islamaumaroc

صفحات مشرقة من تاريخ المغرب الأقصى

  دعوة الحق

170 العدد

الداعي إلى كتابة هذا البحث المتواضع هو تقديم الدليل على الدور الهام الذي اضطلع به المغاربة عبر التاريخ في الدفاع عن راية الإسلام وتركيز دعائمه في المغرب الأقصى وفي البلاد المجاورة له في الشمال والجنوب كما سنبسط ذلك فيما يأتي من الكلام.
والذي ينبغي التنبيه إليه قبل كل شيء في هذا المقام هو أن قيامهم بمثل هذا العمل الجليل لم يكن رغبة منهم في الاستيلاء على أراض جديدة لمجرد بسط نفوذهم عليها وإنما كان عملا مركزا منظما يهدف بالذات إلى تقوية شوكة المسلمين وحماية دينهم من خطر النصرانية التي لا تؤمن نزواتها ولا يسلم بلد إسلامي من مكرها وتحرشاتها .
ويظهر من قراءة ثانية لصفحات التاريخ التي تتصل على الخصوص بالأحداث التي عاشتها بلادنا منذ أن بلغتها الدعوة المحمدية الكريمة ان الدور الذي قام به المغرب الأقصى في تحقيق ذلك الهدف الأسمى كان دورا مزدوجا يتمثل أولا في قيادته لحملات حربية منظمة مضبوطة برسم الجهاد في الشمال وفي الجنوب، ثم العمل على دعم الكيان الإسلامي هناك بتأسيس المعاهد العلمية وتخطيط المدن وتعمير البوادي وجلب أسباب الراحة للمواطنين ثانيا مما أدى في نهاية الأمر إلى خلق حضارة إسلامية عريقة ولم يثبت عن المسلمين عامة والمغاربة على الخصوص أن سبق لهم أن حملوا السيف محبة في السيطرة والغزو إنما هدفهم كان يرمي دائما إلى نشر ألوية السلام بين الناس، وحملهم على الاندماج مقتنعين في حظيرة المجموعة الإسلامية الكبرى وما هدفهم إلا حياة اجتماعية حية منظمة قادرة على تحقيق السعادة للأفراد داخل مجتمع إسلامي متطور.
والواقع أن ملوك المغرب الأقصى أحسوا إحساسا قويا منذ أول الأمر ان هذه الرسالة السامية لا يمكنهم أن يضطلعوا بها الا إذا كانت لهم مراقبة على ما يجري في بلاد الاسبان، مهد النصرانية وواجهتها الأولى بالنسبة لهذه العدوة المقابلة لها ومن ثم بات في اعتقادهم أنه لابد من غزوها وإدخالها تحت راية الإسلام، ولم يحملهم على ذلك – كما يعتقد الكثيرون – ما حدث بين الكونت " يوليان" وصاحبه  "لذريق" من جفوة نتيجة اعتداء هذا الأخير على كرامة ابنة الكونت، ولكن لأن العرب المسلمين بعقولهم الراجحة وعزيمتهم الثابتة، أيقنوا يقين المؤمن الصادق أن مصيرهم مربوط أحبوا أم كرهوا بمصير ذلك الثغر، ومن ثم قرر القائد طريف أن يعبر البحر سنة 711م، ويختط هناك المدينة التي تحمل اسمه اللامع إلى اليوم، ثم عبر من بعده طارق بن زياد وتبعه " موسى ابن نصير " وغيرهم من أبطال المغرب الأشاوس على نحو ما هو مسطر في كتب التاريخ.
ثم تنسلخ حقبة طويلة من الزمان يشترك في حبك لحمتها القاطنون بالأندلس بما فيهم المسلمون والنصارى على السواء، وتتجه جهودهم إلى العمل البناء بقيادة العرب هناك إلى أن يفضي هذا الإنتاج إلى خلق حضارة اسلامية مبتكرة لم يخفت بعد بريقها لحد الآن، وهي حضارة أصيلة تتمثل فيما تركه العرب بالعدوة الأخرى من قصور شماء ورياض فيحاء وبساتين غناء وصناعات مختلفة وحقول مزدهرة ونظم معمارية لا تضاهي بالاضافة إلى علم غزير وثقافة واسعة يمتاز أصحابها بالذوق المرهف والقدرة على الخلق والابتكار ...
