islamaumaroc

من هنا نبدأ

  دعوة الحق

172 العدد

ولا نقول: ((من هنا نبدأ))، فقد بدأنا فعلا منذ أن اهتدينا إلى الطريق وأبصرنا معالمه، وأحطنا بحقيقة أمرنا، وأدركنا أننا نحمل مسؤولية الإشعاع والهداية إلى سبيل الخير والمحبة والسلام، ومضينا نضيء دياجير العقل والوجدان، ونرسم صورة المستقبل أمام الأجيال، وندك حصون الجهل والدجل، ونقيم في أرجاء الأرض صروح العلم والحضارة ونفك عن الإنسان أغلال القهر والخوف، ونملأ قلبه بالطمأنينة، والثقة والرضا، والطموح.
بدأت الرحلة الطويلة الممتدة مع انبلاج فجر التوحيد، وشروق نور الإيمان، واهتداء الإنسان المغربي إلى الدين القيم، الذي وجد فيه سكينة الروح، وشفاء النفس، ومضاء العزيمة، وقوة التحدي، فارتفع به شأنه، وعلا مقامه، وقويت همته، وصار إنسانا جديدا، يؤمن بالله، ويقود الحضارة، ويثريها بالعلم، ويغنيها بالإبداع، ويصوغ تاريخ البشرية صياغة جديدة.
وتشاء إرادة الله –ولا نقول الصدف أو الظروف، فلسنا مؤمنين بالحتمية التاريخية- أن يرتبط تاريخ المغرب بالإسلام منذ أن أكرمنا الله بهذا الدين، ورضيه لنا عقيدة ومنهجا ورسالة، واصطفا جنودا له وحماة ودعاة، وهيأ لنا – سبحانه وتعالى- أسباب الظهور والنفوذ والسلطان، وبارك لنا في مسعانا وجهدنا وعملنا، وجعل بلادنا حصنا لدينه ومعقلا لشريعته، ووفق ملوكنا وأمراءنا وأولى الأمر فينا للجهاد والفتح، حتى أضحى وجودنا  الحضاري، وكياننا البشري، ممتزجين بهذه العقيدة، مصطبغين بصبغتها، لا يكادان ينفصلان عن جذورها، فنحن بالإسلام مغاربة ومغاربة بالإسلام، ونحن عرب بالإسلام، ومسلمون بالعروبة، لم تشب فطرتنا وأصالتنا شائبة من قومية ضيقة، أو عنصرية جاهلية، أو تعصب عرقي يكرهه الله ورسوله، وحدنا الإسلام وجمعتنا لغته، وتولى العرش الحفاظ على هذه الوحدة والدفاع عنها، وأبلى في سبيل ذلك البلاء الحسن،
ولقد بدأنا من الإسلام، فهو وحده المنطلق والمحور، وأقمنا حضارة سادت العالم، ولم تنتزع ثقتنا فيه، ونبغت في ظله عقول أسهمت بحظ وافر في التراث الإنساني وتتلمذت عليها أوربا، فخرجت بذلك من الظلمات إلى النور، لتبني كيانها، وتقوي نفسها استعدادا لدورة حضارية جديدة.
أفيصح القول بعد هذا، بأننا قوم نتعلق بالأسطورة، ونتشبث بالخرافة، ونحشو عقولنا بالغيبيات، ونعرض عن الأخذ بأسباب التقدم؟
أيستقيم في ميزان العقل – ما دام خصوم هذا الدين يدعون الانحياز إلى العقل – أن يكون الإسلام الذي حرر الإنسان من أغلال الشعوذة واحتقار الفكر، وطرد الاستعمار من البلاد الإسلامية، يتهم اليوم هذه التهمة العريضة الملفقة، أم أنها جهود ومحاولات للتقليل من شأن الإسلام في أعين أبنائه وصرف اهتماماتهم عنه باعتباره القوة الرادعة التي تمنع الاستعمار الجديد من العودة إلى العالم العربي والإسلامي؟
• الواقع أن الحرب ضد الإسلام في أوجها.
ولم يسبق للمسلمين أن مروا بمحنة فكرية في ضراوة وشراسة وعنفوان ما يستهدفون له اليوم من كبد وتآمر وضغط دولي يتخذ أشكالا اقتصادية ودبلوماسية من الخطورة والدهاء والحبك بمكان. ولقد استطاع المغرب بقيادته المؤمنة أن يحطم الحصار الاستعماري حوله، ويفرض إرادته الحرة، وبذلك أحبط المؤامرة الصهيونية الماكرة التي استهدفت الانتقام من المغرب المسلم الذي احتضن مؤتمر القمة الإسلامي الأول، وساهم بتجريدتين في حرب رمضان 1393.
ولا شك أن الصهيونية لا تنظر بارتياح إلى التجارب الناجحة، والأنظمة الراسخة، والقادة المخلصين،والمفكرين الصادقين،وذوي الإرادات القوية، والنوايا الإنسانية، ولا يرضيها أن يشيع الإسلام ويملأ العقول والقلوب، ويتهيأ المسلمون لاستئناف دورهم  الحضاري، ويتجهون نحو التحرير الكامل غير المشروط من التخلف والانحراف والخوف، ومن ثم كانت الصهيونية العالمية بالمرصاد للإسلام وللاتجاهات السوية الهادفة إلى إسعاد الإنسان وخدمة السلام العالمي.
