islamaumaroc

مقامات ورسائل أندلسية، لفرناندو دي لاكرانخا

  دعوة الحق

170 العدد

مازال التراث العربي الأندلسي بعامة يظفر باهتمام الدارسين الإسبان، ومازال الإسهام الأدبي باعتباره واجهة من واجهات هذا التراث، يستأثر بعناية النابهين من أولئك الدارسين، وإذا كان أحد أعلامهم وهو الأستاذ الدكتور أميليو غرسية غومث قد خص الشعر، فصيحا وغير فصيح، وهو ما يشكل جزءا من ذلك الإسهام، بالبحث الجاد، والدراسة المعمقة، فإن علما آخر هو أستاذنا الدكتور فرناندو دي لاكرانخا، قد أفرد النثر، رسالة ومقامة، وهو ما يشكل الجزء الثاني من الإسهام المذكور، بأبحاث تتميز بدقتها وموضوعيتها.
وقد عمد الدكتور فرناندو لاكرانخا، أخيرا إلى ما كان نشره من تلك الأبحاث، وإلى ما لم يكن سبق نشره منها (المقدمة والفصل الرابع) فجمعه بين دفتي كتاب، صدر عن المعهد الإسباني – العربي للثقافة في مدريد بعنوان « مقامات ورسائل أندلسية، Maqàmas y Risàlas andaluzas » » وقد أبى عليه لطفه وكرمه إلا أن يهديني، مشكورا، نسخة من كتابه القيم، لما يعلمه من اشتغالي بالمقامة الأندلسية، دراسة وتحقيقا.
يتألف الكتاب من مقدمة، وثمانية فصول. أما المقدمة فقد أدار الحديث في قسم منها حول أفكار من أهمها:
أ‌) – أن الوحدة التي تنتظم فصول الكتاب لا تتمثل في أن الأعمال المدروسة فيها نتاج طائفة من الكتاب أظلهم عصر واحد، وإنما تتمثل في أن صياغة هذه الأعمال جميعها، كان أصحابها يلتزمون فيها، رسائل كانت أو مقامات، الأسلوب المسجوع، الموشي بمختلف ألوان البديع.
ب‌)  – أن الأندلس التي كانت تفتح أبوابها لكل ما يجد من تيارات، وفنون في أدب المشارقة، تلقت بغيضة و شغف، المقامة المشرقية، وخاصة ما كتبه الهمذاني، والحريري، ولقد ظفرت مقامات هذا الأخير، على وجه أخص، ذيوع وانتشار كبيرين بين أوساط الأدباء والعلماء في الأندلس، وكان من نتيجة ذلك أن أقبل كثير منهم على محاكاتها، وعنى كثير منهم بشرحها، وإذا كنا نعرف اليوم، مما وضعوا عليها من شروح، شرحا قيما، ألفه أحمد بن عبد المؤمن الشربشي (- 618 ھ/ 1222 م)، فإننا لا نكاد نعرف من نتائج الأندلسيين الذين حاكوا به المقامة المشرقية
غير ما تناقلته المصادر حول أصحابه من أخبار وإشارات، فقد ضاعت نصوص جل ما أنشأه كتاب الأندلس من مقامات، ويظهر أن المقامة الكلاسيكية على النحو الذي كتبها به الهمذاني والحريري، شكلا ومضمونا، لم تجد من الكتاب الأندلسيين من يرتقي بها أو يكد في حبها باستثناء أبي الطاهر السرقسطي الأشتركوبي (-538 ھ/ 1143م) الذي وصلتنا مقاماته الخمسون (1) التي عارض بها المقامة المشرقية الكلاسيكية في شكلها ومضمونها. وفي أعقاب ذلك يشير المؤلف إلا أن المقامات التي درسها وترجم نصوصها في فصول كتابه ليس لها، في حقيقة الأمر من هذا النوع الأدبي غير الاسم، ذلك أنها لم تحتفظ ببنية المقامة الكلاسيكية كما لم تحتفظ بمضمونها، وكما حدث بالمشرق، فإن كلمة (مقامة) أصبحت تطلق على كتيب أو رسالة قد يكون ما يعالج فيه موضوعا في الطب أو الزهد أو الجغرافية أو الفقه، وبالنتيجة فقد امتزجت في الشرق وفي المغرب، المقامة بالرسالة، إذ فقدت الأولى ملامحها المتميزة في التركيب والمحتوى، ولم يبق لها من تلك الملامح غير الصياغة التي كانت تعتمد الأسلوب المسجوع، وهو كان، في الآن نفسه، الميزة الجوهرية في الصياغة التي كان يصطنعها كتاب الرسائل، ويمضي المؤلف، بعد ذلك، موضحا كيف أن أي تمرين يلاغي، يصاغ في نثر مسجوع، محلى بالشعر أو غير محلى، ويكتب بأية مناسبة من مثل التهنئة بتولي القضاء في ناحية ما، أو وصف منظر، أو غير هذا وذاك، قد يدعى رسالة حينا، ويدعى مقامة حينا آخر، ويستدل المؤلف على عدم تفريق الأندلسيين أنفسهم بين المقامة والرسالة وإطلاقهم الاسمين معا على النص الواحد بمثالين، أحدهما من الذخيرة لابن بسام، فقد قدم هذا نصا لأبي محمد بن مالك القرطبي بقوله: (فصول من مقامه تعرب عن حفظ كثيرا) (1). وعاد في نهايته فعلق بقوله: (ومد أبو مالك في رسالته هذه أطناب الأطناب وشن الغارة فيها على عدة شعراء كتاب (2).
أما المثال الثاني فقد ورد في كتاب « المرقبة العليا للنباهي، حيث ترجم لأبي عبد الله بن عسكر المالقي، وذكر أن له (مقامة سماها « رسالة اذخار الصبر في افتخار القصر والقبر » (3).
وفي القسم الآخر من مقدمة الكتاب يكشف المؤلف عن صلته بالنثر الأندلسي وعنايته منذ منتصف الخمسينات، حيث شرع في جمع نماذج من هذا النثر في كتب، بعضها مطبوع، وبعضها مخطوط، بهدف إعداد بحث موسع حول النثر الأندلسي، وهو موضوع كان الدارسون مشغولين عنه بالبحث في الشعر الفصيح والشعبي، موشحا وزجلا، ولقد أكب الدكتور دي لاكرانخا منذ ذلك الحين منذ ذلك الحين على دراسة تلك النماذج وترجمتها، ودراسة منشئيها، فاستوت له من ذلك جملة أبحاثه، نشر القليل منها من مجلات تكاد تكون موقوفة على المختصين، من مثل مجلة الأندلس التي تصدر عن مدرستي الدراسات العربية في مدريد وغرناطة، ومجلة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد، وإذن فإن المؤلف إذا عاد فجمع تلك الأبحاث بين دفتي كتاب قد أتاح لها أن تتحرك في نطاق أوسع فتفيد على نحو أوسع كذلك.
