islamaumaroc

المجتمعات الإسلامية في القرن الأول، لشكري فيصل

  دعوة الحق

172 العدد

من بين الوقائع الكبرى في تاريخ الإنسانية بإطلاقه، الواقع الذي سجلته نشأة المجتمع الإسلامي في غضون القرن الهجري الأول،  وما انطوى عليه الأمر من تحولات جذرية يتراوح مجالها الجغرافي فيما بين الشرقين الأدنى والأوسط، وأواسط آسيا وشمال إفريقيا، وتستغرق أقواما وأعراقا مختلفة، وثقافات وحضارات متعددة، وتصهر كل ذلك في مصهر مشترك، تشكل به مجتمعيا، هيكل الأمة الإسلامية، وحضاريا، ما عرف بالمدينة العربية الإسلامية، أو بتعبير أكثر تبسيطا، المدينة الإسلامية.
ثم هذا التحول في ظرف جد قصير بالقياس لما تتطلبه من زمن التحولات الكبرى في حياة الأمم والحضارات، إلا أن المدى الذي بلغه – من حيث سعة الاستيعاب وقوة التأثير، وعمق التكييف، كان أعمق من أي تحول عرفته البشرية قبل، على امتداد الحقب والدهور، وهي ظاهرة فريدة، لا يمكن إدراك مدلولها إلا أن يوضع في البال، ما حرك البيئة التي قامت فيها من هزات فكرية خارقة، مبعثها التغيير العميق الذي أحدثه الإسلام في النفوس والأذهان، وما فتحه بقيمه ومثله من منطلقات أمام الإنسان، وخلق من حوافز.
وقد انصرف فكر الدكتور شكري فيصل، إلى معالجة هذا الموضوع المتشعب، البعيد قرارا في عناصره ومسائله، وأثمرت الجهود التي بذلها بهذا الصدد-حثا جامعيا مركزا وممحصا، هو ما يضمه الكتاب الذي نعرض له.
ومدار بحث الكتاب حول نشأة المجتمعات الإسلامية في الصدر الأول ومقوماتها وتطورها اللغوي والأدبي، ويتصل الأمر فيما ينبئ عنه العنوان، بمختلف مظاهر هذا النشوء والعوامل المؤثرة فيه، من سياسية واجتماعية وثقافية وحضارية وقد ركز المؤلف خاصة على الجانب اللغوي والأدبي في مسار التطور الذي حصل، وذلك باعتبار أن هذا الجانب يعكس-موضوعيا- جوهر المؤثرات الحاصلة من حركة الفتح الإسلامي، والتي طبعت المجتمعات الإسلامية الناجمة عن حركة الفتح، بالطابع الخاص والمشترك المعروفة به، بيد أن هذا التركيز المستهدف منه أثار الفتح الإسلامي على صعيد التطور اللغوي والأدبي في المجتمعات الإسلامية، يجب كما يذكر المؤلف "أن يقوم على دعامتين، أولاهما من التاريخ نفسه، والثانية من علم الاجتماع وعلم الاجتماع اللغوي بوجه خاص.." (المقدمة).
وفي استطراد للكاتب، يعلل به نهجه هذا النهج في التحليل، يورد قوله:
"..والدراسات بدت لي-بعيدة عن هاتين الدعامتين (أي التاريخية والاجتماعية) أشبه بالمكعبات الصغيرة تكون أشكالا مختلفة، إن المكعبات لا تتغير في جوهرها، وإنما تختلف، فقط صورها الجانبية، ومن هنا، ازددت قناعة بأننا في حاجة إلى أن نفيد من مسلمات العلوم الأخرى، فلا نتأخر عن ركب الإنسانية في ذلك، هذا أولا ، وأن نربط بين فروع الثقافة الأدبية ثانيا، فلا يدرس الأدب العربي بعيدا عن مواده الأولى من التاريخ والاجتماع، واستوثقت قناعتي، بأن مرد النقص في دراستنا لا يعود فقط إلى هذا الخلاف في المناهج، قدر ما يعود إلى هذا الفقر في المواد الأولى التي يجب أن تدخل في نطاق هذه الدراسة، وأن هذا الفقر لا يرجع إلى فقر مصادرنا التي تعودنا أن نشكو منها، بل إلى أننا لم نحسن بعد استثمارها واستقطارها، فقد أخدنا كتبنا القديمة بمفاهيمها الحديثة، وكان ذلك مصدر كثير من أخطائنا، إننا نومن أن المتقدمين لم يفصلوا بين فروع الثقافة، فكان الأديب عندهم محدثا ومؤرخا وفقيها وطبيبا، ومع ذلك فنحن نتخذ الطبري كتاب تاريخ فحسب، مع أنه يغني من الناحية الأدبية مثل غنائه من الناحية التاريخية، ونعد الأغاني كتاب أدب مع أن تصويره للحياة الاجتماعية وتمثيله لها يفوق كل كتاب آخر في هذا العصر، ونجد في كتب المكتبة الجغرافية كتبا جغرافية قديمة، مع ثروة كبرى في المواد التي يصاغ منها البحث الحضاري، ولذلك رأيت أنه لا بد في معالجة الموضوع من هاتين الدعامتين، التاريخية والاجتماعية، لتتوفر له المواد اللازمة من نحو، ولتكون معالجته معالجة جذرية من نحو آخر (المقدمة).
