islamaumaroc

المسيرة من منظور أخلاقي

  دعوة الحق

172 العدد


المضمون الأخلاقي للمسيرة:

يستقي المضمون الأخلاقي للمسيرة مادته من حقيقة أن هذا التحرك التاريخي-الذي انطبع به- كمعلمة جد بارزة-تاريخ المغرب المعاصر- قد نبع من منطلقات فكرية موصولة بأنبل ما يحفز الإنسان –فردا أو جماعة- من مثاليات مبدئية، قوامها التعلق بالحرية، والغيرة على الكرامة، والحرص على الحفاظ على السيادة الوطنية، مرتبط ذلك في العقلية الجماعية بعمق الشعور بشمولية هذه المعاني وتكاملها، ضمن النطاق الوطني، باعتباره كلية مطلقة، لا يمكن أن يتجزأ حرية أو كرامة أو سيادة، مثلما لا يجوز أن يتجزأ هيكله الجغرافي، أو بنيته البشرية، أو صفته التاريخية، أو طرازه الحضاري، أو مقومات وجهته الفكرية في حاضر أو مستقبل.
وقد برزت المسيرة عمليا لتجسد هذه الدلالات الأخلاقية تجسيدا قويا، تمثل في حرارة التجاوب الجماعي مع الأهداف المعلنة لهذه الحركة التاريخية، وتلقائية الحماس الوطني الممتزج بالمشاعر الدينية، الذي أثاره الموضوع، والانضباط الدقيق الذي اتسم به مسلك الكتل الشعبية المشاركة في الاندفاعة، ووضوح الرؤية لدى هذه الكتل فيما استمدته من جودة إدراكها لأبعاد التحرك ومعالمه المبدئية.
إن كل هذه الدلالات لتشكل قاعدة عريضة لتبلور صورة جد معبرة، ترى من خلالها القيمة الموضوعية لتفكير مجتمع ومنحاه الأخلاقي في التفكير، ووجهة السلوك التي يتخذها بناء على ما يعتنقه من قيم، وما يأخذ به من مبادئ أخلاقية.

المضمون الفكري للمسيرة على الصعيد العالمي:
إذا كانت المسيرة قد شدت إليها-منذ البداية- إلى حين رجوع المتطوعين إلى أقاليمهم، الرأي العام العالمي على اختلاف نزعاته ومشاربه، فيرجع ذلك في جملة ما يرجع إليه، إلى الأهمية الفردية التي اكتستها الحركة على الصعيد الفكري، فيما لذلك من صلة بأخلاقيات شعب بكامله، وما للأمر من انعكاسات على آفاق الفكر النضالي العالمي، الذي تشكل المسيرة بالنسبة إليه نموذجا فلسفيا فريدا.
ويمكن إجمال بعض موجبات هذه الأهمية التي اكتستها الحركة فيما يلي:

1) تميزها
- من حيث الشكل، الذي اتخذته، والروح التي سادتها، عن صور النضال المعهودة في العالم، بما فيها صورة النضال المنبثق عن فلسفة اللاعنف التي اتبعت في آسيا، والأساليب النضالية من هذا القبيل، التي استعملتها شعوب أو أخرى لتحقيق مطالبات معينة.
لقد استوعبت المسيرة في إطارها تكتلا بشريا هائلا، احتشد بكل قابليته وطاقاته، للضغط على سير التاريخ، واستخلاص أكثر النتائج حسما تاريخيا، تحت ثقل ذلك الضغط، وتم الأمر في مثل لمح البصر بالنسبة لضخامة المهمة وشيوعها، مفضيا ذلك إلى تصحيح الوضع المراد تصحيحه، بعد أن أمضى عهد الاحتلال الأجنبي في الصحراء عشرات السنين لاصطناع ذلك الوضع، ورعايته.
وكل هذا، مما يختلف اختلافا عن كيفية النضال السلمي عند الأمم الأخرى التي احتذت في ?
نضالها أسلوب اللاعنف، ذلك أن مردود ذلك الأسلوب لم يكن فوريا مثل ما حصل في حالة المسيرة الخضراء بل ولم يكن في كثير من الحالات ذا مردود مضمون إطلاقا، ومن ثم لم يخل الحال من أن تسعى بعض الشعوب التي جربت فلسفة نضالية كهذه، إلى تغيير منهجها في التجربة  بحثا عن النهج الذي يمكن أن تجده أكثر ملاءمة وربما أحيانا بسبب تعدد نظرتهم في صلاحية هذا الأسلوب أو غيره من الأساليب المتراوحة بين العنف أو اللاعنف، أو اختلافهم حول درجات العنف في حد ذاته، أو مستويات اللاعنف في حد ذاته، وكل هذه التشعبات قد تكون ناجمة عن ضعف النتائج المتأتية عن الأساليب المتبعة، ومن هذه الزاوية يمكن استبانة القيمة العلمية التي كانت للمسيرة الخضراء كتحرك دقيق في حساباته وموازينه، وحاسم حسما فوريا فيما أحدثه من تأثيرات وما أدى إليه من أوضاع.

