islamaumaroc

حقائق ومعجزات كونية في سورة الرعد -1-

  دعوة الحق

172 العدد


- ألمر:

هذه حروف من حروف الهجاء، ابتدأت بها أربع عشرة سورة  من القرآن الكريم، إحدى عشرة مكية لا خلاف فيها، وسورتان مدنيتان وهما البقرة وآل عمران، ومنها مختلف فيها هل هي مكية أم مدنية، وهذه السورة هي "سورة الرعد".

آراء العلماء فيها:

1) الحسن البصري وعكرمة وغيرهما يرون أنها مكية.
2) قتادة والكلبي وابن عبادة  في رواية أنها مدنية.
3) الحافظ ابن كثير وهو من العلماء الذين يقتفون الأثر والسند يقطع بأنها مكية، ولم يثر خلافا، فكأنه يجزم بأنها مكية. 
 
بيان الحقيقة على ما تقدم:

والذي يقرأ آيات السورة يستطيع أن يعرف حقيقة السورة هل هي مكية أم هي مدنية، وذلك لأن الآيات التي نزلت بمكة تتعرض لبيان العقيدة، وأصل الدين والبعث والحشر والحساب، ثم بيان ما ينعى به الله على المشركين من عيوب يقعون فيها، أما الآيات التي نزلت في المدينة فإنها تشتمل على بيان النظم التي تقوم عليها الحكومة الإسلامية والمعاملات ونظم الأسرة، وتتعرض قليلا لبيان العقيدة، والإشارة إلى إعجاز القرآن، واثبات قدرة الله على البعث كما كان قادرا على الإنشاء، وأما ما يتصل بهذه الآيات من التعريض للناحية الأخلاقية فلكي يقرر الأخلاق الفاضلة، وأن المشركين كانوا على خلافها، ولم يسلكوا سبيلها، وعلى ذلك فقد استقر الرأي على أن هذه السورة مكية.
((المر)) اختلف العلماء في تفسيرها:
1) فريق توقف وقال هذه من المتشابه الذي اختص به علم الله، فهو داخل في قوله تعالى:((ولا تقف ما ليس لك به علم))، ومحاولة تفسيرها يدخل فيما نهي الله عنه، ولا يصح للإنسان أن يخوض في شيء لم يصل إليه علمه، ولم يرد لنا نص صريح ولا قول صحيح من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين عاشروه ورأوه يفسر لنا معنى الحروف، وهذا مسلك سلفي.
2) وهناك رأي ثان لبعض المفسرين، وهو أن  هذه الحروف هي أسماء للسور. وهنا يرد على الخاطر سؤالان:
أ‌- لماذا سميت السور بهذه الحروف؟
ب‌-  لم اختصت هذه السور بهذا الاسم؟
أولا: يقول الطبري وهو من علماء الأثر: أن المشركين من قريش كانوا إذا استمعوا للقرآن أحسوا بميل إليه وانجذاب نحوه، حتى أن بعضهم لما سمعه من الرسول قال:ّ"والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر. ما يقول هذا بشر" . فتعاهدوا فيما بينهم على عدم الاستماع إليه وقالوا: ((وقال الذين كفروا لا تسمعوا  لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون)) !!
فأنزل الله  سبحانه وتعالى هذه الآيات، فكان النبي يقرؤها: "أ ل م ر" بأعلى صوته، فكان المشركون يتساءلون فيما بينهم ويقولون: ماذا يقول محمد؟ هل جن؟ وحينئذ يدعوهم حب الاستطلاع إلى السماع إليه، فكانوا يسمعون حيث لا يشعرون.
هذا تعليل ذكره ابن جليل، ولكنه لم يعجب الحافظ ابن كثير، وقال:" كان يكون ذلك صحيحا لو أن كل هذه السورة مكية، ولكن الأمر على خلاف ذلك.
ولكننا نرضى بذلك التعليل لأمور منها:
1- إن أغلب هذه السورة مكية.
2- الجزء الذي يتبع هذه الحروف مباشرة يتعلق بالقرآن نفسه وبالعقيدة.
3- لا مانع أن يكون بدء هذه السورة نزل بمكة.
