islamaumaroc

تطور التضامن الإسلامي

  دعوة الحق

العددان 164 و165

انقض الآن ما يقرب من ست سنوات على انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الأول بالرباط، أول تجمع إسلامي عالمي من نوعه، يعرفه تاريخ المسلمين منذ عصورهم الأولى.
وقد تمت في هذه الفترة المتراوحة من انعقاد ذلك المؤتمر إلى الآن ـ خطوات تأسيسية وتنظيمية، اتخذ التضامن الإسلامي باستمداد منها مدلولا متحركا، ومتطورا بكيفية ملحوظة.
فمن جمع الرباط الذي شاركت فيه خمسة وعشرون دولة (من 22 إلى 25 شتنبر 1969) إلى المؤتمر الأول لوزراء خارجية الدول الإسلامية بجدة( من 23 إلى 25 مارس 1970) ثم المؤتمر الثاني لوزراء الخارجية بكراتشي (بين 26 إلى 28 دجنبر 1970 والمؤتمر الثالث بجدة (من 29 يبراير إلى 4 مارس 1972)، ومن هذا المؤتمر إلى مؤتمر وزراء الخارجية الرابع بليبيا ( 24 -26 مارس 1973) ثم إلى مؤتمر القمة الإسلامي الثاني بلاهور (22 – 24 يبراير 1974) حيث ارتفع عدد المشاركة إلى 36 دولة، ومنه إلى مؤتمر وزراء الخارجية الخامس بكوالالمبور ( 21 -26 يونيه 1974).
ومن تلاقي المشاعر وتفاعل الأفكار في سياق اللقاء الإسلامي الأول بالرباط إلى التوصل لبلورة الإرادة الناجمة عن ذلك، متمثلة في إنشاء الأمانة العامة الإسلامية (مؤتمر جدة الأول لوزراء الخارجية) ومن هذا إلى الموافقة على الميثاق الإسلامي، ومشروع تأسيس وكالة الأنباء الإسلامية (مؤتمر كراتشي) إلى إقرار إنشاء صندوق التضامن الإسلامي (مؤتمر لاهور للقمة) ومتابعة دراسة المؤسسات والتنظيمات المتعلقة بالتعاون بين المسلمين وتعزيز الخطوات المتخذة قبلا (مؤتمر كوالامبور).
إن بداية هذا التسلسل الواقع في الرباط، إن كانت قد حركت معنى التضامن الإسلامي في الاتجاه العملي، فإن المراحل اللاحقة ضمن نطاق هذا التسلسل، ما فتئت تغذي دينامية الإنطلاقة بمزيد من دوافع التحريك، وهي دوافع يؤمل أن تؤدي إلى تطوير المفهوم التضامني بين المسلمين بحيث يصير هذا المفهوم ذا سعة الاستيعاب مشاكلهم المشتركة، وإقامة أرضية للتكافل بينهم، وتأهيلهم هكذا لمواجهة العالم من حولهم بكل ما يلزم من ثقة بالنفس وقدرة على الفعل، وإيجابية في تحصيل النتائج.
عبر السطور التالية: نلمح ـ على نحو سريع ـ ملامح التطور الذي تبلور في مضمونه الاتجاه للعمل الإسلامي الراهن:
- طبيعة المناخ العالمي الذي اختمرت فيه ـ خلال العقود الأخيرة ـ بذور هذا التطور.
- التعقيدات الدولية التي لم تفتأ تكتشف تسلسله.
 - الحوافز والاختيارات الواقعة في هذا النطاق.
 - الصيغة العملية التي تستوعب أوجه الأنشطة التضامنية الواقعة الآن.
 
موقع (المرحلة) في رقعة التاريخ
ينطلق عادة التضامن بين المتضامنين، من واقع تشاركهم في الشعور والفكر على مستوى معين وتشابه نظرتهم إلى الأمور بحكم هذا التشارك، مثلما ينطلق ذلك من تضاهي المصالح عن المتضامنين وتكاملها، ومن تقارب أو ربما تماثل الاختيار والهدف اللذين تتحدد بهما وجهة هذه المصالح.

