإن الوفد الإسباني، الذي وافق على قرارات الجمعية العامة الصادرة منذ سنة 1967 رفض القرار الأممي الصادر سنة 1973 وهو نص لا يزيد عن تكرار ما ورد في النصوص السابقة التي أقرتها الجمعية العامة حول تنظيم الاستفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة لتمكين سكان الصحراء من حق تقرير مصيرهم بأنفسهم.
وقد اتضح بعد ذلك أن إسبانيا إنما كانت تريد كسب الوقت لإعداد العدة لحبك مناورة جديدة تؤدي
إلى قيام استعمار مقنع في الصحراء، وذلك بإحداث وضع جديد يخول للجماعة المزعومة حق تنظيم استفتاء صوري في الإقليم يؤدي إلى بقاء السيطرة الإسبانية عليه.
وما أن أحيط سفير جلالة الملك في مدريد بمعلومات تلقاها عن وزير الخارجية الإسباني في شان (الاتجاه الجديد) حتى وجه صاحب الجلالة ملك المغرب رسالة إلى الجنرال فرنكو بتاريخ 4 يوليو 1974 حذر فيها العاهل الكريم الحكومة الإسبانية من مغبة أي عمل انفرادي تقوم به إسبانيا في أرض الصحراء، مؤكدا تصميم المغرب على الحفاظ على حقوقه المشروعة والتصرف وفقا لما تمليه تطورات الموقف.
وقد صدع جلالة الملك بهذا الأمر إلى الأمة المغربية في الخطاب الذي ألقاه في اليوم الثامن من شهر يوليو الماضي وأعلن فيه خطورة الموقف في الصحراء نتيجة لعزم إسبانيا على إقامة نظام استقلال داخلي مزيف تحتفظ فيه إسبانيا لنفسها بسلطات واسعة لا سيما في ميدان الشؤون الخارجية والدفاع، وأهاب جلالة الملك بالشعب  أن يعبئ نفسه لاسترجاع الأراضي المغربية المغتصبة، وإحباط مناورات الاستعمار. وقد كان لهذا الخطاب التاريخي وقع إيجابي في نفوس المغاربة جميعا، كما كان له صدى واسع في المحافل الدولية، العربية والإفريقية منها على الخصوص، ولم يفت الحكومة المغربية أن تخطر منظمة الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية بما تبيته الحكومة الإسبانية من نوايا تجاه الصحراء المغربية مع التأكيد على تمسك المغرب بجميع حقوقه المشروعة على أقاليمه المغتصبة.
ووجه عاهلنا مبعوثين من قبل جلالته إلى عدد من أقطار العالم في إفريقيا وأوربا وأمريكا وأسيا لشرح موقف المغرب من قضية أراضيه المغتصبة وشرح حقوقه التاريخية والسياسية والقانونية في استرجاعها.
وقد كان جواب الحكومة الإسبانية على هذه الموقف الصريح الذي اتخذه المغرب تجاه مناورات مدريد بخصوص الصحراء المغربية، أن وجه المندوب الإسباني الدائم في نيويورك مذكرة مفصلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 10 يوليو 1974 ومما جاء في هذه المذكرة:
- أن الحكومة الإسبانية قررت إقامة نظام بمشاركة سكان الصحراء تدريجيا في تسيير شؤونهم.
- أن وزارة الخارجية الإسبانية قد أبلغت في اليومين الثاني والثالث من شهر يوليو 1974 سفراء الجزائر والمغرب وموريطانيا المعتمدين في مدريد عزم إسبانيا على الإعلان مستقبلا عن نظام تأسيسي يرمي إلى تحقيق حق تقرير المصير.
- أن الحكومة الإسبانية ستستمر في إعداد سكان الصحراء حتى يسلكوا الطريق التي سوف تقودهم نحو مستقبلهم وتؤدي بهم، في الوقت المنشود إلى تقرير مصيرهم بأنفسهم.
وأشارت المذكرة الإسبانية ـ وهذا من عجائب الأمور ـ إلى ما سمته بالحملة المدبرة التي يشنها المغرب لضم الصحراء.
فما هو هذا النظام الجديد الذي اعتزمت إسبانيا فرضه على سكان الصحراء؟
إن هذا النظام كما يفهم من مذكرة أخرى سلمها المندوب الإسباني الدائم في نيويورك إلى الأمين العام للأمم المتحدة في شهر يوليو 1974 ـ ينبني على الاعتبارات والقواعد التي أوجزها فيما يلي:
- الصحراء منطقة تدير شؤونها إسبانيا باسم الشعب الصحراوي.
- تضمن إسبانيا للشعب الصحراوي حرية ممارسة حق تقرير مصيره بنفسه، وتعترف بأنه وحده المالك لثرواته الطبيعية، وبأن له وحده حق الاستمتاع بفوائدها.
- ينطبق وصف الصحراوي على السكان الأصليين وحدهم دون غيرهم.