ثانيا: أجاب الزمخشري بتعليل آخر مستمد من العلوم البلاغية، فقال:
أ‌- ذكر هذه الحروف لبيان قوة التحدي في القرآن، وذلك كأنه يقول: الذي عجزتم عن الإتيان بأقصر سورة من مثله، أو بعشر سور مثله مفتريات مكون من حروف طالما كررتموها واستعملتموها في كلامكم.
ب‌- وأجاب الزمخشري على هذا السؤال بأن الأسماء لا تعلل، كما إذا سميت أولادك بأسماء مختلفة، فلا يصح لأحد أن يطلب منك تعليلا لهذه الأسماء.
"تلك" إشارة إلى السورة كلها، وإنما أشار إليها بالبعيد للدلالة على علو قدرها في نفسها، فإن الإشارة للبعيد كما تدل على البعد الحسي تدل على البعد المعنوي لسمو المكانة وارتفاع المنزلة. ّ آيات الكتاب" المراد هنا الآيات المتلوة، ومعنى الآية في اللغة العلامة، وقد تطلق الآية في العرف الإسلامي على المعجزة التي تدل على الرسالة، كآية موسى وآية عيسى وآية إبراهيم، وقد تطلق على الآيات الكونية كقوله تعالى: ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم))، وتطلق على الآية القرآنية المتلوة، وعلى الآية القرآنية من حيث أنها دالة  على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلامة على رسالته المقدسة، وإضافة الآيات للكتاب تدل على أن المراد الآيات القرآنية ولو أنها أضيفت إلى الكون لكانت آية كونية، ولو أضيفت إلى النبي لكانت معجزة، وإضافة الآيات إلى الكتاب من باب إضافة البعض إلى الكل، كما تقول خاتم حديد، أي خاتم من حديد في "تلك آيات الكتاب" أي –آيات من الكتاب- والمراد بالكتاب على هذا المعنى القرآن كله، وتعريف الكتاب بال هنا للدلالة على كمال رفعته، كأنه لا كتاب سواه.
وبعض المفسرين يقولون أن المراد من الكتاب السورة، وتكون إضافة الآيات إلى الكتاب إضافة بيانية، أي تلك آيات هي الكتاب، وإنما سميت السورة بالكتاب-مع كمال ما اشتمل عليه اللفظ من علو-للإشارة إلى أن كل سورة من القرآن تعد كتابا كاملا في ذاتها، بحيث يصح أن يطلق عليها وحدها اسم الكتاب الكامل "والذي أنزل إليك من ربك" الواو هنا للعطف، والعطف وصل الكلام ببعضه ببعض، والأصل في الواو أن تكون للعطف كما هي هنا، والمعطوف عليه في هذه الآية هو "الكتاب"، أي تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك. أو نقول أنها معطوفة على آيات، أي" تلك آيات الكتاب، وهذه الآيات هي الذي أنول عليك من ربك بالحق، ويكون على هذين الإعراب ين كلمة "الحق" خبر مبتدأ، ويكون السياق هكذا (الله المثل الأعلى) تلك آيات الكتاب الذي يعد مفردا في منزلته، وهو الأمر الذي أنزل عليك من ربك، وإذا كانت هذه الآيات هي الجديرة وحدها أن تسمى كتابا، ولها فوق ذلك شرف إضافي باعتبار أنها منزلة من الله
- إذا اجتمع لها هذان الشرفان (الإضافي والذاتي)
فهي وحدها الحق، هذا هو السياق على تقدير أن الواو عاطفة عطف مفرد على مفرد.
وهناك تخريج يقول أن الواو للاستئناف، ويكون قوله "والذي" مبتدأ "والحق" خبره، ويكون سياق الكلام هكذا (تلك آيات الكتاب الرفيع الشأن الذي لا جدير باسم الكتاب سواه، وهو أنزله الله عليك).
