islamaumaroc

المسألة الاجتماعية من وجهة نظر الإسلام

  دعوة الحق

170 العدد


تمهيد:

إنه ليس من السهل الزعم بأن هناك تحديدا ثابتا لمصطلح إنساني كمصطلح المسألة الاجتماعية، كما أنه ليس من السهل تحديد معلم زمني موثوق به لنشأة مصطلح من هذا النوع، حتى وإن كان هذا المصطلح قد تطور، وأصبح يرمز الى قضية كبرى من قضايا الإنسان في العصر الحديث.
ومع أننا سنحاول الوصول إلى تحديد نسبي لهذا المصطلح، والى الوقوف عند معلم زمني تقريبي لنشأته كتعبير عن قضية إنسانية، الا أننا نجد من الضروري التنبيه – في بداية حديثنا – إلى أن هذه القضية – بمفهومها الاصطلاحي الحديث، لم تكن وليدة البيئة الإسلامية، أو المناخ الذي سيطرت عليه روح الإسلام، وإنما كانت " مرضا " تطور إلى " أزمة حضارية " أصابت جسم الحضارة الأوربية الذي نشأ ونما وترعرع بعيدا عن قوانين الله وأوامره، بل بعيدا عن نسمات الروح والأواصر الإنسانية بوجه عام.
ونضيف إلى ذلك أن طبيعة الإسلام كدين لا يفصل بين آثار العقيدة والشريعة، ولا بين خير الفرد وخير المجتمع، ولا بين القانون وروح القانون.... هذه الطبيعة الشاملة في هذا الدين تجعل من الصعب – في ظل تطبيق تعاليمه – نشوء ظواهر كظواهر الصراع بين الفرد والمجتمع، أو الصراع بين الطبقات، أو غير ذلك من  الظواهر التي أبرزت ما يعرف باسم ( المسألة الاجتماعية )، والتي جعلت هذه القضية تأخذ من جهود الإنسان الحديث القسط الكبير.
إن الإسلام – في حقيقته – " بناء تام الصنعة وكل أجزائه – من عقائد وعبارات ومعاملات اجتماعية واقتصادية – قد صيغت ليتمم بعضها بعضا، فليس هناك شيء لا حاجة  اليه، وليس هناك نقص في شيء فنتج عن ذلك – أي عن هذه الطبيعة في الإسلام – ائتلاف متزن مرصوص "(1) لا يجوز تقطيعه.
ونحن عندما نضطر لعلاج قضية كالمسألة الاجتماعية لا يجوز لنا إغفال هذه الطبيعة في الإسلام، فلا نبتعد بالمشكلة عن جذورها، ولا نفصلها عن الجسم الإسلامي المتزن المتكامل.
وفي إطار هذا التصور، وانطلاقا منه نبدأ في دراسة المسألة الاجتماعية.