هذه بعض ملامح المنهج الذي اعتمده المؤلف في تتبع مواطن البحث الذي اخذ بعهدته، يتناول الكتاب الأول منها " المجتمع العربي بين الجاهلية والإسلام" ويعالج الثاني " نشأة المجتمعات الإسلامية الجديدة في الأقطار المفتوحة" أما الثالث والرابع، فيتطرق أحدهما لـ"التطور اللغويّ بينما يتصدى الآخر لـ" التطور الأدبي" عند المجتمعات موضوع البحث.
ويندرج الكتاب الأول من هذه الكتب، المتعلق بالمجتمع العربي بين الجاهلية والإسلام في نطاق اهتمام المؤلف باستقصاء جذور الموضوع الذي ندب نفسه له، علما بعمق الصلة بين العهدين الجاهلي والإسلامي على الصعيد الأدبي واللغوي، ومدى التفاعل الذي وجد بينهما بهذا الكتاب فإن قبائل الجاهلية كانت تتسم بحركة دائبة، تصل بينها حربا أو سلما، كما تحفز عددا منها إلى انتجاع مناطق خارج الجزيرة في الشام والعراق، وذلك مما كان له أثر في تقريب لهجات هذه القبائل، وتيسير السيل نحو توحيد اللغة الأدبية المستعملة لديها، على أن التفاعل من هذا القبيل بقي مع ذلك محدودا، حتى كان الإسلام، حيث بلغ الاختلاط في ظله بين العناصر العربية المدى الأبعد، وذلك ليس فقطن كنتيجة لعمل الإسلام على تعميق الوحدة بين القوم ضمن نطاق الأخوة الإسلامية، بل أيضا، بسبب الفتوح التي كانت إطارا فعالا للمزج بين القبائل العربية وصهرها.
ويمضي الكاتب في استبانة التطور الذي حصل للمجتمع العربي في هذا النطاق على عهد الفتوح، فيذكر في ذلك:
"..لقد كان انطلاق العرب فيما وراء الجزيرة وتخاذل الفكرة القبلية وتقهقرها أمام روح الإسلام، وتراجعها أمام طبيعة تنظيم الجيوش الفاتحة، واختلاطها، أدى إلى ظهور طبقات جديدة في المجتمع الإسلامي لا ترى في القبيلة سندها، وإنما هي تغادر هذا الطابع القبلي إلى طوابع أخرى، مشتقة من طبيعة الحياة الجديدة نفسها، تتسمى باسم القبيلة التي سكنتها، أو الموقعة التي خاضتها أو صحبة الرسول التي تميزت بها، وما إلى ذلك من مظاهر أخرى حاولت أن تسيطر على المجتمع الإسلامي وأن تمسك بقياده..." (ص 44).
وفي ملاحظة هذه الأحوال يتبين الباحث عدة تحولات اجتماعية اضطرم بها المجتمع العربي الجديد، وكان لها آثار على التطور الأدبي واللغوي الذي ثم في حظيرة هذا المجتمع.
