islamaumaroc

رؤية معاصرة للشعر العربي

  دعوة الحق

170 العدد

أجرى القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية في لندن مقابلة مع الشاعر نزار قباني في برنامج " ساعد الأحد" وكان مما قاله نزار:
إن شعرنا القديم الذي استمر من العصر الجاهلي إلى مطلع القرن العشرين، كان شعرا صعبا لأنه كان يعتمد على التراكيب اللغوية، وعلى النقش والزخرفة، فغنا أردت من الشعر أن يخرج من جدران الأكاديميات، وينقلك في الحدائق العامة، ويعايش الناس ويتكلم معهم.
ويعتقد الشاعر نزرا أنه توصل إلى معادلة شعرية، يكون فيها الناس جزء الا يتجزأ من الشعر، وشعر نذ البداية ان هناك هوة كبيرة بين الشاعر وبين الجمهور كان هناك نوع من الجدار اللغوي المنيع الذي يحول دون أن يتذوق الناس الشعر. والشاعر نزار لا يؤمن بالأشياء الثابتة، وهو يتطور مع الحياة، ويغير جلده في كل لحظة ويرى أن شعرنا العربي خلال عصور الانحطاط، كانت قصائده كلها عبارة عن قصيدة واحدة منسوخة على ورق كربون، وان الشاعر لم يكن يبذل أي جهد ليفهم صره أو ليغوص في أعماق عصره، أو ليفهم قضية الإنسان.
العملية كلها بالنسبة للشعر العربي خلال ألف سنة لأخيرة كانت عبارة عن نوع من اكتشاف ما هو مكتشف، كانت عبارة عن كيمياء لغوية تعاد. وهو ينكر الآن أن الشعر ليس هو اللغة، ويرى أن القاموس لا يستطيع أن ينظم قصيدة، وإنما الإنسان هو الذي ينظم هذه القصيدة، وهو لذلك في نظره أن القاموس، سقط بكل محدودياته القديمة، سقط كمجموعة من الألفاظ والتراكيب، والقوانين السارمة التي لا تحتمل المخالفة، وهو شخصيا يخالف، لأنه يجب أن يكون مع الحياة لا مع النصوص الميتة.
ومع احترامي للشاعر وتقديري لفنه فلي علي ما يقول ردود:
1-اعتقد أن عنترة العبسي سبق نزارا في كثير مما يراه حين قال:
" هل غادر الشعراء من متردم " واعترف بأنه لم يترك الشعراء شيئا من الشعر لم يصلحوه، ويهذبوه، ولم يغادروا معنى لم يسبقوا اليه حتى يتهيأ لمثله او لغيره أن يأتي بمثله.
2-إن الشعر العربي الذي استمر من العصر الجاهلي حتى مطلع القرن العشرين لم يكن صعبا كله، إن شعرا كشعر عنترة وطرفة وعمر ابن ابي ربيعة والبحتري وابي نواس، وغيرهم كثيرون في عصور الشعر العربي الزاهية لكفيل بدحض هذا الزعم المشبوه، ودفع هذا الرأي المريب، إن أغلب شعرنا يساب رقراقا سلسا، جميل الرونق، صافي الأديم، موحي الفكرة، في أي غرض من أغراضه، واعتقد أن كثيرا ممن يدعون المعاصرة، والذين كرسوا حياتهم للمرأة لم يبلغوا معشار ما بلغه قدماء شعرائنا في وصفها، ومن هؤلاء الذين يدعون التحديث والتعصير.
استطاع أن يقول كما قال دوقلة المنبجي:
لهفي على دعد وما خلقت 
      بيضاء قد لبس الأديم بها
ويزين فوديها إذا حسرت 
      فالوجه مثل الصبح مبيض
ضدان لما استجمعا حسنا 
      ما عابها طول ولا قصر
الا لجر تلهفي دعد
      ء الحسن فهو لجلدها جلد
ضافي الغدائر فاحم جعد
      والشعر مثل الليل مسود
والضد يظهر حسنه الضد
      في خلقها فقوامها قصد
ومن الذي قال مثلما قاله النابغة الذبياني:
صفراء كالسيراء أكمل خلقها 
      مخطوطة المتنين غير مفاضة
زعم الهمام بأن فاها بارد
      زعم الهمام ولم أذقه أنه
زعم الهمام ولم أذقه أنه 
      كالغصن في غلوائه المتأود
ريا الروادف بضة المتجرد
      عذب مقبله شهي المورد
عذب إذا ما ذقته قلت ازدد
      يشفي بريا ريقها العطش الصدي
ومن لي بمن قال مثل ما قاله حكيم المعرة:
ما اتخير صوم يذوب الصائمون له 
      وإنما هو ترك الشر مطرحا
ولا صلاة ولا صوف على جسد
      ونفضك الصدر من غل ومن حسد
الى غير ذلك مما لذ وطاب، ذكرى وعاطفة وعلما وحكمة.