طبيعة علاج المسألة الاجتماعية في الإسلام

لا توجد في التصور الإسلامي حواجز حقيقية بين الفرد والمجتمع، فإن الفرد يحس بأنه مسؤول مسؤولية مباشرة عن المجتمع، والمجتمع أيضا يحس بان عمل الأساسية وأركانه الطبيعية هم هؤلاء الأفراد المسلمون.
لقد انتمى الفرد المسلم الى هذا المجتمع بإرادته، ولقد انتسب اليه روحا وفكرا ومشاعر قبل أن ينتمي اليه جسدا... أو عضوا عاملا.
والرابطة الأولى بالتالي في المجتمع الإسلامي هي العقيدة المشتركة... وما ينبثق عن هذه العقيدة من تصورات ونظم وقوانين اجتماعية واقتصادية وسياسية.
وهذه الرابطة الأولى – التي ارتضاها المسلم طواعية – تذيب الفواصل بينه وبين المجتمع وتشعره بولاء ومسؤولية حقيقية تجاهه، وتجاه ما يتعرض له المجتمع الإسلامي كله من مشكلات وتحديات.
والسبب الأكبر الذي نكب المجتمعات البشرية وكثف مشكلاتها في الجوانب المختلفة، هو أنها نشأت كمجتمعات " اصطناعية " أو تلقائية، وليست مجتمعات طبيعية قائمة على الاختيار القروي والتوافق الفكري والعقدي.
ومن هنا تظهر في أحشائها بين الحين والحين أمراض متنوعة، مرة اجتماعية، ومرة اقتصادية، ومرة سياسية، ومرة حضارية شاملة تهدد بناءها كله، وتعرضها للتحلل والضياع.
والمسألة الاجتماعية، لم يقصد بها – حين ظهرت حديثا(2)– مجرد تقعيد نظري هادئ للأسس الصالحة لقيام المجتمعات البشرية وتماسكها في ظل تصور إنساني عام – وإنما قصد بها، نتيجة لكونها محاولة للبحث عن علاج لأزمة حضارية كما قلنا.
" تنظيم العلاقة التي تربط الفرد بالمجتمع، وتمنع طغيان أحدهما على الآخر، وتضع الأسس التي تضمن انسجام المجتمع أفرادا وطبقات، وتتيح للجميع قدرا متكافئا من الفرص والحقوق، وتلزم الجميع أيضا بقدر ملائم عادل من الواجبات ".
ولقد تطورت المسألة الاجتماعية – في ظل  غلبة النزعة المادية، وموت الروح الإنسانية وذيول القيم الدينية في أوروبا، واستعباد الآلة الصماء للإنسان، وافتتان الإنسان بها – تطورت هذه المسألة فلم  تعد مجرد قضية إنسانية جزئية، بل أصبحت مذهبا مستقلا يرفعه أصحابه الى مستوى ما يعرف " بالإيديولوجية "(3) تلك التي تشكل – في نظر أصحابها – نظرة كونية عامة وتفسر جميع الظواهر تفسيرا ماديا قاصرا(4)، دون أن تلتفت الى الجوانب الكثيرة الأخرى الروحية والشعورية والأخلاقية التي تتشكل منها الحياة، والتي لا تسمى الإنسان إنسانا، ولا تسمى الحياة إنسانية – الا بها.
ومنذ وجد الإنسان على الأرض والتفكير الاجتماعي يحتل جانبا كبيرا من اهتمامه، وبالتأكيد فإن هناك صلات وثيقة بين الجانب الاجتماعي والجوانب الإنسانية الأخرى على رأسها العقيدة الدينية.
ومعلوم أن النظم والعقائد التي سيطرت على بعض  الحضارات كالفراعنة والإغريق  ( اليونان) والرومان، قد اتجهت الى تقديس الملوك، والخضوع لاستيرادهم، والإيمان بالأساس الطبقي لتكوين المجتمع(5)، وبالتالي ضاعت في هذه العقائد والنظم حقوق الأفراد والمجتمعات، ووقفت في القمة طبقات الحكام والأشراف ورجال الكهانة، بينما ضاعت في السفح -  بلا حقوق- الطبقات الأخرى التي تمثل جماهير الشعب.
فلما ظهرت النصرانية، لم تلبث بعد فترة قصيرة من ظهورها أن انحرفت بقيادة رجال الكنيسة فحرفت ما جاء به المسيح عليه السلام وأصبحت وسيلة من وسائل كبت الإنسان وإذلاله وحرمانه وفرض الفقر والعبودية والجهل عليه... ولم تعد أكثر من أداة هزيلة في يد الإقطاع ورجال الحكم، فلا يجد الإنسان في رحابها العدل ولا المساواة، ولا يطمع في الاستعانة بها للوصول الى حقه في الحرية والكرامة الإنسانية.
ولقد نجح " قسطنطين " أول حاكم روماني تظاهر باعتناق المسيحية – في تحويل المسيحية الى دين وثني مجرد من رسالة الروحية الصافية، إذ كان يرمي – قبل كل شيء – الى ابتداع شعار ديني وثني تتميز به دولة الرومانية عن الأمة الفارسية التي يقف منها موقف المحارب، ويعمل على تحريك العواطف الشعبية ضدها.
ويصف القاضي عبد الجبار الهمداني هذا الوضع الجديد للنصرانية على يد" قسطنطين "، فيقول : " ان الروم ما تنصرت ولا أجابت المسيح، بل إن النصارى ترومت، وارتدت عن دين المسيح، وعطلت أصوله وفروعه، وصارت الى دين أعدائه، وهو ما عليه هذه الطوائف الثلاث من النصارى... فعلوا  ذلك طلبا للرئاسة وعاجل الدنيا "(6). ولقد أدى هذا التحول النكد في المسيحية الى تسليط رجال الكنيسة التابعين  فكريا للتقاليد الرومانية الوثنية على البؤساء والفقراء.... كما أدى هذا التحول – كرد فعل – الى بروز نزعات التغيير الاجتماعي في مطلع عصر النهضة الأوربية، وهو أول بروز  عملي للمسالة الاجتماعية بمعناها الحقيقي، الى أن تطورت كمذهب في نهاية القرن الثامن عشر مع الثورة الفرنسية.
ولقد  قامت هذه النزعات على أساس إعلان الحرب على المسيحية والاعتقاد بان الدين عموما-انطلاقا من تجربة المسيحية – يشجع على الظلم، ويتواطأ مع الأقوياء ويعجز عن تقديم الحلول الكافية "للمسألة الاجتماعية " وبالتالي كان معظم فلاسفة الاجتماع الأوربيين من المنكرين للأديان، أمثال "جان جاك روسو" و "فولتير" و "فرنسيس بيكون" و "ديكارت" و "أوجست كونت" و "سبنسر" و "دوركايم"، بالإضافة إلى زعماء المذاهب الفوضوية الاشتراكية من أمثال " توماس مور" و " برودون " و " توماس كامبانلا" و " مورلي " وغيرهم.
وباضطرار التطور" التكنولوجي " والاعتماد على الآلة، كانت المشاكل تتفاقم بين أصحاب رؤوس الأموال والعمال الذين أصبحوا نتيجة تزايد الاعتماد على الآلة عرضة للبؤس والتشرد.
وظل الأمر يستفحل بين الملاك والعمال – في غيبة قانون إلهي عادل – حتى انتهى الى " عنف دموي " بين الطبقات المختلفة، فأخذت المسألة الاجتماعية شكلا حادا وخطيرا.
ولقد استغل اليهود هذه الفرصة كعادتهم فركبوا الموجة المضطربة ووجوها لمصالحهم، وكرسوا جهودهم لتقنين هذا الاضطراب وإشاعته في العالم فاخترعوا لذلك ألوانا من المذاهب  المادية من شيوعية ماركسية، الى شيوعية لبينينية، اشتراكيات، متعددة إلى وجودية. وكلها مذاهب وإن اختلفت شكلا تلتقي مضمونا عند نقطة رفض النظرة الدينية العالية الشاملة، وإقامة الحياة على أساس الإلحاد والصراع والتناقض.