• ولعلنا نستطيع أن نفسر، بموضوعية وفهم، عوامل التطورات وخلفيات الأحداث التي مر بها المغرب منذ انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الأول بالرباط فازددنا ارتباطا به، وثقة فيه، وإتباعا له، غير مضطرين ولا مكرهين ولا مجبرين.
• وليس من قبيل الانفعال العاطفي، أو الحنين إلى الماضي- وإن كنا لا نرى في ذلك ما يخدش كرامتنا- أن نؤكد، في قوة وجزم، وأيضا في وعي وإدراك وتبصر وتقدير لمعاني الكلمات ودلالتها، إن الإسلام ليس دينا بالمفهوم الأوروبي الكنسي للأديان، بمعنى أنه علاقة خاصة أو شخصية بين الإنسان وربه، وليس هو دينا بالمفهوم الماركسي الإلحادي الذي يشيعه بين المسلمين تلامذة الاستشراف والتغريب والغزو الفكري، ولكنه –في وضوح كامل- طاقة حضارية ذات إشعاع وتأثير وقدرة على التغيير والتحرير والبناء: تغيير الواقع وتحرير العقل، وبناء الإنسان والحضارة، ثم هو بالإضافة إلى ذلك سلاح- بالمعنيين الحقيقي والمجازي- يرهبه الاستعمار الجديد ويخشاه اشد وأكثر مما كان يرهبه ويخشاه الاستعمار التقليدي القديم. ولا غرو في ذلك فإن كتاب الاستعمار ومؤرخيه يعترفون في صراحة عجيبة بتأثير الإسلام في معارك التحرير والاستقلال، ويقرون- في شجاعة أدبية تحمد لهم- بفاعليته،  ويشهدون على أنفسهم أنه لولا الإسلام لما قدر للاستعمار أن يخرج من بلاد المسلمين مدحورا مهزوما.
وهي شهادة ليست لوجه الله ولا من قبيل الأمانة والنزاهة والموضوعية، ولكن قصد بها تنبيه الغرب ومراكز القوى الاستعمارية الدولية إلى مكمن الخطر، ومنبع القوة، ومركز الثقل لدى الشعوب الإسلامية.
• وليس يعقل أن يكون الإسلام بهذا القدر من الديناميكية والفعالية والإيجابية وننأى عنه اليوم لنأخذ بهذه العقيدة أو تلك مما تصدره إلينا الصهيونية وربيباتها، وأن فعلنا فسنكون كمن يدخل المعركة بغير سلاح، لا عن فقر أو عوز أو خصاصة ، ولكن عن استكبار وعناد وتعنت.
وهذا- بالضبط- ما يريده لنا خصومنا وأعداؤنا والمتآمرون علينا، حتى تضل بنا السبل، ونفقد القدرة على التركيز والارتكاز والتماسك، وفي ذلك ما فيه من فقدان للاستقلال، واغتصاب للحرية، وامتهان للكرامة والسيادة.
الذي كان  في نظر خصوم الإسلام وأعدائه "خروجا على المألوف" من العرب والمسلمين، الأمر الذي اعتبر في محافل الاستعمار ودوائر الصهيونية الدولية بمثابة ناقوسا لخطر مما جعل " الاهتمام بالمغرب" يتزايد ومخططات التطويق تحبك بدقة، وفي هذا الإطار تدخل كل المحاولات الإجرامية التي أحبطها الله واستنكرها المؤمنون في الأرض وفي هذا-أيضا- تدخل قضية الصحراء بظروفها وملابساتها، التي قصد بها- بالدرجة الأولى- خنق المغرب، والإجهاز عليه، وإغراقه في خضم الاضطرابات والقلاقل والفتن.
ولا يزال المغرب المسلم، بقيادته المومنة الواعية الحصيفة، مرابطا حذرا يقظا، وبالتالي لا تزال أنظار الحاقدين والناقمين والذين في قلوبهم مرض مصوبة إليه، في ذعر وفزع لا يزيدهم نجاح تجربته واستقرار نظامه، وتعايش فئاته وتعلق الشعب بعاهله إلا حقدا.
• القضية –إذن- تتخذ أبعادا فكرية وسياسية وحضارية، لا يجمل بنا أن نفرق بينها، بدعوى عدم الخلط بين الفكر والسياسة أو بين هذه الأخيرة والدين.
ومن هنا بدأنا، ولم نبدأ من الصفر، ولم نستورد فكرا ولا عقيدة، ولم نقبل التلاشي أو الذوبان في كيان دخيل، ولم نرض التنازل عن مميزاتنا وخصائصنا والملامح الدقيقة التي تعطي لأصالتنا طابع الاستقلال والاستعلاء والتفرد، ولكننا بدأنا من حيث أراد الله لنا أن نبدأ، انسجاما مع أنفسنا،    واستجابة لنداء الفطرة.
ولا يزال هذا دأبنا، ولنا في جهاد عاهلنا العظيم عبرة، فما فتئ- حفظه الله- يضرب لنا المثل في التفتح والانفتاح، والأخذ والعطاء،والفهم الواعي لطبيعة العصر ومتطلباته، كل ذلك مع التشبث بالأصول والأصالة، والاستمداد من الإسلام، والاقتباس من شريعته الخالدة، واقتفاء أثر روادنا وقادتنا الأول.
وعودا على بدء، لا نقول: "من هنا نبدأ"..فلقد تخطينا مرحلة الاختيار، ولا نملك إلا المضي في هذا الطريق اللاحب المستقيم، الذي لا عوج فيه ولا أمت.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here