islamaumaroc

خطبة الجمعة أنشأت جامعة

  دعوة الحق

170 العدد

في مستقبل استقلال المغرب كنت قد كتبت مقالة حول الوعظ والإرشاد، لما شاهدته من أحوال خطب الجمعة ودروس الوعظ والإرشاد، والطاقات الهائلة والفرص العظيمة التي نضيعها بتركنا هذا الجانب مهملا سائرا على منوال غير منتج ولا ذي فعالية وغناء .
وكان المغرب إذ ذاك – ولا يزال – مدعوا للريادة والقيادة من أجل بعث إسلامي أصيل مبرءا من شوائب ازدواجية الروح والفكر والولاء " وما أمروا إلا لعبدوا الله مخلصين له الدين " وكم كان يحز في نفسي أن أرى " الموضات " الفكرية كلها المنسجمة منها والمتعارضة تقود المغرب الى أوضاع تشبه تلك التي وصلت اليها أقطار شقيقة ما تزال تعاني منها اليوم، وكانت هذه الأقطار رائدة في ارتكاب الأغلاط وتأصيل " الانحراف " الذي لم يكن وليد صدفة أو نتيجة تجربة وإنما هو " مخطط" مدروس مهيأ أو نتيجة تجربة وإنما هو " مخطط" مدروس مهيأ قد أعده " الأعداء التقليديون لهذه الأمة من أجل أن تظل تائهة تبحث عن سبل النهضة ووسائل التقدم والسعي للأخذ بأسباب الحضارة وهي في الواقع لا  تزداد الا ضياعا وتيها وتمزقا، ورغم القوارع المهولة والزلازل الشديدة، والهزائم المنكرة والمتكررة، فإن السبيل الواضح الذي ليله كنهاره، لم تزل تتنكب السير فيه، وتصد الناس عنها مصرة على أن تقدم على تجارب عدة، فتبدل النظم وتغير القيادات وتجدد الشعارات وتفعل كل ما " يقترح" عليها مباشرة أو غير مباشرة من أرباب النفوذ، ولكنها مصرة على التيه، مخلصة للفراغ، وان ما انفقت من جهود وأموال لإنتاج أفكار تقدمها لم يكن في الحقيقة سوى أفكار تخلفها مما يعكس مدى السفه الذي أصيبت به هذه الأمة التي كان أجدادها خير أمة أخرجت للناس .
واليوم أعود للكتابة عن خطبة الجمعة لا تقترح هذه المرة شيئا في الموضوع، فما سبق أن اقترحته أنا وغيري كاف – لو أخذ كله أو بعضه -   لإنعاش هذا العنصر الحيوي من الدعوة الإسلامية ولكنني أكتب الآن لأحدث القارئ الكريم عهن مدى قيمة هذه الوسيلة الإسلامية، عندما تجد من يحسن استعمالها، ويقدر وظيفتها ويدرك مقاصد الشرع من فرضيتها .
وسأعرض فقط ما شاهدته عن كثب لأثر خطب بعض الخطاء الصادقين في الوسط الإسلامي الذي ظل يستمع لخطب أخرى قبلها أو معها دون أن يستجيب لدعوة أو يتحمس لرأي، ولكنه عندما وجد أمامه خطيبا يعرف كيف يخاطبه، ويقدم له من نفسه القدوة الصالحة التي يجدر بالمسلم أن يستمع إليها ويقدرها حق قدرها، لم يبخل بشيء في سبيل الله، فقدم الجهد والمال وبذل كل ما طلب منه وأكثر استجابة لداعي الواجب الإسلامي، كان ذلك في سنة 1953، وفي مدينة بيروت وفي الجامع المجيدي. وكأنه الخطيب شابا مصريا لم يتجاوز الثلاثين من عمره انتدبه الأزهر الشريف للتدريس في ثانوية إسلامية، فكان أستاذ الأدب والتفسير، وكانت دروسه تمتاز بعمق الفكرة وإشراق الأسلوب، وجمال العرض، وحلاوة الإلقاء، وكان يتمتع بسمعة طيبة في المجتمع اللبناني الإسلامي لخصاله الحميدة من مروءة وعفة وقوة شخصية ،مما أتاح له أن يقوم بأعمال جليلة في سبيل المحافظة على وحدة المسلمين وقوتهم  ومما أهله ليصبح حكما بينهم في أخطر النزاعات وعلى مستويات سامية وهو الأستاذ المصري الوحيد الذي أصر اللبنانيون المسلمون على أن يكون انتدابه للبنان بصفة دائمة لا تخضع لقانون البعثات  وكانت الجماهير تتجه أفواجا الى بيوت الزعماء السياسيين المسلمين لمطالبتهم بالسفر حالا الى مصر من أجل مد انتداب الأستاذ فيهم أبي عبية وتجديد بعثته فكانت البشرى دائما تزف اليهم بالاستجابة الى مطلبهم هذا من مصر.
