islamaumaroc

الإسلام والنصر: -1- الإعداد المعنوي للجهاد

  دعوة الحق

170 العدد

إذن لنا المفكر الإسلامي الكبير اللواء الركن محمود شيت خطاب بنشر فصول كتابه القيم " الإسلام والنصر " في حلقات مسلسلة " بدعوة الحق". وذلك تقديرا من المؤلف الفاضل لدور مجلتنا في إشاعة الوعي الإسلامي وتركيز المفاهيم الأصيلة في أوساط الأجيال الصاعدة. ويسر " دعوة الحق" التي تقدر مؤلف " الإسلام والنصر " حق قدره وتضعه في مقام الصفوة بين كتاب العصر، أن تبدأ منذ هذا العدد في تقديم هذا النوع الرفيع من الكتابات الإسلامية الحركية الجادة لقرائها.
وقد صدر الكتاب في لبنان وحالت ظروف الحرب دون توزيعه على نطاق واسع، فلعل في مبادرتنا هذه إفادة للجميع.
1-قبيل معركة اليرموك الحاسمة بين العرب المسلمين والروم في العام الثالث عشر من الهجرة 634م، قال رجل من المسلمين لخالد بن الوليد: " ما أكثر الروم وأكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان ".
ومعنى ذلك، أن الجيش ليس بعدده وعدده بقدر ما هو بمعنوياته، والجيش الذي لا يتحلى بمعنويات العالية لا قيمة له في الحرب، والفئة القليلة ذات المعنويات الرصينة، تغلب الفئة الكثيرة ذات المعنويات المنهارة.
وقد كان نابليون بونابارت يقول: " قيمة المعنويات بالنسبة للقوى المادية تساوي ثلاثة على واحد" اي أن الجيش تكون قيمته 75 % في الناحية المعنوية و25 % في الناحية المادية.
وقد أيد نابليون في قولته هذه كبار القادة العسكريين في الماضي، والكثير من القادة العسكريين في الوقت الحاضر.
غير أن اللواء ( فوللر) في كتابه: ( الأسلحة والتاريخ)، يخالف هذا الرأي، لاختراع الأسلحة النووية والهيدروجينية، وللتحسينات الهائلة التي طرأت على وسائل قذف هذه الأسلحة وعلى أساليب استعمالها.
وليس هناك شك، في أن الأسلحة الحديثة ذات تأثير في الناحية المادية للجيوش الحديثة، إذ جعلت نسبة هذه الناحية بالنسبة إلى الناحية المعنوية 50 % لكل منهما.
أي ان الناحية المعنوية لا تزال ذات قيمة عظيمة، حتى بعد ظهور الأسلحة الجهنمية الحديثة، وإن المعنويات كانت ولا تزال وستبقى عاملا حاسما من عوامل النصر.
لقد كان الجيش الايطالي في الحرب العالمية الثانية ( 1939-1945) مجهزا بأحسن التجهيزات، ومسلحا بأفتك الأسلحة، ومنظما وفق أحدث أساليب التنظيم، ومدربا وفق أحدث أساليب التدريب، الا أن معنوياته لم تكن عالية بالرغم من كل ذلك، لهذا كان
الحلفاء يعتبرون المواضع التي يحتلها الجيش الايطالي فراغا عسكريا، وكان هذا الجيش يستسلم بسهولة ويسر للحلفاء في كل معركة يخوضها.
لقد كانت الناحية المادية في الجيش الايطالي متميزة دا، ولكن الناحية المعنوية فيه كانت ضعيفة، لذلك لا يمكن اعتباره جيشا ذا قيمة عسكرية ضاربة، وما يقال عن الجيش الايطالي، يقال عن كل جيش قديم أو حديث، لا يتحلى بالمعنويات العالية.
ب-وفي الحروب القديمة، أي الحروب التي خاضتها الشعوب قبل الحرب العالمية الثانية، كان الجيش هو المسؤول الأول والأخير عن إحراز النصر.