ونأتي-فيما بعد- لفصول الكتاب الثاني الذي خصصه المؤلف لـ"نشأة المجتمعات الإسلامية الجديدة في الأقطار المفتوحة" محاولا فيه استجلاء النحو المساعد على التعرف إلى ولادة هذا المجتمع الجديد الذي ستعيش فيه العربية ويتنفس فيه أدبها وكيف كانت الاستجابة له، وما مدى هذه الاستجابة.." (58) ويضيف المؤلف –لمزيد من التعريف بهذا العرض-قوله:
"...من هنا سنجد أننا مندفعون أن نتعرض إلى كل العناصر التي عملت على ولادة هذا المجتمع إذ نتحدث على ألوان الصلات الأولى التي نشأت بين المسلمين وبين السكان، وعن طبيعة هذه الصلات ومن هذه الخطى الأولى، نستطيع أن نمضي فنتعرض إلى ما كان من أمر التعريب سواء في ذلك التعريب اللغوي أو صلة القرابات القديمة، وإلى  ما كان من أثر الإسلام وانتشاره وإقبال السكان عليه، سواء كان هذا الإقبال بطيئا أو سريعا، وهذا جميعا، نكون قد عرفنا معرف أقرب إلى أن تكون حقا نيرة، هذه البيئات التي شهدت حقا تطور اللغة العربية وبالتالي شهدت تطور الأدب العربي، فلا يكون حديثنا عن أثر الفتوح في الحياتين اللغوية والأدبية هذا الحديث المغمض العينين، الوعر الطريق، وإنما هو حيث قد وضعت له أسسه، وعرفت فيه بيئاته ودرست كل جوانبه التي ساعدت عليه، ومكنت منه..."59.
لقد كان لحركة الفتح الإسلامي انعكاسات فورية على وحدة العناصر القبلية من جهة، نتيجة لطول تداخل المقاتلين مع بعضهم في ساحة الصراع، ولتمازج العرب القادمين في موجات الفتح نحو الشام والعراق، مع القبائل العربية كـ " تغلب" مثلا التي كانت مقيمة أصلا في هذه المناطق قبل الإسلام.
ففيما يخص النقطة الأولى، المتعلقة بأثر الفتوح في توحيد التجمعات القبلية لغويا واجتماعيا بالشام والعراق، يورد الكاتب قوله، "وكذلك حققت حركة الفتوح هذه نوعا من امتزاج، كان جديرا أن يؤتي ثماره بعد، وكان لا بد في مثل نظام التعبئة الذي سار عليه المسلمون، وانقسام الجيش إلى أصحاب الخيل والرجالة والضاربين بالسيوف والضاربين بالرماح، والذين يقفون في القلب، والذين يملأون الجناحين، والذين يكونون رداء من هنا وهناك، والذين يكونون في الحرب على مقدماتها ومجنباتها وساقتها ومجرداتها، وطلائعها ورجلها وركبانها وأفرادها وقوادها- كان لابد في مثل نظام الجيش من أن تفسح الصلات القبلية مكانتها لصلات أخرى، ولقد رأينا سعدا في القادسية يمضي في التعبئة على نظام آخر، أشد مزجا وتشابكا، فهو يعثر الناس، ويعرف على كل عشرة رجلا، ويؤمر على أهل الرايات رجالا من أهل السابقة، ويؤمر على الأعشار رجالا من الناس، وينظر في ذلك إلى هذه الكتلة نظرته إلى جماعة واحدة لا يلحظ ما كان لها –قبل- من تمايز وما كان فيها من انقسام، ولا يولي هذا التمايز أو الانقسام مكانا أو رعاية، فالشعور بالعصبيات الصغرى كان يهزل ويضؤل، وصداها كان يضمحل ويضيع" أما النقطة الثانية، أي ما يتصل بالتقاء عرب الشام والعراق الأصلاء بالعرب الفاتحين، أثر ذلك في تعريب هذه المناطق، فيذكر الباحث في ذلك، مركزا القول خاصة بهذا الشأن حول العراق:
"من الواضح، أن تعريب العراق العربي لم يقتض المسلمين كثيرا من العناء، ففي جوانب أنهاره وعلى أراضيه وسهوله فيما ين النهرين في الجنوب، وفي الجزيرة العليا في الشمال، كانت تنزل القبائل العربية في الجاهلية، وكانت صلتها بالجزيرة الأم صلة دانية، فلم ينقطع ما بينها وبين مصادرها الأولى، ولذلك ظلت لها لغتها، وظلت لغتها نقية بالقدر الذي يسمح به التجاوز مع الفرس والاختلاط بهم، وكان  قيام دولة عربية كدولة المناذرة في الحيرة وما حولها تمكينا لمظاهر الحياة العربية من أن يأتي عليها الفرس، ولم تكن دولة المناذرة في عزلة عن الجزيرة، كان يفد على الملوك هنا، كما كان يفد على الجزيرة غسان في الشام، الشعراء، وكان ينزل بهم التجار، وكانت تصل بينهم روابط الدم، وكانت تقوم كذلك حروب وغارات، وتعقد عهود وأحلاف، وعلى ذلك، وكانت تشتبك الصلات، وتشتجر الأرحام، وتتجاوب الأطراف، ويكون دائما هذا التيار المتناوب الذي يغدو ويروح بين الجماعتين، جماعة البادية وواحتها وقراها، وجماعة الضاحية ومدنها وقصورها، بالوشائج والصلات، ومن  هنا، لم يكن للموجة المسلمة المتدفقة، أن تجد في العراق العربي عناء ولا جهدا، وإنما كان الجهد والعناء في المناطق التي يكثر فيها الأعاجم أو يسودون...(106-107).