ثم تدور عجلة التاريخ التي لا ترحم، وتضعف شوكة المسلمين نتيجة انغماسهم في اللذات غير عابئين بما كان يحاك حولهم من دسائس، وإذا بهم يستغيثون بإخوانهم المغاربة في أوائل القرن الحادي عشر علما منهم بان المغاربة لا ينفكون أن يغيثوا من استجار بهم أينما كان شرط أن يكون ذلك من أجل تعزيز كلمة الله ودعم حركة الإسلام، فلا يلبث يوسف بن تاشفين، أمير دولة المرابطين، أن يجتاز البوغاز مستجيبا لصرخة إخوانه بالعدوة الأخرى وقد تكالب عليهم المسيحيون وتكون معركة الزلاقة الشهيرة التي تم فيها سحق الجيوش النصرانية سنة 1086 على نحو ما نرويه لأبنائنا في المدارس والمعاهد والبيوت حين نميل إلى ذكر مفاخر الآباء والأجداد.
ويكرر التاريخ نفسه فلا يثني المغاربة ما كانوا منصرفين إليه من ألوان البناء والتشييد بهذا الجناح من الوطن الإسلامي عن تلبية نداء المسلمين مرة أخرى في الأندلس أيام الدولة الموحدية العتيدة التي امتد نفوذها إذ ذاك إلى جبال البرانس في جنوب فرنسا وصحراء طرابلس الغرب من الجهة الشرقية، هذا بغض الطرف عن جزر البحر الابيض المتوسط، وكانت معارك ضارية بينهم وبين جيوش الاسبان أبلى فيها المغاربة بلاء حسنا خاصة في معركة الأرك الشهيرة ( 1194) بقيادة الخليفة الهمام يعقوب المنصور، الا أن نار الفتنة لم تخمد مع ذلك بالأندلس نتيجة تخاذل أمراء المسلمين والمسيحيون يتربصون فرصة الايقاع بهم وحملهم على الانسحاب من معظم الولايات التي بقيت بين أيديهم في انتظار إخراجهم جميعا من الجزيرة لا فرق بين ساكن ومتحرك ... ولم يغب عن المغاربة ما كان يجري من أحداث خطيرة في الجزيرة يوم كان لدولة بني مرين في هذا البلد وللوطاسيين نتيجة تسلسل احداث التاريخ أن يعبر المغاربة مرة أخرى إلى الاندلس هذا البلد الذي اختصه الله ببركة الرباط ورحمة الجهاد كما يقول القاضي أبو الحسن النباهي في فضل الجزيرة أدرك المسلمون إذ ذاك أن شبح الموت أصبح يدنو شيئا فشيئا من سكان الجزيرة المستضعفين، ويشاء الله تعالى أن يمتد عمرهم بها مدة من الزمن على يد المغاربة المجاهدين لاعتقادهم أن بقاء الإسلام بالجزيرة دعم للكيان الإسلامي بالمغرب الأقصى وبقية دول المغرب العربي على السواء كما سيجري الحديث على ذلك فيما بعد، وهكذا لم يتأخر أمير المسلمين أبو الحسن المريني عن تلبية نداء سكان الجزيرة فعبر إليها في جيش عرمرم انتصر بفضله على النصارى في مدينة طريف انتصارا لم يسبق له مثيل بعد معركة حامية الوطيس.