وبالنسب للمسلمين، فإن المنطلقات الباعثة على التضامن عديدة بقدر تعدد الارتباط الذي يحتمه الإسلام بينهم على صعيد روحي وفكري، وبما يندرج في ذلك من معطيات ثقافية وحضارية وسياسية ونحوها.
ومن الممكن ـ نظرا لأهمية معنى التضامن في مبدأ وجود الكيان الإسلامي العالمي تعيين المراحل الكبرى في تاريخ الإسلام عامة، من منظور هذا المعنى بالذات، ومن ثم، نستطيع أن نميز في كل التاريخ الإسلامي على امتداده، بين ثلاث مراحل أساسية هي:
أولا: مرحلة الفتوح خلال القرن الهجري الأول. وقد بلغ فيها التضامن أو بالأحرى التماسك بين المجموعات الإسلامية حدا، كان من شأنه أن يمتص كثيرا من مؤثرات التفكك الناجمة عن سعة الامتداد والانتشار، على أن استمرار تلك الحال، كان رهينا ببقاء التوازن موجودا، ـ بين واقع التمدد الحاصل في ذلك الظرف، وبين فاعلية الطاقة الروحية التي كانت تحول دون حدوث التفكك الملازم لحركة الانتشار تلك، وحيث أن هذا التوازن لم يستطع ـ بتأثير حتميات كاسحة ـ أن يحافظ على استمراره، فإنه لم يكن هناك مناص من دخول الكيان الإسلامي في مرحلة جديدة، أبرز سيماتها تخلخل وحداته سياسيا، وبما يوجبه ذلك من تعدد المحاور وتضاربها في أحوال عدة.
2- مرحلة العصر الإسلامي الوسيط وقد انطبعت هذه المرحلة الطويلة جدا الممتدة إلى مطالع العصور الحديثة ـ باستفحال التناقض بين استمرار الانتشار الإسلامي في العالم، وبين ازدياد دواعي التفكك (السياسي خاصة) المترتب ـ من جملة ما ترتب عنه ـ عن توالي هذا الانتشار وتنوع أبعاده. انعكس هذا التناقض على العالم الإسلامي في شكل تضاد بين توالي تضخم حجم هذا الكيان، أرضيا وبشريا، وبين هبوط نسبة تماسك بين أجزائه، ومما ترتب عن هذا التضخم الكمي على حساب تماسك، تدني أهلية الجماعات الإسلامية لاستثمار الطاقة الناجمة عن تفاعل قدراتها المشتركة، وتضاؤل قابليتها لحماية كيانها ككل أمام القوى الجديدة الصاعدة في أوروبا، ثم عجز كل منها بعد ذلك، عن حماية ذاتيته الخاصة، الواقعة في النطاق الإقليمي أمام المد الأوروبي المترامي حينئذ.
3- مرحلة العصر الحديث، وتستغرق فاعليتها الجدية القرن الهجري الحالي خاصة، وإن كانت بعض الإرهاصات الفكرية الموذنة بها، قد بدت في وقت متقدم قليلا أواخر القرن الماضي أو حتى قبل ذلك.
وبحكم الموقع الزمني لهذه المرحلة فإن المنطق الذي لزم أن يسودها، كان لابد أن يكون هو منطق الانبعاث والتحرك، في استجابة حتمية لداعي رد الفعل، إزاء حالة الخدر والتقوقع التي استمرت طويلا أثناء المرحلة السابقة.
وقد حدد واقع المسلمين في فجر تحركهم هذا، مواطن الاهتمام التي يجب أن تقود خطواتهم في هذا التحرك، ورصد له معالم وغايات مرسومة.
ومن ثم تتمايز في الحركة الإسلامية الحديثة فترتان أساسيتان، وإن كانتا متداخلتين فيما بينهما ومتكاملتين بالضرورة.
1- فترة السعي للإنفصال عن التبعية للأجنبي.
2- فترة جني ثمرات هذا السعي وتحصيل الاستقلال.
لقد انطبع فجر الفترة الأولى بتوصل النخبة الطلائعية الإسلامية ـ نتيجة بالأخص لأصالة منتماها الثقافي والحضاري ـ إلى التخفف من وطأة الحيرة أمام المحتوى الفكري والمادي للحضارة الأوربية الحديثة، ومساعدة حالة استرجاع الوعي بالذاتية الحضارية عند المسلمين، في الظروف التي تلت ذلك، إلى دعم فاعلية حوافز النزوع التحرري الذي ما فتئ يتصاعد منذئذ، كما مكنت طبيعة التحولات العالمية عموما، النخبة الإسلامية من تطوير تصورها لكيفيات تحقيق هذا التحرر، وتأطير الطاقات البشرية في بلدانها  للتعجيل بوتيرة تسلسله.
اندرجت ـ بموجب الظروف الموضوعية ساعتها ـ حركة العمل النضالي الإسلامي في قناة النضال الأعم لما يدعى بالعالم الثالث ضد هيمنة القوات التوسعية الغربية، إلا أن هناك ملاحظتين بهذا الصدد (أولاهما) أن نضالات الأقطار الإسلامية، كانت ذات أثر رائد ومحرك بالنسبة لعدد من مناطق العالم الثالث (وثانيتهما) أن الحركات النضالية الإسلامية ـ وإن كانت غير واقعة بالضرورة في خط تضامن إسلامي منسق، فإنها لم تكن تخلو ـ مع ذلك ـ من دواعي تجاوب وتضاد فيما بينها، يبلغ أحيانا حد التفاعل بدرجات معينة.
وانفعال مسلمي الهند في خلال الخمسينات الهجرية بأحداث فلسطين، والأصداء البعيدة التي خلفتها في الآفاق الإسلامية حرب الريف بالمغرب من بين أمثلة هذا التجاوب الذي كان كثيرا ما يفرض وجوده عبر كل الحوائل القائمة.
وعندما كان ذلك التجاوب يرقى إلى مستوى التفاعل بين الجهات الإسلامية، كان ذلك يتم خاصة بين الوحدات الإسلامية الأكثر قربا من بعضها البعض كمجموعة الأقطار العربية الإفريقية فيما بينها، ومجموعة الأقطار العربية الآسيوية فيما بينها كذلك، وهكذا مجموعات أقاليم إفريقيا السوداء الإسلامية من جهتها، والمناطق الإسلامية بجنوب شرقي آسيا من جانب آخر.
هذا عن الفترة الأولى من مرحلة التاريخ الإسلامي بالعصر الحديث، وهي فترة العمل النضالي الإسلامي في سبيل التخلص من التبعية.
أما الفترة الثانية من هذه المرحلة، فقد كانت ـ كما ذكر ـ فترة جني ثمرات النضال وإحراز الدول الإسلامية ـ في هذه الحصيلة ـ على استقلالاتها الكاملة، إلا استثناءات محدودة.
وإذا كانت الستينات الهجرية قد سجلت في هذا المقام تحرر الكيانات الإسلامية الكبرى في آسيا (قيام دولة الباكستان، واستقلال إندونيسيا) فإن العقدين التالين قد شاهدا شمول استقلال أكثرية الدول الإسلامية بآسيا وإفريقيا، وتأثر الوضع الدولي عامة بالنشاط المستقل لهذه الدول، في الميادين السياسية والاقتصادية ونحوها.
لقد تبلورت في مضمون هذا التطور، عالم إسلامي متسم في أبرز ما يتسم به، بحرية التصرف، والقدرة على التحكم في توجيه المصير.
لكن ماذا يعنيه العالم الإسلامي في هذا المنطق من التاريخ الذي انتهى إليه وقد استقلت كافة أقطاره وشعوبه إلا في الأقل النادر؟
لقد رأينا ـ فيما سلف ـ أن التمايز بين مراحل التاريخ الإسلامي كله، واقع حسب معايير من أهمها حالة المد والجزر في درجة التضامن بين العناصر التي يتشكل منها الكيان الإسلامي.
والمرحلة الحديثة التي يجتازها الوجود الإسلامي والمتميزة أساسا بتحرر ديار الإسلام من ربقة التبعية ـ تدخل بالضرورة في مشمول هذه الملابسة، أي أنها (أي المرحلة) لابد أن توضع في نطاق التساؤل حول موضوع العلاقات الإسلامية، ومن الضروري ـ بموجب مدلول الظرف القائم، أن تتأثر بمنطق التضامن كقاعدة لا بديل لها في توجيه  هذه العلاقات وصياغتها.
إن تعبير (العالم الإسلامي) لا يعني ـ خارج دائرة هذا الانضباط في العلاقات بين المسلمين ـ إلا مجرد وجود أشتات من الأمم والأعراق في نقط مختلفة من المعمور تدين بالإسلام وتحيي شعائره.
وإذا كان عالم المسلمين قد أعوزه فعلا أثناء دهر طويل مثل هذا الانضباط في العلاقة بين وحداته، فإن الانبعاث الإسلامي الحديث، والتحرر من التبعية قد ألغيا في الواقع مختلف العوامل والأحوال التي كانت وراء حالة كهذه ويشكل هذا تحديا حقيقا للفكر الإسلامي الذي كان عليه أن يسعى ـ بعد أن استقلت الأقطار الإسلامية ـ إلى توفير محتوى تضامني للوجود الإسلامي المتحرر، الذي سعى إلى تحقيقه، وإلا، فإن ذلك الفكر كان سيكون قد قصر عن الوصول إلى المرمى الأبعد من هذا التحرر.
وواقعا، فإن الفكر الإسلامي قد استطاع أن يواجه مثل هذا التحدي، بكيفية ملحوظة، وكانت نهاية العقد الماضي بالذات موعد الدخول في المنعطف الذي تكاملت للمسلمين عنده، مقومات الكفاءة لخوض هذه المواجهة، واستحصال شروط النجاح فيها.
لقد كان انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الأول بالرباط (ما بين 9 و12 رجب 1389) (من 22 إلى 25 شتنبر 1969) إيذانا بالدخول في الفترة الثانية، الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الثاني لوزراء الخارجية الذي عقد في جدة عام 1972 وقد ترأس الجلسة المرحوم جلالة الفيصل عاهل المملكة العربية السعودية من المرحلة الحديثة التي يعيشها الوجود الإسلامي في التاريخ.
إن هذه الفترة الجديدة، متداخلة كما أسلفنا مع الفترة الأولى، التي انقضت طوال العقود الثلاثة السابقة، ورابط التداخل هذا، هو حالة الشعور بالتضامن الإسلامي، الذي اتخذ غالبا خلال فترة النضال ضد الاستعمار، أشكالا عاطفية معينة، ولم يكن له، في الفترة اللاحقة ـ عندما استقلت الدول الإسلامية ـ إلا أن يتخذ الشكل العملي المتلائم مع حرية العمل التي أصحبت موفورة لهذه الدول.
وإذا كان التضامن الإسلامي، قد اعترته أثناء العصر الوسيط عوامل التفكك الناجمة ـ فيما هي ناجمة عنه ـ عن توسع الرقعة الإسلامية في العالم، وامتدادها الشاسع عبر آسيا وإفريقيا، فإن مثل هذا التأثير، لم يعد له موضوع في عصرنا بالنظر للإعتبارات الآتية:
إن الدهر الطويل الذي مضى الآن على وجود الإسلام، قد مكن من استيعاب كل نتائج التمدد في الرقعة الإسلامية خلال العالم الإسلامية خلال العالم، وأتاح من ثم، للمجتمعات الإسلامية ، أن تستقر مشاعرها نحو بعضها البعض على أسس غنية بالرؤى والتجارب، وأهل لمفهوم التضامن الإسلامي بحكم ذلك، أبعادا معينة، تسندها هذه المشاعر المتجذرة.
2- ليس لتطور وسائل الاتصال في عصرنا، وما تفتحه من منافذ شتى للتلاقي بين الأفكار والتفاعل بين الاتجاهات، في العالم، إلا أن يزيد في تمتين مفعول الفكر التضامني بين المسلمين، ويغني رصيد مستوحياته.
3-  إن الوحدات التي يتألف منها المجتمع الإسلامي الحديث قد اتخذت بالفعل قوالب سياسية معينة، منبثقة عن جذور تاريخها المحلي، وبالنتيجة، فإن قضية التضامن بين هذه الوحدات، لا تتناول في شيء بنياتها السياسية  الخاصة، وإنما الذي يعني فقط هو تحقيق أكثر ما يمكن من التناسق بين الفاعليات الإيجابية عندها، وترسيخ أقدام المسلمين ـ ضمن هذا الإطار ـ أمام تعقيدات المشاكل الدولية،  المختلفة.