2) القيمة الفكرية  لمدلول التحدي في الحركة:
ولقد برزت –من هذا الاعتبار- كتحد جماعي لركام الزمن الذي انقضى على الصحراء مفصومة عن أصلها الأصيل: الكيان المغربي، كتحد لمنطق القوة الذي اعتمد في تأمين استمرار الوجود الأجنبي في الأرض المحتلة، كتحد لمسلسل المناورة والمماطلة واللف والدوران الذي اتبع، سواء على صعيد الأمم المتحدة، أو خارجها، لمجرد ربح الوقت وتعقيد ما هو غير قابل للتعقيد بطبيعته.
وفي طي هذه التحديات التي انطوى عليها موضوع المسيرة، كان مدلول التحدي المتجلي في شكلها المفرد، المتميز عن أشكال النضال التقليدية في العالم المعاصر.
لقد طفرت المسيرة على سطح الأحداث العالمية محملة بشحنات قوية من دلالات هذا التحدي الناجم عن أصالة الأساس الفكري الذي انطلقت منه، وتأبى طبيعة هذا الأساس عن التأثر بالمنهجيات النضالية السائدة على الساحة العالمية، وعمق الإثارة التي اتسم بها الرهان المطروح بهذه الصورة، وهو رهان مزدوج في التزامه من جهة بتحصيل النجاح المقصود من العملية، واعتماده من جهة أخرى على الأصول الفكرية المغربية في سعيه لتحقيق هذا الهدف.

3) السمة الملحمية للمسيرة: وقد تجلت المسيرة ؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟

