islamaumaroc

الجالية الإسلامية في أوربا

  دعوة الحق

172 العدد

إن موضوع أبناء الجالية الإسلامية في أوربا لا شك أنه موضوع أخذ باهتمام كثير من الناس إلا أنه بالرغم من ذلك فهو ما يزال موضوعا يحتاج إلى العناية لأنه موضوع له من الحساسية ما يجعله من أهم المواضيع الجديرة بالدراسة والبحث.
إن العمال التجار من المسلمين الأفارقة والأسيويين يدخلون إلى أوربا بحثا عن العمل وطرق الكسب بعدما أتاحت لهم ظروف تلك البلاد العمل فيها والعيش بين أبنائها.
وعمالنا وتجارنا في غالب الأمر يكونون غير مصحوبين بأهلهم وأبنائهم في أول الأمر، لكنهم سرعان ما يتجرعون غصص الوحدة والفرقة وشقاوة العيش وخشونته وهم بعيدون عن أسرهم، وكل هذا يجعلهم يفكرون في استقدام الزوجة والأولاد، أو التأهل إن كانوا عزابا، وهكذا يصبح الفرد الذي ذهب وحده في أول الأمر رب أسرة في أوربا، ولاشك أن هذه الأسرة بقدر ما سدت فراغ وحدته ووحشته وخففت من متاعب وطأة غربته...بقدر ما سدت هذا الفراغ في حياة العامل أو التاجر المهاجر فهي قد عرضت الأسرة بكاملها للاندماج في المجتمع الأوربي المسيحي سواء كان العامل بفرنسا أو بلجيكا أو هولندا أو ألمانيا.
فالمهاجر أين ما كان أصبح هو وأسرته عرضة للذوبان في المجتمع الجديد وخاصة الأولاد الذين يولدون في المهجر، فآباؤهم وأمهاتهم وإخوانهم وأخواتهم الذين ولدوا بالوطن الأصلي كل أولئك كانت لهم معرفة بأحوال مجتمعهم، وكانوا قد تعودوا عاداته وتطبعوا على كثير من أخلاقه وعوائده.
أما الذين ولدوا بالمهجر وما أكثرهم فهم قد انفصلوا عن وطنهم الأصلي، ووجدوا منذ الولادة بوطن آخر، ومهما حاول الآباء والأمهات إضفاء روح وطنهم ودينهم على هؤلاء الناشئة فإنهم يظلون يجهلون الكثير عن وطنهم ودينهم ومجتمعهم.
وبطبيعة الحال أن هؤلاء المولودين في الخارج يحملون جنسية وطن آبائهم – في الغالب- وينسبون إلى دين آبائهم كذلك، لكن بالرغم من ذلك فإن البيئة الجديدة التي يعيشون فيها تجذبهم إليها بقوة تأثيراتها المختلفة فهم يدخلون إلى المدرسة صغارا ويتعلمون لغة المهجر وعوائده وأخلاقه وفي بعض المدارس يتلقى بعض هؤلاء الأبناء حتى مبادئ الديانة المسيحية التي تلقن لأبناء القوم هناك لأنهم ماداموا معهم ولم يقع التنبيه على أن الأطفال المهاجرين لهم ديانتهم الخاصة فإنهم يلقنون ديانة البلد الذي هم به أسوة بإخوانهم التلاميذ أهل البلد المهاجر إليه.
ومعنى هذا أن أبناء الجالية الإسلامية في البلاد الأوربية يصبحون عرضة لضياع مقوماتهم الوطنية والدينية والخلقية واللغوية.
ومما  يزيدهم ضياعا هو أن بعض الآباء والأمهات يتعمدون التحدث مع أبنائهم باللغة الأجنبية المستعملة في ذلك البلد، وبعض الآباء والأمهات لا يتعمدون ذلك ولكنهم يسايرون أطفالهم الذين يسهل عليهم التحدث بالأجنبية التي يقضون في تعلمها أوقاتا طويلة، في حين يصعب عليهم التحدث بلغة وطنهم الأصلية لأنهم
لا يستعملونها، أو لا يسمعونها إلا في فترات عابرة، وبهذا وذاك ينسى الطفل لغته وعوائده وأخلاق بلاده بالأحرى دين قومه.