المحيط الإسلامي العالمي عشية انعقاد القمة الأولى بالرباط:
يتحدد لنا من هذا الرؤية للأمور، موقع قمة الرباط في مجرى التاريخ الإسلامي والعلاقة الحميمة التي له بالدلالات الكبرى لهذا التاريخ في قديمه ومستقبله، فأجمع الذي احتضنته في سنة 1389 العاصمة المغربية، كان تتويجا لتطور طويل النفس على صعيد التاريخ خلال قرون تراوحت خلاله فاعلية الوجود الإسلامي بين مد التضامن وجزر التفكك، لتستقر هذه الفاعلية في نهاية المطاف على أرضية تضامنية مكثفة، تستوعب التجارب الطويلة عبر الماضي، وتنسجم مع مقتضيات منطق للعصر.
ومن منظور مستقبلي، يتجلى جمع الرباط كبداية استقطاب جدي للعالم الإسلامي، بمواجهة تطورات العالم، خلال القرن الهجري القادم، وتعيرا غير محدود الدلالة عن سعة ممكنات هذا الاستقطاب للإتجاه المنطلق من الرباط، ومن صفة الحسم في مدلول المرحلة التي وقع الدخول فيها ابتداء من ذلك المنطلق.
ولنستطلع بعض أحوال المحيط الإسلامي في (مجرى الظرف) وهذا، سيقودنا إلى تركيز النظر قليلا حول أوضاع المجموعات الدولية الإسلامية وما كان يكتنفها حينئذ من مشكلات تتعلق بالصلة بينها وبين العالم، كما تتعلق من وجهة أخرى بالصلات فيما بين بعضها البعض.
ولنبدأ ـ أولا ـ بالشطر الأول من هذه المشكلات وهو:
                                                * * *