ووطنيا وموصول في صميم استمداداته النفسية، بعمق وجدان المجتمع وأغوار أحاسيسه.
على أن الأمر في هذا المجال، لم يكن مجرد طفرة أو انتفاضة ذات طبيعة فجائية، نظير ما يحصل من مثل هذه الطفرات أو الانتفاضات، بفعل حالة من حالات استرداد وعي كان من قبل مفقودا، فالواقع أن الملحمة التي انطلقت في خريف سنة 1975، كانت ذات ارتكازات متجذرة في مكامن الفكر الجماعي هنا، موصولة بوعي هذا الفكر للموضوع القومي المغربي، واستيعابه لمعطياته.
واتصالا بهذا، كانت متانة الجذور التي تصل تحرك سنة 1975 بمسلسل التحركات قبله سنة 1953 وما سبقها، حتى فجر التاريخ المغربي.
وقد استقطبت العلاقة العضوية للمغرب بصحرائه، جانبا أساسيا وعميقا ومثيرا من جوانب التاريخ المغربي في عمق استمداده من نوازع الإنسان النفسية والفكرية هنا، واضطرامه بدينامية العوامل الاجتماعية والسياسية والحضارية التي أطرت حياة هذا الإنسان على توالي أجياله.
إن دينامية التحركات التي اعتمل بها طويلا الكيان المغربي، في تأثره بهذه النوازع والعوامل، كثيرا ما كانت تتخذ أشكالا جماعية مثيل ما بدا في صورة المسيرة الخضراء، التي حملت أكثر من ثلث مليون نسمة من مغاربة الشمال للقاء مواطنيهم المغاربة في الجنوب.
ففي غضون القرن الهجري الخامس، انتشر مريدو عبد الله بن ياسن نحو أقاصي الجنوب، في حركة اندفاع تاريخية، ما برحت محاورها تتعدد وتتبلور، لتتفتح- عبر الصحراء- على ما بين مشارف إفريقيا، ومسارح البحر المتوسط.
وفي تفاعل مع هذا التحرك الذي اعتمل به المغرب قبيل نشوء دولة الملثمين، تدفق رجال هذه الدولة، الدولة المرابطية، من صحاري المغرب في منائي الجنوب، حتى سواحل المتوسط في أقاصي الشمال، ضمن تحرك تاريخي أشمل، كان على عموم منطقة غربي البحر الأبيض المتوسط أن تشهده أثناء تلك الحقبة، وتتأثر مصايرها بانعكاساته.
وتوالت بعد ذلك التحركات الجماعية من هذا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
على هذه المرينيين، أو من أتوا بعدهم، حتى الآن.
وفي جميع هذه الحالات، كان الداعي لتراوح التدفقات البشرية الجماعية فيما بين الشمال والجنوب، مرتبطا بأغراض العمل على تعزيز الكيان القومي سياسيا، وتأصيل إشعاعه، أو درء تهديد موجه ضد وحدته البشرية أو المادية، أو السعي لرفع قيود مفروضة على سيادته أو حريته.
وواضح ما ينبئ عنه الأمر، سواء من وجهة الشكل الذي اتخذه الاندفاع الجماعي في أحواله المختلفة هذه، أو بالنظر لطبيعة الحوافز الباعثة على هذا الاندفاع، أو باعتبار تكاملية المجال الجغرافي الواقع فيه مثل هذا التحرك-واضح ما ينبئ عنه الأمر، من قوة التجاذب بين أطراف الكيان المغربي، وحتمية التفاعل الفكري، وتلاحم المشاعر بين العناصر المتشكل منها هذا الكيان.
وواضح أيضا، في موازاة ذلك، المظهر الملحمي لحركات التجاذب والتفاعل هذه، وهو مظهر قوي الحضور، بادي الإثارة فيما تعكسه هذه الأحوال، وإن كان هناك قدر من الاختلافات بينها من حيث الموضوع، ونوعية الملابسات، ونتيجة لاختلاف المساق التاريخي الموجود فيه.
لقد اضطرمت التحركات من هذا القبيل بوقدات روحية هائلة لا حد لما تبعثه من طاقة على التحمل والمصابرة، وما يجليه ذلك من صور متألقة.
وسواء في خلال ما غبر من الدهر أو ما هو حاضر، فقد لبثت المثالية الأخلاقية المستوحاة من الشعور الديني والوطني قاسما مشتركا في الموضوع، مستمرة الحضور بكل ما توحي به، وما تحفز عليه.
هذه بعض المعالم، مما كان من الطبيعي أن يركز نظر الملأ في العالم حول المغرب، وهو يمور مورا بدفق المسيرة الخضراء.
وبطبيعة الحال، فقد كان ثمت -نظرا لتعدد الدلالات الفلسفية والسياسية والتاريخية المستخلصة من المسيرة- مجال لاختلاف دواعي انفعال الملأ في العالم بها، تبعا لاختلاف مشارب الناس الفكرية، ومواقع التأثر لديهم، إلا أن الجانب الأخلاقي في هذه الحركة يبقى في كافة الحالات -كما أشير إليه- من أقوى ما كان حريا أن يشد إليها الرأي العالمي ويثير مكامن انفعاله بها على نحو ما حصل في الواقع.

