islamaumaroc

التحديات التي تواجه التاريخ الإسلامي

  دعوة الحق

172 العدد

كان من أخطر ما أعلنته مناهج الإرساليات في معاهدها وجامعاتها منذ وردت أرض الإسلام أنها تلقن التاريخ وتعلمه لطلبتها كأنه علم من العلوم الطبيعية المبنية على الاستقراء، فلا يكفي النقل فيه، بل يجري تطبيقه على قوانين الاجتماع الجديدةّ".
وهذا التصريح ثابت لأحد مؤسسي هذه المعاهد وهو الخطة التي اعتمدت وسار العمل عليها خلال هذه المعاهد أرض الإسلام وسيطرت على عدد كبير من مثقفيها وشبابها وما تزال.
وما تزال دراسة التاريخ في معاهد الإرساليات والجامعات من أخطر التحديات التي تواجه المسلمين والتي هي بعيدة الأثر في تكوين أجيالهم وشبابهم عاما بعد عام وعصرا بعد عصر.
والقضية ليست في محاولة تفسير التاريخ تفسيرا ماديا صرفا، وإنما القضية أبعد من ذلك كثيرا لأنها تبدأ بالشباب المسلم من غير المنطلق الصحيح له فهي تفرض أساسا أنها ليس عربيا ولا مسلما ولذلك فهي تعلمه تاريخ العالم من وجهة نظر غربية، ثم تسير معه إلى إعلاء شان حضارة اليونان والرومان مقدمة لإعلاء حضارة الغرب الحديثة.
فإذا جاء ذكر العرب والمسلمين فهو لا يرد إلا في باب الأمم المستضعفة التي سيطر عليها الغرب رغبة في تمدنها ونقلها من عالم التخلف إلى عالم التحرر ومن ثم تنبني في تفكير الشباب المسلم مسلمات بعيدة عن الحقيقة، أو تبنى وجهة نظر الغربي نفسه في النظر إلى العرب والمسلمين حيث يجري تبرير استعماره لأرضهم واحتلاله لبلادهم.
فإذا ما أريد إعطاء دور العرب والمسلمين فإنما هو دور تابع أو تكميلي، فالنظرية الغربية تقوم على أن البحر الأبيض المتوسط هو صاحب لحضارة قبل الإسلام بألوف السنين، وأن الإسلام حين جاء إنما كان جزءا من هذه الحضارة وذلك من المفاهيم الخاطئة التي راد بها زعزعة إيمان المسلم والعربي بذاتيته وحضارته وتاريخه.
ومن ثم فإن هذه الأجيال المتوالية التي تعلمت في مدارس الإرساليات قد آمنت بوجهة النظر الغربية الاستعمارية هذه على أنها هي الحقيقة العلمية، بينما اختفت الحقيقة وراء ركام ضخم من النظريات الزائفة ولا ريب أن كل أمة لها تراثها ومنهجها وقيمها:
تكون لها فلسفتها التاريخية ونظرتها إلى الكون والحياة وتطور الأمم، فلم يتبنى المسلمون والعرب وجهة نظر الغرب التي هي في أقل الفروض مختلفة تماما عن وجهة نظرهم إن لم تكن متعصبة ومخطئة.
وذلك أن الفكر الغربي قد شكل مفهومه التاريخي في ضوء التفوق الذي أحرزه في القرون الأخيرة وفي ظل اندفاعاته الاستعمارية إلى أرض المسلمين للسيطرة على ثرواتهم وخاماتهم وأسواقهم.
ومن ثم فإنه يحاول أن يبرز موقفه من خلال نظرية تاريخية يفترض منها تخلف هذه الأمم ليكون ذلك مبررا لسيطرته، ثم إنه يحاول أن يلقن هذا المعنى لأبناء هذه الأمة ليخلق منهم أتباعا يومنون به وينبهرون لعظمته ويرون رأيه في أن مستقبل هذه الأمة مرتبط بحضارته ومعطياته، وليس الأمر كذلك في الحقيقة، فإن المسلمين والعرب لهم ماض وحضارة وتاريخ بعيد المدى في أحقاب الخليقة، وهم الذين قدموا للبشرية هذا الميراث الضخم من المعرفة والعلم والخبرة قبل أن ينشا العرب، من خلال رسالات النبوة التي توالت قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام كانت أوربا تعيش عصورها الوسطى المظلمة التي أخرجها منها المنهج العلمي التجريبي الإسلامي ومعطيات الفكر الإسلامي التي حررت الغرب من الوثنية والعبودية والرهبانية ودفعتها إلى مجال النهضة.