ترى وهل نذكر في هذا المقام محنة الأمير عبد القادر الجزائري حينما تكالب عليه العدو وجعله في حالة اضطر معها إلى مغادرة وطنه مستجيرا بسلطان المغرب الأقصى لمتابعة القتال ؟ فيضع السلطان مولاي عبد الرحمن ابنه على جيش قوي باسل يسخره لمساعدة الأمير في معاودة قتال الجيوش الفرنسية على مقاربة من وادي إسلي سنة 1844م. ثم تكون الطامة الكبرى، فتنهزم جيوش المغرب في سبيل تثبيت اقدام الأمير الجزائري المستظل بلواء الجيش المغربي ؟ وهل نذكر الدعم والمساعدة اللذين قدمهما المغرب الأقصى ملكا وحكومة وشعبا بسخاء طيلة حرب التحرير الجزائرية مدة سبع سنوات ؟
وها هي حرب رمضان التي استعدت لها إسرائيل بجميع ما تملك من قوة وعتاد فكادت أن تباغت الجيوش العربية لولا أن تفطن الحسن الثاني حفظه الله لما كانت إسرائيل تحيكه في طي الخفاء فيقرر إرسال وحدات من الجيش المغربي إلى مصر وسوريا دعما للقوات العربية ولسنا بحاجة إلى التذكير بالخطة التي أدى بها الجيش المغربي الباسل ما عليه من واجبات دفاعا عن القضية الفلسطينية المقدسة .
يستخلص مما سبق ذكره أن ملوك الدولة المغربية المتعاقدين على هذا الجناح من الوطن العربي الكبير اقتنعوا منذ أن فتح الله صدورهم للإسلام أن لهم دورا طلائعيا يتعين عليهم القيام به في المغرب، باعتباره نقطة ارتكاز ونقطة انطلاق نحو آفاق أخرى إن تحققت لديهم فلابد أن تعينهم على مقاومة خطر المسيحية التي كانت تطل عليهم من وراء البحر الأبيض المتوسط فلذا كانت جيوشهم على استعداد دائم لعبور المضيق رغبة منها في توسيع رقعة الإسلام وحفاظا على هذا الثغر من انسياب جيوش الأعداء إليه، وهكذا استثبت قدمهم بالأندلس واتخذوها دار إقامتهم حتى أصبحوا مؤمنين بضرورة العمل على حماية تلك الممتلكات من تسرب النفوذ المسيحي اليها، ولذا فكروا في إحداث عدة ثغور لحمايتها من خطر النصرانية كالثغر الأدنى وكان يغطي إقليم مدينة سلامتك، والثغر الأوسط المتاخم لمدينة سالم ومدينة طليطلة، والثغر الأعلى وهو الذي كانت تتحكم فيه سراقسطة على الأخص، هذه الثغور الثلاثة كانت بمثابة الجناح الوقائي من الوجهة العسكرية والدينية بالنسبة للأندلس نفسها كما أن الأندلس هي الأخرى كانت تعتبر جناحا وقائيا للمغرب الأقصى تحميه من تدخل جيوش العدو وتدرأ بالتالي خطر النصرانية عن أراضيه ولذلك لم يغفل المغاربة عن قضية الأندلس ولم تغمض لهم عين عما كان يجري فيها من أحداث من فجر التاريخ الإسلامي حتى عصر المرينيين وما بعدهم، والواقع أن النصارى كانوا يعلمون أن العائق الأكبر الذي يعترض طريقهم نحو بقية الدول الإفريقية ويعوقهم بالتالي عن تنصيرها كان يتمثل في المغرب صامدا كالطود الشامخ للدفاع عن العقيدة الإسلامية لتبقى صافية نقية، والدليل على ذلك هو أن الدول المستعمرة ومن مشى في ركبها الفاشل في العصر الحاضر عملت كل ما في وسعها لتطويق المغرب الأقصى من جنوبه حتى يتسرب النفوذ المغربي إلى بقية دول القارة الإفريقية، ويحمل معه اليها معالم حضارة إسلامية مغربية عريقة لابد أن تستقر في نفوس الأفارقة لأنها تعتمد على العلم وتدعو إلى السلام والإخاء، وهكذا يظهر للعيان أن اقتصاص الصحراء المغربية من الوطن المغربي لم يعد أن يكون خطة مدبرة من طرف الدول المستعمرة لتوهم الدول الأخرى بعد احتلالها زمنا قد يقصر أو يطول لهذا الجزء من المغرب الأقصى أن الصحراء لم تكن مغربية قط، وأنها كانت أرضا خلاء كما زعموا لا راعي لها ولا مالك... الا أن صمود المغاربة في وجه كل من يحاول تشويه التاريخ وما أعربوا عنه من استعداد للتضحية في سبيل رد الأمور إلى نصابها كل ذلك بالإضافة إلى عبقرية ملكنا الهمام جلالة الحسن الثاني بما آتاه الله من حكمة وتبصر وما أظهره من دبلوماسية عريقة فذة، جعل تلك الأحلام تذوب وتتبخر مع الرياح الأربع.
