islamaumaroc

المراكز العلمية في سبتة

  دعوة الحق

172 العدد

(( سلام على سبتة المغرب أخية مكة أو يثرب))  قرأت هذا البيت من الشعر فهزني، وأوحى إلي بأن لهاته المدينة تاريخا حافلا مجيدا..ثم تريثت وقلت: أنه قول شاعر، والشعراء كثيرا ما يسرح خيالهم، فيقولون ويقولون ولكن حافزا دفعني للبحث، فكانت النتيجة هذا البحث وأبحاثا أخرى تعقبه بحول الله.
 إن الدارس لتاريخ سبتة العلمي، ليشعر أثناء دراسته لهذا التاريخ بالمستوى الرفيع الذي كانت تحياه هذه المدينة المغربية العريقة..
فمجالس الدرس في غالب الأحياء، والعلماء والأدباء يحجون إليها من أنحاء البلاد الإسلامية، فيقع اللقاء بين العلماء والأدباء، وتعقد المناظرات العلمية والمجالس الأدبية حتى صارت سبتة عاصمة من عواصم الأدب والعلم.
وكان لطلبتها من النباهة القدر الكبير، وقلما يسلم منهم وافد من أهل العلم، فهم يمتحنونه حتى لكأنهم لا يريدون أن يطأ أرض مدينتهم إلا المبرز في فنه، الواسع الاطلاع، وقد وقعت بسبب ذلك جملة حوادث تجدها في المصنفات التي تؤرخ للحياة العلمية بالأندلس والمغرب.
وقد ذكر في نفح الطيب (1) حادثة وقعت لابن خميس عند ما قدم لسبتة بقصد الإقراء بها: فقد اجتمع إليه عيون طلبتها، فألقوا عليه مسائل من غوامض الاشتغال، فحاد عن الجواب عنها بأن قال لهم: أنتم عندي كرجل واحد، يعني أن ما ألقوا عليه من المسائل إنما تلقوه من رجل واحد وهو ابن أبي الربيع-، فكأنه إنما يخاطب رجلا واحدا ازدراء بهم، فاستقبله أصغر القوم سنا وعلما بأن قال له: إن كنت بالمكان الذي تزعم فأجبني عن هذه المسائل من باب معرفة علامات الإعراب التي أذكرها لك، فإن أجبت فيها بالصواب لم تحظ بذلك في نفوسنا لصغرها بالنظر إلى تعاميك عن الإدراك والتحصيل، وإن أخطأت فيها لم يسعك هذا البلد، وهي عشرة: الأولى: انتم يازيدون تغزون، والثانية: انتن ياهندات تغزون، والثالثة: أنتم يازيدون وياهندات تغزون، والرابعة أنتن ياهندات تخشين، والخامسة أنت ياهند تخشين، والسادسة أنت ياهند ترمين، والسابعة: انتن ياهندات ترمين، والثامنة أنتن ياهندات تمحون أو تمحين، كيف تقول؟
والتاسعة أنت ياهند تمحين أو تمحون، كيف تقول؟ والعاشرة أنتما تمحوان أو تمحيان، كيف تقول؟ وهل هذه الأفعال كلها مبنية أو معربة أو بعضها مبني أو بعضها معرب؟ وهل هي كلها على وزن واحد أو على أوزان مختلفة؟ علينا السؤال وعليك التمييز لنعلم الجواب، فبهت الشيخ، وشغل المحل بأن قال: إنما يسأل عن هذا صغار الولدان، فقال له الفتى: فأنت دونهم إن لم تجب، فانزعج الشيخ، وقال هذا سوء أدب ونهض منصرفا، ولم يصبح إلا بمالقة متوجها إلى غرناطة. وهذه الحادثة تدلنا على المستوى العلمي الكبير
الذي كان لطلبة سبتة فما بالك بمستوى علمائها ونبغائها.
ولعل الفضل في وجود هذا المستوى العلمي الرفيع يرجع إلى المراكز العلمية التي كانت منتشرة في أنحاء المدينة وكالعادة فإن أهم مراكز الإشعاع العلمي كانت هي المساجد وملحقاته من مدارس ومكتبات.

فمن أهم هذه المراكز العلمية:
المدرسة الجديدة: وقد درس بها العديد من علماء سبتة والواردين عليها من شتى النواحي، وكانت تدرس بها فنون من العلم شتى كالحديث خاصة من كتاب مسلم بن الحجاج، واللغة والنحو، والتصوف، والفرائض والحساب، والأصول، والتاريخ والقراءات، وغير ذلك.

