islamaumaroc

النملة والزيز (تر.أ.ص.الطيب)

  دعوة الحق

العددان 164 و165

كنت في أيام طفولتي شغوفا بحكايات (لافونتين) التي كان مغزى كل حكاية منها يشرح لي بوضوح وقد علقت بذاكرتي، من بين تلك الحكايات، حكاية (النملة والزيز) التي تروي للصغار في البيوت لتكون عبرة لهم.
تذهب تلك الحكاية اللطيفة (واعتذر هنا عن سردها لإفتراضي أن الجميع يعرفها) إلى أن نملة عملت الصيف بطوله لجميع مؤونة الشتاء، بينما الزيز ينعم بالجلوس على ورقة من ورقات السنابل الخضراء، يغني للشمس، إلى أن أقبل الشتاء الذي كانت النملة قد أعدت له العدة، بينما كان بيت مؤونة الزيز فارغا، فلم يجد هذا الأخير بدا من الإلتجاء إلى النملة ليطلب منها ما يمسك عليه رمقه.. عند ذاك سألته النملة سؤالها التقليدي: ( ما الذي كنت يا هذا تفعله إبان الصيف؟ وكان جوابه: كنت أغني آناء الليل وأطراف النهار). قالت النملة: ( حسنا فعلت إذ كنت تغني، وما عليك إلا أن تذهب الآن فترقص).
 لم أفهم، في طفولتي، مغزى تلك الحكاية على وجه دقيق، أو بالأحرى لم أحاول فهم ذلك، ربما لتردد الطفولة، أو لعدم اكتمال الإدراك. كنت منحازا إلى جانب الزيز ميالا إليه، عاطفا عليه، ولذا فإنني كنت أسارع فأدرس بقدمي أية نملة ألمحها تسعى فوق الثرى.
عادت هذه الحكاية إلى مخيلتي في ذلك اليوم الذي رأيت فيه (جورج رامسي) يتناول طعام العشاء وحيدا في أحد المطاعم. كانت على وجهه أمارات الكدر والأسى... وكان ينظر نظرة الواجم، وكأن أعباء العالم كلها تثقل كتفيه. رتبت لحاله آنذاك وساءت نفسي عما إذا كان أخوه، السيئ التصرف، قد سبب له إزعاجا آخر. أردت أن أتأكد من الأمر فهرعت إليه مادا يدي للسلام، ولما استفسرته عن حاله أجاب: ( لست على ما يرام). قلت أهو (توم) إذن؟ فتأوه وقال: (نعم. إنه هو، مرة أخرى) ولم أتمالك عندئذ عن أن أقول: (ولم لا نتركه وشأنه؟ لقد قمت بكل ما يمكن أن تقوم به من أجله، وعليك أن تدرك الآن أن صلاحه أمر غير مرجو).
في اعتقادي أن في كل أسرة فردا يعكر صفوها.
استهل (توم) حياته متزنا محتشما، فقد ابتدأ يعمل، ثم تزوج وأنجب طفلين.. وكان من أسرة محترمة مرموقة، مما دعا إلى الإعتقاد بان (توم) سيسلك طريقا قويما في حياته... لكنه أذاع، ذات يوم، دون مبالاة، أنه لا يحب العمل، وأنه لم يخلق للزواج، نظرا لأنه يرغب في أن يسعد نفسه. وقد أعرب عن أنه على غير استعداد للإستماع إلى أي اعتراض أو عتاب.. هكذا، ولأن ذلك يوافق هواه.
وترك (توم) زوجه، وهجر عمله، وكان لديه قدر م
ن مال، فسافر إلى أوربا حيث قضى سنتين سعيدتين متنقلا بين عواصمها. وبين حين وحين كانت أخباره ترد على أقاربه، فكانوا يذهلون لتصرفاته ويهزون رؤوسهم متسائلين عما سيؤول إليه أمره حين تنفد نقوده، إلا أنهم سرعان ما كانوا يستنتجون أنه سيلجأ إلى الإستدانة.