أما في الحروب الحديثة، ابتداء من الحرب العالمية الثانية، فقد أصبحت الحرب الجماعية تحشد لها الأمم كل طاقاتها المادية والمعنوية، لذلك أصبح الشعب كله مسؤولا عن إحراز النصر وليس الجيش وحده، بالرغم من أن الجيش النظامي والاحتياطي بقي رأس رمح في الحرب.
إن الحرب (الإجماعية) تقتضي زج كل قادر على حمل السلاح في الحرب ودعم المحاربين بكل طاقات الشعب المادية، لذلك كان إعلان الحرب معناه، أن يكون الشعب كله – لا قواته المسلحة وحدها – في الصفوف الأمامية، وخاصة بعد تطوير القوة الجوية، واختراع الأسلحة النووية، فقد أصبح كل مكان في البلاد المحاربة ساحة حرب، لا تقل أهمية وخطرا عن الجبهة الأمامية في ميدان القتال.
لذلك أصبحت أهمية المعنويات في الشعب كأهميتها للجيش سواء بسواء.
كما أن الجيش من الشعب، فإذا كانت معنويات الشعب عالية، كانت معنويات الجيش عالية أيضا والعكس صحيح.
من هنا تأتي أهمية المعنويات للشعب كله، وتبرز ضرورة إدامة المعنويات في الشعب والجيش.
ما هي المعنويات ؟
أ-كان تعريف المعنويات قبل الحرب العالمية الثانية: بأنها الصفات التي تميز الجيش المدرب المنقاد إلى أسس الضبط عن العصابات المسلحة، وتتجلى بهذه الصفات الطاعة القائمة على الحب، وتنمي الشجاعة، وتظهر الصبر على المشاق، وتبدي كل المزايا التي تجعل الجندي مطيعا باسلا صبورا.
وهذا التعريف يشمل الجيش وحده كما نرى، لان الحروب كانت حروب جيوش لا حروب أمم، كما أصبحت في الوقت الحاضر.
ب-أما تعريف المعنويات اليوم، فهو: القوى الكامنة في صلب الإنسان، التي تكسبه القابلية على الاستمرار في العمل، والتفكير بعزم وشجاعة، مهما اختلفت الظروف المحيطة به.
وهذا التعريف شمل الشعب كله لا الجيش وحده.
وإذا أردنا إيضاح هذا التعريف وتبسيطه، فيمكن القول بأن الفرد في الشعب، يجب أن يكون شجاعا لا يجبن، قويا لا يضعف، عزيزا لا يهون، صامدا لا يتراجع، صابرا لا ينهار، متفائلا لا يقنط، مستعدا للتضحية بماله وروحه من أجل مثله العليا.
ج-وكلمة المعنويات: ترجمة لكلمة Moral الانكليزية، وقد ترجمت في أول الأمر الى: القوى الأدبية، والى: الروحيات، ثم شاع استعمالها في الجيش وخارجه بتعبير: المعنويات.

فما هي عوامل رفع المعنويات ؟
أ-الدين:
عامل الدين من أهم عوامل رفع المعنويات في الشعب، خاصة بالنسبة للعرب، يقول ابن خلدون:
" إن العرب لا يحصل لهم الملك الا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم".
لقد غرس الإسلام في نفوس العرب حب الضبط والنظام وحبب إليهم الاستشهاد في سبيل الحق، وجعلهم يرون هذا الاستشهاد نصرا دونه كل نصر، كما بعث فيهم الاعتزاز بالنفس، والشعور بأن عليهم رسالة واجبة الأداء للعالم.
وحد الإسلام عقائد العرب، ووحد أعمالهم ووحد صفوفهم ونظمهم، وغرس فيهم روح الضبط والطاعة، وطهر نفوسهم، ونقى أرواحهم ،وخلق فيهم انسجاما ماديا ومعنويا.