.استضافني رب أسرة في مدينة ميلوز بفرنسا وهو رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب وزوجته كذلك وله سبع بنات كبراهن في السادسة عشر من عمرها وفي المنزل سلمن علي بالفرنسية وحاولت أن أحدتهن بالعربية الدارجة فلم يفهمن مني كلمة واحدة، فقلت للسيدة: ما هذا يا سيدتي ألست مغربية؟ فكيف بناتك لا يفهمن لغة وطنهم؟
وأخذت تعتذر وقالت أنهن علمنني اللغة الفرنسية وأصبحت لا أتفاهم معهن إلا بها ومشكلتي الكبرى هي عندما أزور أهلي ببلدي فإن بناتي لا يتفاهمن مع جدهن وجدتهن وخالتهن وأقاربهن ولا يتفاهمن إلا مع بعض أفراد الأسرة الذين يعرفون الفرنسية ثم تكلم الأب وقال لي:  إن مصيبتنا مصيبة وانحنى علي وهمس في أذني قائلا: عندما أخلو بك سأطلعك على ما يحز في نفسي.
وبعد خروج الزوجة والأولاد أخذ الأب يحكي لي قصته في تأثر بالغ وقال أنني في هذه الأيام كنت راجعا من عملي وصادفت أن ابنتي فلانة عائدة على دراجتها من المدرسة وكان أحد تلاميذ فصلها من الفرنسيين يتحدث معها ويركب دراجته موازيا لها، وعندما اقتربا من المنزل نزلا ووقفا في طريقهما وهما على درجتيهما وتحدثا طويلا حديثا ينم عن صداقة وتبادل العواطف...
لا أكتمك يا سيدي أنني شاهدت هذا المشهد وأنا أفكر في مستقبل ابنتي، وحز في نفسي أن تصبح ابنتي زوجة لمن ليس على دينها لأن الذي شاهدته قد يتطور إلى حب وإلى زواج وهذا شيء لا أستطيع الصبر عليه بتاتا، فقلت له: وفيما ذا تفكر إذن؟
قال: أفكر في بيع فلتي هذه التي تعبت في شرائها وتأثيثها وأنا على يقين بأن ثمنها لن يفي بشراء مسكن بالمغرب مع العلم أنني لست في حاجة إلى السكن فحسب بل في حاجة إلى مكان أزاول فيه مهنتي التي أصبحت ماهرا فيها، وهذه الصعوبات أفكر فيها وفي التغلب عليها وأجد أنه بالرغم من مكوثي بالمهجر أكثر من خمس عشرة سنة فإنني مازلت أفكر في الحصول على السكن ومكان العمل ببلدي.
وهذا الذي حدثني به هذا الأخ العامل ما هو إلا مثال من مئات الأمثلة.
وهذه الأمثلة في حاجة إلى دراسة اجتماعية ونفسانية وخلقية ،، وهذا المثال يعطينا الدليل على أن أبناء جاليتنا في الخارج يتعرضون إلى الانسلاخ عن جميع مقوماتهم بل هناك أمثلة أخرى أفظع من ذلك وخاصة منها بين إخواننا العمال الذين تزوجوا بأجنبيات حكى لي أحد الإخوان ببلجيكا وهو متزوج ببلجيكية أنه يعيش في دوامة وفي شقاوة بالغة، وسبب ذلك هو ما يتعرض له من تأنيب ضميره حيث أن له ستة أولاد مع هذه الزوجة الأجنبية منهم الإناث ومنهم الذكور، وعلى حد قوله: أنهم كلهم في حزب أمهم، وأن أمهم مسيحية متشبثة بمسيحيتها والبنت الكبرى الآن لها تسع عشرة سنة، وزوجته تصارحه بأنها لن تقبل أبدا أن تتزوج ابنتها "بعربي" أي مسلم ثم إن أولاده لا يسألونه إلا عن ممتلكاته في المغرب وكيف يمكن بيعها وجلب ثمنها إلى بلجيكا وهو بالرغم من وطنيته وحبه للدين فهو قد فقد كل سلطة على زوجته وبناته وأبنائه وهو من أجل هذا يعيش في دوامة وشقاوة وكثيرا ما تروج بخلده فكرة الانتحار، إلا أنه يراجع نفسه ويرى أن ذلك محرم في الديانة الإسلامية.
وهو يسأل عن الخلاص وعن المخرج من هذه الورطة، هذا مع العلم أن الابن الأصغر لا يتجاوز السنتين من عمره،،،
هذه أمثلة مما يتعرض له أبناء جاليتنا بالخارج وعلينا أن نحدد موقفنا من هذه المشاكل حقيقة وأن العمل بالخارج قد يدر علينا شيئا من العملة الصعبة وقد ننتفع به ماديا لكن المشكل يكمن في أن أبناء جاليتنا في حاجة ماسة إلى العناية بهم دينيا وخلقيا.
