islamaumaroc

المسيرة الخضراء معلمة رائعة في سجل الجهاد الإسلامي

  دعوة الحق

170 العدد

بعد أيام قليلة تحل الذكرى الأولى للمسيرة الخضراء المظفرة التي انبثق عنها المغرب الجديد وأسفرت عن تحرير الصحراء واسترجاع الأرض المغتصبة وإعلاء راية الإسلام والعرش العلوي فوق هضابها.
ولقد كانت المسيرة الحسنية نقطة تحول جذري في تاريخ المغرب الحديث أعادت لبلادنا مكانتها التاريخية ودعمت كيانها ورفعت شأنها بين الدول وصححت الأوضاع وقومت الاعوجاج ورأبت الصدع وأعطت للشعب المغربي نفسا جديدا دفع به أشواطا في طريق النماء.
ولم تكن المسيرة الخضراء تكتيكا سياسيا اقتضته ظروف غامضة بقدر ما كانت انتفاضة شعب أبى أن يستمر في الأغلال مكبدا وفي القيود مصفدا وعلى مرمى البصر منه استعمار صليبي حاقد يكيد له كيدا ويتحرش به ويستفزه ويحول بينه وبين اللقاء بمواطنيه في الصحراء.
لقد كان شعبنا هنا في شمال المملكة يشعر بفداحة المسؤولية وثقل العبء وجسامة الأمانة وهو يتطلع إلى إخوانه في أقصى الجنوب يسامون سوء العذاب ويعانون العسف والقهر والمهانة فلا يقوى على تغيير المنكر وطرد المغتصب والثأر لأبناء العمومة. وكان عاهل البلاد المفدى أشدنا إحساسا وأكثرنا وعيا بحرج الموقف وخطورة الظرف، فلم يفتأ حفظه الله يصل الليل بالنهار من أجل التعجيل بافتكاك اسر رعاياه والإسراع لفك الحصار عنهم وانضمامهم إلى حظيرة الوطن. وسلك أعزه الله شتى السبل واتخذ مختلف الوسائل واستخدم أقصى حد ممكن من الروية والتؤدة والحلم، وعرض على الدولة المستعمرة حلولا وطرقا للتفاوض ولم يدع أسلوبا دبلوماسيا إلا لجأ إليه أملا في إقناع الخصم على التنازل قليلا عن تعنته وعناده وإصراره على إنكار حق المغرب في استكمال سيادته وحرصا على حقن الدماء، وتجنبا للصدام، وإيثار للسلام. واستمرت المحاولات الجادة المخلصة الدؤوب تتوالى في جهد وحرص ومتابعة، إلى أن اتضحت النوايا السيئة، وتبينت المخططات المغرضة، وتأكد عزم الاستعمار على تنفيذ جريمته النكراء في وضح النهار. فلم يجد قائد الشعب بدا من اللجوء إلى وسيلة جديدة والأخذ بأسلوب لم يعهده العالم من قبل، فكان أن تفتقت عبقرية الملك المصلح عن خطة المسيرة، وانتهى تفكير جلالته إلى فكرة الدخول إلى الصحراء بالطرق السلمية. وكانت المسيرة الخضراء إلى الصحراء...
واهتز العالم كله للبنا الذي أعلنه جلالة الحسن الثاني في مساء سادس عشر أكتوبر من السنة الماضية، وبهت الأعداء وأخذوا بما لم يخطر لهم على بال، وتغيرت إستراتيجية الصراع في المنطقة، واحتد النزاع، واشتدت المساومات والمزايدات في محاولة للتأثير على القرار الحاسم والنيل من العزم الأكيد والفت في عضد القائد الملهم، فإذا بالذين أعلنوا على رؤوس الملأ تأييدهم المطلق للمغرب في كفاحه العادل من أجل تحرير مناطقه المحتلة يجاهرون بالعداء والحقد والضغينة، وينكثون عهدهم، ويأخذون في معاكسة إرادة الملك والشعب ووقف حركة التاريخ بالباطل والمهاترات والشعوذة السياسية والدجل الإعلامي، وإذا بالدولة الأجنبية في المنطقة تراوغ وتسوف وتماطل وتهدد، وإذا بالقوى المعادية للعروبة والإسلام المناهضة للعدل والسلام تنحاز إلى جانب الشر والمكر والتآمر تارة بصورة مكشوفة وبالدس والمكيدة تارة أخرى. فما زادنا كل ذلك إلا إصرارا على المضي في المسيرة، وقوة على الصمود في وجه العراقيل. وقدرة على إحباط المؤامرات، وعزما على انتزاع حقنا المغتصب مهما كان الثمن فادحا.