وهناك فائدة أخرى يفيدها المطالع الحصيف لكتب التاريخ هي استعداد الأمة المغربية لاحتضان إخوانهم الأندلسيين كلما تكالب عليهم العدو وعجزوا عن الصمود في وجهه واستقبالهم بكرم واعتزازا في وطنهم الثاني، مساعدين إياهم على الاستقرار في أي مدينة من مدن المغرب الأقصى الذي تجمعهم به وشائج الدين واللغة والمصير المشترك.
ولنا دليل على ما نقول فيما روى عن الحكم الأول بقرطبة حينما صدر منه الأمر بعد ثورة الربض بترحيل عشرين ألفا من سكان ضاحية المدينة إلى خارج الأندلس فما كان من إدريس الأكبر رضي الله عنه وقد شرع في بناء مدينة فاس الا أن فتح صدره لأولئك المطرودين وأحلهم بعاصمته في حي من المدينة ما زال حتى اليوم يعرف بحي الأندلس، وفي أواخر القرن الخامس عشر تفرقت كلمة المسلمين بالجزيرة بما أصبحوا عليه من التنافر والتخاذل مما أدى بهم أحيانا إلى التحالف مع المسيحيين بينما كان فرديناند ملك قشتالة والملكة ايزابيلا يسعيان في توحيد الكلمة بين الكتل النصرانية المختلفة بشتى الوسائل حتى عن طريق الزواج رغبة في الاستيلاء على المدن التي بقيت بأيدي المسلمين وما فتئ المسيحيون يحتلون تلك المدن الواحدة بعد الأخرى حتى إذا حلت سنة 1492م اضطر المسلمون إلى مغادرة آخر مدينة من مدن الأندلس، يبكون الفردوس المفقود في اتجاههم مرة أخرى إلى المغرب الأقصى وبعض البلدان الإسلامية الأخرى، وما كان من ولاة الأمر في هذا البلد المسلم الأمين الا أن استجابوا لعاطفة الأخوة الإسلامية يحلون إخوانهم على الرحب والسعة في المدن التي اختاروا الإقامة فيها عن رضى وطيب خاطر كالرباط وسلا وفاس وتطوان والشاون وطنجة، الا أن طائفة من المسلمين فضلت البقاء بالأندلس رغم ما أصابها من العنت وسوء المعاملة لأن الملك فريدناند والملكة ايزبيلا الذين جمعت بينهما عقدة الزواج كما جمعت بينهما العصبية النصرانية وكراهيتهما للإسلام أقسما ان يضمنا علانية لهؤلاء المسلمين الذين آثروا البقاء في الجزيرة السماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية بكل اطمئنان كما أقسما على نفسيهما أنهما سيضمنان لهم حق التصرف في ممتلكاتهم، لكن مع الأسف الشديد لم يمر على ذلك العهد الا وقت قصير حتى تبدلت الأشياء غير الأشياء إذ بتدخل من أرباب الكنيسة سمح الملك لنفسه أن يحمل جماعة المسلمين على اعتناق المسيحية محرما عليهم التحدث باللغة العربية كما صدرت إليهم الأوامر أيضا بترك أبواب مساكنهم مفتوحة ليل نهار حتى يكون الحراس شهداء عليهم يستطيعون مراقبة الذين يتظاهرون منهم بالمسيحية بينما يقومون بالطقوس الإسلامية داخل بيوتهم ... وهكذا عاشت تلك الطائفة من المسلمين التي أصبحت تعرف بالمورسكيين عيشة شظف وعناء، ومع ذلك لم تلبث الكنيسة بأمر من رئيسها الرهيب كسيمنيس أن شرعت في تعذيب هؤلاء المغتربين والتنكيل