وقد تعمقت حركة التعريب اللغوي هذه في العراق، بحركة التعريب السلالي الناجمة عن اختلاط الفاتحين بالأعاجم، وتفاعلهم معهم عن طريق تناقل السبايا من العراق إلى الجزيرة العربية، والإقبال الذي نشأ على التزوج بالعجميات، ونشاط الموالي ممن أسلموا، وتعربوا ثقافيا، وأسهموا بفضل ذلك، في إيجاد أرضية للتبادل بين لغتهم وثقافتهم الأصلية (اللغة والثقافة الفارسية) وبين لغة العرب وثقافتهم، وبموازاة هذا التطور الاجتماعي والثقافي الذي كان واقعا في الشرق خلال بلاد الرافدين، كانت مصر وأقطار المغرب تشهد تطورا مماثلا، وإن كانت هناك عدة  تفاصيل، تختلف فيها ظروف الفتح في كل منطقة من هذه المناطق عن الأخرى، والعنصران البشريان الرئيسان في القطاع الغربي من مجال الفتح هذا، هما الأقباط والبربر، يضاف إلى ذلك الروم، العنصر الدخيل الذي أوجده على الساحة في هذه المنطقة، ذيول التحركات الأوربية التوسعية في شمال إفريقيا قبل الإسلام.
وقد عرض المؤلف في الفصول التي عقدها للموضوع، ضمن الباب الثالث والرابع، لطبيعة العلائق التي نشأت بين الفاتحين المسامين، وبين هذه العناصر السكانية في منطقة ما بين النيل والمحيط الأطلسي موردا فيما يخص مصر من ذلك قوله:
"...الشيء، الأصيل الذي حرص عليه المسلمون هو أن ينهجوا للأقباط الحرية والأمن، بعد هذا الذي حاول الروم أن يغلبوهم عليه في حرياتهم الشخصية..."(119).
ويخلص بعد استعراضه جوانب أخرى تتعلق بسياسة المسلمين نحو الأقباط في مجال الحرية الدينية والضرائب والوظائف ـ إلى موضوع التجارة حيث يذكره "...أفاد الأقباط من الفتح الإسلامي حرية في الحركة التجارية لم يكن لهم أن يتمتعوا بها من قبل، فالتجارة المصرية كانت توشك أن تكون في الإسكندرية موقوفة على اليهود وعلى الروم أنفسهم، ولعلنا نستطيع أن نستنتج فيما آل إليه الأمر بعد، على يد المسلمين، أن هذه المنافسة قد خدمت، وأن المساواة التي نشرها المسلمون للذين دخلوا  في ذمتهم كانت تمكن للتجار الأٌقباط أن يأخذوا مكانتهم في تجارة مصر...."(126).
أما الروم الذين وجدهم الحال في مصر أثناء الفتح، فقد كان منهم من قاتل المسلمين، حتى إذا غلب خير بين الدخول في الذمة أو مبارحة البلاد، ومنهم من سالم القوات الفاتحة فدخل فيما دخل فيه الأقباط من نظام الجزية، وثمت من تعاون مع المسلمين، فاستبقوه في المناصب الإدارية للإفادة من خبرته.
وفي إيغال نحو الغرب، يتطرق المؤلف ضمن مزيد من الاستقصاءات له حول الأرض والخطط التعميرية والتحول الاجتماعي هناك في ظل المسلمين  ـ يتطرق إلى بلاد المغرب، معتمدا نفس المنهاج في النظر إلى الموضوع من خلال الأرض والسكان وحركة التعمير والتعريب والخصوصيات المختلفة التي اكتنفت العمل الإسلامي في هذه المجالان، وطبيعة النتائج التي أمكن التوصل إليها من خلاله.
