islamaumaroc

من نفحات الربيع

  دعوة الحق

العددان 164 و165

 إن الرباط، وهي تعتز بأنها مقر أول مؤتمر قمة في تاريخ الأمم الإسلامية، لقمينة أن تقوم بمناسبة يوم ميثاق التضامن الإسلامي بأول مبادرة في دراسة إنتاج الأدباء المسلمين من فرس وترك وهنود وغيرهم فتعيد النظر في مناهج تاريخ الآداب ودراستها ببعض كلياتها الجامعية ومعاهدها العليا، وبذلك تخلق لتاريخ الإسلام والأمم الإسلامية الذي ندرسه ونعنى به، صنوه الذي طالما حن إليه، وترقبه بفارغ صبر، وهو تاريخ الأدب الإسلامي....
أحلى فترات العمر فترة الشباب. وأجمل فصول السنة فصل الربيع. وما الربيع إلا حلية الزمان والمكان وحلتهما القشيبة التي قد تذبل وتتهرأ حين تبلى، ولكنها دائما تتجدد ولا تفنى.
بعض البلدان تتمتع بفصولها السنوية المتتالية المتميزة الواضحة، تماما كما يتمتع بعض الناس بشبابهم خير ما يكون التمتع، بسبب توافر الوسائل المادية والروحية التي حاطت حياتهم بسياج من العناية والرعاية وحسن التربية والتوجيه. بينما أقطار أخرى تكاد تكون محرومة من الاستمتاع بجمال الربيع، لأن الطبيعة شحت إزاءها فلم تمنحها فصولا مكتملة متميزة، بل حبتها فقط فصلين رئيسين: أحدهما صيف والآخر شتاء، أو أحدهما حار والآخر أقل حرارة.
إن مثل هذه البيئات المحرومة من التمتع بكل الفصول الزمنية، تظل حياتها مفتقرة إلى كثير من مظاهر الجمال الطبيعي التي تتجلى في مواكب الربيع الزاهية الصاخبة. وإن الأديب أو الشاعر ـ وهو ابن بيئته ومرآة مجتمعه ـ يظل إنتاجه النثري أو اشعري ـ نبعا لذلك وبسبب من ذلك ـ محتاجا أشد ما تكون الحاجة، إلى التغني والتملي بجمال الربيع، وفتنة شجره وزهره، ووفرة مائه، وهدير خريره، وهديل يمامه وحمامه، وشدو طيوره، وزقزقة عصافيره... إلى غير ذلك مما يؤلف (سيمفونية) الربيع الخالدة.
قد تدخل شبه الجزيرة العربية مهد العروبة ومبعث الإسلام ـ ضمن البيئات المحرومة من فتنة الربيع الخلابة، فلا نجد أدب الزهر أو الربيع واضح المعالم، بين القسمات في المعلقات أو في غيرها من نتاج شبه الجزيرة الأدبي، ولكننا لا نستطيع أن نخلي ساحات البيئات العربية ـ الإسلامية الأخرى من نفحات الربيع، وتألق جماله، وروعته مغانيه. وأن أي أدب يتحدث عن الربيع، لا يمكنه أن يفعل ذلك
دون أن يقفز إلى ذهنه اسم الشاعر العباسي الخالد أبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري، ودون أن ترتسم أمام مخيلته صورة من شعره الرقيق الحاشية، الصافي الديباجة، ودون أن يهجس خاطره بأبياته التي قالها في وصف الربيع ضمن قصيدة طويلة مدح بها السيد الهيثم الغنوى، تلك الأبيات التي قالها رحمه الله فخلق من ذلك الفصل شخصا جسم النشاط والحركة، مليئا بالحيوية، بديع الجمال:
وما نور الروض الشآمي بل فتى
              تبسم من شرقيه فتبسما
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكـا
              من الحسن حتى كاد أن يتكلمـا
وقد نبه (النيروز) في غلس الدجى
              أوائل ورد كن بالأمس نومــا
يفتقها برد الندى، فكأنـــــه