أما مشاكل عمالنا الذين يتركون أزواجهم وأبناءهم ببلدهم فهي مشاكل عديدة لا حصر لها منها أن الأبناء يربون بعيدا عن آبائهم، فكثيرا من الأطفال لا يعرفون آباءهم إلا معرفة عابرة ولذلك فهم عندما يزورنهم يمتنعون حتى من السلام عليهم، أما الزوجة المسكينة فهي تبقى أمدا طويلا بلا زوج يؤنسها ويتقاسم معها مشاكل الحياة ثم هي في نفس الوقت تتعرض لتأخير نفقتها التي تتلاعب بها ظروف شتى كتأخير البريد والصرف و و،،، وفي البادية يكون الأمر أفظع وأمر.
ثم أن العامل نفسه قد تشغله شواغل عن إرسال النفقة في المواعيد المحددة.
وهكذا تصبح الزوجة والأولاد والأسرة بكاملها عرضة لمشاكل أليمة وعويصة.
ثم إن العامل المهاجر الذي هو بدون أهل أو أسرة يتعرض لمشاكل عديدة منها أنه يعيش عيشة  قلقة غير قارة لأن حياته اليومية تفتقر إلى كثير من شروط الصحة والنظافة والنظام والاستقرار ثم إن العزلة قد توحي للبعض بأنه قد أصبح محررا من قيود الأسرة وبذلك يترك لشهواته العنان ويركب حبل الشهوات وخصوصا إذا اتصل بمن يزين له طريق الغواية،،
وبهذا يتضح أن اصطحاب الأسرة إل الخارج له أضراره وعواقبه، كما أن تركها بالوطن الأصلي له مساوئه وأخطاره.
وإذا كان الحافز العاطفي والبشري يدعو الإنسان ليكون مستقرا ومطمئنا ووسط أسرة فإن اصطحاب الأسرة إلى المهجر أو تكوينها هناك يصبح شيئا ضروريا بالنسبة للمهاجرين الذين تطول إقامتهم بدار الغربة.
وإذا أصبح ذلك ضروريا فمعناه التعرض لمشاكل تربية الأبناء في الوسط الغير الطبيعي بالنسبة إليهم.
ولذلك فإني أقترح ما يأتي:
أولا –وجوب إحاطة عمالنا وأبنائهم بجو إسلامي ووطني صميم,
وهذا يتجلى
1- في المحافظة على اللغة العربية والعناية بها ومن أهم مظاهر العناية بها حسن اختيار العناصر الصالحة لتدريس اللغة العربية في الخارج، وأول شروط هذه الفئة من المعلمين هو الخلق المتين والقدوة الصالحة، مع سعة الصدر وحسن معاملة التلاميذ وآبائهم. كل ذلك إلى جانب تربية دينية متينة وعادة مركزة ومتقنة.
2- في المحافظة على الدين: فلابد من العناية بدين أبناء عمالنا في الخارج وهذه العناية تتجلى في أن نهتم بمن يلقن لهم مبادئ دينهم الحنيف وشعائره وأخلاقه وفي تحفيظهم جزء من القرآن الكريم وأحاديث الرسول "ص" وعيون الأدب العربي لفهم لغة القرآن الكريم.
ثانيا- العمل على إيجاد المساجد الكافية، وأماكن الاجتماع كالأندية الثقافية والرياضية ورعاية الموجود من ذلك وإحاطته بجو إسلامي ووطني.
ثالثا- العمل على إيجاد مقبرة خاصة بالجالية الإسلامية حتى لا تختلط جثت موتى المسلمين بغيرهم وحتى يمكن لموتى المسلمين أن تجري عليهم الطقوس التي تفرضها عملية الدفن عند المسلمين من صلاة وترحم.
رابعا- لابد أن يكون بالسفارات والقنصليات مرشدون مختصون في الشؤون الدينية، وهؤلاء المرشدون يكونون بمثابة مفتشين لمن تسند إليهم مهمة التربية الدينية وهم في نفس الوقت يقومون بإلقاء محاضرات في التوجيه الديني والخلقي والوطني.