أما فصول الكتاب الثمانية فقد عرض المؤلف لأعلام في النثر الأندلسي، يدرس شخصياتهم في كثير من التدقيق، ويحلل نماذج من كتاباتهم في كثير من التركيز، وهذه الشخصيات تمثل، بما اختار لها المؤلف من نماذج، الملامح البارزة للنثر الأندلسي عبر فترة طويلة، أولها مطالع القرن الخامس، ونهايتها أواخر القرن الثامن الهجري، ففي الفصل الأول درس المؤلف شخصية أحمد بن برد الأصغر ورسالتيه:
رسالة السيف والقلم، ورسالة النخاسة، وفي الفصل الثاني عرض لابن فتوح و (مقامته) في شعراء عصره، وفي الفصل الثالث درس شخصية عمر بن الشهيد وعرض بالتحليل والشرح لاثرين (رسالة ومختارات من مقامة) مما روى له ابن بسام في الذخيرة، وهؤلاء الكتاب الثلاثة يعتبرون، على تفاوت فيما يقدر لكل منهم من مكانة، من أشهر ناثري القرن الخامس في الأندلس، ثم يمضي المؤلف فيدرس في الفصلين الرابع والخامس كاتبين من أنبه كتاب القرن السادس، وهما: ابن عياض اللبلي ومقامته الدوحية أو الغزلية، وابن غالب الرصافي ومقامته في وصف القلم. وفي الفصل السادس يدرس من أعلام كتاب القرن السابع شخصية أبي البقاء الرندي ورسالته في وصف جارية، أجاب بها عن رسالة كان وجهها إليه في نفس الموضوع الفقيه الكاتب أبو بكر البرذغي، وهما من محتويات كتاب «روضة الأنس» للرندي. وفي الفصلين الأخيرين بدرس ابن مرابع الأزدي ومقامته في استجداء كبش العيد، والفقيه عمر المالقي ومقامته في أمر الوباء، والكاتبان من أبرز الناثرين الأندلسيين في القرن الثامن.
و إلى أن هذه الفصول تتميز، كما أسلفت، بدقتها وتركيزها، فإن أهم ما يسترعي النظر فيها بالخصوص:
أ‌- عناية المؤلف بتصحيح أخطاء بعض الدارسين وأوهامهم فيما يتصل ببعض الشخصيات التي درسها وآثارها التي عرض لها بالبحث، وعلى سبيل المثال نراه في الفصل الذي عقده ابن برد الأصغر ورسالته، ينبه إلى الخطأ الذي وقع فيه الأستاذ أ. نيكل حين وهم فجعل من ابن برد الجد وابن برد الحفيد شخصية واحدة، وتحدث عن مكانته الرفيعة لدى العامريين ونسب له رسالة السيف والقلم، كما نبه إلى خطأ الأستاذ هنري بيرس الذي عزا إلى ابن برد الحفيد بيعة (شنجول)، ابن المنصور العامري، بولاية العهد للخليفة هشام الثاني، وعزا له كذلك رسالتين مكتوبتين باسم سليمان المعتصم وهما من إنشاء ابن ربد الجد، وفي الفصل الذي كتبه عن أبي حفص عمر بن شهد، بين كذلك (وهم) الأستاذ هنري بيرس في حكمه بوجود مشابه واضحة (Ressemblances frappantes) بين رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد وبين مقامة لابن الشهيد من مرويات الذخيرة. والأمثلة من هذا القبيل كثيرة.
ب‌-  وفضلا عن اهتمام المؤلف بتتبع مظاهر التأثير الذي كان لبعض النماذج الكتابية التي درسها، في منشآت الناثرين الأندلسيين وغير الأندلسيين من مثل تأثير رسالة السيف والقلم لابن برد فيما كتبه ابن غالب الرصافي ( - 572 ھ / 1177م) وابن نباتة المصري ( - 716ھ / 1316 م)، فضلا عن مثل هذا التأثير فإننا نجده يستقصي ما كان لتلك الآثار من تأثير، تجاوزت به دائرة لغتها وأدبها، إلى آفاق لغوية وأدبية أخرى، مما ( يطعم ) بعض فصول الكتاب بنكهة ممتعة، ندعوها ( أدبا مقارنا)، فمن ذلك عنايته بالكشف عن تأثر الكتاب اليهود في الأندلس ببعض النصوص العربية التي درسها، وهكذا عرض لتأثير رسالة السيف والقلم نفسها في إحدى مقامات الحريري، الكاتب اليهودي الأندلسي الذائع الصيت، التي سماها ( صفر تحكموني)، وفي إحدى قطع  Les contes rimés  ليعقوب بن إهزار الطليطلي، وهو أحد كتاب يهود الأندلس في القرن الثالث عشر الميلادي كما عرض لتأثير مقامة عمر ابن الشهيد في المقامة العاشرة من مقامات ( صفر تحكموني) سالفة الذكر ومن هذا القبيل، لفئات أخرى في بعض فصول الكتاب.
