islamaumaroc

صور من قوة الإيمان

  عبد الرحمان الدكالي

3 العدد

إن دعوة الحق طهرت الإنسان من كل الأقذار التي نشأت عن تربية فاسدة فحالت بينه وبين استغلال إنسانيته، وأعمت بصيرته عن النهج الذي يجب أن ينهجه كإنسان يتطلب الكمال بنفس كريمة حية متوثبة بعيدة الآمال، تشعر بالفضيلة وتتحرق لبلوغها مهما كلفها ذلك من عناء وتضحية.

هذه الدعوة التي أرادت أن يكون الإنسان متمتعا بإنسانيته هي التي بسطت نفوذها على أولائك الذين وجدت بينهم، لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم وغنيهم وفقيرهم، وأحالتهم على أرقى درجات الإيمان فاستسهلوا الصعاب واقتحموا الأخطار، بينما غيرهم ممن كانوا يملكون الدنيا ويتحكمون في الرقاب قد انغمسوا في أقذار المادية وتنكروا للإنسانية، فتكالبوا تكالب الضواري على الفرائس وعاشوا في ظلام دامس، فآلت قوتهم إلى ضعف، ونفوذهم إلى اضمحلال، ووجدوا أمامهم الإنسانية‘ في أكمل معانيها وأسمى مقاصدها وأجلى صورها، تناديهم بصوت تهتز له أركان الدنيا (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) [آل عمران: 64].

تعالوا إلى الإنسانية الصحيحة التي تجعلنا كأسنان المشط، تتكافأ دماؤنا وتتوحد مقاصدنا وتقوى معنوياتنا ونتآخى في الله، فقد ءامنا بدعوة الحق فاكتسبنا قوة فوق كل القوى المادية وسلمت أنفسنا من النقائص.

لقد أشرق فيها نور الله، فاهتدت إلى العقيدة التي هي غاية الكمال ونهاية الجمال، فهي عندنا أفضل من المال والجاه، وأغلى من هذه الحياة. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) [النساء: 174-175].

لقد تجلت هذه الإنسانية الصادقة في غزوة بدر، يوم أن وقفت قوتان غير متكافئتين وجها لوجه، فقريش تلقى بألف من أفلاذ كبدها، ومحمد صلى الله عليه وسلم، يلقى بثلاثمائة من أصحابه، وقبل أن تنشب المعركة، يريد الرسول عليه السلام أن يعرف القوة المعنوية التي في ذلك العدد القليل من أصحابه، وما كاد يتم خطابه الذي وجهه إليهم حتى قال المقداد بن عمرو (يا رسول الله، امض لما أمرك الله، فنحن معك والله، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى، «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون»، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون). وقام سعد بن معاذ صاحب راية الأنصار وقال: (لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا؛ إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله). وما أتم سعد كلامه حتى أشرق وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني إنظر إلى مصارع القوم ). وإن سعدا ليتكلم مرة أخرى فيقول: (يا نبي الله، نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدوك كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلوا عنك؛ يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك). أية قوة مادية تستطيع أن تسيطر على هذه القوة المعنوية التي أوجدتها دعوة الحق في نفوس هؤلاء الذين اعتزموا أمام قريش وهم يعلمون أنهم ثلاثة أمثالهم، وهم في نفس الوقت يفكرون أقوى ما يكون التفكير في حماية ذلك الداعي العظيم.
    

إنه الإيمان الذي سرى من نفس ذلك الداعي العظيم إلى نفوسهم، فتضاعفت قوتهم واندفعوا للموت في سبيل العقيدة والوطن، ولكن يحب أن يرجع محمد صلى الله عليه وسلم إلى إخوان لهم علموا منهم ما علموا من أنفسهم، ليجاهد في سبيل هذه العقيدة، لقد كان كل واحد منهم يشعر أنه في جوار الله، وليس بينه وبين لقائه إلا أن يموت شهيدا في هذه المعركة الفاصلة التي ستولد بعدها الدولة الإسلامية الكبرى، وها هم يسمعون صوت رسول الله يتلو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) [الأنفال: 65]، وهذا بلال أمام أمية بن خلف الذي كان يعذبه ويضع عليه الصخور الحامية ليرده عن دينه، يواجهه في ساحة الوغى، ويقول أمية رأس الكفر: لا نجوت إن نجا، وذاك معاذ بن عمرو بن الجموح يقتل أعدى أعداء رسول الله: أبا جهل، وأسد الله حمزة بن عبد المطلب يقتل الأسود المخزومي وشيبة بن ربيعة، وأما علي بن أبي طالب فإنه لا يمهل الوليد بن عتبة. وانتهت معركة بدر بانتصار دعوة الحق التي لن تزال قائمة ما دام في هذه الأمة دعاة مخلصون، منحهم الله روحا من عنده، ونفحهم بعبير رحمته، وأنار قلوبهم بهدايته.

عسى أن تكون هذه الصور عبرة لنا فنمسك بالسلسلة التي تصلنا بأولئك الذين شهد لهم العالم قديما وحديثا بجلائل الأعمال، فننتشل الغرقى في دياجير الفتن، ونعالج الطباع المسممة بسموم المفاسد، ولا نخشى أن نقول حينئذ إننا قمنا بالواجب المقدس نحو عقيدتنا الخالدة. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here