بهم حتى إذا بلغ بهم العذاب حدا لا يطاق، والمغرب يحاول ما استطاع إغاثتهم به وإمدادهم بالمؤمن والعتاد انفجروا كالبركان في ثورة عارمة ضارية لا تبقى ولا تذر دفاعا عن حقهم في الحياة، فلم تزدد الكنيسة الا عنادا وإصرارا على التنكيل بهم وأخيرا صدر قرار الكنيسة المنتظر بنفيهم عن الوطن الحبيب، فاضطروا إلى مغادرة أرض الجزيرة في مواكب محزنة مؤلمة باكية متوجهين إلى جهات شتى من المشرق والمغرب ( 1609) وقصد منهم عدد وافر بلاد المغرب الأقصى الذي أكرم مثواهم محتضنا إياهم كما فعل من قبل مع إخوانه الذين سبق ان نزلت بهم نكبة التغريب والتشريد في ظروف مماثلة في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، ترى لم يوف الاسبان تلك العهود ولم يمسكوا بالوعود التي ضربوا على أنفسهم ؟ الجواب هو أن بقاء مآت الآلاف من المورسكيين بالأندلس كان يعتبر في نظر رجال الكنيسة الاسبانيين استمرارا لسيطرة المسلمين على طائفة كبرى من سكان الجزيرة، وبالتالي فهو اعتراف تفوق الحضارة الإسلامية براقة مشرقة في كل ميادين الحياة الأندلسية، فكيف تستطيع المسيحية أمام هذا الصمود أن تقوى على مقاومة الدين الإسلامي ومحو آثاره من الأندلس ثم الانتصار على اللغة العربية المعبرة عن حضارة العرب ممثلة في حياة أهل الأندلس العامة والخاصة، وإذا ما أضفنا إلى ما سبق شعور المسيحيين بقدرة المسلمين على التزايد والتكاثر بسرعة تفوق تكاثر النصارى أدركنا ما كان يساورهم من خوف من استرداد المسلمين للسيطرة التي كانت لهم فيما سبق من الزمان نتيجة تفاعل هذه الأسباب التي تتصل بشؤون الدين والاقتصاد وتنظيم الأسرة في نفس الوقت .
ولم يتفطن النصارى إلى الغلطة الكبرى التي ارتكبوها بتنصيب ديوان التحقيق أيام الملك فليب الثاني استعدادا لطرد المورسكيين بصورة نهائية من أرضهم التي صرفوا في تمصيرها وتحضيرها كل ما جاءت به قرائحهم ذلك أن عرب الأندلس كانوا يكونون اللحمة الحية في مجتمع أندلسي نشيط منتج موهوب وكانت جماعة المورسكيين بالخصوص تتمثل في طبقات ثلاث : طبقة الأغنياء من أرباب الأملاك والأسهم التجارية الناجحة، وطبقة المزارعين الذين أقبلوا على الأراضي يحيون مواتها ويختطون فيها البساتين والرياض، يزرعون فيها من كل أنواع الزروعات كالقطن وقصب السكر والأزهار والحبوب على اختلافها كما بلغوا منزلة خاصة في طريقة جلب المياه إلى المزارع والبساتين بواسطة نظام محكم ما يزال الأسبان يعملون به حتى اليوم، فلا غرابة أن جعلوا من الأندلس جنة على وجه الأرض بما كانت تنتجه من الحبوب والقطنيات والحرير والأرز والورق والجلود، أما الطبقة الثالثة من هؤلاء المسلمين الذي صدر في حقهم الطرد عن وطنهم العزيز فإن مهمتهم كانت الاشتغال بمختلف الصنائع والحرف وصنوف التجارة التي كانوا يعرفون كيف يديرون دفتها بحكمة ونجاح.