1- مشكلات العلاقة بين الجماعات الإسلامية والعالم الدولي حولها:
لقد انعقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول في ظل ظروف الانفعال بحادث محاولة إحراق المسجد الأقصى، وتفاقم غطرسة الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية فيما بين الجولان والسويس، وبطبيعة الحال، فإن الحادث ـ على ما يحمله من إثارة ـ لم يكن إلا إضافة ـ لكنها إضافة شديدة الفاعلية ـ إلى ركام العوامل الموضوعية التي ما برحت تتجمع ـ كما رأينا ـ طوال أمد بعيد، لندعو إلى عقد الجمع، وفتح الأفق التاريخي الذي فتح انطلاقا منه  والرأي العام الإسلامي الذي احتد تأثرا بمحاولة الإحراق، لم يكن له ليراها من خلال صورتها الظاهرة فحسب، وإنما كان في وسعه استشفاف الأبعاد التي تقوم عليها في العمق، وهي أبعاد، تتصل بمسلسل الصراع الطويل بين الوجود الإسلامي، وبين بعض القوالب الاجتماعية والنظم والمؤسسات التي تناقضه مناقضة منطوية على حوافز الاصطدام به ومناصبته العداء.
وبموجب سعة الموقع الذي يشغله الحضور الإسلامي على امتداد أطراف العالم القديم، وجسامة المدلول الروحي والفكري والحضاري الذي يكرسه هذا الحضور في غير ما قطاع من قطاعات العالم، فإن المجموعات الإسلامية ما فتئت ـ بمجرد ما حصلت على الاستقلال ـ أن اصطدمت بجملة من التهديدات، بعضها صادر عن قوى الاستعمار الجديد، وبعضها ذو طبيعة إيديولوجية محفوزة بنوازع اكتساحه، وبعضها الآخر آت من حالات  عداء ديني مزمن، هذا، إلى المشاكل المتولدة عن بقايا الاستعمار التقليدي، المتشبث بالاستمرار في احتلال الأراضي، أو الاستعمار الاستيطاني المصر على إحلال جماعات دخيلة، محل السكان الأصلاء، وفي جهات أخرى غير هذه، بؤر أنظمة عنصرية لا يخلو الحال من أن يعاني منها مسلمون في جملة من يعاني من ضحاياها.
لقد زخرت الفترة القصيرة التي عاشتها البلدان الإسلامية مستقلة أثناء ربع قرن الأخير، بحالات شتى من المشاكل من هذا المعنى، يعد الصراع العربي الإسرائيلي حالة واحدة من حالاتها، وإن كان هذا الصراع أخطرها شأنا، وأشدها حدة، وأكثرها تعقدا من وجهة النظر الدولية. والواقع أن تواقت ظهور أكثر هذه المشكلات مع عهد الأقطار الإسلامية ببداية الاستقلال، لا يعني شيئا، ألا كون السيطرة الأجنبية التي جثمت طويلا على العالم الإسلامي، كانت من الشمول ونقل الوطأة بحيث لم تكن تظهر من خلالها مختلف التحديات الموجهة للمسلمين إلا بكيفية ضمنية، ومن ثم، فإن تخلص البلدان الإسلامية من إطار التبعية، كان حربا بأن يميز مواقع هذه التحديات بما فيه الكفاية و يبزر منطوياتها.
وعندما كان منطق المرحلة التي دخلها العالم الإسلامي أواخر الثمانينات الهجرية، يطرح اجتماع قمة الرباط كضرورة وإطار وأسلوب، ويقيم أطروحة التضامن قاعدة عديمة البديل لاستيعاب جميع مقتضيات هذا المنطق، كان أمام كل مجموعة من المجموعات الإسلامية في العالم ما يكفي من مشاغل المواجهة من قبيل ما ذكرنا، على الرغم من أن التحديات الأجنبية التي تفرض مثل هذه المواجهة، هي من حيث الجوهر واحدة في جميع الحالات.
وفي الوسع، تعيين قطاعات المواجهة القائمة حينئذ وموضوعاتها على النحو التالي:
بالنسبة للمجموعة العربية:
الصراع مع الصهيونية العالمية (فلسطين والأراضي العربية المحتلة).
الصراع مع بقايا الاستعمار الأوروبي (سعى المغرب مثلا لاسترداد أراضيه المغتصبة).
بالنسبة للمجموعة الماليزية ـ الإيندونسية:
استرسال اليقظة الحذرة، إزاء إمكانيات التغلغل الشيوعي في المنطقة، بشكل أو بآخر من أشكاله المختلفة.
بالنسبة لمنطقة ما بين بحر عمان وخليج البنغال
دواعي ورواجع الصراع الحاد أحيانا بين الباكستان والهند على عموم المنطقة.
بالنسبة للمجموعة الإيرانية ـ التركية
مشاغل الانتباه المستمر، للتحركات الشيوعية في الناحية، وانشغال خاص من جانب الأتراك بالمشكل القبرصي.
بالنسبة للمجوعة الإفريقية السوداء:
مواجهة متواصلة للمكاييد الاستعمارية (المقدمات الممهدة لقيام قضية بيافرا بنيجيريا)
صمود ديني مستمر أمام الحملات المضادة.
                                             ***
هذه خطوط عريضة لموضوعات المواجهة عشية انعقاد القمة الإسلامية بالرباط بين شعوب الإسلام.