- إن الشؤون الداخلية هي من اختصاص هيآت الإقليم، وتضمن الحكومة الإسبانية تمام أرض الصحراء، وهي التي تمثل الإقليم في الميدان الدولي، وتتولى شؤونه الدفاعية.
- إن للجمعية العامة الصحراوية صلاحية وضع قوانين الإقليم والموافقة عليها، إلا أن لرئيس الدولة الإسبانية حق التصديق على هذه القوانين.
- يتألف مجلس الحكومة من سبعة أعضاء، أربعة مهم تنتخبهم الجمعية العامة للصحراء، وأما الثلاثة الباقون فيعنيهم الحاكم الإسباني الذي يرأس  بنفسه مجلس الحكومة. وإليه يرجع أمر الدفاع عن الإقليم وهو الوصي على مؤسساته.
هذا هو النظام الذي اختارته الحكومة الإسبانية للصحراء وسكانها.
ولست في حاجة إلى القول بان هذا الاتجاه الاستعماري الجديد كان من شانه أن ينتقل بقضية الصحراء المغربية المحتلة إلى مرحلة جديدة تتجاوز أبعادها مرامي القرارات التي أصدرتها الجمعية العامة من سنة 1966 إلى سنة 1973.
وفي هذه المرحلة الثالثة من مراحل كفاح المغرب في الحفل الدولي قرر جلالة ملك المغرب المطالبة بعودة الصحراء المحتلة إلى حوزة الوطن المغربي دون إجراء استفتاء فيها، ذلك لأن تقرير المصير، في مفهوم حكومة مدريد، إنما يعني تزييف إرادة سكان الصحراء بتواطؤ مع (جماعة) نصبها الاستعمار وجعلها تحت السلطة المباشرة للحاكم العام الإسباني والسيطرة التامة للدولة الإسبانية. وذلك بعد أن هيأ الاستعمار الجو الملائم لهذا التزييف بتوطين آلاف المهاجرين الإسبان ومهد لهم سبل الاستقرار بالصحراء بعد إبعاد جميع العناصر الوطنية المناوئة لهذه السياسة حتى بلغ عدد اللاجئين والمضطهدين وضحايا القمع عشرات الآلاف.
وبعد أن اتضح أن إسبانيا ستمضي في خطتها هذه، وذلك حينما أعلنت حكومة مدريد أن (الاستفتاء) المرتقب قد ينظم في الصحراء في خلال السنة الجارية أعلن جلالة الملك الحسن الثاني في ندوته الصحفية الهامة التي عقدها في الرباط في اليوم السابع عشر من شهر سبتمبر الماضي أعلن عزم المغرب على عرض القضية على أنظار محكمة العدل الدولية.
وكانت هذه الخطوة الجديدة بمثابة ضربة قاضية أصابت خطط الحكومة الإسبانية في الصميم، سيما بعد أن تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأخيرة قرارا هاما حول الاتجاه العام لسير قضية تحرير الصحراء، وأفسد على إسبانيا برنامجها وسياستها الصحراوية الجديدة. وعادت القضية إلى طريقها السوي، واتضح للملأ الدولي حق المغرب في استعادة أرضه الصحراوية المغتصبة.
وقد قررت الجمعية العامة، بموجب قرارها الأخير الذي يحمل رقم 3292 ((أن تطلب من محكمة العدل الدولية، أن تعطي. في موعد قريب، رأيها الاستشاري في المسائل الآتية:
- هل كانت الصحراء الغربية (وادي الذهب والساقية الحمراء) فيوقت استعمارها من طرف إسبانيا، أرضا لا مالك لها؟ TEERANULLUS
فإذا كان الجواب عن هذا السؤال الأول بالنفي.
- فما هي الروابط القانونية التي كانت تربط هذا الإقليم بالمملكة المغربية وبالجموع الموريطاني؟
وطلب القرار من إسبانيا ومن المغرب وموريطانيا باعتبارهما طرفين معنيين بالأمر، أن تقدم لمحكمة العدل الدولية كل المعلومات والوثائق التي من شانها أن توضح هذه المسألة.
كما طلب القرار من إسبانيا أن توقف الاستفتاء الذي كانت تفكر في تنظيمه بالصحراء المغربية حتى تقول الجمعية العامة كلمتها عن السياسة التي يتعين اتباعها لحث مسيرة تصفية الاستعمار في الإقليم).
هذا هو القرار الأممي الذي أحبط مناورة الحكومة الإسبانية في الصحراء المغربية. وكانت الموافقة عليه توفيقا من الله من به على جلالة ملك المغرب وشعبه المناضل.