إن تعلق المسلمين بذا الرجل لم يكن مبعثه علمه وثقافته الواسعة، وإنما كان إخلاصه ووضوح مقصده وحبه للصالح العام، مع علو نفس وهمة وبعده عن مواطن الشبهات رغم كثرة المغريات والعروض.
وكان يتطوع كل جمعة تقريبا للخطبة في مسجد المجيدي أو المجيدية، فكانت الجمعة في ذلك المسجد تعني موسما دينيا عظيما ليستعد له المصلون قبل يوم الجمعة، كما يهتمون بالخطبة أثناء الأسبوع بعد ذلك.
والحقيقة أن خطبة الشيخ فيهم كانت تجمع من عناصر التأثير موضوعا وعرضا والقاء وإشارات واستشهادات ما يجعلها تجري الدموع، وتعمق الإحساس الديني والشعور بالمسؤولية وتدفع المنصت الى العمل والحركة والاندفاع .
والحض أيضا أن مسلمي بيروت فيهم كثير من الخير والاستعداد لو كانوا يجدون من يقودهم اليه ويخلصون للأهداف التي ينشدونها، رغم ما يبدو على هويته_م في المظهر الخارجي من طغيان مادي جارف .
ولذلك كان كثير من " البيارتة " المسلمين سرعان ما يسارعون الى الخير ويتنافسون في المعروف عندما يقتنعون بإخلاص القيادة وسلامة نيتها .
كان المسلمون يحسون بأخطار التعليم التنصيري والاستعماري الذي يملك مئات المدارس والثانويات، وبعض الجامعات كالجامعة اليسوعية والجامعة الأمريكية، وحتى الجامعة اللبنانية نفسها، وقد لعبت بعض الجامعات أدوارا خبيثة في سياسة ما يسمى بالشرق الأوسط، حيث استطاعت أن " تنهج" أنماطا من أصحاب الشهادات العليا وتهيئهم لتولية الحكم  والمسؤولية في بلادهم، ولا يزال بعضهم يقوم بنفس المهمات المحددة التي خططها أعداء الإسلام لتمزيق العالم الإسلامي، وتفتيت كل وحدة داخل الأسرة العربية، وما أحداث لبنان بمجهولة أسبابها وقصتها ومؤلفوها ومخرجوها وإبطال مثيل هذه المأساة .
وكانت هذه المدارس تقوم بمهمة أخرى وهي إعداد النصارى إعدادا علميا، وفي مختلف المجالات حتى يسيطروا على مواقع المسؤولية ومراكز السلطة، ويحتلوا المناصب العليا، وكانت فرحتهم الكبيرة إبان الكم الفرنسي، مما أتاح لهم إشرافا شبه كامل على لبنان في أخطر مراكزه وميادينه .
ولم يكن للمسلمين من المدارس الا النزر اليسير، ومن المدارس الأولى التي قام المسلمون بتأسيسها " المقاصد الإسلامية " التي أفسدت السياسة مقاصدها الإسلامية وسلبتها أهم فعاليتها فلم تحقق أهدافها كاملة وإن كانت قد سدت فراغا كبيرا .
ولم يكن للمسلمين جامعة، وإنما كان المتخرجون من الثانوي يتجهون لسوريا أو لمصر .