وبين الجهات الدولية الأخرى التي تتشابك معها في صراع سافر ومقنع، إن ساحات المواجهة هذه ـ و إن صراع سافر ومقنع، إن ساحات المواجهة هذه ـ وإن كانت  تداخلها في الغالب مؤثرات الصراع العام بين الاستعمار والدول الحديثة العهد بالاستقلال ـ فإن هناك عدة ملابسات أساسية في الصراع هذا ، تتعلق خاصة بالصفقة الإسلامية للمسلمين، ويرتبط بعضها على نحو وثيق، بالجذور التاريخية لمواجهات الماضي بين المسلمين وبين التيارات المختلفة التي التحموا بها خلال حقبة أو أخرى، في حروب معينة.
فالنزاع العربي الإسرائيلي بصرف النظر عن المنطويات الاستعمارية التي تكمن وراءه وتضاعف من تعقيده ـ له في مدى أعمق جذور موصولة بالكيد الإسرائيلي للإسلام منذ بدايات الدعوة، وتواصل ذلك الكيد على مناخ مختلفة في مجرى التاريخ الإسلامي.
والحركات الإلحادية المعاصرة ـ وإن تكن مستوحاة  من منازع فلسفية حديثة، فإن الفكر الإسلامي ـ على أي حال ـ قد جابه في القديم غير ما نحلة من النحل المؤكدة على التحلل من الدين وتصدي طويلا لتيارات الهرطقة والتجديف التي ما فتئت تظهر على الساحة بمواجهته متقمصة شتى الأوجه والصور.
ولا يعدو الصراع الذي يجري بين مسلمين وغيرهم في بعض مناطق البحر المتوسط، أن يكون أحد رواسب العراك الطويل حول هذا البحر بين القوى الإسلامية وغيرها.
وفي إفريقيا السوداء، ما برح الإسلام، يحقق على مسار الزمن، المزيد من الانتشار، إلا أن نجاحاته هذه في القارة،  كثيرا ما أثارت عند الأوروبيين الذي كانوا يهيمنون عليها، الحذر الشديد منه ولم يخل الحال من دواع عندهم لترجمة هذا الحذر إلى مناواة منظمة.
ويبدو أن هذه المناواة قد تقلصت في الكثير خلال الحقبة الأخيرة، نتيجة لانحسار المد الغربي عن القارة، وتولى أهلها أمورهم بأنفسهم، بيد أن هذا، لا ينفي ـ مع ذلك استمرارها ضمن الاستراتيجية الأعم، للمناورات الاستعمارية والصهيونية بإفريقيا، تحت ذرائع أدق حبكة، وأشد التواء.

2- صعوبات العلاقات الإسلامية وتناقض الاتجاهات:
وفضلا عن هذه المشاكل المتصلة بالعلاقات، بين الدول الإسلامية الحديثة العهد بالاستقلال وبين الجهات الدولية الأخرى ذات الحنين للماضي الاستعماري، أو المتأثرة بتطلعات استعمارية جديدة فقد نشأت بين عدد من الدول الإسلامية نفسها، في الفترة ما بين الستينات والثمانيات الهجرية، صعوبات في العلاقة اتخذ بعضها أشكالا نزاعية حادة.
وقد ارتبط وجود تلك الصعوبات بأسباب مختلفة، منها ما هو من قبيل رواجع العهد الاستعماري، الذي خلف في الواقع ركاما كثيفا من المشاكل في الصلات بين الأقطار الإسلامية، ومن ذلك المشاكل الترابية ومنها ما يعود إلى اختلافات في النظرة الإيديولوجية أو الانتماء الدولي، أو تناقض بعض المصالح الاقتصادية، أو نحو هذا كثير، والواقع أن العالم الإسلامي، قد وجد نفسه غداة توالي إحراز دوله على الاستقلال، أمام وضع دولي ممزق الأهواء في خضم الحرب الباردة بين الشرق والغرب، متبلور التناقض فيما بين معسكر التكتلات ومجموعة الحياد وعدم الانحياز، منفصم المصالح على أساس التباين بين حالة غنى الدول الصناعية، وفقر الدول النامية.
وقد انعكست ـ بصور مختلفة ـ تمزقات العالم الإيديولوجية والسياسية والاقتصدية هذه خلال العقود الثلاثة الماضية على الأقطار الإسلامية التي كانت ساعتئذ ـ وقد نالت استقلالتها ـ بصدد تحديد اختياراتها في السياسة الخارجية وما يتصل بذلك من مسائل التعاون الدولي، والارتباطات التي يمكن إبرامها مع هذه الجهة أو الأخرى من جهات العالم.
وبفعل هذا الانعكاس، كان أن تبلورت عند عدد من الدول الإسلامية تناقضات جدية أحيانا في اتجاهات السياسة التي ترسمها لنفسها على الصعيد الخارجي ونشأ عن هذه الحال ما جعل من العالم الإسلامي في بعض الفقرات ما يمكن اعتباره فسيفساء معقدة، من التكتلات الصغيرة يولي بعضها وجهه عن البعض، بل ويتضارب بعضها مع بعض، نتيجة للتباين الشاسع بين هذه الكتلة والأخرى في النظرة للقضايا، وتعدد  المشارب المستقاة منها أصول هذه النظرة وما توحي به.
وهو أمر غير مستغرب في شيء، إذا روعي أن الدول الإسلامية التي حصلت على استقلالها أثناء الستينات وأوائل السبعينات الهجرية ـ لم يكن ميسورا لها ـ حتى ولو أرادت ذلك ـ أن تقيم نظاما فعالا للتكافل فيما بينها على الصعيد الدولي والعلمي.
فإضافة إلى محدودية عدد تلك الدول أنشد، فإنها لم تكن موصولة ببعضها جغرافيا، ما فيه الكفاية، نتيجة لاستمرار تمركز الاستعمار حينئذ في عدة مناطق إسلامية، وفصله بهذه الصورة ـ فصلا ماديا ـ بين بلد وآخر من البلدان الإسلامية المستقلة التي كانت تتداخل فيما بينها أراض إسلامية أيضا، لكنها مشمولة بالنوفذ الأجنبي.
وقد نجم عن طغيان الحرب الباردة بين الشرق والغرب على السياسة الدولية خلال العقود الأخيرة، إن وجدت بعض الدول الإسلامية نفسها مضطرة ـ لاعتبارات تتعلق خاصة بأمنها القومي ـ إلى الانتماء لأحد معسكري الصراع الدائر بموجب تلك الحرب، بينما ذهبت دول إسلامية أخرى ـ وفي نطاق اهتمامات من بينها صيانة أمنها الوطني كذلك ـ إلى إقامة محاور معينة مستقاة من مثاليات قومية أما خاصة بها، أو مشتركة بين عدة أقطار تشاركها في الاتجاه.
وبغض النظر عن الدول الإسلامية التي اتخذت ـ لاعتباراتها الخاصة ـ موقفا انحيازيا على نحو ما، في صراع الشرق والغرب، فإن أكثرية أقطار العالم الإسلامي قد تبنت على النقيض من ذلك فكرة الحياد الإيجابي مبدأ لها، وقواما لسلوكها الدولي، غير أن الفكرة (فكرة الحياد) ما برحت تتقمص عند هذه الدول ـ في حالة التطبيق، صبغا وأشكالا مختلفة، تبعا للظروف الدولية أو الإقليمية المحيطة بكل دولة، وطبيعة النهج الذي تأخذ به في التفكير السياسي ونوعية العلاقات والمصالح التي لها في خضم المتغيرات الدولية.
 