خصائص المنهج الإلهي في علاج المسألة الاجتماعية
عند دراستنا المنهج الإلهي في علاج المسألة الاجتماعية يجب أن نستحضر في أذهاننا ما ذكرناه آنفا من أن المنهج الإلهي كل لا يتجزأ، وان علاج أي عضو في الجسم لا يعني أن بقية الأعضاء بمنأى عن التأثر بقصة هذا العضو والتأثير فيها.
وفي ظل الوعي بهذه الحقيقة نستطيع أن نستنتج أن طبيعة المنهج الإلهي في علاج المسألة الاجتماعية ترتكز على الحقائق  التالية :
أولا: إن الخصائص التي تتميز بها الشريعة الإسلامية، بل التصور الإسلامي كله، تصدق على نظرة الإسلام للمسألة الاجتماعية.
*فإذا كان الإسلام دين سهولة وتدرج ووسطية وتوازن بين أنشطة الحياة المتوردة وجوانبها فإن هذه السمات تتجلى أيضا في تناول الإسلام للمسألة الاجتماعية أسلوبا وغاية.
*وإذا كان الإسلام دينا ربانيا صادرا عن قوة منزهة عن كل شرك، وليس نظرية إنسانية جزئية أو ترفيهية، فإن هذه الحقيقة الدينية ستتجلى أيضا في علاج الإسلام للمسألة الاجتماعية حين لا يقتصر العلاج الإسلامي على القوانين الجافة أو السلوك الظاهري، وإنما يتعدى ذلك إلى تحريك عواطف الرحمة والحب والأخوة الإنسانية وخشية الله ورضاه، وصولا إلى تحقيق مجتمع العدالة الاجتماعية الواقعية وليست العدالة النظرية المزيفة.
*وإذا كان الإسلام يجمع بين الثبات والتطور ورسم لكل منهما إطاره، ويجمع بين المثالية التي ينبغي أن ترنوا إليها البشرية دائما، والواقعية التي يسير عليها الناس غالبا. ويجمع أيضا بين الدنيا – أي الوجود المحدود- والآخر – أي الوجود الممتد، ويخاطب الإنسان بالعبادات من داخله وينظم وجوده بالمعاملات من خارجه.
إذا كان الإسلام في أسلوبه وتشريعاته كلها يجمع هذه الخصائص التي يعجز أي مذهب بشري عن إحداث التوفيق والانسجام والتعاون بينها، فإن هذه الخصائص تتجلى – أيضا وبالضرورة – في علاجه للمسألة الاجتماعية.
ثانيا : إن الإسلام لا ينظر إلى المسألة الاجتماعية كقضية ذات طابع مادي فقط، فالإنسان في نظر الإسلام لا ينحصر في دائرة الوجود المادي أو الاقتصادي – كما يقول الماديون الجدليون – وإنما هو كائن إنساني روحي، إلى جانب ما فيه من جوانب مادية.
فالحرية الإنسانية مثلا في نظر الإسلام لا تقل أهمية عن الجانب الاقتصادي.
وقتل حرية الإنسان في مقابل توفير الخبز والملبس له انتكاسة حيوانية وردة إنسانية وهبوط بالمستوى الذي وضع الله الإنسان فيه ( وهو ما فعله الشيوعيون والماديون بعامة ).
وعلى أساس تحقيق الكفاية لكل جوانب الإنسان من مادية ومعنوية ترتكز المبادئ الإسلامية في علاجها للمسألة الاجتماعية.
ثالثا : والإسلام كدين إلهي لا يعترف بالنزعات العضوية أو القومية أو الطبقية، أو ما سوى ذلك من نزعات الصراع والتناقض، بل يقيم تشريعاته على أساس الركنين الفطريين التاليين:
أ-وحدة الأصل  فالبشر جميعا ينقسمون إلى أب واحد وأم واحدة وان اختلفوا جنسا ولونا ووطنا، ولا ينبغي أن يكون اختلافهم هذا حائلا دون أخذهم حقوقهم الإنسانية المشروعة(7). قال تعالى :" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..(8)
ب-وحدة العقيدة : وهي التوحيد الخالص الذي جاء به النبيون جميعا " إن الدين عند الله الإسلام"؟.(9) " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه "(10) فهذا هو أساس القصيدة التي لا تبدل، أما التشريع الذي ينظم حياة الجماعة فهو الذي يتطور في الرسالات الإلهية... حتى إذا جاء الإسلام في صورته النهائية كان قد احتضن الفكرة الأساسية في دين الله الواحد، واستقى الصالح من المبادئ والتشريعات والنظم في الرسالات السابقة وأكمل الناقص منها وأتمه.(11)