ونصل الآن إلى المرحلة الرابعة من كفاح المغرب في الحقل الدولي من استرجاع جميع أراضيه المغتصبة لقد بدأت هذه المرحلة بالإعلان الرسمي الصريح عن مطالبة المغرب بعودة سبتة ومليلية وجزر النكور وبادس والشفارين إلى حوزة الوطن المغربي وذلك حينما أصدر صاحب الجلالة الملك تعليماته بالعمل على طرح قضية استرجاع ثغورنا وجزرنا المغتصبة على أنظار لجنة تصفية الاستعمار بالأمم المتحدة، وذلك بعد أن عرض الوفد المغربي الذي حضر لجنة التنسيق الخاصة بتحرير إفريقيا التي عقدت اجتماعاتها بدار السلام في الشهر الماضي، مسألة الأراضي الشمالية المغربية التي ما تزال رازحة تحت الاستعمار.
الآن قد وصلت إلى نهاية هذا الحديث أود أن أسأل، ما هي الحجج التي ستدلي بها إسبانيا أمام محكمة العدل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة لتثبت حقها في استعمار الصحراء وسبتتة ومليلية والجزر المغربية؟

أن إسبانيا تملك في الواقع حجتين اثنتين:
فالحجة الأولى تقوم على قاعدة الأمر الواقع المدعم بالاحتلال العسكري والسيطرة الاستعمارية.
والثانية تستند إلى معاهدات سرية وعلانية أبرمتها إسبانيا مع دول أجنبية أخرى، وهي معاهدات لم تكن ترمي إلا إلى اقتسام مناطق النفوذ في عصر بلغ فيه الاستعمار الأوروبي أوج سلطانه وتسلطه.
أما حجج المغرب فإنها تقوم أولا وقبل كل شيء على الواقع الجغرافي والتاريخي والسلالي، كما تقوم على المعاهدات الدولية والثنائية العديدة التي أبرمها الغرب مع الدول الطامعة، وذلك منذ القرن السابع عشر. وهذه المعاهدات كلها ـ بما في ذلك عقد الجزيرة الخضراء الدولي المبرم سنة 1966، والبيان المغربي الفرنسي المشترك والبيان المغربي الإسباني المشترك الموقعان سنة 1956 ـ تعترف كلها بسيادة السلطان ووحدة المغرب وتمام أرضه الوطنية.
وحجج المغرب قائمة أيضا على العديد من الوثائق والمستندات القانونية والسياسية والإدارية من ظهائر التعيين ومراسلات ملكية ورسوم شرعية. فضلا عما أثبته الجغرافيون والمؤرخون والجوالون من براهين تدل على حق المغرب الصريح على الأراضي التي يطالب بها والتي ظلت سيادته مبسوطة عليها منذ دخول عقبة بن نافع الفهري وقيام الدولة الإدريسية الشريفة.
وإذا كانت سياسة الإسبان التي قامت في القرن الخامس عشر على الغارة الصليبية وتطورت إلى مجرد السعي في التوسع والاستغلال الاستعماري لموارد المغرب ومواقعه، إذا كانت هذه السياسة قد دأبت على توطين العنصر الأجنبي في مدننا وأراضينا المغتصبة وعلى طرد السكان المغاربة منها ومحو معالم مدنيتنا وثقافتنا في البقاع التي احتلتها فإن ذلك لن يقوم أبدا حجة على صحة التملك، لقد استعمر الإنجليز والهولنديون والفرنسيون والبرتغاليون أقطارا وشعوبا في آسيا وإفريقيا وأمريكا وتوطنوا فيها قرونا من الزمن إلا أنهم اضطروا إلى مغادرتها في عصر لم يعد فيه للإستعمار مكان.
وإننا لنربأ بالشعب الإسباني الصديق، وبرجاله الأحرار أن تبقى الدولة الإسبانية آخر من يحمل راية الاستعمار بين الأمم، بعد أن دالت دولته، ونهض البرتغاليون ـ وهم جيران الإسبان وأشقاؤهم ـ إلى تصفية الاستعمار في الأراضي التي كانوا يحتلونها.
إن المغاربة لم يكونوا قط من الذين يفرطون في شبر من بلادهم، وسنظل بحول الله على هذا الدرب سائرين حتى نحرر كل أمصارنا ونصل ما انقطع بيننا وبين إخواننا وربوعنا.
وما النصر إلا من عند الله، وهو يتولى الصالحين.

والله ما لي إلى ذاك سبيل:
جاء عتبة بن سعيد بت العاص إلى عمر بن عبد العزيز، وكان صديقا له وقال: (يا أمير المؤمنين: إن سليمان قد أمر لي بعشرين ألف دينار، حتى انتهت إلى ديوان الختم ولم يبق إلا قبضها ! فتوفي على ذلك، وأمير المؤمنين أولى بإتمام الصنيع عندي، وما بيني وبينه أعظم مما كان بيني وبين سليمان.
فقال عمر: عشرون ألف دينار تغني أربعة آلاف بيت من المسلمين، وأدفعها إلى رجل واحد ! والله ما لي إلى ذلك سبيل..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here