islamaumaroc

بحث في القراءات القرآنية التي تحدث عنها الزمخشري في تفسيره (الكشاف).-7-

  دعوة الحق

172 العدد

26-"وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، وأتوا به متشابها، ولهم فيها أزواج مطهرة، وهم فيها خالدون."
في هذه الآية أمر بالتبشير وهو موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى كل مخاطب يذيع هذه الحقيقة وينشرها.
وقد حاول الزمخشري أن يظهر الربط بين هذا الأمر وبين ما قبله في الكلام فذكر أن الغاية من هذه الآية شفع البشارة بالإنذار وعطف الجملة التي تصف المؤمنين على الجملة التي تصف عقاب الكافرين ولهذا لم يكن من اللازم أن تكون مسبوقة بأمر أو بنهي وأتى بالمثل الآتي تثبيتا لرأيه وتأييدا لتوجيهه وهو قوله: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمرا بالعفو والإطلاق ثم قال ويمكن أن يكون سياق الكلام طبيعيا وفيه عطف أمر على أمر وحينئذ يكون معطوفا على قوله تعالى فاتقوا كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم.
وكلا التأويلين مرتبطان بصورة هذه القراءة المشهورة وهناك قراءة لزيد بن علي رضي الله عنه لم تجعل هذه الجملة طلبية ولكنها جعلتها إخبارية فقد قرأها بجعل الفعل ماضيا مبنيا للمفعول معطوفا على أعدت والبشارة حينئذ تكون مرتبطة بالأخبار الواردة في حق المؤمنين الصالحين المبشرة لهم بالجنة في شتى المناسبات.
ومما يثير الانتباه اللغوي في هذه الآية قوله تعالى ولهم فيها أزواج مطهرة فقد وردت في الآية المتداولة من غير تطابق بين الصفة والموصوف ووردت على قراءة زيد بن عللي بالمطابقة فقد قرأها ولهم فيها أزواج مطهرات.
وبناء على ورودها مفردة قال الزمخشري: فإن قلت فهلا جاءت الصفة مجموعة كما في الموصوف قلت هما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلن وهن فاعلات وفواعل والنساء فعلت وهي فاعلة ومنه بيت الحماسة:
وإذا العذارى بالدخان تقنعت    واستعجلت نصب القدور فملت(2)
وعليه فإن المطابقة حسب ما قرره الزمخشري يظهر أنها غير لازمة مع جمع التكسير إذا كان للمؤنث العاقل مثله في ذلك مثل الجمع إذا كان لغير العاقل وهذا أمر لم تنبه إليه كثير من الكتب التعليمية فهي لا تتحدث عن جواز المطابقة وعدمها إلا مع الجموع غير العاقلة  وهذه القاعدة تتعلق بالمبتدأ والخبر والصفة والموصوف والحال وصاحبه أما علاقة الفاعل بفعله فهي أكثر تجاوزا خصوصا عند الكوفيين الذين يقولون الذين يقولون بجواز اتصال الفعل بالتاء مع الفاعل إذا كان جمعا ولا يفرقون بين جمع التكسير والجمع السالم.
ولقد استثنى أبو على الفارسي جمع المذكر السالم من هذه القاعدة وعلى رأيه قال ابن مالك.
والتاء مع جمع سوى السالم من     مذكر كالتاء مع إحدى اللبن
أي لا فرق في ذلك بين العاقل وغيره كما هو الحال في البيتين الآتيين:
 قال الشاعر(3):
إذا الرجال ولدت أولادها    واضطربت من كبر أعضادها
وجعلت أوصابها تعتادها    فهي زروع قد دنا حصادهـا
27) إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها:
لقد استعمل القرآن جميع الوسائل البيانية لإقرار معانيه ولإظهار مزية الإسلام وسخافة المعارضين له وقد ضرب الأمثال للناس ليبين تفاهة المشركين والمعاندين من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بدعوى عدم تلاؤم الأمثال البسيطة وعظمة الله.
ولا شك أن هذه العلة لا يقصد بها ظاهرها وإنما الغاية منها الاستخفاف بمحمد والاستهزاء به والسخرية من رسالته والوقوف أمام دعوته والحيلولة بينه وبين الانتصار.
ولذلك تعرض الله إلى هذه النقطة بالذات ليبين هذه الحقيقة الواضحة المتعلقة بضرب الأمثال فالله لا يستحيي أن يضرب المثل بالبعوضة أو بالعنكبوت أو بما دون ذلك لأن الغاية ليست تتعلق بهذه الحشرات وإنما تتعلق بالأهداف الناتجة عن استعمالها.