وبقدر ما قوى إيماننا بحقنا، وأشتد التفافنا حول العرش القائد المجاهد كثر من حولنا المؤيدون والمساندون لا يدفعهم إلى ذلك شيء إلا تعزيز جانب المغرب وتدعيم موقفه لما في ذلك شيء إلا تعزيز جانب المغرب وتدعيم موقفه لما في ذلك من إعلاء لكلمة الإسلام ورفع لراية العروبة، وتمكين لأمة القرآن في الأرض.
ودخلنا الصحراء بالإيمان والعزم والالتفاف حول العرش، وفرح الشعب المغربي بنصر الله... فوجدنا أحضانا تتهيأ للاستقبال، وألفينا أفئدة تهفو للقاء، وتمتلئ بالحب لله والإخلاص للوطن والولاء للملك...
ودخلت المسيرة الخضراء التاريخ من أوسع أبوابه فكانت بذلك علامة مضيئة على طريق الخير والحرية والوحدة.    
وليس من شك أن المغرب خلق خلقا جديدا بعد مسيرته القرآنية، واستوى عملاقا يفرض وجوده في الساحة الدولية ويعطي المثل الحي المجسم للأمم المؤمنة ويقوم شاهدا على إمكانية انتصار الإسلام في عصر الإلحاد والفسوق والردة، وتفوق المؤمنين على المتخاذلين والمنهزمين من تلامذة الاستعمار وفتيان الصهيونية وخدام الصليبية.
وليس من شك – أيضا- أن قائد المسيرة ورائدها الذي لم يكذب قومه قط جلالة الحسن الثاني توج جهاده الطويل بعمل لم يسبق إليه، وأعطى الدليل على قدرة العرش لتغيير مجرى التاريخ وصون مقدسات الوطن من أن تداس أو تمتهن.
ومن نافلة القول أن المغرب بانتصاره الباهر في معركة السيادة الوطنية دخل مرحلة جديدة من الكفاح تتطلب مزيدا من الجهد والبذل والعطاء استئنافا للدور الذي لعبه على مر التاريخ ومواصلة للرسالة التي حملها ملوكه فكانوا – بحق – هداة ورواد وقادة.
وخرج المغرب من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وبدأ عهدا جديدا تضاعف فيه الجهود ويعظم فيه الأجر ويشتد الصراع ويحمي أوار المعركة.
ولن يكون المغرب خارجا عن نطاق المجموعة العربية والإسلامية، فإن انتماءه إلى العروبة والإسلام من القوة والرسوخ والتمكن بحيث يستحيل التنصل – بأي شكل من الأشكال – من الاضطلاع بالمسؤولية والقيام بالواجب الإسلامي المقدس.
وبقدر ما تشتد ضربات الاستعمار والصهيونية والصليبية الموجهة إلى العالم العربي والإسلامي بقدر ما تزداد مسؤولية المغرب في الرد والردع والمواجهة والتصدي والانتصار للقيم المهددة بالغزو والانقراض والفناء. فما المغرب المسلم العربي بقيادة ملوكه العظام ليتساهل أمام الأخطار التي داهمت العروبة والإسلام أو التقاعس في وجه غارات المسخ والردة، فقد بادر لانقاد عقيدة التوحيد وسارع لرد العدوان وغضب لله ولرسوله وللمؤمنين وانتفض لإعلاء كلمة الإسلام والتمكين للعروبة في الأرض. وليس عجبا أن تختلف طبيعة الاستعمار الأوروبي في بلادنا عنها في البلاد العربية والإسلامية، وليس غريبا أن يكون المغرب آخر معقل عربي إسلامي يسقط في يد المحتل الأجنبي، بل حتى سقوطه كان نتيجة عوامل وظروف وملابسات فوق طاقة البشر، ولعبت فيه الصراعات الدولية في أواخر القرن التاسع عشر الدور الرئيسي، واستمرت المقاومة الشعبية- بإيعاز وتوجيه وتدبير من العرش – زهاء ربع قرن. وهذا لم يحدث قط في أي منطقة عربية إسلامية، ولا في أية دولة من دول العالم الثالث.
ومن هنا يبرز دور المغرب في المعركة الشرسة التي تواجه الأمة العربية والإسلامية. فإذا قام قائد الأمة الملهم جلالة الحسن الثاني باسترجاع الصحراء، ورفع رأس المغاربة شامخا، فليس في  ذلك ما يستغرب منه، ولم يزد جلالته على أن اقتفى أثر أجداده وترسم خطاهم ووفى بالعهد الذي قطعه على نقسه يوم أن بايعته الأمة على السمع والطاعة.
والحق أن للمغرب دورا في الحاضر والمستقبل لا يقل شأنا عن دوره في الماضي إن لم يزد عليه ويفقه قيمة وأهمية، ويرشحه لذلك قدره ومكانته ومقوماته وتراثه وحضارته ونظامه العريق الممتد في التاريخ والأرض. ولا خيار للمغرب في القيام بهذا الدور باعتباره مرابطا على ثغر من ثغور الإسلام وسائر على النهج القويم، إذ يأخذ بزمام أمره ملك مجاهد يذود عن الحمى وينافح عن العقيدة ويحرس حضارة وينافح عن العقيدة ويحرس حضارة هذه الأمة بيقظة ووعي.