وكيفما كان التخريج النحوي فالجملة الأولى تدل على ما في السورة والكتاب من شرف ذاتي، بما اشتمل عليه من عظات وعبر، أو اختص به من أسلوب محكم لا يستطيع أحد أن يأتي بسورة منه ولو مفتراه، والجملة الثانية تدل على شرف إضافي، وهو أنه من عند الله العزيز العليم اللطيف الخبير، ثم تدل الثانية على أنه يتوج هذين الوصفين أنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ويقول البيضاوي في تفسيره: إن الجملة الثانية تعد دليلا للجملة الأولى، أو تشبه الدليل، لأن الجملة وصفت الكتاب بأنه الكتاب المفرد الذي لا يصح أن يسمى كتاب سواه، والجملة الثانية بينت السبب في ذلك،  وهو أنه من عند الله سبحانه وتعالى، وما يكون من عند الله فلا يكون له مثيل قط. ولكن التخريج الذي ذكرناه لعله يؤدي إلى معنى أكمل مما يشير إليه البيضاوي، لأننا نريد أن نقول: أن الجملة الأولى تدل على كمال القرآن بما اشتمل عليه، والجملة الثانية تدل على كمال القرآن لفضل منزلته، ويزكى تخريجنا أن الواو العاطفة تبعد أن تكون الثانية تعليلا على صحة الأولى، وذكرها بواو العطف لإتيان الشرفين للقرآن: "والذي أنزل إليك من ربك" والتعبير في صلة الموصول بأن الإنزال للنبي من ربه من قرآن كريم دليل على كمال عناية الله بنبيه وعلى عناية الله بكماله، وعلى أن هذا الكتاب هو الحق، "ولكن أكثر الناس لا يؤمنون" أي أن القرآن ـ ذلك الشرف الذاتي وذلك الشرف الإضافي ـ هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ كان يقتضي أن يؤمن به الناس جميعا أو أكثر الناس إيمانا لا ريب فيه ولا مجال للشك فيه، والاستدراك يدل على أن الحكم الذي يعقب أداة الاستدراك مغاير لما سبقه، لأن ما سبقه يقتضي الإيمان المطلق من الناس جميعا أو أكثرهم، ولكن الحكم الذي أعقبه كان نقيضه. "الناس" يقول المفسرون المراد بهم كفار أو مشركي مكة، لأنهك هم الذين كانوا يخاطبون أولا بالقرآن عند ما كان الرسول بمكة، ولأنهم هم الذين تعجبوا من أن يكون هناك بعث أو نشور، كما دل على ذلك قوله تعالى: "وأن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا إنا لفي خلق جديد"، وهم الذين طلبوا إنزال عذاب من السماء إذا كان نحمد رسولا، كما يدل على ذلك قوله ((ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات))، وهم الذين كانوا يطلبون آية غير القرآن كتفجير الأنهار، كما يقول الله تعالى((ويقول الذين كفروا لولا انزل عليه آية من ربه))، ((لا يؤمنون)) ومعناها ليس من شأنهم الإيمان والإذعان، فنفي المضارع غير نفي الماضي، لان نفي الماضي حكم مجرد بعدم الوقوع في الماضي، أما نفي المستقبل فحكم بعدم الوقوع في الماضي والمستقبل، فهذا بيان للدلالة على أنهم لم يؤمنوا في الماضي، وهذا دليل على أنه لا يرجى منهم إيمان في المستقبل، والآية على هذا تشير بأن الناس قسمان: قسم من شأنه الإيمان، وقسم ليس من شأنه الإيمان، والقسم الأول هو الذي لم تحط به خطيئته، وأما القسم الثاني فهو الذي أحاطت به خطيئته وغلبت عليه شقوته، فكأن الحق لا يصل إلى نفسه لما أحاط بها من غشاوة الشهوة، فكأن أصحابها لا يعقلون.