وهذه الحقيقة من البديهيات نظرا لحاجة الإنسان إلى استغلال المرئيات في البلوغ إلى الحقائق وإلى الاستفادة من تجاربه ودراساتها لأسرار الكون وطبيعة المخلوقات لا فرق بين جليلها وحقيرها ورحم الله الجاحظ الذي يقول:(4) "أوصيك الا تحقر شيئا أبدا لصغر جثته ولا تستصغر قدره لقلة ثمنه ثم اعلم أن الجبل ليس أدل على الله من الحصاة ولا الفلك المشتمل على عالمنا هذا بأدل على الله من بدن الإنسان وأن صغير ذلك ودقيقه كعظيمه وجليله ولم تفترق الأمور في حقائقها وإنما افترق المفكرون فيها ومن أهمل النظر وأغفل مواضع الفرق وفصول الحدود فمن قبل ترك النظر ومن قبل قطع النظر ومن قبل النظر من غير وجه النظر ومن قبل الإخلال ببعض المقدمات".
ولا شك أن موقفهم هذا هو أيضا ناتج عن خلل في التفكير وقصور في المقدمات لا ينسجم مع أصول الفكر ولا مع تذوق الإيمان.
إذا علمنا ذلك فلنعد إلى موضوع القراءات:
أولا- قرأ ابن كثير في رواية شبل يستحي بياء واحدة وهذه اللغة كثيرة الاستعمال ومنها قول الرسول إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
ثانيا- وردت بعوضة في القراءات المشهورة منصوبة ووردت في قراءة نسبت لرؤبة بن الحجاج مرفوعة.
أما النصب فيقتضي أن تكون ما إبهامية وهي التي إذا اقترنت بالنكرة زادتها إبهاما ويكون المراد حينئذ أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا كان وبأي نوع تركب وتألف ويجوز أن تكون للتأكيد أي أن الله لا يستحيي أن بضرب مثلا البتة.
أما على القراءة بالرفع فإن ما يجوز أن يكون موصولة صلتها الجملة التي حذف مبتدؤها والتقدير أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا الذي هو بعوضة فما فوقها ولكن الزمخشري علل الرفع بوجه استحسنه فقال: " ووجه آخر حسن جميل وهو أن تكون التي فيها معنى الاستفهام لما استنكفوا من تمثيل الله لأصنامهم بالمحقرات قال إن الله لا يستحيي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقرة مثلا بل البعوضة فما فوقها كما يقال فلان لا يبالي ما وهب ما دينار وديناران؟ والمعنى أن الله أراد(5) أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ أو بما لا يدركه لتناهيه في صغره إلا هو وحده بلطفه أو المعدوم كما تقول العرب فلان أقل من لا شيء في العدد ولقد ألم به قوله تعالى إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهذه القراءة تعزى إلى رؤبة بن الحجاج وهو أمضغ العرب للشيخ والقيصوم المشهود له بالفصاحة وكانوا يشبهون به الحسن وما أظنه ذهب في هذه القراءة إلا إلى هذا الوجه وهو المطابق لفصاحته".
وفي هذا التوجيه تحليل عميق لبعض المعاني الخفية من كتاب الله وقد أبان عن القدرة على تلوين المعاني واستخراج اللطائف حيث جعل هذه الحشرات التي استخف بها هؤلاء المعارضون أسمى منهم قدرا رغم حقارتها لأنهم لم يستخدموا عقولهم استخداما يجعلهم في مستوى المسؤولية البشرية.
28)  ((فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا، يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين))
هذا جزء من الآية التي تحدثنا فيها عن كون الله لا يستحيي من ضرب الأمثال بالبعوضة فما دونها لأن هؤلاء الذين قالوا ذلك لم يكن الغرض منهم تنزيه القرآن عن مثل هذه الحشرات الحقيرة إنما الغرض نفي كون هذا القرآن من الله لتعرضه لمثل هذه الأمثال.
 ودعواهم هذه خطيرة جدا ولهذا قوبلت بدعوى المؤمنين الذين لم ينكروا ذلك قال الله تعالى: ((فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا، يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين)). أي يضل به الذين أنكروا ويهدي به الذين آمنوا.