لقد وجد الإسلام بتعاليمه – التي تغرس الضبط والنظام في النفوس، وتدعو إلى توحيد الله تعالى، وتوحيد الصفوف – أرضا خصبة في العرب الذين كانت لهم خبرة طويلة في الحروب، والذين لا يهابون الموت ويتعشقون الحرية، فكان من فضل الإسلام على العرب، انه جمع شملهم، ووحد قلوبهم، وأشاع فيهم النظام والضبط، وبذلك أصبحوا قوة هائلة وجدت لها ( متنفسا) في توحيد الجزيرة العربية أولا، وفي الفتح الإسلامي ثانيا، فحملوا رايات الإسلام شرقا وغربا: شرقا إلى أقصى الشرق، وغربا إلى أقصى الغرب، وحملوا أعباء الفتح الإسلامي وحدهم، فكان لهم بتوفيق الله وتسديده فضل نشر الإسلام في البلاد المفتوحة شرقا وغربا.
ولكن كيف رفع الإسلام معنويات العرب ؟
غرس الإسلام عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وأن النفس لن تموت الا بأجلها، والمرء يموت في يومه، سواء أكان ذلك في ساحات الوغى أم على فراشه الوثير.
وأمر الإسلام بالشجاعة والثبات والإقدام: " يا أيها الذين آمنوا، إذا لقيتم فئة فاثبتوا "، أقدمنا "، وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار، ومن يولوهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ".
وحث الإسلام على ( الطاعة)، والطاعة هي روح الجندية: " وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير " وقال تعالى: " ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ".
وأمر الاسلام بالصبر: " ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم " وقال تعالى: " اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله "، وقال تعالى: " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ".
ذلك بإيجاز ما أمر الإسلام به من مزايا ( فردية) هي نفسها المزايا الخالدة للجندي المتميز في كل مكان وزمان، وهي في نفس الوقت لها أثر في ( المجموع) لأنها تبني جيشا مقالات من الدرجة الأولى، وشعبا قويا ثابتا لا يقهر أبدا.
ولكن الإسلام لم يقتصر على تربية ( الفرد ) ليتحلى بالمعنويات العالية، بل شملت تعاليمه الأمة كلها، فأمر بالوحدة وهي أساس القوة، وحث على
الاستعداد الحربي، وهو أساس النصر، وأمر بالجهاد – وهو أساس القوة والنصر معا.
أمر بالوحدة: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " وقال تعالى: " ان هذه أمتكم أمة واحدة ".
وحث على الاستعداد الحربي: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم ".
وأمر بالجهاد بالأموال والأنفس:" انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله "، وهو بالإضافة إلى كل ذلك حث على اليقظة والحذر: " يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم "، وقال تعالى: " فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ".
ذلك هو أثر الإسلام قبل الحرب وفي أثنائها في اعداد متطلبات النصر، ومن أهم عوامل رفع المعنويات هو إحراز النصر في ميدان القتال.
ولكن أثر الإسلام يمتد إلى ما بعد الحرب، فلا يفسح مجالا الانهيار المعنويات، وذلك بالعمل على إحباط محاولات العدو لإحراز النصر في مجالات الحرب النفسية، لإكمال انتصاراته في الحرب.
والحرب النفسية – كما هو معلوم – تستهدف تحطيم المعنويات لأن الأمة التي تخسر الحرب وتحتفظ بمعنوياتها سليمة لابد وأن تعيد الكرة على أعدائها، وتنتصر عليهم في المدى البعيد أو القريب.
وليس هنا مجال تفصيل أهداف الحرب النفسية، لأن ذلك يخرجنا عن الموضوع الذي نتصدى له اليوم.