من مظاهر الأصالة الخلقية في المسيرة:
تنبع نبالة الصفة الأخلاقية للمسيرة من كون الحركة مرتبطة الهدف- صميميا- بالفكر الوطني المجرد، ومن ذلك بعدها فكريا عن أخلاقيات العمل السياسي العادي فيما يقوم عليه مثل هذا العمل من تجاوز لطوباوية الاعتبارات المثالية، وتشديد على الموضوع المتعلق بالنتيجة الممكن تحصيلها، بصرف النظر عن الملابسات الخلقية لذلك.
وبحكم موحيات المثال الأخلاقي للمسيرة على هذا النحو، فقد وسعها أن تترفع عن استعمال الأساليب-كيفما اتفق- مؤثرة بهذا الخصوص -وبكل ثقة في ذلك واعتداد به- سبيل التأثير السليم المعتمد على استثارة النوازع الأخلاقية في الخصم واستنداء مكامن إنسانيته، وكان ذلك أسلوبا مجزيا من منظور فكر المسيرة، ومغريا بقدر ذلك، وهي حال من رحابة الفكر وسماحته، كان منها ما كان من دعوة الزاحفين على درب المسيرة إلى ما لابد أن يندرج إليه بحكم ضميره الإنساني، من قبول هذا التحدي الأخلاقي، والإجابة عليه بمثله، مما من شانه أن يعيد الصوارم المشرعة من طرفه إلى أغمادها ويصون بالتالي قضية السلام في مضمار المجابهة معه.
ولم يكن  اعتماد مثل هذا الأسلوب مجرد تكتيك في استراتيجية المجابهة، بل كان انعكاسا لروح نبيلة تستجمع الحرص على تغيير الحال المقصود تغييرها مع شدة العناية-في نفس الحال- بحقن دماء من يمكن أن تراق دماؤهم في سبيل ذلك، وتفادي وقوع ضحايا سواء عند هذا الطرف، أو الآخر.
إن مبدأ الغاية تسوغ الوسيلة،  لم يكن، في منظور المسيرة، مبدأ صالحا للاحتذاء بالمعنى الأخلاقي الجائز إدراكه من هذا التعبير.
فليس من انفصام مبدئي-بحسب هذه النظرة- بين هدف ما، وبين السبيل المتبع للتوصل إليه، بل إن نوعية الوسيلة، يجب أن تكون من طبيعة نوعية الهدف، فيما يتصل بإيجابية هذه الطبيعة ومثاليتها، على نحو ما تتصور به المثالية.
وقد اتخذ هذا الترابط بين الوسيلة والغاية -بالنسبة للمسيرة الخضراء- شكلا متلائما مع هذه النظرة المتسامية في التقدير، والتي لا ينأى بها تساميها عن دينامية الروح العملية التي يجب أن تسود كل سعي فعال وبناء.
وكانت قضية السلام في عمق الاهتمامات التي فرضت بإلحاح في هذا السياق، وقد صاحبت هذه الرغبة العرمة في الحفاظ على السلام وتفادي الوقوع في أحبولة العنف، مسرى الحركة من منطلقها إلى النهاية، وتجلى نبل هذه الرغبة وعمق حوافزها في وقف الزحف، بمجرد أن تحقق -من حيث المبدأ- القصد الأساسي المتغيا منه، وتراجع السائرون بموجب الحال، في جو من إيجابية الباعث والهدف، مثلما انطلقوا كذلك محفوزين بنفس الروح الإيجابية بواعث وأهدافا، وإذا كان في وسع الواحد أن يتبين من خلال ذلك التراجع، مدى ما يعكسه من نجاح للقضية الوطنية، فإنه يسعه -قدر ذلك- استبانة شمولية الإطار الخلقي لهذا التفكير، الذي لم تكن الاهتمامات المنبثقة عنه متعلقة فقط بتحقيق الأهداف الوطنية المتوخاة، بل كانت تتركز كذلك حول دواعي المحافظة على حسن الجوار بين متجاورين، وصيانة السلام في النطاق الجوهري والقاري، وملافاة احتمالات التعرض للضرر من قبل الآخرين أو إيقاع ضرر بهم هم كذلك.
هي بعض المعالم من الانعكاسات الخلقية للمسيرة الخضراء، عرضنا لها هنا في محاولة استشفاف لما ينم عنه هذا الإنجاز التاريخي من إيجابيات، تتميز بها قيمته الفكرية والعملية.
وفي وسع المرء أن يقارن بين مدلولات هذه الأصالة الخلقية في المسيرة، وبين حالة التهافت التي هوى إليها البعض ممن احترفوا معاكسة المغرب في تحقيق وحدته، ودأبوا على الاستنجاد بأية وسيلة مهما كانت لا أخلاقيتها ضدا على هذه الوحدة، لكن أية مقارنة تصح بين أصالة وتهافت؟ بين تفكير أصيل موضوعا واستنتاجا، وتفكير متهافت في موضوعه واستنتاجاته؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here