والزمخشري كالمعتزلة يرى أن الضلال والهدى في الآية مجازان يراد بهما إسناد الفعل إلى الإسلام، إضلال هؤلاء وهدى الآخرين إنما تسبب عن ضرب الأمثال بهذه الأشياء التي استنكرها الكافرون ورضي بها المؤمنون.
وقد قرأ زيد بن على هذه الآية على الشكل الآتي: يضل به كثيرا ويهدي به كثير وما يضل به إلا الفاسقون على البناء للمفعول في جميع الأفعال وهي تؤدي نفس المعنى السابق في القراءة الأولى.
29) (( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون))
هذه الآية شروع في الحديث عن قصة الكون وخلق آدم وهي حوار هادف إلى إبراز المقارنة بين الملائكة الذين يطيعون الله طاعة مستمرة وبين الإنسان الذي يمزج في أعماله الخير والشر وفيه إشعار بأن الله هو الذي يعرف الخبايا والحقائق وعلى أساس معرفته يكون الاختيار.
إن الملائكة حين تخوفوا من جعل الإنسان خليفة نظروا إلى غريزته الجنسية وإلى غريزته الغضبية وأهملوا النظر في جانبه الروحي وفي إطاره العقلي وما ينتج عنه من التطور وما يتصل به من التأمل لذلك أخطأوا التقدير واستعجلوا في الحكم.
ولكن الله آثر أن يكون خليفته في الأرض إنسانا عاقلا ليحمله الأمانة وليجعله مسؤولا مكلفا وليستخدم عقله في الضغط على الشهوات كلما حاولت أن تستبد به وتوجهه.
وسياق الآية يقتضي إيجاد خليفته لا إيجاد خليقة بالقاف ولهذا انتشرت القراءة الأولى ولم تنتشر هذه القراءة الثانية.
وقد لاحظنا أن الملائكة تخوفت من خلق الإنسان لكونه سيفسد في الأرض وسيسفك الدماء وكلا العملين خطير لأن الإفساد في الأرض سيزيل الاستقرار ويمحو التماسك الأسري ولأن سفك الدماء يقتضي التعدي بغير حق ويؤدي إلى الظلم الصراح.
والسفك هو إراقة الدجم بغير حق ورد من الثلاثي المجرد كما ورد من المزيد وتعددت القراءات حسب الاستعمال الغوي حسب ما يأتي:
أولا: يسفك من باب ضرب وهي القراءة المتداولة في بلاد المغرب.
ثانيا: يسفك من باب نصر ينصر.
ثالثا: يسفك من أسفك المزيد بالهمزة.
ويذكر المفسرون أن السر في ذكر هذه الآية هو تعليم عباده المشورة قبل الإقدام على العمل مع أن الله تبارك وتعالى في حد ذاته لا يحتاج إلى ذلك وإنما أخبر ملائكته ليستمع منهم إلى رأيهم وليقدم لهم بعد ذلك الحكمة المتجلية في خلق آدم ولهذا سنجد في الآيات التالية إتماما لقصة الخلق والتكوين وذكرا للحوار الذي جرى بين الله وملائكته ليظهر لهم خطأ الاستعجال في الحكم وخطر الاغترار بالذات مع إهمال ما للآخرين من مميزات.
30) ((وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين))
لقد كان موقف الملائكة في الآية السابقة دالا على تخوفهم من الإنسان وعلى اعتزازهم بأنفسهم ولم يرد الله أن يقرهم على هذا الاستعجال في الحكم توجيها لعباده وتعليما لهم ولهذا صور المسميات لآدم ومكنه من أسمائها وعلم أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ثم عرض هذه المسميات على الملائكة فقال ((أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين)) ثم ذكر الله جوابهم الدال على تواضعهم لجلاله وشعورهم بحكمته فقال سبحانه لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
وفي هذه الآية تصوير للميزة التي تجعل الإنسان صالحا للخلافة أنها ميزة العلم والعقل والإحاطة بأصول المخلوقات وبمعرفة كنه الأشياء ولهذا كان العلم أساسا للتطور البشري وامتدادا للوجود الإنساني على الأرض.(6)
وقد تحدث المفسرون في هذه الآية عن القراءات الآتية:
أولا: القراءة المتعلقة بقوله تعالى ثم عرضهم أي المسميات ففيها تغليب للعاقل لأنه ضمن ما قدم إليه من الأشياء وقد قرأت شذوذا بغير هذا الضمير فوردت عن أبي ثم عرضها وعن عبد الله ثم عرضهن.