(1) -محمد أسد :" الإسلام على مفترق الطرق"
(2) -نحن نتناول المسالة الاجتماعية في مرحلتها التي ظهرت فيها كثورة على الكنيسة والإقطاع بقيادة المفكرين الاجتماعيين والفلاسفة الخياليين والطبيعيين – أما الفكر الاجتماعي كفكر أنساني فهو قديم يرجع إلى شعور الإنسان بأنه مدني بالطبع وبأنه كائن اجتماعي، وليس تتبع هذا الفكر موضوع بحثنا.
(3) -الايديولوجية : تستعمل بمعنى العقيدة والفكرة، والعالم المامول، أو التنظيم المعين للحياة.
(4) -ومن النظريات الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت من نفسها عقيدة المذاهب الاشتراكية والشيوعية.
(5) -أنظر – و- محمد البهى – في " طبقة المجتمع الأوربي "ص11.
(6) -نقلا عن " المسألة الاجتماعية " للأستاذ عمر عودة الخطيب ص 70.
(7) -أنظر – عمر عودة الخطيب- لمحات في الثقافة الإسلامية بتصرف ص 326.
(8) -الحجرات :13
(9) -آل عمران 19.
(10) -آل عمران 85
(11) -عمر عمر عودة الخطيب:" لمحات في الثقافة الاسلامية " ص 328 بتصرف

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here