كان (توم) طائشا، لا يبالي بشيء ولا يرعى عهدا، وكان مع هذا يستميل القلوب إليه بل أنني لا أعرف شخصا جرؤ على أن يرفض لتوم طلبا، وهكذا كان له دخل تابت من أصدقائه، وكان يكسب الصداقة بيسر وسهولة، ويقول: (إن النقود التي تنفقونها على الضروريات شيء ممل، أما النقود التي يجري صرفها على الكماليات والترف فهي التي تحل محلها المناسب. ولأجل هذا كان يعتمد على أخيه (جورج) فقد استمال قلبه... لكن (جورج) كان رجلا جادا لا ينطلي عليه الإغراء والإغواء، وكان محترما مرموق المركز، ومع ذلك فقد خضع لوعود (توم) مرة أو مرتين فأعطاه مبالغ لا بأس بها ليبدأ حياته من جديد ويثوب إلى الجادة القويمة، وما كان من (توم) إلا أن اشترى بتلك النقود سيارة وبعض المجوهرات الأنيقة. ولما تيقن (جورج) من أن أخاه لن يرجع عن غيه قرر أن يغسل يديه منه ليرتاح، إلا أن (توم) عرف كيف يحصل على أموال من أخيه قسرا، ذلك أنه سيعمل هاما في مقصف أو سائق سيارة أجرة، فتلك مهنة شريفة لا غبار عليها. ولم يكن (جورج) ـ بصفته  محاميا مرموقا ـ يرغب في أن يرى أخاه في مثل تلك المهنة التي لا تتناسب ومستوى الأسرة. ولم يمانع (توم) في أن يتخلى عن تلك الفكرة إرضاء لأخيه إذا تسلم مائتي جنيه، وكان له ما أٍراد.
وذات مرة، كان (توم) على وشك أن يدخل السجن. وغضب (جورج) من جراء ذلك غضبا شديدا. لقد ذهب (توم) في طيشه مذهبا بعيدا: كان أنانيا، لا يتعقل ولا يحفل بالنتائج، فقد غش شخصا اسمه (جرونشو)، وكان هذا حقودا محبا للإنتقام، فصمم على أن يقدم (توم) للمحكمة، لأنه كما قال: (أثيم يجب أن ينال عقابا). فكر (جورج) في الأمر. كان عليه أن يعمل شيء لينقذ أخاه من السجن... وهكذا تحمل متاعب كثيرة في سبيل ذلك، كما أعطى خمسمائة جنيه ل( جرونشو) ليعيد المياه إلى مجاريها. لكن (توم) كان قاسيا، ففي اللحظة التي أعطى فيها "جورج" المبلغ (لجرونشو) سمع أن (توم) و (جرونشو) قد سافرا معا إلى (مونت كارلو) وقضيا هناك شهرا ممتعا.. ولم أر (جرورج) غاضبا مثل غضبه في ذلك اليوم !
واظب  (توم) طيلة عشرين سنة على المقامرة والرهان في سباق الخيل. كان يغازل الفتيات الحسان، ويرقص، ويتناول طعامه في أرقى المطاعم، ويرتدي الثياب الفاخرة الأنيقة.. وكان يبدو في تصرفاته كمن بارح لتوه سجنا قضى فيه مدة طويلة ومع أنه كان في السادسة والأربعين من عمره، فقد كان يبدو كمن لم يتجاوز الخامسة والثلاثين. كان (توم) رفيقا مسليا، وعلى الرغم من أنك تعلم أن لا خير فيه فإنك ستسر بمجالسته.
كان لطيف المعشر يطغى سحره وطلاوة حديثه على كل شيء. لم أكن لأحقد عليه بسبب المنح والمساعدات التي كان يفرضها عليه لضروريات وجوده، بل أنني لم أقرضه يوما خمسين جنيها مثلا دون أن يخالجني شعور بأنني أنا المدين لا هو. كان الجميع يعرف من هو (توم رامسي) كما كان (توم) يعرف الجميع، ومع أنك لا تستطيع أن ترضى عن تصرفاته فإنك لا تقوى على أن تفقد عشرته.
