islamaumaroc

أصول السلفية المعاصرة

  دعوة الحق

172 العدد


تقديم:
لكل مجتمع مذهب يدين به ويربط أعضائه ولكل مذهب أصول وفلسفة وإديلوجية يجري المصلحون وراءها ليطوروا مجتمعهم كما أن لكل مذهب أصوله وفلسفته وتحليلاته وأهدافه وهندسته...فما هي الحركة السلفية؟ وما هي أهدافها؟ وما هي أصولها وفلسفتها وبنيتها وهندستها؟ ذلك ما يجمله هذا البحث

أصول الحركة السلفية:
كانت الخلافات السياسية والانقسامات المذهبية التي حدثت بعد مقتل الخليفة الثالث رضي الله عنه في حاجة إلى البحث عن أسلوب سياسي وفلسفي لتأييد آرائها وعرض حججها. ولذلك فإن كل فريق من المسلمين دفعهم وضعهم السياسي إلى اتخاذ مواقف مذهبية لتأييد دعواهم في فهم الإسلام، فاعتدل المرجئة ولم يقروا إلا الوحدانية بينما كون الشيعة فلسفة تعتمد على الولاء المطلق للإمام علي، واعتباره المرجع الوحيد في تأويل الشريعة الإسلامية ورشحها، فكانوا دعاة الحكم الفردي، وكان الإمام عندهم معصوما من الخطأ، ولذلك فهو لا يخلع، وإذا غاب فله رجعة وقد كان الشيعة نظرا لانهزاماتهم السياسية ثائرين  فكريا ومناصرين للمعتزلة والفلسفة اليونانية، والاجتهاد، وتغذت الخلافات المذهبية بالفلسفة اليونانية والهندية والفارسية والغنوصية والأفلاطونية الحديثة وتجاوزت النطاق النظري إلى الفلسفي والديني، حيث ظهر الخلاف بين أصحاب الاختيار وأصحاب الجبر، وانعكس ذلك على الميدان السياسي فحكم بالإعدام على الجهثي وغيلان الدمشقي، لأن فكرة (الاختيار) تحمل مسؤولية عمل الإنسان بخلاف فكرة (القدر)، وقد اختار أهل السنة مذهب الاختيار فكان موقف (السلفية الأولى) هو الاختيار الأشعري، ومن هنا ظهر اتجاه السلفية السنية واضحا في مفهوم مسؤولية الإنسان، كما ظهر مذهب الاعتزال على يد واصل بن عطاء ليقر بالمنزلة بين المنزلتين وليستعين بالفلسفة اليونانية فتسرب الفكر الفلسفي وبرزت الفلسفة الإغريقية واضحة كاملة على يد أول فيلسوف مسلم (الكندي)، ومن هنا تعرضت العقيدة الإسلامية للتحريف والخضوع للعقلانية ثم جاء تلميذ الكندي (السرخسي) وابن الرواندي الذي مجد العقل، متأثرا بالمانوية والثنائية، ثم الطبيب أبو بكر الرازي (ت932) الذي يعتبر من أكبر المتأثرين بالفلسفة اليونانية والحرانية والصابئية على أن الفلسفة اليونانية برزت واضحة باحثة عن التآلف مع الدين عند الفارابي باعث الأفلاطونية ومجددها، وعند ابن سينا ثم عند إخوان الصفا ثم في ظهور الفيثاغورسية الروحانية الشرقية التي استوعبت الفلسفة الهلينية والفكر الشرقي الإشراقي.
والحق أن الفكر الفلسفي انتصر انتصارا كبيرا، وبرز كتاب لامعون ليذيعوا هذه الثقافة الفلسفية، كأبي حيان التوحيدي، وابن مسكويه ويحي بن عدي، وقد كان الغلو في تقدير العقل سبب ظهور فلاسفة مسلمين كالأشعري الذي رد على المعتزلة، والباقلاني، والجويني، والشهرستاني وأخيرا الغزالي الذي قوض صرح الفلسفة اليونانية...وساعده عصره الذي سئم من غلواء العقل، فبدت طلائع التصوف الإسلامي على يد الحسن البصري ورابعة العدوية والمحاسبي والجنيد وذي النون وإبراهيم بن الدم.
وظهر تصوف آخر انطلق من التأثير الهندي والغنوصي واليوناني تزعمه اليسطامي، ثم الحلاج، وبجانب تصوف الغزالي ظهر تصوف ابن عربي المتأثر بالغيبيات المسيحية...على أن الأندلسيين ساهموا في خلق خط فلسفي آخر. على يد ابن طفيل وابن رشد المدافع عن المشائية نهضة أوربا..ووجد الفكر الشرقي في الفلسفة الاشراقية هدفه، وجاء السهرودي الذي مهد في مؤلفاته لنقد المشائين وجاء الشيرازي بعده، ثم دخل الفكر الإسلامي إلى مرحلة من الركود، وأخيرا رجع الفكر الإسلامي إلى العقيدة بعد متاهة طويلة وذلك على يد الإمام الغزالي الذي حاول العودة إلى السلفية، ولكنه مزجها بتصوف لم يستسغه السلفيون المحدثون كالقاضي عياض الذي نقد الغزالي نقدا لاذغا، وأدان مذهبه وجر المرابطين إلى مناهضة دعوته وإحراق كتبه.