3-إن اللغة العربية عالم تمتد ظلاله بلا آفاق ولا حدود تلقائيا، وكل من حكم عليها بالصعوبة أو حتى بالسهولة فقد ألبس نفسه الحذاء الصيني، وحكم عليها بالمحدودية، ولم يستنشق ازهار العربية، ولم يستمتع برؤيى خمائلها، ولم يتقلب في بساتينها ورياضها. وحرم النعمة الكبرى، ولم يحصلوا اللذة الحقيقية، العميقة الكاملة، الغنية المشحوذة، فشعر العرب لم يكن صعبا كله، ولو فرضنا جدلا أن ذلك واقع فعلا، فإنه لا يجوز التعميم أو القطع والحسم مهما بلغ المرء من الاستقصا، والشاعرية.
ذلك أن الأدب والشعر فرع عنه – شيء ذاتي تختلف فيه أذواق الناس، وتتضارب في النظر اليه مشاربهم.
إن لغة الشعر الجاهلي، وإن بدت لنا لغة " كلاسيكية " كانت في زمانها هي أيضا تنبع نبوعا تام الصدق من بيئتها ومجتمعها، وتقترب اقترابا وثيقا من لغة الحياة
اليومية التي كان يتحدث بها الناس العاديون في ذلك الزمان، وهي لغة كانت منتخبة – شأن لغة الشعر الناضج كله –جودها افراد اوتوا نصيبا زائدا من الفصاحة والحس اللغوي. والثروة اللفظية، والمقدرة التعبيرية عما يفكرون ويشعرون. لكن هذا الانتخاب والتجويد لم يجعلها من معدن مختلف عن لغة الحياة اليومية، كما تختلف لغة شعرنا الآن عن لغة ديننا اليومي. وهذه حقيقة يصعب علينا الآن أن نصدقها، إذ تبدو لنا تلك اللغة الشعرية غريبة صعبة مليئة بالمفردات غير الشائعة، ويبدو لنا التزامها الدقيق لقواعد النحو والصرف شيئا غير طبيعي، فننسى أن هذه القواعد كانت في يوم من الأيام سننا طبيعية يجري بها اللسان العربي، وإن أهملها الآن وأهدرها، وأن تلك الألفاظ كانت شائعة مألوفة تستعمل في واقع الحياة لا في بطون الكتب. وكل براعة الشعر هي في اختيارها وضم بعضها إلى بعض في تراكيب تعطيها أتمك شحناها الفكرية والعاطفية ،وتنغمها فيما بينها في موسيقية تعتصر كل إمكانياتها الايقاعية والجرسية.
والكلمة العربية تلتزم التقيد بمقتضيات طبيعتها الخاصة، وتستمد سلامتها من صيغة مثلى ليس لتداولها بين الناس أية صبغة شرعية يضفيها عليها، مثل كلمة العربية كمثل الحياة التي هي امتدادا لها، فكما ان انتشار المرض وانتقاله عبر الأجيال، لا يغير من طبيعته كحالة ميل، فكذلك الكلمة الموضوعة وضعا شاذا في اللغة العربية، لا يقوي الزمان على توكيد سلامتها، حتى لقد ترجع صورة العربي إلى المثل الأعلى، إلى نزوع كلماته إلى تخطي الواقع المتعارف عليه نحو مثل تستكمل به شروط سلامتها. فهل من تفسير لظهور مئة واربعة وعشرين ألفا من الأنبياء بجزيرة العرب غير تفسير الإتفاق في الصبوة نحو المثل الأعلى بين الكلمة العربية وبين صاحبها ؟ وذلك ما يجعل الاختلاف في التطور بين لغتنا وبين لغات غيرنا من الأقوام. فبينما كانت الكلمة عند غيرنا تتطور من جيل إلى جيل حتى تصبح في نهاية الأمر مختلفة المعالم عن نشأتها، كانت الكلمة العربية يبقى على ما هي عليه، لا يؤثر فيها الزمان، وكل ما كان تحدث، هو أن أجدادنا اذا ما انتقلوا من مرحلة تاريخية إلى أخرى كانوا يسقطون من التداول الكلمات المعبرة عن الأوضاع المهملة، وينشئون في حدود نظام اللغة ما يعنى منها بالتعبير، حاجات المرحلة التاريخية المعاصرة. ولو قارنا بين قصيدة من الأدب الجاهلي كقصيدة عبد المطلب جد الرسول مثلا، وبين قصيدة أخرى من الأدب الفرنسي في عهد شارلمان المتأخر خمسمائة سنة عن عبد المطلب، لوجدنا القصيدة الأولى الا تختلف من حيث السهولة على أفهام الأجيال منذ وضعت حتى الآن، ولوجدنا القصيدة الثانية تعز على إفهام الفرنسيين اليوم، الا الذين اختصوا منهم باللغة الرومانية والسبب في ذلك هو أن اللغة العربية أصيلة في نفسها، وتؤصل حتى الأجنبي من الكلمات التي تدخلها وتلوذ بأحضانها.