إذ ذاك سارع فريق من المسلمين في بيروت وفي مقدمتهم المرحوم الحاج رشيد صوري رئيس جمعية البر والإحسان الإسلامية الى التفكير في بناء جامعة، وكان ذلك إثر خطبة جمعة ألقاها الشيخ فيهم ابو عبية وألح فيها على المسلمين ليعملوا على تأسيس جامعة إسلامية تشرف على طلاب المسلمين وتزودهم بالمعارف وتزاحم بهم، وتدفع بهم الأخطار المحدقة، وإن هم لم يبادروا الى ذلك تأخر ركبهم، وتبدد شملهم، وأصبح معظمهم في يد غيرهم، لا حول لهم ولا قوة وكانت الخطبة الأولى من أروع خطب في العالم الإسلامي المعاصر، حيث شهد المسلمون في نهايتها ذوي اليسار والغيرة منهم يتبارون في التنافس على الخير والمزايدة في البر، ولازالت أذكر أن بعضهم التزم بأطنان من الحديد، والآخر بأطنان من الإسمنت والآخر بآلاف من الآجر، والآخر " بكذا" أيام من الشغل، وما ان خرج المسلمون من المسجد حتى كانت جامعة بيروت العربية قد ضمنت بداية واستمرارا، وهكذا توالت خطب الجمعة في الموضوع، فتوالت التبرعات الى أن رأينا المشروع  ينمو في الأرواح والإرادات ويكبر على الأرض بناء عريضا وطويلا يسع اليوم ثلاثين ألف طالب مسلم، إن " جامعة بيروت العربية " مشروع لا ينهض بعبئه سوى دولة ومع ذلك استطاعت جمعية إسلامية صغيرة لا يتعدى أفرادها العشرة بمؤازرة جماعة عبد الرحمان، وجمعيات أخرى، وبمختلف العناصر الإسلامية أن تؤسس هذه الجامعة العتيدة التي قصد بها أن يكون الملاذ العلمي للمسلمين في لبنان بعد أن حرموا من التعليم عشرات السنين، في حين كانت أبواب المدارس والمعاهد مفتوحة في وجوه طوائف أخرى لا سيما النصارى منها، ناهيك التشجيع المادي المكثف من جميع الدول النصرانية، وشهدت بيروت في بداية الستينات تما هذا المشروع الذي بدأ بكلية الحقوق، ثم الآداب ثم الاقتصاد والتجارة، وهو في طريق التكامل الجامعي  الشامل رغم ما وضع في طريقه من عراقيل شديدة وسدود منيعة، ولكن الإرادة الطبية السامدة أقوى من كل عرقلة .
يستمع المسلمون كل أسبوع الى مآت الآلاف من الخطب المنبرية من أقصى الشرق الى أقصى الغرب وحتى في أوربا وأمريكا، فلو كانت هذه الخطب منظمة وعلى أساس أنها وسيلة ناجعة ذات أهداف ملموسة ومضمونة ومحددة لكان العالم الإسلامي يحقق لنفسه كل أسبوع خطوات الى الأمام، فهلا وهب المسؤولون لبعث الحياة في  هذه المنابر المتراضية، وجعلها واقع قيادة وبعث وتحريك وتوجيه ؟
بقيت كلمة لا أحب أن أتركها في نفسي وهي أن الخطبة المباركة التي نوهت بها قد استطاعت أن تحرك المسلمين وتدفعهم الى تخفيف البناء المادي، لكن المسلمين اللبنانيين كان يعوزهم شيء هام وهو ما نسميه " بالأطر" أي العنصر البشري العلمي المسلم، لذلك لم يستطيعوا أن يديروا هذه الجامعة ولا ان يزودوها بالأساتذة الأكفاء الذين يحققون الأهداف  الإسلامية، فلم يجدوا بدا من رطبها بجامعة الإسكندرية، فأصبحت بذلك نسخة من الجامعات المصرية وهكذا لم تكن جامعة إسلامية بالمعنى الدقيق تواجه تحدي الجامعات التنصرية اليسوعية والبروتستانتية وغيرهما ومع ذلك فإن أصحاب المشروع قد يستدركون ما فاتهم وقد تهيأت لهم أطر إسلامية عظيمة تبدد مواهبها في أوربا وأمريكا فما عليها الا ان عود لبلادها لتسهم في ميدان العلم لبناء هذه الأمة التي ينتظر منها العالم أن تعود من جديد لتقوم برسالتها العظيمة في نشر ألوية الخير والحب والسلام. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here