والحق أن الغزالي واجه الأفلاطونية الجديدة الغربية بحملة عنيفة جدا، وأقر الغزالي المنطق والرياضيات لأنها لا تضر بالإسلام في رأيه، بخلاف العلوم الطبيعية وما بعد الطبيعة...وهكذا دعم المنطق لكنه مكن للشك في العقل بنقده للأصول الفلسفية، ونجح الغزالي في تقويض الفلسفة اليونانية. وبدأ اتجاه جديد للرجوع إلى الظاهرية وحرفية النص...وتزعم هذا الاتجاه الإمام أحمد بن حنبل وابن حزم، وابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب (البلقيني) وشاهد القرن الثالث عشر انحلال الحركات الكلامية والتراجع إلى السلفية على يد علماء مفكرين مثل النفى (1310) والايجى (1355) والتفتزاني (1390) والجرجاني والسنونسي (1490) والدواني والبرقلي، واللقاني، والباجوري، وأخيرا محمد عبده في الشرق ودافع عن الحركة السلفية. ودعا إلى تصحيح المفاهيم الإسلامية، ونظرته للإنسان والمجتمع نظرة جديدة كل من الأفغاني ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي ورشيد رضا وعبد الرزاق السنهوري، وعبد العزيز الثعالبي وعبد الحميد بن باديس والشيخ أبو شعيب الدكالي.
كما ظهر اتجاه ثان هو رفض مطلق للمنهج العقلي، والبحث عن الحقيقة عن طريق التصوف أي (الذوق) و(الكشف) وهذه هي الفلسفة الإشراقية، أي التأمل النظري للوصول للمعرفة بخلاف الصوفية فهي المحارسة العملية للدين... فالغزالي كان رائد الاتجاه السلفي، ولكن مع الأسف أخذه التصوف المطلق أما (السلفية إذا ثورة على الثورة). وهي السلفية ثورة وتمسك بالأصل، ثورة على  التحريف ورجعة إلى الأصل بمفهوم (شوائرية دينية).
ولقد حمل لواء الرجوع إلى السنة أمام الظاهرية ابن حزم، فرفض القياس ومذاهب الكلام الاعتزالية والأشعرية وغيرها. وبعد ابن حزم المولود 994م أي بعد قرنين جاء ابن تيمية سنة 1262 فحمل على الفلسفية اليونانية والعربية، ودعا إلى  نهج (السلف الصالح) على أساس الاعتماد على  القرآن والحديث والإجماع ثم جاء بعده السلفي الإمام ابن القيم، ثم محمد بن عبد الوهاب فأكد الدعوة والرجوع إلى السلف الصالح، ويعني به (الجيل الأول من المسلمين) وأعاد إلى السنة نقاءها الأصلي فكانت سلفية ضد الظاهرية، وجاء (الرازي 1149) وهو غير الطبيب أبو بكر...فشرح مذهب ابن سينا في كتابه (الإشارات) وعيون الحكمة، وقد اعتمد الفلسفة بمنهجها الفلسفي مع بعض التازلات وبعده (الطوسي) المدافع عن ابن سينا، والذي ذكر في كتاب الذخيرة ردا على تهافت الغزالي، إن كتاب الرازي في شرح فلسفة ابن سينا يعتبر (جرحا لابن سينا لا شرحا له).
وانهزمت الحركات الكلامية بالرجوع إلى السلفية في القرن 13 على يد النسفي والإيجي والتفتزاني والجرجاني، وأفضى الصراع بين الغزاليين والفلاسفة إلى تكوين اتجاهين صوفي وسلفي...ولم يلبث أن انتهى الفكر الإسلامي إلى ملاءمة كاملة بين الدين والشريعة، على يد المفكرين الإشراقيين لا على يد المتصوفة فمهد هؤلاء جميعا الطريق لظهور حركة "التجديد، وبرزت هذه  الحركة في بلاد فارس على يد صدر الدين الشيرازي ثم ظهر بعد ذلك جمال الدين الأفغاني (1839) الذي دعا إلى السلفية ونقلها إلى المجال السياسي العلمي، ونشر مجلة (العروة الوثقى) داعيا في سلفية إلى التجديد، ومدافعا عن الخلافة الإسلامية والوحدة الإسلامية ودور الدين في ميدان المدنية والرقى، والتركيز على الإسلام بالضبط لأنه دين العقل، ثم خلفه محمد عبده فيلسوف السلفية الديني.
ويعتبر جمال الدين الأفغاني رائد التجديد والسلفية المعاصرة فقد تصدى للرد على الإلحاد والرد على الاشتراكية والإلحاد المادي والباطنية (الإسماعيلية) ويرى الأفغاني أن (فولتير) و (روسو) أحييا المذهب المادي الدهري الذي نادى به أبوقروس، وكانا سبب الثورة الفرنسية، التي أنقد نابليون فرنسا من شرها، وينتقد الأفغاني العدميين (النهيايست) والاجتماعيين (السوسيالست) والاشتراكيين (الكومنست) وتشاءم في نجاحهم، لأنهم مقرضو الحضارة الإنسانية. وجاء محمد عبده المربي الأكبر ليركز السلفية. كما ظهر احمد خان بالهند، والأمير علي، ومحمد إقبال ليركزوا جميعا على عنصر التجربة في الدين ووجود الله ونظام العالم. والنزعة الاستغرائية في الثقافة الإسلامية، على أن الشرق يعتز بالسلفي الكبير محمد عبده ورشيد رضا...والقاسمي، كما اشتهر في المغرب الشيخ أبو شعيب الدكالي ومحمد السائح وقد ظهر مجددون معاصرون سلفيون كسيد قطب ومحمد البهى والعقاد، ووجدت الفلسفة الإسلامية في الوجودية عند (بدوى) والشخصانية عند (حبشى) والوضعية عند (نظام نجيب).
ثم ضعفت السلفية ولم تتوقف رغم أصالتها في تقديم صورة شاملة عن الإسلام، ووضع الحلول العملية لمشاكله العقائدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بصفة تستجيب لمتطلبات المرحلة وضرورات التطور.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here