ومع ذلك فإن الحرب النفسية، لكن تحقق أهدافها في تحطيم المعنويات تستهدف بث الإشاعات المغرضة، وتعمل على تفرقة الصفوف، وتجعل اليأس والقنوط يدب في نفوس ابناء الشعب، وتضخم نتائج نصر العدو، وتخوف من استئناف القتال على اعتبار أنه يؤدي إلى الموت والدمار والفقر والفاقة.
والإسلام يحارب الاشعات ويأمر بمكافحة مروجيها وأخبار السلطات عنهم: " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاعنتم الشيطان الا قليلا "، وقال تعالى: " لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة، لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها الا قليلا " وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ".
والإسلام يعمل على رص الصفوف، ويحارب التفرقة محاربة لا هوادة فيها: " إنما المومنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم " وقال تعالى: " فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ".
والمسلم لا ييأس أبدا ولا يقنط من رحمة الله: " لا تقنطوا من رحمة الله ". وقال تعالى: " ومن يقنط من رحمة ربه الا الضالون " وقال تعالى: " ولا تيأسوا من روح الله، انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون ".
والإسلام يذكر المسلمين بأن الأيام دول بين الناس يوم لك ويوم عليك: " وتلك الأيام نداولها بين الناس " وقال تعالى: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم " وقال تعالى: " الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل".
والإسلام يقرر أن الموت قدر، وان المرء لا يموت الا بأجله الموعود: " وما كان لنفس أن تموت الا بإذن الله ".
وهو يقرر أن الذي يموت مجاهدا فهو شهيد ومقام الشهداء من أعظم المقامات في الجنة: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون.
تلك هي معالجات الإسلام للحرب النفسية التي يريد بها العدو تحطيم المعنويات.
ولست أشك في أن العقائد الأخرى، لا تطمع أن تصل إلى ما وصل اليه الاسلام في رفع المعنويات قبل الحرب وفي أثنائها وبعدها.
من هنا يجب أن يحرص المسئولون الرسميون والمسئولون عن أهليهم، أن يغرسوا مبادئ الدين الحنيف في النفوس والعقول معا.

ب-القيادة:
القيادة المتميزة ترفع المعنويات، والقيادة الضعيفة تحطم المعنويات. ولا تقتصر القيادة على الناحية العسكرية فحسب، ولو أن هذه القيادة لها القدح المعلى في الحرب، بل تشمل القيادة بالإضافة إلى القيادة العسكرية، القيادة السياسية، والقيادة الصناعية، والقيادة الفكرية، والقيادة العائلية... إلخ.
فإذا كان كل أولئك الرعاة موضع ثقة رعيتهم فإن معنويات تلك الرعايا بخير، والا فارقرأ على المعنويات الفاتحة.
لقد استيقظ الشعب العربي، فهو يعرف قادته كل المعرفة، واستيقظ الجنود العرب، فهم يعرفون قادتهم أعمق المعرفة، واستيقظ العمال العرب، فهم يعرفون قادتهم أوثق معرفة، واستيقظ المثقفون العرب، فهم يعرفون مزايا قادة الفكر العربي غاية المعرفة.
والعائلة في الدار، تعرف رب العائلة وتضعه في المكان الصحيح.
والقادة الذين يظنون أنهم يخفون حقيقة أمرهم مخطئون كل الخطأ، أو واهمون كل الوهم، فأمرهم مكشوف وحقيقتهم معروفة.