وما من علم من علوم العصر إلا وللمسلمين فيه أثر وعمل وإضافة، وكل هذا مما تغمط حقه دراسات التاريخ التي تقدمها معاهد الإرساليات وجامعاتها.
حيث تقدم الصورة من نحو آخر، كأنما الغرب هو وحده العالم وأن تاريخه هو تاريخ العالم، ولقد ظلت مناهج الغرب  تتنكر لفضل الإسلام وأثر حضارته وقتا طويلا وما يزال الاستعماريون ينكرون هذا الفضل ويغمطون هذا الحق.
ولقد شكل التاريخ الإسلامي صفحات مشرقة من البطولة والنضال والكفاح ومقاومة الغاصب والمحتل والدخيل على مدى العصور، وهذه الصفحة كلها مما تحجبه الدراسات العصرية الجامعية أو تحاول التشكيك فيها وإثارة الشبهات حولها، بل أن بعض رجال الإرساليات يهاجم بشدة أن يتخذ التاريخ وسيلة للنهضة أو منطلقا إلى بناء الأمة، ولقد كان تاريخ الأمم ولا يزال عاملا هاما في إثارة النفوس إبان الأزمات ووسيلة هامة للتربية، ولقد جددت الأمم الغربية أجيالها وشبابها بواسطة إحياء التاريخ وإعادة الكشف عن صفحاته الباهرات، فكيف ينكر على المسلمين والعرب وحدهم أن يتخذوا هذا الأسلوب من أساليب النهوض والبناء.
نحن نعلم أن الغربيين أدخلوا على تاريخهم، كل على حدة، ما يرفع شأن الناشئة ويبعث في قلوبهم الحماسة وفي نفوسهم الإيمان بوطنهم وأبطالهم وقيمهم وجعلوا هذا أمراً منفصلا عن دراسات التاريخ الخاصة بتقييم الأحداث، فماذا يمنع المسلمين والعرب من أن يفعلوا ذلك؟ ولماذا يقدم التاريخ الإسلامي على صورة الصراع بين الخلفاء والأمراء والقادة، وعلى صورة التضارب بين الفرق والأحزاب، ولماذا الإصرار على إبراز هذه الزوايا وتجاهل عمل النهضة والتقدم ومعطيات الحضارة والتمدن، ولماذا يتخذ في تاريخ ما قبل الإسلام، وحينما تقرأ، دائرة المعارف الإسلامية، بروكلمان، المنجد جرجي زيدان، فيليب حتى، تجد هذه الشبهات وهذا الانتقاص، وتشويه صور الحضارة الإسلامية وتجميع الافتراءات والاتهامات على الإسلام ونبي الإسلام، ومن هذه المصادر يأخذ مدرسو التاريخ وعليها يعتمد أساتذة الجامعات، وخاصة وأن عددا كبيرا من غير المسلمين يتولى الآن تدريس التاريخ الإسلامي على أنه تاريخ عربي، بينما لا يوجد فاصل يفصل بين تاريخ العرب وتاريخ الإسلام منذ نزل الإسلام إلى اليوم.
