islamaumaroc

ندوة العلماء تاريخها ونشأتها

  دعوة الحق

العددان 164 و165

أعلن سماحة الأستاذ السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي أمين ندوة العلماء العام أن ندوة العلماء تزمع عقد أول مهرجان تعليمي كبير بمناسبة مرور 85 عاما على تأسيس ندوة العلماء، وذلك ابتداء من يوم الجمعة 25 شوال القادم 1395 المصادف 31 أكتوبر عام 1975 م.
وقد وجهت الدعوة لحضور هذا المهرجان إلى عدد من الشخصيات الإسلامية والعلمية، ورجال الفكر والدعوة وخبراء التعليم في العالم الإسلامي كله...
وإن الغرض الرئيسي من إقامة هذا المهرجان التعليمي تنشيط حركة ندوة العلماء وتعريفها إلى الناس من جديد، وتنوير الرأي العام الإسلامي لفهم مبدأ الجمع بين العلم والدين، وبين القديم والحديث، وتعميم هذه الفكرة في جميع المجتمعات والأوساط في العالم الإسلامي وإقناعها بأنها هي الفكرة التي يحتاج إليها الجيل المسلم في بناء مستقبله، وهدم ما علق بنفسه من آراء وأفكار...
ويرجى أن يحضر المهرجان شخصيات كبيرة من جميع أنحاء العالم الإسلامي والعربي, وبهذه المناسبة يسعد دعوة الحق أن تقدم إلى قرائها حديثا فيما بعث الأستاذ العالم الهندي الكبير أبو الحسن علي الحسني الندوي تحت عنوان: (ندوة العلماء، تاريخها ورسالتها)...

صارت قيادة المسلمين في القرون المتأخرة إلى أناس لم يكونوا جامعين بين الدين والدنيا، فحدث في الإسلام بدعة فصل الدين والدنيا، فاستبد الملوك بدينهم وانقطع العلماء بدينهم، وبقي العامة لا قائد لهم ولا رائد، وصار الإسلام كالنصرانية، عرش وكنيسة ولكل رجال، وقيصر والإله ولكل نصيب، ولكن عرش بدون قوائم وكنيسة بغير حراس.
ولما طال بعد العلماء عن الحياة صاروا أجانب عن الحياة وعن الدين وعن السياسة، حتى إذا تدخلوا في شأن من شؤونها كان ذلك حجة لأهل الدنيا على أهل الدين، لعدم خبرة العلماء وقلة مهارتهم في شؤون الحياة وعلوم العصر.
وتشاغل العلماء بعلوم ليس لها دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، وبمسائل لا تجدي نفعا، وتشاغلوا في الزمن الأخير بالجدل والشقاق والتكفير والتضليل، وصاروا يجاهدون في غير جهاد، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، فكم سالت دماء وكم جرت محاكمات لأجل مسائل فقهية في محاكم الكفار، وكم وقع من إهانات ذلت لها رقبة المسلمين في الهند.