4-إن الشعر العربي لم يكن كله نقوشا أو زخارف ولو سلمنا بشيء من ذلك، فلا يعدو أن يكون لمعة من اللمع، شأن كل شيء في هذه الدنيا، فقد يظهر في فترة معينة، وعند شعراء بأعيانهم إن كل شاة تناط من رجليها، ولا تازر وازرة وزر أخرى، إن كل ما نقوله الآن عن القدماء سلبا أو ايجابا، سوف يكون لنا نصيب مثله، ولم لا نذكر موتانا بخير؟ ونعوذ بالله من سوء القضاء، ودرك الشقاء وشماتة الأعداء:
إذا ما الدهر جر على أناس 
      فقل للشامتين بنا أفيقوا
كلا كله أناخ بآخرينا 
      سيلقى الشامتون كما لقينا
 فالشعر العربي، ولو من باب الإنسانية أو التجرد لا يضيره أو يحط من قدره ما فعله هذا أو تخلى عنه ذاك.
5-كون الشعر العربي عبارة عن قصيدة واحدة منسوخة على ورق كربون في أيام الانحطاط، شيء طبيعي، والعبرة في تدارك النقائص والأخطاء، لا في وصفها أو التشهير بمجترحيها والمسؤول عن الانحطاط هنا ليس هو الشعر، إنما المسئولون ذووه. إننا لا نلوم النهر إذا جف ماؤه، والجفاف ينسب إلى النبع والروافد، والشعر مرآة عصره كما قالوا، ونحن لا نلزم الابن، أن يلبس حذاء أبيه ولا نكلف شخصا من الأشخاص أن يكون جميلا أو أن يزيد في خلقه ليظهر وسيما جذابا على وجه المرأة، والمرأة المنكسرة أو المخدوشة، تعكس الأشياء كذلك، مشوهة ناقصة الخلقة، وعصر الانحطاط والتقهقر لا يمكن للشعر فيه الا أن يكون أشد انحطاطا، وأعظم تقهقرا، ذلك أن الشعر شعور وإحساس، والشعب المتخلف شعوره وإحساسه مائتان ولو طلبنا من شعر ما في عصر انحطاط ما، وفي شعب ما أن يكون راقيا، لكنا ممن يكلفون الأشياء ضد طباعها. فتلك هي سنة الكون في كل شيء، زمانا ومكانا.
6-كون شعر يقال في خلال الف سنة عبارة عن نوع من اكتشاف ما هو مكتشف، كلام تتقطر المغالاة من جنباته، فقد يكون الشبح حقيرا لكن له شأن كبير، وقد تكون الصورة ضئيلة، لكن لها معان جليلة، ومما لا مشاحة فيه أننا نجد عند هذا الشاعر ما لا نجده عند ذاك، لاختلاف الطبائع والأمزجة إن الأمر كله في التفاوت الذي هو مقياس التفاضل ولكن تفاوت أصل ومرجع، ولا يمكن للأشياء ان تكون صورا مطابقة لبعضها البعض. كما لا يمكن للواقعة التاريخية أن تتكرر مهما يظهر من شبه بغيرها. ويعلم الله ان لو بعث عنترة من مرقده ورأى وسمع كثيرا مما لم يغادره الشعراء لا نبهر ولظل إتحافه لما قد يسمعه أو يراه مما لم يكن له بحسبان ولم يدر على خلذ إنسان.