وبعد أن بين المولى سبحانه وتعالى مقام الكتاب الكريم وأن من شأنه أن يحمل الناس على الإيمان به إذا كانت لهم قلوب تدرك، ولكن أكثر الناس لم يؤمنوا لأن الإيمان لم يكن شأنا من شؤونهم، وقد بينا أن النفوس قسمان: نفوس تذعن بالحق وتؤمن به، ونفوس قد غشى الله عليها-بأغشية من الشهوات، فتركت الحق ولم تهتد إليه- بعد ذلك أخذ المولى يسوق نظم الكون وآياته، مبينا أن كل آية من شأنها أن تحمل الناس على التفكير في عجائب صنعه، فقال:((الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها)) صدر الكلام بلفظ الجلالة لتربية المهابة في النفس، وليحس القارئ بالجلال والعظمة للمنشئ لهذا الكون، ولأن معنى "الله" الذي لا معبود بحق سواه، وكان هذا التصدير بمثابة القضية أو الحكم ثم سوق البرهان بعده، والكلام الآتي هو بمنزلة  الدليل على ذلك الحكم وبرهان عليه. "رفع السموات" " رفع" هذا تعبير نسبي، أي رفع  السموات بالنسبة لنا نحن معشر سكان الكرة الأرضية، وذلك لأننا نرى السماء بعيدة عنا بعدا رأسيا، " بغير عمد" العمد جمع عمود، وقد تكون جمعا لعماد ككتاب وكتب، وعضهم يجعل عمدا اسم جمع أي مفرد وفي معنى الجمع، ولكن الظاهر غير ذلك، اننا لما رأينا السماء متماسكة أجزاؤها ومتينة وقوية فلا تنطبق على الأرض   ، ولا يحدث فيها أي خلل-طننا أو خيل إلينا قائمة على أعمدة فقال الله، وهو القدير على كل شيء " رفع السموات بغير عمد"، دليل على عظمته وقدرته، وجبروته. "ترونها" هذه الجملة قال بعضهم أنها استئنافية للدلالة على المنفي أو لإثبات النفي، والمعنى أن الله رفعها هكذا، أي قدرة الله رفعتها، ويصح أيضا تخريج الآية على أساس أن (ترونها) حال من السموات، ويكون المعنى، الله الذي رفع السموات بغير عمد مرئية لكم، واعتبارها صفة لعمد يكون النفي للرؤية على سبيل الإدراك، لأن الأسلوب العربي في الموصوف من المنفي يكون النفي منصوبا على الصفة لا على ذات المنفي، فتكون الآية على هذا الوجه دالة على أن الله لا ينفي وجود العمد ولكن ينفي رؤية العمد، إن الله سبحانه وتعالى ربط السموات والأرض برباط محكم دقيق، ونظم الكون وأوجده رابطا له، وان كنا لا نراه ولا نحسه، وهذه القوة الرابطة بين الأفلاك وبين الأرض والسموات هي التي بفكر العلماء في تفسيرها، فقال بعضهم إنها الجاذبية، وقال آخرون إنها النسبية ولكن مهما يكن قول القائلين فإن الروابط للأفلاك والسموات والأرض حقيقة ثابتة لقدرة الله.
"ثم استوى على العرش" هذا التركيب كله كناية عن سلطان الله الكامل على الكون، إذ يصح أن نقول أن في الكلام استعارة تمثيلية، شبه الله سلطانه الكامل على الكون يدبره أعظم تدبير ويفصل آياته أعظم تفصيل، شبه هذا بمن يجلس على عرش ويستولي على مملكة. ويدير أمرها، هذا هو المعنى الذي يفهمه القارئ من غير أن يطلع على كلام الخلف أو السلف، وإن كان هناك كلام آخر في مثل هذه الآية، من ادعاء أن هناك رأيا للسلف يقول: هناك عرش واستواء لا نعلم حقيقتهما، والخلف يقولون أن هناك عرشا، ومعنى الاستواء عليه الاستيلاء.