وإذ يتصدى الكاتب لرصد حركة الفتح في المنطقة وملابستها يذكر في ذلك: "أننا في المجتمع الإسلامي في المغرب، لم نستطع أن تبين الخميرة العربية الأولى ممن كانت تتألف، ذلك أن الجيش الإسلامي دخل إفريقيا مرات، وردته افريقية مرات، وفي كل مرة، كان يختلف وراءه أثرا إسلاميا في بعض القبائل البربرية، فلما أوشك أن ينقاد المغرب كله للحكم الإسلامي، وغلبته حملات حسان وموسى بن نصير، كان الإسلام قد خاض أكثر الهضاب والشطوط البربرية، وأضحى إيمانا عند كثير من الجماعات، فلم يكن في حاجة إلى خميرة عربية تتولى هي أمر تعريبه وإسلامه، وإنما تكونت هذه الخمائر الأولى في هذا الوسط من البربر أنفسهم، الذين حملوا عبئا كبيرا في إسلام قومهم كما حملوا العبء الكبير في فتوح بلادهم، وكما سيحملون بعد ذلك مثل هذا العبء في فتح الأندلس أو بعض جزائر البحر المتوسط، ومن هنا، كبر ما بين فتوح المغرب وفتوح البلاد الأخرى من فروق: فالهجرات العربية إلى المغرب لم تكن هي هذه الجيوش التي عسكرت، ثم تلتها الامداد بعدها، والتي مكن لها الفتح فاستقرت حيث مكن لها، وبدأت حياتها على هذه الأرض التي فتحتها وصالحت عليها، ولكن الهجرات العربية أو أكثرها ، جاءت بعد الفتح في القرنين الثاني والثالث، وفي القرون التالية، حين كانت تضطر الظروف المعاشية القبيلة أن تهاجر، أو حين كان لا يسع الخليفة أمام بعض الظروف السياسية أو الفتن الداخلية إلا أن يحملها على الهجرة، ولهذا، فإن الباحث الذي ينشد التعرف إلى أنسياب الدم العربي في المغرب لم يجد ملتمسه في القرن الأول في الفتوح، وإنما سيجد ذلك فيما تلاه من قرون وهجرات..."170.
وفي موالي الحديث خلال الباب الذي عقده المؤلف حول التطور السكاني بإيران وبلاد المشرق في عهد الفتوح الإسلامية، نخلص إلى الكتاب الرابع من هذا المصنف، وفيه يلقى المؤلف أضواء حول دور الأدب في حياة المجتمع العربي الإسلامي، أثناء الفترة التي يبحثها وتبعا للنهج الذي سلكه المؤلف في معالجة موضوعه فقد كان هناك دوران أو مرحلتان
في تبلورات الحياة، الأدبية خلال هذه الحقبة، أولاهما دور الهدوء، والثاني دور اليقظة والتفتح، وقد أثرت في تكييف الحياة الأدبية خلال الدور الثاني، جملة من العوامل منها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو نفسي/ ومنها ما هو علمي.
وفي جولة طويلة لتمحيص عموم الموضوع الأدبي خلال الحقبة موضوع البحث، وذلك عن طريق دراسة العوامل المذكورة، واستجلاء مسائل مختلفة أخرى من عالم الشعر والنثر، وأصول تطورهما في نفس الظرف، يخلص الكاتب في خاتمة المطاف إلى منتهى الكتاب ليقرر أن التطور الأدبي (الذي استعرض مظاهره وجذوره وعوامله) انتهى بالأدب إلى أن كان أدب هذه الحضارة الجديدة (الحضارة الإسلامية) بكل علومها وفلسفتها وفنونها وعقائدها، وان الأدب العربي شهد في هذا التطور مدا لآفاقه، وتنوعا في أجناسه، وخصبا في ثقافته، وأن هذا المد والتنوع والخصب تلخص كل خطواته التي صار إليها، واتجاهاته التي سيؤول إليها..."(449).
يشكل الكتاب الذي حاولنا في هذا الحديث استجلاءه، عملا دراسيا جادا، وطويل النفس في استطلاعاته وتقريراته واستنتاجاته، وتعكس حصيلة الفصول وأبواب التي تألف منها، مدى الجهد المضني الذي بذل لتسويقه على الوجه الذي بدا فيه غزير المورد من المعلومات طموحا في استيعاب ما أريد أن يستوعبه من شتيت مسائل متشعبة بطبيعتها، جزئية في وضوحها، بعيدة الغور فيما يستشف منها ويستكشف.
بيد أن هذه الظواهر بالذات، التي يتسم بها الموضوع، تجعل من الأكيد حاجته المستمرة إلى مزيد من  التحليل والتمحيص والاستقصاء، باعتبار أن العمل المعروض بهذا الصدد ـ و‘ن كان عملا جيدا بدرجة فائقة، فإنه ككل عمل رائد، يبقى لبنة أولى، في بناء طويل عريض، يتعين أن يتظافر غير ما جهد واحد، على توفير الأسباب الممكنة إياه من استحصال كافة شروطه، واستكمال بنيته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here