ولقد كانت القوى العالمية المعادية للإسلام والسلام تخطط لقيام دويلة ماركسية في جنوب المملكة المغربية لتكون قاعدة شيوعية تنطلق منها جحافل الكفر والإلحاد والخيانة لتضرب دول المنطقة وتتطاول على سيادة إفريقيا. وكان ضمن المخططات الاستعمارية التي أجهضها جلالة الحسن الثاني بعون الله تقريخ الشيوعية في الصحراء المغربية للتحكم في المواطنين المسلمين وربطهم بصفة ذليلة إلى عجلة المصالح الاستعمارية الدولية، كما كان الهدف يرمي إلى التمكين للصهيونية العالمية في المنطقة تحت شعار دولة ماركسية علمانية لا دينية تكون بمثابة البديل للمواقع التي خسرتها إسرائيل في إفريقيا.
ولقد تحرك جلالة الحسن الثاني في الوقت المناسب ليضرب الضربة المناسبة في الموقع المناسب، ولم يفلح الاستعمار في تحقيق حلمه في صحراء يوسف بن تاشفين ومولاي إسماعيل والحسن الأول، وباءت جهوده بالخسران العظيم.
وبذلك كان كفاح الملك والشعب من أجل تحرير الصحراء مشاركة فعالة في إنقاذ البلاد الإسلامية مما يبيت ضده من مؤامرات..... وكان الله تعالى اختار الحسن الثاني في هذا الجناح من العالم الإسلامي ليقوم بهذا الدور التاريخي في وقت تتعرض فيه الأمة العربية والإسلامية لهجوم دموي رهيب لا يعلم إلا الله والراسخون في العلم أين ينتهي ومتى يقف.
وهكذا، فإن المغرب لم يحرر الصحراء لنفسه، بدافع أناني محض أو تشبتا بوطنية ضيقة ولكنه قصد بتحرير صحرائه إلى تخليص الإخوة والأشقاء – وحتى الأصدقاء- من خطر ماحق كاد يفترس المنطقة افتراسا.
وبهذا الاعتبار فإن العمل البطولي الذي قام به الملك والشعب بتحرير الصحراء واسترجاعها إلى حظيرة الوطن الأب إنما هو تمكين للعروبة الإسلام وترسيخ للقيم الخالدة التي ارتبطت بتاريخ شعبنا وتدعيم لأسس السلام والأمن وقطعا لدابر الفتنة والاضطراب والفوضى والارتماء في أحضان المعسكرات الحاقدة على الإسلام.
ولا يملك المغرب إلا الاستمرار في هذا السبيل، في حاضره ومستقبله بإذن الله.
الإسلام والعروبة معا، تلك عقيدة المغرب ومنهجه ومنطلقه، وتلك هي الطريق المأمونة المسالك الواضحة المعالم المضمونة الوصول إلى الهدف بمشيئة الله وذلك هو السلاح الذي تحمله مملكتنا في وجه الفكر العميل المستورد الضليع مع الاستعمار الذي يزحف اليوم زحفا رهيبا على العالم العربي والإسلامي.
والإسلام والعروبة معا قاعدة العرش وأساس الوحدة ودعامة الأمن وأرضية المغرب الجديد. ولن تقوى مؤامرات الماركسية والاستعمار والصهيونية واليهودية على بلوغ أهدافها ما أقمنا حكم الله ورضينا به حلا لمشاكلنا وقضايانا وامتثالنا للأمر الإلهي الصريح القاطع وعضضنا بالنواجذ على شريعة الإسلام ولغة القرآن وازددنا تمسكا بهذا العرش الخالد الذي هو وحده ضامن الوحدة والأخوة والتعاون لما فيه مصلحة الشعب بجميع فئاته.
فمسيرتنا مسيرة إسلامية عربية خالصة لوجه الله...
ووظيفة نظامها الذب عن حياض العقيدة والذود عن حمى الملة والحفاظ على كرامة الشعب وصون عزة الوطن وحماية هيبة المسلمين.
وهذا يعني – بداهة- رفض الحلول المستوردة، وقمع المذاهب الهدامة، وضرب التيارات المناهضة، والتصدي لمحاولات الاحتواء والغزو والاستلاب ومواجهة أعداء العروبة والإسلام بما أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نواجههم به لتكون لنا الكلمة والسلطان والنفوذ في الأرض...
ولم تكن معركة الصحراء إلا ضربا من هذا الجهاد الشاق الطويل.
فطوبى للمجاهدين.
وبورك لأمير المؤمنين.
ولن يخذل الله ملكا يسلك الإسلام ويخلص لشعبه إخلاصه لدينه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here