ونحن نرى مما ذكرنا أن الجملة تدل على كمال سلطان الله في الكون، وأنه بعد أن خلقه وأنشأه من العدم كان له كمال السلطان فيه، يدبر ويفصل آياته، ويعلم خفاياه فلا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض    ولا في السماء، بقي التعبير بثم وهذا للدلالة على عظم خلق السموات و الأرض   ، وعظم سلطان الله عليهما، وكأن هذا يشير إلى أن السموات- لعظم وجودها وتباعد أطرافها وتماسك أجزائها وإبداع نظامها- كانت تحتاج هي في ذاته إلى وقت، بحيث يتراخى التكوين عن السلطان، ولكن الذي خلقها هو الذي إذا قال للشيء كن فيكون، فعظمها وتباعد أطرافها-وإن كان الظاهر للناس أنه يتراخى- قد خلق في ستة أيام، على ما سنبين معنى الأيام " سخر الشمس والقمر" الشمس والقمر هما الجرمان العظيمان اللذان يظهران لأهل الأرض   ، ويدرك الناس بعض تأثيرها في معاشهم وأمورهم، فالبقمر يعرفون مواقيتهم، وكان دليل العرب في صحراءهم ومعرفة أيامهم،  وهم الأميون الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، وبالشمس يعرفون مظاهر الجو، وما يترتب على ذلك من أمطار ورياح وما شابه ذلك، ولذلك كله أثر عظيم في معيشتهم، ولهذا خص هذين الجرمين بالذكر ليبين أنهما خاضعان لسلطانه، وهو الذي ذللهما للناس. فقال: (( وسخر لكم الشمس والقمر)) أي ذللهما، وجعلهما يسيران على مقتضى لأجل مسمى" الأجل المسمى : أما أن نقول أنه الحركة التي تكون لكل واحد منهما في دورته الكاملة، أو نقول: الأجل المسمى هو الأجل الذي ينتهي عنده العالم، ولكن الرأي الأول أقرب إلى الصواب، وذلك لأنه عن الشمس والقمر ينشا الليل والنهار والفصول الأربعة، من شتاء ينزل فيه المطر فيحي الأرض    بعد موتها، وربيع ينبت فيه البذر وتخضر فيه الأوراق، وتكثر الأزهار و تغرد الأطيار، وصيف ينضج فيه الثمر، وخريف يجمع الناس فيه الثمار ويجنون فوائد صيفهم، "يدبر الأمر" أي أمر السموات والأرض، وعلاقة الأفلاك بعضها مع بعض، تدبيرا فيه الخير للناس جميعا والعوالم كلها. ويجب أن نتعرض هنا لإعراب هذه الآية فنقول:
1- " الله" مبتدأ، "الذي" خبره، ويدبر الأمر، يفصل الآيات، حالان أو استئناف بياني، ونحن لا نميل إلى هذا الإعراب ، وهو إعراب يخالف الإعراب  الثاني وهو:
2- "الله" مبتدأ "الذي" صفة، "يدبر الأمر"         
خبر، "يفصل الآيات" خبر بعد خبر، وهو رأي لبعضهم، ونحن نميل إلى هذا الإعراب ، لأن الإعراب  الأول معترض عليه، لأن القاعدة النحوية تقول: إذا اتحد المبتدأ والخبر في أداة التعريف، والتبس الخبر بالصفة وجب ضمير الفصل، اللهم إلا إذا قيل أن لفظ الجلالة أعرف المعارف كلها، فهو علم وليس معرفا بال، فعلى هذا الوجه لا اعتراض.
والمراد بالآيات هنا الآيات الكونية على رأي بعض العلماء، " ونفصلها" أي نعرفها ونبينها لكم لأجل أن تعتبروا وتؤمنوا بأن الذي أتى بها قادر على أن يعيدكم إلى حالة العدم كما كنتم، وبعض العلماء الآخرين يرى:
- أن المراد بها هنا الآيات القرآنية. ونحن نرجح هذا الرأي، ومعنى تفصيل الآيات القرآنية أن الله يصرفها ويوضحها، ويذكرها بأساليب شتى، لتوقنوا بهذا الدين الحكيم، ويكون تقدير الكلام هكذا:
الله الذي أنشا الكون ذلك الإنشاء البديع، فرفع السموات بغير عمد ترونها، وسخر الشمس والقمر، وجعل حركتهما لخير العالم وصلاحه، هو الذي يدبر الأمر ويفصل آيات القرآن الكريم الذي له المنزلة العالية ورفعة الشأن، وعلى ذلك تكون هذه الآية بمثابة التزكية للآية السابقة " لعلكم بلقاء ربكم توقنون" أي فصل هذه الآيات القرآنية وصنفها ذلك التصنيف الحكيم المعجز لتوجيه أنظارهم إلى عظيم ما انشأ وجليل ما أنعم، ورجاء أن تومنوا بلقاء ربكم، لأن الرضا من الناس مقصود، ولأن الرجاء هو طلب لأمر للإنسان مطمع فيه، ومثل ذلك لا يتصور من الله، ولذا قال العلماء :" إن (لعل) معناها هنا التعليل، وإن كانت لا تنقطع عن أصل معناها وهو الرجاء، والله سبحانه وتعالى ينبهنا إلى أن هذه الآيات فصلها لنؤمن، ولنجعل اليقين قريبا إلى قلوبنا، لكن القلوب عميت، والآذان صمت فلم ينتبه أحد إلى ذلك، ويجب أن نتعرض هنا لتعبير ورد في هذه الآية:
1- يقول عز وجل " لقاء ربكم" لماذا عبر بكلمة الرب هنا؟
لأنه هو الذي أنشأ وأوجد وربى هذا الكون، فهو يشعرهم بوجوب الإيمان، لأن الذي يطالبهم بالإيمان هو ذلك الذي له هذه الصفات المتقدمة، فهو قادر على أن يمحقهم إذا لم يؤمنوا.