ولا ريب أن كثيرا من الباحثين قد تنبه إلى ذلك وأشار إليه، فالأستاذ يوسف العش يقول في مقدمة كتابه عن الدولة الأموية:
" لقد حاول الكثيرون أن يصموا تاريخنا بكثرة الفتن والحروب والمكايد والاضطرابات وليس هناك مجال للرد عليهم، غير أن النظرة الصحيحة إلى التاريخ من خلال عوامله العديدة تعطي البيان الواضح عن أن هذه الوصمات لا أصل لها صحيح وأن كل ما في الأمر أن هناك تفاعلات في المجتمع الإسلامي العربي تأخذ طريقها ولا بد أن تأخذ طريقها إلى ذلك المجتمع ، وأن هذه التفاعلات سنة من سنن الله ولن تجد لسنة الله تبديلا، وهي تفاعلات تحدث في كل أمة، بل إن الأمم الأخرى كانت تتلقاها بعنف أكبر مما تلقاها به المسلمون والعرب، وتاريخ الأمم دائما ممزوج بالحروب والفتن والاضطرابات أكثر من التاريخ العربي"
وإذا قارنا بين تاريخ الإسلام والعرب وتاريخ الأمم الأخرى لوجدنا فروق عميقة، فالتاريخ الإسلامي تاريخ كرامة وإيمان وسماحة وبطولة، ولكنه بعيد عن العدوان والدماء والمفاصل ومحاكم التفتيش وأساليب القتل الجماعي الذي تحفل بها تواريخ الأمم، ومن هنا فإنه جدير بأن يدرس على أنه نموذج لأمة كريمة، وأهله أحق بأن يعرفوه على حقيقته، وأن يدرسوا انتصاراته وهزائمه على السواء، فالانتصارات هي الضوء الكاشف للمسلمين والعرب إلى مواجهة المواقف المتجددة، والهزائم تدلهم على أوجه القصور والتقصي سواء في السلاح أو في الوحدة أو الإيمان معا يدعوهم إلى أن ينتفعوا بها في حاضرهم ومستقبلهم.
وليس صحيحا كل ما يثار حول التاريخ الإسلامي من أن المسلمين يرغبون في الرجوع إليه، وما من عاقل يصدق أن التاريخ يرجع القهقرى، وأكثر الناس فهما لتطور الزمن وتغير البيئات والظروف هم المسلمون الذين تعلموا كيف يقيمون ترابطا صادقا بين الثوابت والمتغيرات وبين الماضي والحاضر، وبين التاريخ والواقع هذا فضلا عن أنهم يفرقون تعلما بين النظام الإسلامي والتاريخ الإسلامي، فالنظام الإسلامي هو القانون الثابت، أما التاريخ فهو تجربة التطبيق والممارسة، وفيها الخطأ والصواب وليس خطأ التاريخ في الممارسة راجع إلى النظام ولا يتحمل النظام عجزه وقصوره، وإنما يتحمل المسلمون أخطاء انحرافهم وعجزهم عن مواءمة أنفسهم مع المنهج الأصيل الحق.
كذلك فنحن يحق لنا أن نذكر أن محاولات تزييف تاريخنا لم يتوقف، وأن محاولات تفسيره تفسيرا ماديا أو اقتصاديا أو استعماريا لم يتغير، وأن هناك محاولات للتشويه وللتجزئة وللإهمال وللتجهيل، ترمي إلى عرض مقاطع مختارة لتصور على غير حقيقتها، أو تمزيق وصالها، وإهمال كل ما هو مدعاة للفخر والاعتزاز.
كذلك فقد جرت المحاولات لإحياء جوانب غامضة من التاريخ وإعطائها طابعا يوصف بالثورة أو التقدمية وفي مقدمة ذلك الاهتمام بالذين انقضوا على الدولة الإسلامية من الخونة الذين تعاونوا مع الأعداء كالقرامطة والزنج وغيرهم وتصويرهم في صورة حركات تقدمية.
وكان مما قرره مؤتمر بلتميور الصهيوني في أمريكا: تنظيم ومضاعفة عمليات التزييف في تاريخ العرب وملء العالم بالمطبوعات والرسائل الدعائية التي تحتضن وجهات النظر الصهيونية.
كذلك هناك المحاولات المتعددة لإنكار فضل العرب والمسلمين على النهضة الحديثة وإنكار أثر المسلمين في الحضارة الحديثة والدور الذي قاموا به في الأندلس وصقلية.
وبعد، فإننا نؤمن بأن تاريخ الإسلام لا يحاكم إلى أي منهج من المناهج الغربية وإنما له منهجه الأصيل المستمد من كيانه وأصوله، وهو تاريخ يبتسم بالتوحيد والطابع الإنساني ولذلك فهو يتعارض مع مناهج التفسير التاريخي التي تقوم على المادة أو العنصرية أو الوثنية وسوف يظل التاريخ الإسلامي ضوءا كاشفا لمسيرتها، وليس عبئا علينا، وسوف ننتفع ببطولاته وانتصاراته في طريق حياتنا، كما سوف نبحث هزائمنا ونلمس منها العبرة حتى لا نقع فيها بعد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here