ولكن كيف يصبح القائد وضع ثقة رجاله ؟
يجب أن ينسى نفسه لأجلهم، ويجب أن يفعل ما يقول، وينفذ أوامره على نفسه، قبل أن يطالب غيره بتنفيذها، ويجب أن يكون عالما بواجباته، نزيها كل النزاهة، متمسكا بأهذاب الخلق الرفيع، حريصا على أداء أعماله كل الحرص بأمانة وشرف، حريصا على مصير الذين هم تحت قيادته، سريع القرار صائبه، يتحمل المسؤولية، ولا يحاول إلقاء تبعاتها على الآخرين، يبادل رجاله حبا بحب وثقة بثقة ة، يعرف مزاياهم فيولي الرجل المناسب العمل المناسب، دون تحيز أو انحراف، له مبادئ معروفة سليمة، سيؤمن بها كل الإيمان ليست له شخصية مزدوجة، يضحى بمصالحه من أجل رجاله، ولا يضحي برجاله من أجل مصالحه، لا يكل ولا يمل من العمل، يساوي نفسه برجاله في حياته الشخصية، ولا يستأثر دونهم 
بالغنم، ويلقي بالغرم عليهم، له شخصية قوية نافذة، ورأي واضح سليم، وله ماض مشرف جيد.
مثل هذا القائد، يسير رجاله معه حتى الموت عن طيبة خاطر ودون تردد.
ومثل هذا القائد، برفع المعنويات إلى عنان السماء.
ومثل هذا القائد، يقود رجاله إلى النصر بسهولة ويسر.
كان رجال خالد بن الوليد، يفعلون الأعاجيب في ميدان القتال تحت رايته، ذلك لأنه كان: ( لا ينام ولا يتيم ) بالإضافة إلى مزاياه القيادية الأخرى، وصدق الله العظيم: " ولينصرن الله من ينصره، ان الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض، أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور".
في هذه الآية الكريمة، صفات القائد المنتصر، بأسلوب رائع معجز، ولكنه شامل كامل.
وأشهد أنني لم أقرأ حتى في الكتب المعتمدة الحديثة، بحثا عن صفات القائد المنتصر فيه كل هذه الروعة والدقة والإيجاز والشمول.

ج-النصر:
النصر في ميدان الحرب، والنصر في ميدان العلم، والنصر في ميدان العمل، وكل نصر في أي ميدان من الميادين يؤدي إلى رفع المعنويات.
ولكن النصر له تكاليف وأولها التخطيط له، والعمل الدائب لوضع ذلك التخطيط في حيز التنفيذ.
ولم يكتب النصر في أي ميدان لاحد، دون الإعداد الكامل السليم لكل متطلبات النصر.
إن النصر لا يتحقق مطلقا بالكلام الفارغ، وبالادعاءات الكاذبة، بل إن هذا الكلام وتلك الادعاءات بعد انكشاف حقيقتها، تلحق أبلغ الضرر بالمعنويات.
الوعد بالنصر السريع مثلا، ثم تثبت الأحداث العكس، يؤدي إلى انهيار المعنويات.
وقي القضايا العسكرية، يجب إنذار الجيش والشعب بما يمكن أن يحدث في الحرب فعلا، حتى لا يؤخذ الجميع على حين غرة، فيؤدي ذلك إلى زعزعة الثقة والمعنويات.
إن النصر يكون بالعرق والدموع والدماء، ويكون بالبذل والتضحية والفداء.
أما الكلام وحده، فلا يؤدي الا إلى الهزيمة.
إن الأعمال وحدها هي التي ترفع المعنويات، أما الأقوال بدون أعمال فتدمر المعنويات، والعرب في هذه الظروف يحتاجون إلى كثير من العمل وقليل من الكلام.
وقد سألني صديق قبل أيام قائلا: لماذا سكت وقد ارتفعت الأصوات ؟
فقلت له: أخدم أمتي بصمتي، حين يضرها غيري بالكلام.
وما عسى أن تفيد الأقوال ،خاصة إذا كذب الواقع الافعال ؟
وصدق الشاعر:
السيف أصدق أنباء من الكتب    في حده الحد بين الجد واللعب
ان انتصارا واحدا للعرب على اسرائيل كفيل بأن يبدل معنوياته من حال إلى حال.
وكل ادعاء يخالف ذلك هراء وافتراء.
قرأت في مذكرات المرحوم طه الهاشمي، ان ( المس بيل) في العشرينيات من هذا القرن، طالبت باستخدام الضباط المتقاعدين الذين خدموا في الجيش العثماني سابقا في الجيش العراقي الذي كان في ابتداء تشكيله.