فلما نزلت بهم تلك النكبة النكراء هجروا إلى بلاد المغرب واستقروا بها وأثروها بما حملوا اليها من معرفة في مختلف الصنائع ودراية بأساليب التجارة مع اطلاع دقيق على كيفية إدارة الدواوين، ومن الجائز أن نقول انه بحكم العلاقات التي سادت بين سكان العدوتين طيلة قرون وبخاصة أثناء ازدهار الحضارة الإسلامية في الأندلس والزيارات التي كانوا يتبادلونها من هذا الشط إلى ذلك الشط الآخر، وبالعكس انتقلت بصورة طبيعية وخاصة بعدما نزحت جماعات المواطنين المورسكيين إلى المغرب كثير من العادات الأندلسية فيما يتصل بنظام الحياة عموما وترتيب المعيشة كاتباع نمط خاص في المأكل والمشرب والملبس والاستمتاع بحياة البذخ والرفاهية متمثلة في أسلوب البناء وتنظيم الحفلات على نغمات الموسيقى الأندلسية الرقيقة، وليس من شك في أن هذا كله أضفى على الحياة المغربية رونقا وبهجة وأغناها بهذا اللون الجديد من التفنن في العيش مما جعل المجتمع المغربي من أرقى المجتمعات الإسلامية في ذلك العصر .
وانتقل إلى المغرب مع جملة النازحين عن الأندلس جماعة من الفقهاء وثلة من العلماء والكتاب والأدباء أغنوا البلاد أيضا بما حملوا إليها في صدورهم من ثقافة وعلم، فازدهرت الخزائن المغربية بكتبهم وإنتاجهم الأدبي الرفيع مما أضفى على الكتابة العربية في المغرب ذلك الطابع الأنيق في المفهوم وصيغة الكتابة.
وبالتالي يمكن القول أنه كلما تقدمت البلاد المغربية نظرا لهذا التلقيح الذي استفادت منه على طريق المورسكيين كلما انحطت الأندلس من جراء خروجهم منها، ولم تلبث أن أصابها تدهور في الحياة الاقتصادية بوجه عام، بل يمكن القول بأن اسبانيا أخذت في الانحطاط والتأخر منذ أن غادرتها جماعة المورسكيين، وعليه فقد كان ترحيلهم من طرف الكنيسة بمثابة ضربة قاسية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الأندلس بصورة عامة .
أجل لقد آمن المغرب إيمانا قويا ان الصراع دائم بين الإسلام والنصرانية على أرض الأندلس وان الجهاد في بلاد الأندلس أمر لا مفر منه ما دام الصراع الذي كان يندلع بين النصارى والمسلمين صراعا دينيا صليبيا، وهكذا كان من واجب المغرب الذي وجد نفسه في الواجهة بالنسبة لأوربا أن يقوم بحماية الثغور محافظة على حرمة الإسلام بما كان يعتقد من أن استسلام المسلمين هناك للعدو يعتبر لا محالة ثغرة في صفوف المسلمين بالمغرب، ومنها يستطيع أن يتغلغل في البلاد الإفريقية ليعمل على تنصيرها من أجل ذلك كان مخطط الجيوش النصرانية يرمي دائما إلى إخراج المسلمين من الأندلس بغية استيلائها على المغرب وبالفعل فقد حاولت جيوش النصرانية في جموع صليبية منظمة شملت جنودا عرمرمة من البرتغال واسبانيا وفرنسا وايطاليا وإنجلترا وغيرها من البلاد المسيحية اكتساح هذا البلد الأمين في أيام الدولة السعدية، مما أدى إلى قيام معركة حامية الوطيس هي معركة وادي المخازن التي مكنت الجيش المغربي بقيادة بطله أحمد المنصور من سحق الجيوش البرتغالية سحقا لم يسبق له مثيل، فكانت الضربة القاسية التي لم تنهض بعدها بلاد البرتغال من كبوتها، ومع ذلك فما أن تمكنت جيوش العدو من إخراج المسلمين من الأندلس حتى قفزت إلى المغرب تحتل شواطئه بغية الاستيلاء عليه، لكن المغرب الذي عرف أبناؤه بالبسالة والتضحية النادرة ضد المحتلين الغاشمين على اختلاف مشاربهم لم يخضع لهذا التكالب على أراض أجنبية عنهم ثم التفت نحو إفريقيا السوداء يوجه لها البعثات ويزودها بالمرشدين والعلماء همه في ذلك كله تبليغ رسالة الإسلام وتحقيق علاقات وتعاون مثمر بين المغرب وشعوب القارة الإفريقية في الميادين الدينية والثقافية والتجارية .