2- لماذا عبر بكلمة " اللقاء" بدل البعث ؟؟؟؟اليوم الآخر أو الحساب أو النشور؟
لان كلمة اللقاء فيها تربية للمهابة في النفس وتحريض على الإيمان باليوم الآخر، لان لقاء الله يكون بعد قيام الناس من قبورهم للبعث، فيتوجهون لأجل الحساب، " وهو الذي مد الأرض   " بعد أن بين الله نعم آياته الكونية في السماء، برفعها من غير عمد وتسخير الشمس والقمر أم الأكوان-أخذ يبين نعما ظاهرة وباطنة، فقال : (( وهو الذي مد الأرض   )) أي بسطها وجعلها سهلة مبسوطة، ليسهل الانتقال فيها من مكان إلى آخر، فليست مضبوطة الاجزاء بحيث يكثر علوها وانخفاضها كثرة لا يسهل على الإنسان الانتقال فيها من إقليم إلى إقليم، بل جعلها ممهدة الاجزاء والمراد بالمد تعبيدها، حتى يسهل على الإنسان السير فيها راجلا أو راكبا لأن نظرية الأرض  أصبحت قضية بديهية، ولما ذكر بسط الأرض    تبادر إلى الذهن ما فيها من نتوء ومرتفعات، فقال: " وجعل فيها رواسي" وهي جمع الراسي وهي الجبال، وراسي تجمع على رواسي، لان فاعل تجمع على فواعل وسميت الجبال رواسي لأنها في أغلب أحوالها تكون صلبة لا تجري عليها عوامل المد والخسف، "وأنهارا" الأنهار مقابلة للرواسي، والتقابل من ناحيتين، وذلك لأن الأنهار تكون منخفضة لأن جريان الماء فيها، والمقابلة الثانية أن الجبال صلبة والمياه ليست كذلك، وهناك حكمة أخرى وذلك أن المياه التي تتساقط على رءوس الجبال تتكون منها الأنهار، ومن اجل هذا التقابل قرنت الأنهار بالجبال.
ثم بعد الأنهار ذكر ما يعد مسببا عاديا من الأنهار فقال: " ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين" ذكر المفسرون عدة أوجه لمعنى الزوجية، وقبل أن نبين هذه الأوجه نقول: إن معنى زوج يطلق على الاثنين المتقابلين، فما المراد إذا من زوجين؟ المراد هنا الزوج الواحد في مقابل الآخر أي " الشيئان المتقابلان"، والتأكيد باثنين لكي يبين للقارئ أن المراد بالزوجين الشيئان المتقابلان، وإنما عبر بالزوج هنا لرفع إبهام أن المراد بالزوجين اثنان، ولتعيين الإرادة واحد من اثنين متقابلين، فكلمة اثنين إذا لبيان معنى التقابل في الزوجية، وما معنى التقابل المراد؟ بعض المفسرين يرجح أن المراد من الزوجين المتقابلين التقابل في اللون والرائحة أو الطعم، فمعنى كلمة جعل من الثمرات زوجين اثنين: أي جعل بعضها أحمر وبعضها أبيض، وبعضها حلو وبعضها مر، وبعضها ذا رائحة زكية وبعضها غير ذلك، فمعنى هذه الآية للدلالة على الاختلاف والتشاكل، مع اتحاد الأرض    التي تنبتها، والشجرة التي تثمرها، والماء الذي يسقيها، وهذا يدل دلالة قاطعة على قدرة منشئها، لأنه أنشأها بإرادة  واختيار، ولم ينشأ عنه نشوء المعلول من علة، المسبب من سببه، لأنه لو كان كذلك لا تحدت، وما تقابلت وما اختلفت ولكن الاختلاف كان لأن المنشئ ؟؟؟ مختار.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here