استولت أوربا على الأرض، وكانت كما وصف الله سبحانه وتعالى (من كل حدب ينسلون)، فهجمت على الإسلام من طريق العقل والنقل والفلسفة والحكمة والتاريخ والأدب، ومن طريق السياسة وباسم الحضارة والثقافة، وعجزت الآلات التي حارب بها أسلافنا علوم اليونان عن مقاومة العلوم الغربية، فاقتضى الحال أن يجدد علماء الإسلام آلات الدفاع عن الإسلام، ويحدثوا آلات أخرى للهجوم على العدو.
هذا، والمسلمون في الهند بين طائفتين، طائفة قد آمنت بالعلوم الغربية بالغيب وآمنت بعصمة الغربيين في علومهم وبسيادتهم وأمانتهم في كل شيء، ودعت إلى قبول نظامهم في التعليم على علاته، وطائفة قد آمنت بعصمة العلماء المتأخرين في منهاج درسهم وترتيبهم للكتب، لا يرون عنه بديلا ولا يجدون عنه محيصا، ويرون العدول عنه في شيء ضربا من التحريف ونوعا من البدع فكاد الدين وكاد العلم يضيع بين جاحد وجامد.
أدرك هذا الخطر رجال من أهل الدين المتين والعلم الراسخ والنظر الثاقب، في مقدمتهم العالم الكبير والشيخ الصالح مولانا السيد محمد علي المونكيري رحمة الله عليه، وكثير من أصحاب الشيخ الكبير مولانا فضل رحمن الكج مراد آبادي قدس الله سره، وتلاميذ الأستاذ الكبير مولانا لطف الله العليكرهي، ينتهي نسبهم العلمي إلى بيت الشيخ ولي الله الدهلوي، واجتمعوا وشاوروا في الأمر، وكانوا قد اجتمعوا في حفلة مدرسة فيض عام في كانفور التي أسسها المفتي عنايت أحمد (1279 هـ) أستاذ الشيخ لطف الله.
اجتمعوا في هذه الحفلة سنة1310 هـ وبحثوا في مسائل التعليم الديني ومستقبل المدارس العربية وشؤون المسلمين الاجتماعية والخلقية، وصحت عزيمتهم على تأسيس جمعية دينية علمية تعنى بمسألة التعليم الديني وإصلاح المسلمين الاجتماعي الخلقي، والجمع بين طبقات المسلمين عامة وطبقات العلماء وأحزابهم خاصة.
أسس هؤلاء العلماء ـ وهم نخبة علماء الهند ـ جمعية باسم (ندوة العلماء) وعقدوا حفلتها الأولى في كانفور سنة 1311 هـ تحت رئاسة الأستاذ الأكبر الشيخ لطف الله العليكرهي، وأرسلوا دعوتهم إلى جمع كلمة العلماء ورفع الشقاق والنزاع من بينهم، وإصلاح المدارس القديمة والتغيير اللائق في منهاج المدارس.
اجتهد أعضاء الندوة في ذلك واجتمعوا وتشاوروا وكاتبوا وأرسلوا وخطبوا وكتبوا في هذا الموضوع، ولكن علموا بعد الاختبار أن ذلك لا يتم إلا إذا أسسوا مدرسة خاصة تكون مثلا عمليا للمدارس الأخرى.
فأسسوا في لكهنؤ عاصمة الولايات المتحدة في الهند - على دعوة السري المخلص الشيخ أطهر علي الكاكوري ( م 1326 هـ) دفين البقيع- مدرسة دينية عربية هي دار العلوم التابعة لندوة العلماء، وكان ذلك سنة 1312 هـ تولى إدارتها والإشراف على شئون مدرستها رجال يمتازون بمتانة في الدين مع تسامح في الخلافيات والفروع، ورسوخ في علوم الدين مع اطلاع واسع على شؤون العصر، ومحافظة على الشرع والتقوى مع حب الجمع بين طبقات الأمة، وهم من بيوتات علم ودين، فكان مولانا السيد محمد علي المونكيري (م 1346 هـ) خليفة الشيخ الكبير مولانا فضل رحمن الكنج مراد آبادي أول مدير لندوة العلماء وخلفه مولانا مسيح الزمان الشاه جهان بوري ( م 1331 هـ) أستاذ سمو نظام حيدر آباد السابق، وخلفه مولانا خليل الرحمن السهارنبوري ( م 1355 هـ) ابن المحدث الكبير مولانا أحمد علي  السهارنبوري صاحب حاشية البخاري، وخلفه مولانا السيد عبد الحي الحسني ( م 1342 هـ) صاحب (نزهة الخواطر) والمؤلفات العربية الجليلة من بيت السيد الإمام أحمد ابن عرفان الشهيد، وخلفه مولانا السيد علي حسن خان ( م 1355 هـ) نجل الأمير المؤلف الكبير السيد صديق حسن خان ملك بهوبال، وخلفه الأستاذ الدكتور السيد عبد العلي الحسني نجل مولانا السيد عبد الحي مدير ندوة العلماء الأسبق.
وكان الإشراف على شؤونها التعليمية إلى الأستاذ الكبير والمؤرخ الشهير الشيخ شلبي النعماني ( م 1332 هـ) ثم إلى تلميذه النابغة الأستاذ السيد سليمان الندوي.