منطق التلاؤم بمواجهة منطق التشعب
على أنه بالرغم من كل هذه التشعبات في العالم الإسلامي، التي ميزت الفترة قبل انعقاد قمة الرباط، فإن العوامل الإيجابية، كانت ـ كما ألمعنا إليه قبل ـ تعمل هي أيضا عملها في خلق البيئة المناسبة لتحقيق ذلك اللقاء. لقد استمر قائما عبر كل التشعبات، قاسم مشترك بين المسلمين، كان طبيعيا أن يوحي بهذه الإيجابية، ويضمن فاعليتها، ويمكن تصور هذا القاسم في نطاق ذي شقين:
1- الحرص الطبيعي لذي الشعوب الإسلامية ـ ككل شعوب العالم النامي ـ على تأمين سلامتها القومية، وضمان خط معقول لتحقيق تطورها الاقتصادي والاجتماعي والانفلات بذلك من أسرار التخلف.
2- شعورها الفطري بانتمائها الإسلامي، وحنينها المتجذر ـ رغم كل ما يمكن أن يوجد أحيانا من مظاهر سطحية تناقض ذلك إلى ارتباطاتها الإسلامية التقليدية.
إن شتى هذا القاسم المشترك، متممان لبعضهما في نطاق معين من التفكير كان لابد أن تصل إليه الدول الإسلامية، بعد طول تجاربها ـ خلال العقود الأخيرة ـ بصدد البحث عن سبيل للأمن والتطور عن طريق التعاون الدولي.
فما بين هذه الدول من وشائج القربى في الشعور والتفكير، والتاريخ والتراث ودواعي الحنين الذي يراودها في العمق إلى بعضها البعض، لما يبيح لها أسسا عملية وناجعة لإقامة نظام فيما بينها للأمن الجماعي، وإقرار قواعد سياسة موازية في مضمار التكافل الاقتصادي وما إليه.
صحيح أن الجانب العاطفي في الروابط الإسلامية لا يسعه أن يستوعب مشاكل التنسيق بين مقدرات مجموعة بشرية ضخمة، ذات أبعاد عالمية كالمجموعة الإسلامية، لكن الذي هو صحيح كذلك، أنه لا يوجد أي أساس آخر لارتباط مبدئي بين وحدات هذه المجموعة أقوى من ترابطها الإسلامي بما يستطيع أن ييسره من إمكانيات التجاوب والتفاهم بين هذه الوحدات، ومن الواضح أن حسن التفاهم والتجاوب بين أقوام، من طبيعته أن ييسر احتمالات التعاون بينهم، ويزيح بقدر ذلك كثيرا من العقبات المعترضة في هذا السبيل.
للقمة الإسلامية بالرباط، وكانت طبيعة هذا التطورـ تقضي بشد الدول الإسلامية بعضها إلى بعض، حدث تطور آخر يسير في اتجاه معاكس، بحيث يقضي بالإرخاء لا بالشد، إرخاء ارتباطات بعض الدول الإسلامية بمحاور دولية معينة كانت ملتزمة لها، خلال العقود الأخيرة، وذلك كتمهيد لخلق وتقوية التزامات لها جديدة، داخل المحور الذي كان يتهيأ تبلوره، أي المحور الإسلامي.
وفي مضمون هذه الحلقة من التسلسل، (تغير موازين الارتباطات لصالح الاتجاه نحو الترابط الإسلامي) نلاحظ الظواهر الأساسية التالية، التي اتخذ تطورها خلال العقد الأخير وتيرة أكثر اتساعا تبعا لمتغيرات الأوضاع العالمية في هذه الفترة.

1- بالنسبة لعالم الحلاف:
كان للتحولات الأساسية في العالم، التي تمت خلال العقد الماضي (انخفاض حدة الحرب الباردة)، الاتجاه للوفاق بين الشرق والغرب، انحسار نفوذ الدول الكبرى، وتصاعد نشاط الأقطار الحديثة عهد بالاستقلال) كان لكل ذلك آثار متفاوتة في إرخاء ارتباط الدول الإسلامية الواقعة في معسكر الانحياز بهذا المعسكر، وضعف التزاماتها نحوه بالنسبة لما كان عليه الحال خلال الستينات الهجرية وما بعدها، ومقابل ذلك، تم انفتاح أفق أمام هذه الدول يمكن أن تضع في نطاقه قسطا من الالتزامات التي تخدم مصالحها بصورة أكثر ملاءمة وذلك ما توفرت إمكانيته عن طريق الأخوة الإسلامية، وما يندرج في محصلتها من سبل للتعاون والتكفل.