وأجابها المسؤول البريطاني الذي كان يعمل في السفارة البريطانية في حينه: " كيف نستخدم هؤلاء الضباط في الجيش العراقي الجديد، وهم من هم وطنية وإخلاصا ".
" إنهم سينشئون جيلا وطنيا لا غبار عليه".
وابتسمت ( المس بيل) بخبث وقالت: " لا تخش شيئا إن المتر ( فلانا) في وزارة المعارف، وهو المسؤول عن تربية الجيل الجديد".
إن العرب يمتلكون عقيدة سامية تصون معنوياتهم في ايام السلام والحرب.
وقد حارب الاستعمار بوسائله الجهنمية هذه العقيدة، وبذل كثيرا من الجهد والمال لتحقيق أهدافه الهدامة، لأنه يعلم أن الأمة بدون عقيدة لا قيمة لها في الحياة، ولا خطر منها على الاستعمار.
وكان من المتوقع أن يتبنى العرب عقيدتهم بعد نيل حريتهم، ولكنهم لم يفعلوا شيئا مذكورا في هذا المجال.
هل يبني الشعب العربي بإشاعة الفحشاء والمنكر بين أبنائه ؟
هل يبني هذا الشعب بالأغاني الخلاعية، والأفلام الداعرة، وقصص المخدع، والاستهتار بالقيم الروحية ؟
ماذا فعلنا لفرس مبادئ الدين الحنيف في قلوب التلاميذ والطلاب في المدارس والجامعات ؟
ماذا فعلنا لغرس هذه المبادئ بين أبناء الشعب؟
ماذا فعلنا لغرسها في نفوس العسكريين ؟
لقد كان انتصار العرب المسلمين أيام الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم، انتصار عقيدة لا مراء.
لم ينتصر العرب والمسلمون مطلقا بكثرة العدد، وقد كان أعداؤهم متفوقين عليهم بالعدد والعدد في كل معركة خاضوها، وقد انتصرت الفئة القلية من العرب المسلمين على الفئة الكثيرة من العرب غير المسلمين، ومن الفرس والروم وحلفائهم، بالعقيدة وحدها، وأتحدى من يثبت خلاف ذلك، فلماذا نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
إن المعنويات عامل مهم من عوامل النصر، بل هي أهم عامل من عوامل النصر على الإطلاق، وهي التي تصون العدة وتجعل لها فاعليتها في يد الجيش.
ولا نصر بدون عقيدة منشئة بناءة، تصاول في أيام السلام، وتصمد في أيام الحرب، وتكافح عوامل الحرب النفسية التي يشنها الأعداء.
إن الإسلام بالنسبة للعرب، هو السلاح السري الذي جعلهم يقودون العالم قرونا طويلة في ميادين السياسية والحضارة والحرب.
فلا نستعمل هذا السلاح اليوم، كما استعمله أجدادنا من قبل، لننتصر كما انتصروا ولنقود العالم كما قادوه، أم نبقى في مهب الرياح العاتية تتقاذفنا المبادئ والأفكار التي قد تنجح في الأمم الأخرى.ولكنها لن تنجح في الشعب العربي لأنها تنزعه من جذوره، وقد أثبت الواقع العربي المرير هذه الحقيقة ؟
إن الوقت مع العرب على أعدائهم، إذا سلكوا الطريق السوي.
وإني لأبشر العرب بالنصر عاجلا وآجلا، ولكنني أطالبهم بتكاليف النصر، وأولها البذل والتضحية والفداء.
إنني أبشر العرب بالنصر، ولكني لا أبشرهم بالراحة والأيام القادمة ستكشف للعرب الحقائق الناصعة، وكل آت قريب.؟ وصدق الله العظيم: " يا أيها الذين آمنوا أن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here