7-حقا إن القاموس لا يستطيع أن ينظم قصيدة، إن القاموس هري من الأهراء فيه تخزن حضارات الأمم، والقصيدة من صنع الإنسان، ومن حصائل العقول البشرية، واللغة وعاء للقصيدة وهي إهابها. وسجل لكلماتها ولمعاني هذه الكلمات. والكلمات هذه وغيرها صامتة بالفعل، لكنها صالحة بالقوة لأن تصير ألفاظا مسموعة او خطوطا مكتوبة مقروءة في سياق كلام. ولا يصدر ذلك الا من قلب الشاعر أو لسانه وكيانه عموما، والقلب معدن، والعقل جوهر، واللسان مستنبط، والقلم صائغ والخط صيغة، ولا يتصور أن تعرف للفظ معنى موضوعا، غير أن تعرف معناه، ولا أن تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبا منظما، وإنما تتوخى الترتيب في المعاني وتعمل الفكر هنتك. فإذا أتم لك ذلك اتبعتها الألفاظ وقفت بها أثرها، وإنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم انها خدم للمعاني وتابعة لها. وتقاليد الكتابة، جعلت الكلام المسموع يبدو أكثر أهمية من الكلام المنظور. ذلك لأنه أدخل في الحياة من الكتابة وأوغل في سلوك الفرد والمجتمع حتى لقد زعم بعض العلماء أن التفكير لا يتم بدون الكلمات. والحروف وحدات من نظام، وهذه الوحدات أقسام ذهنية لا أعمال نطقية،
على نحو ما تكون الأصوات. والفرق واضح بين العمل الحركي الذي للصوت وبين الإدراك الذهني الذي للحرف، أي بين ما هو مادي محسوس، وبين ما هو معنوي مفهوم، فالكلام هو ذلك الذي يقوم في النفس فيتخيل كلاما.
وربما كان الأخطل يقصد هذا حين قال:
لا يعجبنك من خطيب خطبة 
      إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
حتى يكون مع الكلام أصيلا 
      جعل اللسان على الفؤاد دليلا
والمعجم معين صامت هادئ ساكن، مستعمل بالقوة لا بالفعل، وهل يدور في وهم أو يجري على عقل أن يعيش إنسان مهما تعبقر وتعنتر، بعيدا عن اللغات ،هذا والله إحالة، ان اللغة للبشر كالهواء والماء والغذاء. فلماذا التنكر لهذه النعمة الكبرى.
8-سقوط القاموس بكل محدودياته القديمة كمجموعة من الألفاظ والتراكيب والقوانين الصارمة لا تحتمل المخالفة ووجوب كون الشاعر مع الحياة لامع النصوص الميتة، إسقاط للحياة نفسها، ذلك لأن القاموس هو مجلي الأمم، ومعرض لحضارتها ومجدها، وقد كان أناتول فرانس يقرأ قواميس اللغة الفرنسية قراءة دائية كما يقرأ أي كتاب. وعبقرية فكتور هيجو ترجع في كثير من مناحيها إلى معرفته الواسعة بمفردات اللغة الفرنسية، والمتنبي علم العربية الأشهر كان أوسع أهل زمانه معرفة باللغة وآدابها، وبالثقافة الأجنبية التي نقلت اليها روي عن ابي علي الفارسي علامة اللغة في زمانه انه سأله: كم لنا علي الفارسي علامة اللغة في زمانه انه سأله: كما لنا من الجموع على وزن فعلي، فقال المتنبي على الإثر: حجلي وظربي، قال أبو عيل فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال علي أجد لهذا الجمع ثالثا فلم أجد. عن العبقرية الشعرية تبرز في مجال الأفكار والموضوعات، وبذلك يحي القاموس، ويستنشق نسمات الحياة، وتدب الحركة في أوصاله. وإن ما كان حيا بالأمس يصير إلى موت غدا. وما كان حيا في يومه ينطبق عليه ما ينطبق على سابقه.
تلك هي حتمية تاريخية، أو جبرية تقودها ذراع القدر في ظلمات الغيب، الذي لا تصل اليه عقول البشر مهما أوتوا من قوة أو مبلغ من علم. إن إحياء الرمة يكون ببث الحياة فيها. ولله در ابي نواس يقول:
إن مع اليوم – فاعلمن – غدا      فانظر بماذا ينقضي مجيء غده 
  ما ارتد طرف امرئ بلذته        الا وشيء يموت في جسده

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here