2- بالنسبة لمجموعة عدم الانحياز
توقف ـ عدم الانحياز والحركة الدولية التي تؤطره ـ عند حدود معينة أثناء الثمانينات الهجرية، واتصالا بما قبلها قليلا كذلك، لقد صار على هذا الإطار للتجمع الدولي ـ بعد أن خفت وطأة الحرب الباردة، وتبلورت بصورة حاسمة سعة الفوارق بين الدول المصنعة والنامية أن يتجه إلى استيعاب تضامن الدول المتشاركة فيه على صعيد اقتصادي، بيد أن هذا التطور لم يتم بالوجه اللازم لأسباب من جملتها، إن عدم الانحياز كان أصلا، ذا منطلقات سياسية أكثر منها اقتصادية.
وبحكم تطور الفكر الدولي داخل مجموعة عدم الانحياز، ومعانقة هذا التفكير ـ لقضايا التعاون الاقتصادي بين الدول المتشاركة، فإن ما تبلور عنه الحال في ذلك، هو تلاقي عناية الدول غير المصنعة جميعها سواء منها الواقع في نطاق المحالفات الدولية، أو الملتزم لعدم الانحياز ـ حول الموضوع الاقتصادي بصورة أساسية، وتطور الدواعي لديها إلى التقارب ـ عبر مختلف الحواجز الدولية ـ حول هذا الموضوع.
وقد كان هذا معبرا مناسبا لفكرة التضامن الإسلامي، كي تطرح نفسها على مجموعة الدول الإسلامية التي تعنيها نفس الأطروحات الاقتصادية الملحة على الأقطار الغير المصنعة، كما تطابق أحوالها الاقتصادية والاجتماعية نفس الوسائل تقريبا ونفس التخطيطات.
ولا يلزم عن تضامن البلدان الإسلامية ـ كما بدا واضحا في أفق هذا التطور ـ انعزالها عن الخط العام للتعاون الذي يجب أن يكون موجودا بين مجموع دول العالم الثالث، فالتضامن الإسلامي لا يعدو ـ وهو شيء واضح كذلك ـ أن يكون عملا على تجميع وتنسيق طاقات مجموعة معنية من مجموعات الدول النامية هي المجموعة الإسلامية، ومن شأن هذا أن ينعكس إيجابيا على العالم الثالث، الذي لا يمكن إلا أن يفيد من نمو قوة دولية جديدة تقع في نطاقه، وتحفزها نفس الأهداف الذي تحفزه نحو النمو والتطور.

3- بالنسبة لمحيط القومية العربية:
ربما بدأ للبعض في فترة من الفترات ـ أن حركة القومية العربية يمكن أن تكون بالنسبة للعرب، بديلا عن رابطة روحية أخرى كرابطة التضامن الإسلامي، اعتبارا بالأخص لصعوبة تحقيق مقتضيات هذه الأخيرة بالقياس للأولى، وقد يكون وقر في بعض الأذهان أحيانا، أن الأمر يصل إلى حد عدم التعايش بين الفكرتين، فأحرى تداخلهما في العالم العربي على نحو تكاملي وعملي.
إلا أن تطورات الأحوال غداة الحرب الرابعة بين العرب وإسرائيل ( 5 يونيه 1967) وما تلاها من وضوح الحاجة عند العرب إلى تعدد محاور التضامن الدولي حولهم، ثم ما تجلى من أهمية التضامن الإسلامي في هذا المجال، كل ذلك  قد أظهر أن ليس من تناقض فقط بين العربية والإسلامية فيما يهم العرب على الصعيد الدولي، بل أن انصهارهما في بوتقة واحدة، يشكل ضرورة نظرية وعملية، لا معدل عنها كما أبان ذلك للدول الإسلامية غير العربية ـ وقد استعرضنا من قبل نماذج من مشكلاتها الدولية الخاصة ـ أن الالتزام مع العرب ضمن استراتيجية تعاونية فعالة قوامها الصفة الإسلامية التي تعم الجميع ـ لا يمكن  إلا  أن يدعم مقدرتها على حل هذه المشكلات، ويبيح لها إمكانيات ثمينة للعمل بهذا الشأن.
                                                * * *

موضوعان آخران في مضمون منطق التلاؤم:
1- موضوع التكامل الاقتصادي:
شهد العالم خلال العقد الأخير، استقطابا حادا بين قطاعين دوليين أساسيين، هما قطاع الدول الغنية، وقطاع الدول الفقيرة ويتجه هذا التمايز على الصعيد العالمي إلى تجاوز معايير التمييز التقليدية بين المجوعات الدولية، (المعسكر الشيوعي والرأسمالي، الانحياز وعدمه، الدول الصغيرة والدول الكبيرة، الأقطار النامية والمتقدمة) بحيث أن مقياس الفقر والغنى يسير نحو أن يصبح قاعدة شمولية للتمييز بين التناقضات العالمية، تتضاءل في نطاقه، كل مقاييس التمييز الأخرى ذات الصبغة الإيديولوجية والسياسية وغيرها.
وحتى حالة التفاوت في التقدم التقني فإنها قد بدأت تأخذ طابعا ثانويا في تحديد الفوارق، بين الدول، بعد أن غدت مسألة ارتفاع الموارد والدخول، أو انخفاضها أساسا، وهو أساس منطقي حقاـ لتعيين صفة الغنى أوالفقر عند هذه الدولة أو تلك وتصنيفها بالتالي على ضوء هذا الاعتبار ضمن مجموعة معينة من المجموعتين الدوليتين الفقيرة أو الغنية.
على أن الدول الفقيرة أو الغنية، ليست سواء في مستواها فقرا أو غنى، فنمت دول فقيرة نسبيا ودول مدقعة، ونمت من الأقطار ما هو ثري، ومنها ما هو من الثراء في درجة مطلقة.
ويشكل المحيط الإسلامي بالذات عالما قائما بنفسه، من هذه الناحية، فهو يضم من الأقطار حشدا متنوع الأحوال، فقرا بمختلف نسبه، وغنى بنسب متفاوتة كذلك، ومثل هذا التفاوت الكبير في الكثافات الديموغرافية واستعدادات السكان ومردودية أنشطتهم، والإمكانيات التقنية الموفورة كذلك.
وهذه التفاوتات تشكل في الواقع داعيا ملحا إلى سلوك سبيل التفاعل والتكامل، اعتمادا على تبادل الإمكانيات والطاقات، وتقوية الكيان المشترك بعضه ببعض على أساس ذلك، بل أنه في الوسع اعتبار التضامن الإسلامي من هذه الناحية، أقوى من أي سبيل آخر للتضامن، نظرا لعمق الروابط المعنوية التي تشد مبدئيا، المسلمين، إلى بعضهم أفرادا وجماعات.
وعلى الرغم مما يبدو من كون هذه التصورات، قد لا تكون أكثر من مثاليات نظرية، لكن التغيرات التي سجلتها العقود الأخيرة على المسرح العالمي، وما حصل خلالها من مراجعات رامية تنصب على إعادة تقييم العلاقات بين الأمم، من شأنها ـ وقد حصل ذلك فعلا ـ أن تبرز فكرة التضامن الإسلامي، كإمكانية يعتمد عليها في إقامة نظام للتعاون الدولي، ذي مردودية مضمونة.