ومن أشهر العلماء الذين درسوا بها:
أبو عبد الله بن هارون الأموي، وقد كان متفننا في شتى الفنون إلى جانب الشعر، درس عليه العديد من طلبة سبتة وانتفع به خلق كثير وتوفي سنة 750.
أبو بكر الشريف الحسني: كان إماما في العربية والقراءات السبع والحساب والفرائض تولى التدريس بالمدرسة الجديدة بعد وفاة القاضي أبي يحي بن السماك.
وقد درس من كتب العربية"جمل ابن القاسم، وألفية ابن مالك وكان يأتي بكلام الطائفة الشلوبية ابن أبي الربيع وابن عصفور وابن الصائغ وابن خروف وسواهم، ويوجه الأقوال ويقرب العبارات إلى أفهام المبتدئين من الطلبة ويبر بمن تظهر عليه النجابة ولسان حاله ينشد:
وفي شربة لو كان علمي سقيتكم      ولم أخف عنكم ذلك العلم بالذخر" (2)
كما كان يدرس بها من كتب الفقه: الرسالة  والتهذيب وابن الجلاب ومن كتب الحساب والفرائض: رفع الحجاب، والتلخيص لابن البنا والجبر والمقابلة لابن بدر وفرائض عبد الوهاب.
ومن كتب التصوف: بداية الهداية، ومنهاج العابدين للغزالي.
ومن كتب القراءات: حرز الأماني، والدرر اللوامع في حرف نافع.
أبو محمد الزكندري: أصله من مراكش، وصفه صاحب بلغة الأمنية بأنه فقيه محدث، كان يدرس كتاب مسلم بن الحجاج وقد انتفع بعلمه جماعة من طلبة سبتة.
أبو عبد الله عامر الأنصاري: كان مبرزا في العربية، والأصول والخط، إلى جانب الشعر فله فيه مشاركة، وقد درس عليه جماعة من طلبة سبتة.
أبو محمد بن مسلم الأنصاري: أصله من القصر الكبير وقد نال بسبتة مراكز هامة، فتولى القضاء كما تولى الخطابة بمسجد القصبة، وكان شغوفا بالتجوال، ودرس عليه بالمدرسة الجديدة العديد من طلبة سبتة منهم القاضي أبو الحسن بن رضا، وأبو عبد الله القمارشي وغيرهما، وله تآليف منها شرحه لرجز ابن برى وتقييد على جمل أبي القاسم وبرنامج جمع فيه شيوخه ومروياته، وتوفى عام 773.
الجامع الأعظم وخزانته: وللمسجد في الحركة الثقافية الإسلامية الدور الكبير الفعال، وقد كان لمسجد سبتة الأعظم دوره العظيم في نشر الثقافة بهذه المدينة وما حولها، كما أنه كان يضم خزانة قيمة استفاد منها جل طلبة سبتة وعلمائها، ومن العلماء الذين كان هذا المسجد مسرحا لنشر علمهم نذكر:
أحمد اللخمي: وقد عرف بابن عرفة، يقول عنه الرعيني في برنامجه(3) من خاتمة أهل العلم بالسنة والانتصار لها نفعه الله برز علما وعملا ودراية ورواية، وجمع خصالا من الفضل جمة ولزم التدريس بسبتة مدة عمره، ورحل الناس إلى الأخذ عنه والاستفادة منه، وكان على طريقة شريفة من التسنن، واقتفاء السلف، والاكباب على سلوك سبل الخير كلها.
وقد درس بمجلسه كثيرا من أوائل كتب الحديث:
الموطأ، وجامع الترمذي، وجامع البخاري، ومسند مسلم وكتابي السنن لأبي داود والنسائي.
وقد كانت له رحلة إلى المشرق أخذ فيها عن العديد من أعلامه كما أخذ قبل ذلك عن أعلام المغرب والأندلس.
وتوفي في رمضان سنة 633.
أبو الحسن على الغافقي: كان الغافقي مشهورا بجمع أعلاق الكتب وعاتقها، فحصل بذلك على خزانة عظيمة ضمت أمهات الكتب، في شتى الفنون
ولكنه أبي مع ذلك أن يستأثر بها وحده فأوقف العديد من الكتب كما يخبرنا عن ذلك تلميذه الرعيني بقوله:
"وانفرد بفضيلة التحبيس منها لجملة كبيرة انتقاها من اعلاقه في كل فن من  فنون علم السنة وقفها على الطلبة مع موضع رسمها في مدينة سبتة، وجعل لها وقفا جيدا من ماله وفي خيار رباعه" (4).
وقد كان يدرس صحيح الإمام البخاري بالجامع الأعظم.
يقول تلميذه الرعيني:" قرأت عليه بالجامع الأعظم بسبتة كتاب الجامع الصحيح للبخاري في أصله العتيق بخط أبي الوليد بن الدباغ، وقرأته على الصدفي وغيره، وأمسك على حين القراءة أصل أبي بكر ابن خير رواية أبي ذر الذي بخط أبه رحمهما الله.
وبمعاناة أبي بكر وتصحيحه، وأحضر حين القراءة أصولا عتيقة منها أصل الأصيلي، وأصل أبي القاسم ابن ورد والقابسي وغيرهما" (5).
ويحدثنا الرعيني أنه درس عليه إلى جانب ما تقدم كتاب الالماع لعياض.
أبو القاسم بن عمران: وكان دور خزانة الجامع الأعظم كبيرا في نشر الثقافة الإسلامية، وقد كان أبو القاسم بن عمران ناظرا فيقول:" سبتى حاج رحال مصنف رواية يحمل صحيح البخاري عن الحجاز وهو سند عال متصل السماع لا نظير له في المغرب وله معرفة بالقراءات والعربية وتوفي سنة 750"

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here