ج- والى ذلك جميعه، وحرصا من المؤلف على الإفادة والتدقيق معا، فقد اهتم بإثبات النصوص العربية لبعض النماذج التي درسها والتي لا تزال مصادرها مخطوطة، وهكذا أورد في نهاية الفصل الذي أفرد به ابن غالب الرصافي، النص العربي كما روى له ابن الخطيب من مقامته في وصف القلم، كما أورد بآخر الفصل الذي خص به أبا البقاء الرندي، نص رسالة أبي بكر البرذعي ونص جواب في البقاء عليها، نقلا عن روضة الأنس.
د- وبرغم أن النصوص النثرية التي درسها المؤلف، صيغت كلها في أسلوب مسجوع، كثير التنميق والتوشية، الأمر الذي تصبح معه عملية نقلها إلى لغة أخرى على جانب من العسر ليس يخفى، وبرغم أن المؤلف نفسه يعترف بذلك فإن من الإنصاف أن  نعترف له بالإجادة فيما ترجم، والبراعة فيما نقل، ولولا ضيق المجال لضربنا، على ذلك، الأمثلة. ومن هنا تجدر الإشارة إلا أن النصوص التي ترجمها أستاذنا الدكتور فرناندو دي لاكرانخا في هذا الكتاب والذي تؤلف في مجموعها منتخبا موجزا من عطاءات الناثرين الأندلسيين فيما بين القرنين الخامس والثامن الهجريين (الحادي عشر والخامس عشر الميلاديان)، لم يسبق ترجمتها إلى أية لغة أخرى، كما أن جل أصحاب تلك النصوص لم يسبق التعريف بهم على الوجه الأكمل والمستوفي، وإذن كان من حق الدكتور دي لاكرانخا علينا أن نذكر له ريادته في ترجمة تلك النماذج من النثر الأندلسي، فإنه ينبغي لنا كذلك أن نذكر له سبقه على إفراد تلك النماذج وكتابها بدراسات علمية، فيها من الإحاطة بقدر ما فيها من الموضوعية، وفيها من التحقيق بقدر ما فيها من الأناة، وكل هذا إنما يؤكد فضل أستاذنا دي لاكرانخا في الكشف عن جانب من تراث العربية في اسبانيا الإسلامية والتعريف به لدى القارئ الاسباني.
إن هناك قوما يسيطرون على أرض واسعة تزخر بالخيرات الظاهرة والمغمورة وتسيطر على ملتقى طرق العالم.... وهي موطن الحضارات الإنسانية والأديان، ويجمع هؤلاء القوم ديانة واحدة ولغة واحدة.  وليس هناك أي حاجز طبيعي يعزل القوم عن الاتصال ببعضهم البعض.... ولو حدث واتحدت هذه الأمة في دولة واحدة في يوم من الأيام لتحكمت في مصير العالم ولعزلت أوروبا عنه، ولذلك يجب زرع جسم غريب في قلب هذه الأمة يكون عازلا من التقاء جناحيها ويشتت قواها في حروب مستمرة ورأس جسر ينفذ إليه الغرب لتحقيق مطامحه».
عن تقرير سري كتبه كامبل بيترمان رئيس وزراء بريطانيا  عام 1902

(1) فرغنا من تحقيق مقامات أبي الطاهر اعتمادا على عدة نسخ، هي نسختان له المصورتان بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، ونسخة مكتبة الفاتيكان، وقطعة منها بالمكتبة الوطنية بباريس، وأخرى بمكتبة القرويين بفاس. وكتبنا دراسة مفصلة حول شخصية أبي الطاهر الإشتركوبي وآثاره ومقاماته.
(1) الذخيرة: 1/2: 247  
(2) نفسه، 1/2: 257
(3) نفسه، 1/2:  257.
(4) المرقبة العليا.  ط القاهرة (1948) ص 123

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here