ثانيا: القراءة المتعلقة بأنبئهم بتحقيق الهمزة فقد قرء أنبييهم بقلب الهمزة باء وأنبهم بحذفها والهاء مكسورة فيهما.
ثالثا: وردت قراءة في قوله تعالى: وعلم آدم الأسماء ببناء الفعل للمفعول وليس في ذلك تغيير للمعنى نظرا لوضوح الفاعل جل جلاله ومعرفته.
31) ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا، إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين))
يتعلق الأمر هنا بتعالي إبليس حينما أبى السجود لآدم ورفض الاعتراف بخلافته.
وفي هذا الأمر الإلهي تشريف للإنسان الذي يحمل الأمانة وقد أتبعت هذه الآية بما بعدها فاخبرنا الله تعالى بالأمر الذي وجهه إلى آدم ليسكن الجنة هو وزوجته وليأكلا منها رغدا وليستمتعا بجميع ما فيها إلا شجرة واحدة لا يسمح لهما بالأكل منها ولكن الشيطان وسوس لهما فأنزلهما عنها وأنزلهما إلى الأرض جزاء على ما ارتكباه من الخطيئة إلا أن آدم تلقى كلمات من ربه فتاب عليه.
وهذه التوبة في الحقيقة مرتبطة بالخطأ السابق أما المسؤولية فقد بقيت عامة في الخلق وعلى أساساها قامت الخلافة وبنيت الأحكام ولهذا ختمت قصة آدم هنا بقوله تعالى قلنا اهبطوا منها جميعا، فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآيتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
وقد وردت في هذه الآية قراءة ضعيفة تتعلق بإتباع الحركة الإعرابية في الملائكة لضمة الجيم في اسجدوا بضم التاء والشأن في ذلك شبيه بقراءة الإتباع في الفاتحة تلك التي كسرت دال الحمد وقد تقدم الحديث عنها بتفصيل في الملاحظة الأولى من هذا البحث.
32) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين 35 فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا اهبطوا، بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين.
الخطاب لآدم وزوجه وقد تقدم تحديد قصتهما في الملاحظة السابقة ويتعلق الأمر هنا فقط بالحديث عن القراءات الواردة في ذلك.
أولا- قرئ ولا تقربا بكسر تاء المضارعة وقد تقدم أن هذه الظاهرة في حرف المضارعة لغة لجميع العرب إلا أهل الحجاز وقد اشتهر بها ربيعة وبنو تميم وبنو أسد.
ثانيا- قرء ولا تقربا هذه بإظهار الهاء وهذي بغير إظهار.
ثالثا- كملة الشجرة وردت مكسورة الشين في إحدى القراءات.
رابعا- وردت قراءة شاذة بكسر الشين وقلب الجيم ياء مكسورة وكرهها أبو عمرو ولعل سبب كراهيتها أنها لم ترد عن فصحاء العرب وقد ذكر السيوطي في كتاب المزهر أن هذه القراءة شاذة وقال: "لم يأت جيم قلبت باء إلا في حرف واحد فقالوا في الشجرة الشبرة فهم بعد القلب كسروا أولها ليلا تنقلب الباء ألفا وهذا غريب حسن"(7)
خامسا- روى عن حمزة أنه قرأ قوله تعالى فأزلهما الشيطان عنها على الشكل الآتي فأزالهما أي أذهبهما ويكون الضمير حينئذ عائدا على الجنة.
سادسا- هناك قراءة وردت عن عبد الله بن مسعود يعود فيها الضمير على الشجرة وهي داخلة في إطار تغيير الكلمة بتاتا فقد قرأ فوسوس لهما الشيطان عنها بسببها والغاية واحدة لأن الوسوسة أدت إلى ارتكاب الزلة مكان ما كان مما أمر الله به عباده ليتعظوا وليجتنبوا المخالفات.
33) ((فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم)).
وردت القراءة الأولى في هذه الآية برفع آدم على أنه فاعل ونصب الكلمات نظرا لأنها المتلقاة وقد ورد عن ابن مسعود رضي الله أن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
ووردت قراءة أخرى برفع كلمات ونصب آدم والمعنى حينئذ أنها استقبلته وبلغته واتصلت به وجاءته وهي لابن كثير.
والتوبة شعار المؤمن لأنها خضوع وخنوع تدل على عدم التطاول وعلى محو الكبرياء وعلى الاعتراف بالخطأ وعلى عدم الرضا بالتمادي فيه وتلك شيمة العقلاء الذين يبتعدون عن مواصلة الآثام ومزاولة الخطايا.