تمتعت الندوة بحماية كبار الصالحين ورجال العلم والدين من أول يومها، كمولانا ظهور الإسلام الفتح بوري، ومولانا نور محمد البنجابي ومولانا تجمل حسين البهاري من كبار أصحاب الشيخ سليمان البهلواروي، والسري الفاضل مولانا حبيب الرحمن الشرواني رئيس الشؤون الدينية في إمارة حيدر آباد سابقا من أقدم أعضاء الندوة ومن كبار حماتها، والشيخ رحيم بخش وصي إمارة بهلول بور سابقا، والعلامة عبد الحق الحقاني صاحب التفسير المشهور، والشيخ سليمان المنصور فورى، والمنشي احتشام علي الكاكوروي وغيرهم.
وتولى التدريس في دار العلوم علماء كبار من مشاهير علماء الهند وخارجها، كالشيخ محمد فاروق الجرباكوتي والشيخ عبد الله التونكي والشيخ محمد طيب المكي والشيخ شير علي الحيدر آبادي والشيخ محمد بن الحسين اليماني والشيخ أمير علي اللكهنوي والشيخ حفيظ الله البندولي، والشيخ شلبي الأعظمي، والشيخ حيدر حسن خان التونكي،  والشيخ تقي الدين الهلالي المراكشي.
تأسست ندوة العلماء على مبدأ التغيير والإصلاح في نظام التعليم الديني وفي منهاج الدرس العربي، فحذفت وزادت وغيرت وأصلحت في منهاج التعليم.
حذفت المقدار الزائد من كتب المنطق والفلسفة اليونانية التي ضعفت الحاجة إليها في هذا العصر، وأعطت القرآن حقه من العناية فقررت دراسة متنه الشريف حرفا حرفا لغة ونحوا وأدبا واجتماعا وفقها وكلاما، هذا ما عدا التفاسير المقررة في الصفوف العالية، وألزمت تدريس القرآن والحديث بالتدريس في سنيها التعليمية.
زادت مقدار دراسة اللغة العربية وآدابها، لأن اللغة العربية والأدب العربي مفتاح كنوز الكتاب والسنة والرابطة الأدبية في الشعوب الإسلامية، ووجهت عنايتها إلى تعليم اللغة العربية كلغة من لغات البشر وكلغة حية يكتب بها ويخطب، لا كلغة أثرية عتيقة ميتة، وألفت لذلك كتبا تساعد على ذلك، وقد أقر الناس بفضل الندوة في هذه الناحية.
قررت تدريس اللغة وبعض العلوم العصرية كالجغرافية والتاريخ والعلوم الرياضية والسياسية وعلم الاقتصاد، ليطلع العلماء على مقتضيات العصر، ويتسلحوا بالأسلحة الجديدة للدفاع عن الدين.
أنست ما كان بين أهل المذاهب والطوائف الفقهية كالحنفية والشافعية وأهل الحديث من المشاجرات ودواعي العصبية ونجحت في ذلك نجاحا تاما فلا تشم في دارها رائحة الخلاف والحقد المذهبي وترى الطلبة من كل مذهب إخوانا متقابلين في قاعة درسهم ودار إقامتهم  جنبا لجنب.
مبدأ الندوة وشعارها أن تخرج من مدرستها رجالا مبشرين بالدين القديم لأهل العصر الجديد، شارحين الشريعة الإسلامية بلغة يفهمها أهل العصر وبأسلوب يستهوي القلوب أمة وسطا بين الجامدين والجاحدين.
وقد أنجبت في مدة قليلة رجالا هم خير مثل للعالم المسلم العصري، الذين قد قامت بهم حجة العلوم الإسلامية على أهل العصر الجديد، ورفعوا رأس علماء الدين عاليا بين طبقات المتعلمين، ولهم آثار جميلة خالدة في الأدب الإسلامي وعلم التوحيد لأهل العصر الجديد، والسيرة النبوية والتاريخ ككتاب (سيرة النبي) في ست مجلدات كبار وهي موسوعة إسلامية وأكبر كتاب ألف في السيرة النبوية ومهمات الدين في هذا العصر للعلامة سليمان الندوي، وكتب في تراجم الصحابة وسيرهم للمتخرجين من دار العلوم، ورسالة قيمة في الدين والعلوم العقلية للأستاذ عبد الباري الندوي، إلى غير ذلك من الكتب والرسائل.
وقد أنشأ المتخرجون من الندوة جمعية دار المصنفين في أعظم كره وهي من المؤسسات العلمية الكبيرة في الهند تصدر مجلة علمية راقية شهرية باسم (معارف).
ولدار العلوم بناية عظيمة على شاطئ نهر كومتي في مدينة لكهنؤ، ومكتبة كبيرة تحتوي على 80 ألف كتاب أكثرها غير مكرر و2000 من الكتب الخطية النادرة، ودار لإقامة الطلبة، ومسجد جميل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here