يا لجوروج المسكين. كان هذا يكبر أخاه المتهور سنة واحدة فقط وعلى الرغم من ذلك، فقد كان مظهره يدل على أنه ناهز الستين. لم تكن إجازاته تزيد عن أسبوعين سنويا في مدى ربع قرن تقريبا، فقد كان يتوجه إلى مكتبه كل صباح في حوالي التاسعة والنصف، ولا يبارحه قبل السادسة كان صادقا نشيطا مجدا نافعا، وكانت له زوج مخلصة لا يخامره أدنى شك في إخلاصها. وكان أبا مثاليا لأربع بنيات. وقد انتهج طريقة يوفر بها ثلث دخله، كي يتقاعد حين يبلغ الخامسة والخمسين فينتقل إلى بيت ريفي صغير يعتني بحديقته ويمارس لعبة الجولف. وعندما يذكر (جورج) أن السن تتقدم به كانت الأفراح تغمره، ذلك أن أخاه (توم) يتقدم في السن بدوره...
حك (جورج) كفا بكف وقال:
(كان كل شيء على ما يرام حين كان (توم) صغيرا مقبول التصرف، وبما أنه يصغرني سنة واحدة
فسيبلغ الخمسين بعد أربعة سنوات، وعندئذ لن تكون حياته سهلة وسأكون قد إذخرت ثلاثين ألف جنيه في الوقت الذي أبلغ فيه الخمسين. ومنذ خمس وعشرين سنة كنت أقول أن (توم) سيصبح ساقيا للحديقة، وسنعلم آنذاك هل سيقوم بعمله ذاك أو يركن إلى الخمول).
يا لجوروج المسكين ! في هذا الوقت الذي أجلس فيه إلى جواره ـ أشعر بأني أرثي له، وأسائل نفسي عن المساويء التي قد يكون (توم) اقترفها، ذلك أن (جورج) كان بادي الإنزعاج.
قال (جورج): (أتدري ما حدث الآن؟)
ولما كنت أتوقع أسوأ الأمور فإنني سألته عما إذا كان رجال الشرطة قد قبضوا على (توم).
وهنا، حمل(جورج) نفسه حملا على الكلام، وقال:
(لن تنكر إنني عشت حياتي مكافحا في عملي بإستمرار، وكنت مستقيما أتمتع بالتقدير، وتمكنت بعد حياة جد واجتهاد وادخار ، أن أوفر لنفسي دخلا صغير أستعين له لدى تقاعدي. لقد قمت بواجبي على الدوام، طيلة حياتي، مشمولا بتوفيق الله).
قلت: (حقا لا أستطيع نكران ذلك).
قال: (ولا تستطيع كذلك أن تنكر أن (توم) كان خاملا، كسولا، لا نفع منه، وأنه كان فاسقا، فاسد الأخلاق، منافقا، متقلبا...)
قلت: (صحيح ذلك هو الواقع).
وهنا إحمر وجه (جورج)، وهو يستطرد قائلا: (قبل بضعة أسابيع ) (تزوج توم) امرأة عجوزا، تصلح لأن تكون أما له.. ولم تلبث أن ماتت موصية له بكل ما كانت تملك: نصف مليون من الجنيهات, يخت بحري، منزل في لندن، وآخر في الريف..).
ودق (جورج رامسي) المائدة بقبضة يده، وتمتم: (أن ذلك ليس عدلا، والله أن ذلك ليس عدلا).
عندئذ لم أطق صبرا.. بل ضحكت ضحكة مدوية وأنا أتطلع إلى وجه (جورج المنفعل الغاضب.. واضطرب به المقعد، وكنت على وشك السقوط على الأرض !
ولن يغفر لي (جورج) ذلك.
أما (توم) فكثيرا ما دعاني إلى منزله الجميل لتناول طعام العشاء، وإذا كان يستدين مني بعض المبالغ التافهة أحيانا، فلا أظن أنه يفعل ذلك إلا بحكم العادة !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here