وفي هذه الآيات درس عملي للإنسان وصور رمزية تعلى من شأنه وتعلمه الحكمة وحسن الانقياد لله في السراء والضراء والسر والعلانية.
34) ((قلنا اهبطوا منها جميعا، فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون))
في هذه الآية نقدم ملاحظتين:
الملاحظة الأولى: تتعلق بكلمة هداي فقد وردت بامتداد الألف وفتح الياء بعدها وهذه هي اللغة المشهورة المتبعة في إضافة الاسم المقصور إلى ياء المتكلم إذا لم يكن ظرفا، ولهذيل لغة أخرى في ذلك لأنهم يقبلون الألف باء ويدغمونها في ياء المتكلم فيقولون هدى.
وياء المتكلم على كلتا القراءتين تبقى مفتوحة لأنها داخلة في إطار الفتح الإجباري فقد ورد في كتب النحو أن ياء المتكلم يجب فتحها في أحوال أربعة:(8)
أولا: أن يكون المضاف اسما مقصورا ككلمة هدى هاته.
ثانيا: أن يكون المضاف اسما منقوصا كقولك النبي هادي طريق الرشاد.
ثالثا: أن يكون المضاف مثنى أو شبهه كقولك أطيع والدي.
رابعا: أن يكون المضاف جمع مذكر سالما أو شبهه كقولك يا محبي الأعزاء.
وقد تقدم لنا التنبيه فيما يتعلق بالمقصور على أن ذلك خاص بالأسماء أما الظروف فيجب قلب ألفها ياء كلدى مثلا فإنك تقول لدى وكذلك حروف الجر مثل إلى وعلى فتقول إلى وعلى.
ورغم ورود هذه القواعد فإننا قد نجد من يخالفها أحيانا لاعتبار آخر كاعتبار التخفيف في قراءة نافع الذي سكن الياء من محياي في قوله تعالى محياي ومماتي فتعامل حينئذ معاملة الإدغام وذلك غير مطرد لأن الياء المتحركة إذا وقعت بعد الألف احتاجت إلى إبانة وظهور قال ابن جني(9) " ولذلك يحض المبتدئون والمتلقنون على إبانة هذه الياء لوقوعها بعد الألف" وعلى هذا الرأي دونت قواعد اللغة ولقنت للمتعلمين.
الملاحظة الثانية: تتعلق بقوله تعالى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون فقد وردت قراءة أخرى تجعل لا النافية للجنس عاملة عمل أن مع بناء الاسم المفرد بعدها أي فلا خوف عليهم وهي قراءة يعقوب خاصة.
 ومن المعلوم أن لا هاته عند إعمالها عمل أن تكون نصا في استغراق الجنس أما عند إعمالها عمل ليس فإنها تكون صالحة لنفي الوحدة ولنفي الاستغراق وسياق الكلام هو الذي يحدد معناها(10).
فالنفي هنا استغراقي يفيد دوام انتفاء الخوف والحزن على الذين تبعوا هدى الله تبارك وتعالى فاستأنسوا بآياته واطمأنوا إلى دينه واستعانوا بنور العقل في إصدار الأحكام وبممارسة الطاعات لإتمام الإسلام ولهذا عقب الله تبارك وتعالى هذه الآية بقوله والذين كفروا وكذبوا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون...صدق الله العظيم

(2) -  الكشاف للزمخشري الجزء الأول من الطبعة الأولى صفحة 44.
(3) - الجزء الثالث من كتاب الحيوان للجاحظ طبعة التقدم سنة 1905 صفحة 28.
(4) - نفس المصدر صفحة 92.
(5) - كلمة أراد مسقوطة من النسخة المطبوعة التي أشير لها ولكن سياق الكلام يقتضي وجودها.
(6) - اقرأ ما كتبه العقاد عن آدم في كتابه الإنسان في القرآن صفحة 57 من طبعة دار الهلال.
(7) - المزهر للسيوطي الجزء الثاني صفحة 88.
(8) - النحو الوافي الجزء الثالث صفحة 150.
(9) - الخصائص لابن جني الجزء الأول صفحة 92.
(10) - بحثا قيما عن لا النافية للجنس في كتاب النحو الوافي للأستاذ عباس حسن الجزء الأول صفحة 506 وتعليقا مفيدا للصفدي في شرحه للامية العجم الطبعة الأولى صفحة 91.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here