خامسا- وجوب عقد اتفاقيات مع الدول التي بها جاليات مغربية تتضمن احترام التشريع الإسلامي في الأحوال الشخصية بحيث يعتبر الزواج الشرعي زواجا في نظر محاكمهم، والطلاق طلاقا، وكذلك قضية الحضانة والكفالة والنفقة و و،،.
سادسا- تزويد الجالية الإسلامية بنشرات وجرائد ومجلات وكتب وطنية وإسلامية بكيفية دورية ومستمرة  حتى يشعر المواطن وهو بالخراج بأنه على اتصال دائم بوطنه.
سابعا-العناية بتقوية الدافعة للإذاعة الوطنية والعناية بتحسين برامجها حتى تسمع بوضوح في كل من فرنسا وببلجيكا وهولندا وألمانيا، لأنني لاحظت أن برامج الإذاعة الوطنية تلتقط بصعوبة هناك.
ثامنا- يجب اغتنام فرصة المواسم الدينية والأعياد الوطنية لإحياء ذكرياتهم وأداء شعائرها، حتى يشعر المواطن بمتانة الروابط التي تربطه ببلده وذلك في مثل شهر رمضان المعظم، وذكرى الهجرة النبوية وعيد المولد النبوي، وذكرى الإسراء والمعراج وذكرى نزول القرآن وغزوة بدر، والحديبية. وفتح مكة، والأعياد الوطنية كعيد العرش المغربي، وعيد الاستقلال..وعيد الشباب.
تاسعا-: تكوين جمعيات كشفية لأبناء العمال في الأماكن التي بها عدد لا بأس به من المغاربة ويكون المشرفون على هذه الجمعيات ممن يحسنون التوجيه الديني والخلقي والوطني.
وتقوم هذه الجمعيات بتبادل الزيارات على أساس أن تكون اللغة العربية هي لغة التخاطب وعلى أن يعقد من حين لآخر اجتماع عام يضم جميع الجمعيات الكشفية حتى يحصل التعارف بين أبناء الوطن الواحد الذين هم رجال الغد وعمدة المستقبل.
عاشرا- إحداث مباريات فنية وأدبية بين أبناء العمال وخاصة في ميدان الرسم والقصة القصيرة باللغة العربية وفي بعض الألعاب الرياضية.
الحادي عشر- إحداث جمعيات نسائية بين نساء العمال وبناتهم يكون من وظيفتها العناية بالشؤون الاجتماعية ورعاية الأطفال والعناية بالأسرة المسلمة، والمرأة التي هي محور الأسرة.
إن مثل هذه الإجراءات يمكن لها أن تعيد للمواطنين بالخارج ولأبنائهم التشبع بروح المواطنة وروح الإسلام والتقاليد القومية العريقة.
وبما أن العناية بأبناء العمال تأتي في الدرجة الأولى من حيث الأهمية فإن الرعاية والتوجيه ينبغي أن يركز على ما يتعلق بإنقاذ أبناء عمالنا في الخارج من براثن المسيحية ومخالب الإلحاد وبراثن التنكر للروح القومية الدينية.
وبما أن الجالية الإسلامية أصبح عددها يتكاثر وهو في ازدياد مطرد فإنه من الواجب على كل دولة إسلامية أن تولي العناية بأبنائها  الذين هم خارج الوطن وأن تسرع بتلبية رغائبهم في الحفاظ على دينهم ودين أبنائهم وعلى مقوماتهم...حتى لا يذوبوا هم وأبناؤهم في مجتمعات ومعتقدات مغايرة تمام المغايرة.
خاصة وأن عمالنا يشعرون بكل هذا ويتحسرون ولذلك فهم يطالبون باستمرار العون والمساعدة من حكوماتهم من أجل أن يحتفظوا بمميزاتهم الدينية والوطنية.
وأرى أنه من الواجب أن تلبى هذه الرغبة وأن تستغل قبل فوات الأوان، لأنه بمضي الزمن ومع مختلف التأثيرات قد يأتي وقت تنطفئ فيه هذه الرغبة –لا قدر الله- وبذلك نخسر عددا كبيرا من أبنائنا وفلذات أكبادنا في الوقت الذي كان من الواجب علينا أن نكسب عددا مهما من بني الإنسان، وأن نبشر بديننا الحنيف حتى يسعد به أكبر عدد ممكن من أبناء البشر.
هذه ترجمة وجيزة لبعض مشاعر عمالنا بالخارج نحو دينهم ووطنهم ورجائي أن تجد آذانا صاغية وقلوبا متفتحة، والله الموفق والهادي للرشاد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here