               بنت حديثا كان قبل مكتمــا
ومن شجر رد الربيع لباســه
              عليه، كما نثرت وشيا منمنمـا
أحل، فأبدى للعيون بشاشــة
              وكان قذى للعين إذ كان محرما
ورق نسيم الريح حتى حسبته
              يجيء بأنفاس الأحبـة نعمــا
وأتذكر أني ذات مرة قرأت للمرحوم عباس محمود العقاد نقدا للمرحوم أمير الشعراء أحمد شوقي ينعى عليه ربيعياته، زاعما أن أبيات البحتري هذه،  تزرى بكل ما قال شوقي في الربيع. ولعل الناقد الكبير يقصد أبياتا من قصيدة طويلة قالها الشاعر في الروائي (هول كين) وأفتتحها بقوله:
آذار أقبل، قم بنا يا صاح
حي الربيع حديقة الأرواح
                                                   - * -
إلى أن قال:
ملك النبات، فكل أرض داره
تلقاه بالأعراس والأفــراح
منشورة أعلامه من أحـمر
قان، وأبيض في الربى لماح
لبست لمقدمه الخمائل وشيها
ومرحن في كنف له وجناح
يغشى المنازل من لواحظ نرجس
آنا، وآنا من ثغور أقـاح
ورؤوس (منثور) خفضن لمـزه
تيجانهم عواطــر الأرواح
الورد في سرر الغصون مفتــح
متقابل يثنى على (الفتـاح)
ضاحي المواكب في الرياض مميز
دون الزهور بشوكة وسلاح
مر النسيم بصفيحته مقبــــلا
مر الشفاه على خدود ملاح
ويقانق النسرين في أغصانـها
كالدر ركب في صدور رماح
والياسمين: لطيفه ونقيـــه
كسريرة المتنزه المسماح
متألق خلل الغصون كأنــه
في بلجة الأفنان ضوء صباح
و( الجلنار) دم على أوراقـه
قانى الحروف كختام السفاح
وكأن محزون (البنفسج) ثاكل
يلقى القضاء بخشية وصلاح
في جولتنا هذه الأدبية، وفي انتقالنا من الشرق العربي إلى الشرق الإسلامي، نجد أنفسنا أمام خاطرة تفرض نفسها، وإزاء تساؤل لا ينبغي تجاهله أو إغفاله. ذلك أننا في دراستنا الأدبية، وفي تاريخنا للأدب نهمل ـ لا عن قلى ـ إنتاج الأدباء المسلمين من فرس وترك وهنود وغيرهم، مع أن لهؤلاء شعرا ونثرا أنتجوه بلغتهم الأصيلة (الأم)، كما أنتجوا بلغة دينهم الجديد: العربية.
إنما كان علينا ـ نحن العرب المسلمين ـ أن نؤرخ لأدبهم أيضا، وندرس بعض إنتاجهم ولو قيل بلغة  أخرى غير العربية؟ وأعتقد أن اعتناق غير العرب للإسلام فرض عليهم تعمل لغة دينهم وجعلهم ينتجون بها تارة، وبلغاتهم الوطنية تارة أخرى، وأعتقد أننا في طموحنا العربي نسعى ونرحب بتدريس لغتنا العربية وأدبنا العربي في جامعات الدول الإسلامية ومعاهدها العليا. فهلا كان ذلك شفيعا لدى واضعي المناهج العربية ومؤرخي الأدب العربي كي يلتفتوا إلى الأدب الإسلامي بالدرس والتحليل، وبالعناية التي يستحقها؟
إن الرباط، وهي تعتز بأنها مقر أول مؤتمر قمة في تاريخ الأمم الإسلامية، لقمينة أن تقوم بأول مبادرة في الموضوع، فتعيد النظر في مناهج تاريخ الآداب ودراستها ببعض كلياتها الجامعية ومعاهدها العليا، وبذلك تخلق لتاريخ الإسلام والأمم الإسلامية الذي ندرسه ونعنى به، صنوه الذي طالما حن إليه، وترقبه بفارغ صبر، وهو تاريخ الأدب الإسلامي.
خطر لي هذا كله عندما كنت أتصفح بعض إنتاج الشعراء المسلمين بالشرق الإسلامي، وهو الذي حدا بي إلى تعريب بعض ما قالوه في وصف الربيع (1).