2- موضوع الأمن المتبادل:
ويرتبط بتبادل المنافع المادية في هذا النطاق تبادل الأمن كذلك، والأمن ضرورة لا عوض عنها لإمكانية تطوير المبادلات على كل مستوى، داخل قطاع دولي معين، وإقرار جو ملائم لشيوع الازدهار في نفس النطاق، وهو المراد أساسا من هذه التبادلات.
إن الأوضاع التي تتخذها الأراضي الإسلامية نفسها، لتنطبق على بعض مقتضيات ضرورات الأمن المتبادل، بالوجه الذي أشرنا إليه.
ويظهر شيء من هذا في التوازنات الجغرافية الملحوظة بين المناطق الإسلامية في العالم بحيث أن التجاور بين هذه المناطق، يهيئ لها أوسع احتمالات لحماية بعضها ظهر بعض، كما يمكنها امتدادها الموصل تقريبا بين شرق وغرب، من تحقيق ترابط ثمين بينها، له أهمية قصوى في شمولية أثر الوقاية   المتبادلة في العالم الإسلامي، إذا ما أقام نظاما مضبوطا لهذه الوقاية.
ويمكننا أن نتبين خطوط هذا التلاحم الجغرافي في المتوازيات التالية:
الشمال الإفريقي، والخط الموازي له جنوب الصحراء، من  المحيط الأطلسي، إلى منابع النيل.
خط الدول الواقعة على البحر الأحمر وغربي المحيط الهندي والخط الموازي له شمالا عبر تركيا وإيران وأفغانستان وفي مدى أبعد، الباكستان.
الأرخبيل الإيندونيسي، والخط الموازي له شمالا، من خلال ماليزيا وجنوب الفلبين.
                                                *
رؤية إجمالية:
هذه لمحات عن المناخ العالمي الذي تبلورت في طيه الاتجاهات أثناء العقود الأخيرة، إلى إقامة أسس للتضامن الإسلامي على مستوى دولي شامل، مع عرض لبعض الأفكار التي لابد أن تكون تضافرت بصورة أو بأخرى على ترجمة النوايا المتصلة بالموضوع إلى إنجازات عملية.
وبطبيعة الحال، فمنظمة المؤتمر الإسلامي الحالية بتنظيماتها ومؤسساتها، وملتقياتها الدولية، تشكل القاعدة العملية، القائمة الآن، للنفوذ من التنظيرات المثالية للتضامن الإسلامي، إلى مجال التطبيق الفعال لهذا المبدأ.
وتتجه المؤسسات المحركة لهذا الجهاز، إلى التبلور في صورة تنظيم جدي للتجميع والتنسيق والتركيز على مستوى العالم الإسلامي، بما يؤثر في تطوير علاقات أقطاره مع بعضها، وبضبط ضبطا منطقيا، مجموع علاقاته بالعالم حوله.
إن إقامة المؤسسات خطوة حيوية في السبيل نحو إنجاز عمل حقيقي لبلوغ أهداف ما، ضمن نطاق مبدأ معين، ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار ما تم التوصل إليه من مؤسسات إسلامية ـ خلال هذه السنوات الست، مظهر تطور جيد بالنظر لما تقتضيه في العادة إقامة المؤسسات من اتفاق فعال بين الجهات التي يعنيها الأمر، وما يوجبه ذلك من التزامات وتحملات وتكاليف مختلفة، يتعيين الإبقاء بها، وبكيفية فورية في بعض الأحوال.
وتستوعب المؤسسات المقامة مختلف مقدرات العالم الإسلامي، تنظيمية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحضارية ونحوها.
والواقع أن الممكنات الضخمة الموفورة للعالم الإسلامي، من شسوع مساحة، وحساسية مواقع، وكثافة وجود بشري، وتنوع طاقات وموارد، وتعدد علاقات دولية، ليكون في حد ذاته، مشكلة تنظيمية غير هينة، إذا لم تكن المؤسسات الموجهة لتأطير هذه الإمكانيات، موسومة بالشمول والدقة والدينامية والعملية.
فليس المهم ـ بطبيعة الحال ـ ضخامة حجم العالم الإسلامي، وعملاقية ممكناته، وإنما المهم أيضا، وربما الأهم، هو مدى القدرة على إحداث التلاؤم والتفاعل بين أجزاء هذا الحجم، والتوصل من ذلك إلى صياغة الصورة البشرية والمادية لعالم إسلامي ذي استعدادات حقيقية لخوض معترك الحضارات في القرن القادم، والفوز في ساحة هذا الرهان.
وإن ما تنم عنه الخطوات الواقعة حتى الآن لما يترك انطباعا بأن العزائم قارة على الاتجاه في هذا السبيل، وتحقيق أقصى ما يمكن من مستهدفاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here