وهكذا راح المغاربة المتطعون يؤسسون المعاهد العلمية عبر القارة الإفريقية ويبنون الزوايا ويرشدون الناس إلى الهدي ودين الحق، لا يبغون من وراء ذلك جزاء ولا شكورا، فلا غرابة أن ذاع صيتهم بين أبناء القارة الإفريقية حتى نعتوهم بالمجاهدين في سبيل رب العالمين، معترفين بأن دخولهم الإسلام طائعين كان الفضل فيه لأبناء المغرب الأقصى .
ولسنا في حاجة إلى التأكيد أن ملوك المغرب لم يولوا هذا الاهتمام للأقطار الإفريقية رغبة في الاستيلاء عليها أو الانتفاع بخيراتها بقدر ما كانت رغبتهم تتجه إلى توطيد دعائم الإسلام هناك حتى تكون افريقية كلها، كما كانت الأندلس من قبل، بمثابة الجناح الوقائي في الجنوب يحمي المغرب الأقصى عند الاقتضاء من كيد الكائدين ورد هجمات المعتدين، ذلك أن الباحثين ممن يتحلون بالنزاهة وقول الحق يعلمون قبل غيرهم أن سكان المغرب الأقصى أولى المجد العريق والحضارة الأصيلة كانوا يهتمون على الدوام عند فتحهم الأمصار بتمدين أهلها يعلمونهم العلم
ويرشدونهم إلى الخير كما كانت همتهم تجري إلى حثهم على مسألة الغير طبقا لما جاءت به الدعوة المحمدية الكريمة محافظين على حرمة الأشخاص، عاملين على تحقيق كل ما من شأنه أن يضمن لهم الاطمئنان المعنوي المنشود وسلامة المجتمع.
هكذا تصدى المغاربة الفاتحون إلى حمل حضارة عريقة لمناطق شاسعة من الصحراء في إفريقيا السوداء بما اختطوه هناك من مدن عامرة مزدهرة آهلة بسكانها لا يزال ذكرها ساريا لحد الآن كمدينة سمارة والعيون والداخلة والمحبس وغيرها من المراكز الثقافية والتجارية التي كان لها صيت وذكر في تاريخ المجموعة الإفريقية منذ أقدم العصور.
يؤخذ إذن من كل ما سبق أن التاريخ الذي لا يكذب يشهد بفضل المغاربة سكان هذا البلد الأمين على بقية هذا الجناح الأيسر من الوطن العربي الكبير بما حملوه إليهم في الشمال والجنوب من حضارة إسلامية رائعة أساسها العلم وغايتها تحقيق التقدم الإنساني المنشود عن طريق حرية الفكر وضمان حرمة الأشخاص.

المراجع :
1-أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض طبعة القاهرة الجزء الأول 1939.
2-المعجزة المغربية لأحمد عسة، طبعة دار العلم للطباعة بيروت 1975.
3-الاستقصا لدول المغرب الأقصى للشيخ أحمد خالد الناصري المطبعة المصرية .
4-الأندلس المطرب بروض القرطاس، المطبعة الوطنية الجزء الثاني عام 1936.
5-تاريخ اسبانيا المسلمة تأليف لفي بروفانصال، الجزء الأول مطبعة ميزوناف.


انطلاقتنا الاجتماعية والاقتصادية ترمي إلى خلق اشتراكية مغربية، لا اشتراكية تأتي في حقائق، ولا اشتراكية تأتي في صحف ولا اشتراكية نقراها في كتب دراسة بكليات في الخارج، ولكن اشتراكية مغربية محضة، تطابق أصولنا وأصالتنا .
 جلالة الملك الحسن الثاني .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here