الربيع في بلخ
لشاعر بالفارسية أبي شكور البلخي الذي هو من شعراء العصر الساماني (القرن العاشر الميلادي). قال يصف الربيع في مدينة بلخ التي كانت يوما ما قاعدة خراسان، وأصبحت اليوم مجرد قرية بجمهورية أفغانستان الفنية:
الحديقة هكذا ملأى بالزهور
حتى لتشبه كتاب رسوم (مانى)
أذلك لافتتان عيني (المجنون) بالسحب
ولإزدهاء المروج بجمال (ليلى)؟
الندى في كأس الخزامى
يشبه المدام في قدح من اليشب
والنرجس الطري يلمع كتاج الأكاسرة
والبنفسجة في غلاتها الزرقاء أشبهت راهبا
فهل ارتدت إلى المسيحية؟
ونعرج عل شاعر بلخى أيضا هو أبو منصور محمد الدقيقي المتوفى سنة ـ 370هـ / 980 م، والذي هو أول شاعر ملحمي في فارس المسلمة، بدأ ملحمة الفرس الخالدة: شاهنامه ( أي كتاب الملوك )، وأكملها بعد موته الشاعر المعروف: الفردوسي (ت 412/ 1021) قال الدقيقى في:

أغنية للربيع
يا معبـودتـي.
الغيمة العلوية تنشر أكرم وشاح للربيع
والحديقـة المزهـرة
تضـاهي جنة عـدن،
والأشجـار مزدانة بالنوار
تبدو كحوريات الفردوس،
والأرض كثياب سندس مقرمز
والجو مثل وشي مائل للزرقة
                                                    ***
حان الوقت لتكون معي ظريفتي
بوجهها الشمسـي المشـرق
مثل القمر يعكـس أشعة الشـمس
                                                   ***
آن الأوان لأن أكـون
مع معبودتي الزهـرية النظرات
ومع خمر داكنة اللون كمسـوح راهب
                                                   ***
العالـم شبيها بطـاووس

في ألوانـه الألف
لين في بعض الأمـاكن
صلـب في بعضها الآخر.
السهل هكذا جميل
حتى ليبدو في صفحتـه
كأن يد الربيع رسمـت
بسـواد المسك
ولون الراج القرمـزي
صـورة محبـوبتـي.
                                                  ***
يـاحبـي
للطين بعـد المطر
 عبيـر الـورود
مذ صـاغتهما معـا
يـد الطبيعة الصنـاع
                                                   ***
من كل خيـر وشـر
في هذا العالم المتغيـر
اختار (الدقيقي) أربعـا
للحب للتملك، للصون:
شفاها بلون الياقوت الأحمـر
حسن إيقـاع قيثارة
نبيذا أحمر يبهر البصر
ثم عقيدة (زرادشت)؟؟؟؟
وإذا كان (أبو شكور) تساءل في آخر قصيده عن البنفسجة وهل ارتدت إلى المسيحية؟ فإننا نتساءل بدورنا ـ اعتمادا على البيت الأخيرـ : هل ارتد الدقيقي إلى الزرادشتية؟ وهل كان واحدا من أولئك الشعراء الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام بينما كانوا يعتقدون في الباطن أدبان آبائهم القديمة من زرادشتية ومازدية ومانوية؟
لندع هذا الآن، ولنواصل تصفح صحائف الربيع التي دبجتها براعات الشعراء المسلمين غير العرب فنقرأ للشاعر الهندي أمير خسرو (ت 1325 م) أعظم شعراء الهند في عهد الحكم التركي الأفغاني. قال عن موضوع:

الربيع:
يأتي ذلك الوقت حين يأخذ النسيم طريقه للحديقة
 ويزين الأرض بعشب يشبه السندس
 والأشجار والأغصان بالزهور.
يناسب الماء من ينبوعه في جداول مرتجفة
وزهرات الخزامى توقد نارا وهاجة....
                                                  ***
المطر ينهمر من الغمامة
وأنا ملزم بفراق عشيقتي
لا أحد ينبغي أن يهجر عزيزته في وقت كهذا.
الغمامة، ومحبـوبتي، وأنـا
ثلاثتنا نذرف الدمـوع
وشاعر آخر هو قعنى الشيرازي يتحدث لنا عن نفس الموضوع (الربيع) فيقول:
أهي بنفسجـات ناميات على ضفاف الجـدول
أم هـي حـوريات من الفـردوس
ينثـرن شعرهن المتمـاوج؟
إذا لم تكن قد رأيـت
كيف تندلع اللهب من الحجـارة
فانظر إلى ورقـات الخزامـى
في الحقول الخزاميـة،
فهي تثب وتعلو كشرر النار

من صخور الجبال.... (2)
ولنول وجوهنا في رحلتنا الربيعية شطر المغرب، فنختار لشاعرين غربيين:
1-أحدهما قديم ينتمي إلى أرض الأندلس الحبيبة، وقد اختاره المغرب هذه السنة ليحتفل بذكرى ميلاده الألف، وهو الشاعر العاطفي (الرومانسي) أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون ( ت 463 هـ/ 1071 م) الذي يقول في مخمسة له:
ويا حبذا (الزهراء) بهجة منظر
              ورقة أنفاس وصحة جوهر
وناهيك من مبدأ جمال ومحضر
              وجنة عدن تطبيك وكوثر
بمرأى يزيد العمر طيبا وينسا
                                             ***
 
معاهد أبكيها لعهد تصرما
              أغض من الورد الجنى وأنعما
لبسنا الصبا فيها حبيرا منمنما
              وقدنا إلى اللذات جيشا مرمرما
له الأمن ردء  والغداواة  مربأ
                                             ***
كساها الربيع الطلق وشى الخمائل
              وراحت له مرضى الرياح البلائل
وغادى بنوها العيش حلو الشمائل
              ولازال منا بالضحى والأصائل
سلام على تلك الميادين يقرأ
              ونقتطف الأبيات التالية من مخمسة له ثانية:
سقى جنبات القصر صوب الغمائم
              وغنى على الأغصان ورق الحمائم
بقرطبة الغراء دار الأكارم
              بلاد بها شق الشباب تمائمي
وأنجبني قوم هناك كرام
              ويوم لدى النبتي في شاطئ النهر
تدار علينا الراح في فتية زهر
              وليس لنا فرش سوى يانع الزهر
يدور بها عذب اللمى أهيف الخصر
                   بفيه من الثغر الشنيب نظام
ويوم بجوفي (الرصافة) مبهج
              مررنا بروض الأقحوان المدبج
وقابلنا فيه نسيم البنفسج
               ولاح لنا ورد كخد مضـرج
نراه أمام النور وهو إمام
                                          -*-
2- والشاعر الغربي الآخر الذي اخترناه من شبه جزيرة الأندلس، حديث، هو (بابلو بيفيرير) الذي عربنا له (أنشودته عن الربيع، ويجد القارئ الكريم نصها في (ديوان المجلة) من مجلته المحبوبة (دعوة الحق) الغراء.


1-  يراجع: Najib Fllah : Islamie Littérature,PP227,233-4,313-4,338
2 -تراجع (قصيدة الربيع) للشاعر محمد إقبال ترجمة الأستاذ عبد الوهاب عزام. رسالة المغرب عدد 140 السنة 11 شعبان 1371 مايو 1952.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here