islamaumaroc

عدم الانحياز ، الاختيار الذي يؤمن به المغرب -1-

  دعوة الحق

170 العدد

إن الدارس لأسس الديبلوماسية المغربية منذ تأسيس الدولة المغربية، وعبر تاريخها السحيق، يجد نفسه دائما أمام اختيار لم يتغير أبدا. سواء في حالة اليسر أو في لحظات العسر التي تمر سواء بالنسبة لسلوكه العام مع غيره، أو في سلوكه الخاص، وذلك ما جعل المغرب يكون من السباقين إلى مجموعة دول عدم الانحياز. وتحضرني قبل الدخول في دراسة اختيار المغرب لعدم الانحياز سلوكا وسياسة هذه الفقرة  التي وقفت عليها والمنشورة بجريدة (السعادة) التي كانت تصدر في مدينة طنجة (بالعدد 173- س4 – ص: 2 و3 بتاريخ 14 محرم 1328 الموافق 16 يناير 1908) والتي ورد فيها نفس المفهوم وبنفس المعنى، وقت كانت هذه الكلمات لا زالت ذات معنى عام ولكن المفهوم المغربي حددها بالنسبة للعلائق الدولية كما نلمس ذلك من مجرد قراءة هذا النص:
((والأحسن من هذا وذاك أن....يدعي اليوم المواصلة السياسية من وزارات الأجناس ومكاتبته له وقد أشاع أخبار على أنه تلقى أنباء خصوصية على نتائج ما قررته وزارة فرنسا وألمانيا بخصوص المغرب، وانحياز المغرب، وانحياز دول أوروبية على الحياد وترك المغرب وشأنه))) 
وهكذا فإذا كان ظهور مجموعة عدم الانحياز جاء نتيجة للتطور البشري الذي عرفته الإنسانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والذي اقترن بـ:
أولا: باندحار الاستعمار كقوة غازية طاغية متسلطة:
ثانيا: بروز تكتلات المعسكرين الغربي والشرقي والتي لم تكن سوى الإطار الجديد للاستعمار بكل فلسفتها، وميولها واتجاهاتها وأساليبها فإن مشاركة المغرب في بناء مجموعة عدم الانحياز لم تأت عبثا، أو جزافا ولكن المغرب الذي عرف الاستعمار كيف يسيء إليه اعتبار للرسالة التي التزامها منذ تأسست دولته الإسلامية، والدور الذي لعبه منذ إصدار رسالة التوحيد كإيديولوجية له في نظامه وسلوكه...اختار اختيار لم تغيره التطورات والحقب والأهداف التي تعاقبت على منذ أن خطط اختياره هذا.
ومن هذا الاختيار تنطلق أهداف المغرب واختياراته الوقتية..
ومن نفس هذا المنطلق لم يكن حضور المغرب في مؤتمرات دول عدم الانحياز الثلاثة السالفة عضويا وكفى. ولكن المغرب سعى إليه وهو ينتظر بل يؤمن أن هذا المؤتمر سيكون المشجع الجديد لجميع المقتنعين بأن علاقات أكثر عدالة وتكافؤا وبناة في العالم يمثل البديل الوحيد لكابوس الضغط والسيطرة ويجد الطريق لانتهاج سياسة عدم الانحياز بشكل أنشط وواسع على الصعيد الدولي ولاسيما في منظمة الأمم المتحدة التي يمكن أن تكون قاعدة لتعزيز دور وفعالية المنظمة العالمية في الدفاع عن السلام والاستقلال والتعايش السلمي، أما مفهوم المغرب في عدم الانحياز فيرتكز على تحديد دقيق وضعه المغرب منذ البداية في النصين التاليين:
أولا: في خطاب جلالة الملك المعظم في بلغراد (سبتمبر سنة 1961) الذي جاء فيه:
" إن حيادنا لا يعني الانعزال أو اللامبالاة بالنسبة لجزء من البشرية، بل هو على العكس من ذلك يعني قبول كل ما هو عادل وحق في نطاق الفكر البشري، وأنه حياد نشيط وحي، ولا يستهدف سوى إنقاذ القيم الإنسانية وإقرار السلام والتقدم بين الجنس البشري".
ثانيا: أما الممثل الشخصي لصاحب الجلالة فقد حدد في الاجتماع الثاني للمؤتمر (أكتوبر سنة 1964) التعريف المغربي بما يلي:
"إن عدم الانحياز ليس مذهبا ولا عقيدة بل هو سلوك، أي عبارة عن اتخاذ مواقف إزاء المشاكل الدولية الكبرى" (1).
وهذا التحديد يرتكز مع روح التأسيس من جهة، ويساير المبادئ الخمسة التي أقرها الاجتماع التحضيري(2) وهي:
1) يجب أن تكون الدولة قد انتهجت سياسة قائمة على تعايش الدول ذات النظم الاجتماعية والسياسية المختلفة، وعلى عدم الانحياز.
2) يجب أن تكون الدولة مؤيدة دائما لحركات الاستقلال القومي.
3) يجب ألا تكون عضوا في حلف عسكري جماعي ثم في نطاق الصراع بين الدول الكبرى.
4) يجب ألا تكون الدولة طرفا في اتفاقية ثنائية مع دولة كبرى
5) يجب ألا تكون قد سمحت لدولة أجنبية بإقامة قواعد عسكرية في إقليمها. ولا يعنينا من هذه المبادئ الخمسة هذه إلا المبدأ الثاني الذي يجب?       
أن يكون محور تحركنا الدبلوماسي لأن محاربة الاستعمار الصهيوني في فلسطين لا تخرج عن كونها حربا من حروب الاستقلال القومي، ومن واجب دول عدم الانحياز أن تساند هذه الحروب تطبيقا للمبدأ الذي أقرته مؤتمرات عدم الانحياز وجعلته ركنا من أركان سياستها (3)
ولم تكون هذه المبادئ الخمسة التي استقرت إليها دول العالم وخاصة دول العالم الثالث والمحبة للسلام والخلاص وليدة الصدفة ولكنها جاءت إثر عدد من المؤتمرات حيث انعقد:
أولا مؤتمر بادونغ بأندونيسيا في 18 أبريل عام 1955 الذي اشتركت فيه تسع وعشرين دولة الذي انتهى إلى القرارات التالية:
1) احترام حقوق الإنسان الأساسية وأغراض ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وهذا القرار ليس تطبيقا لفكرة الحق الدولي التي تدين بها نظرية الحياد الايجابي والتي دعت هذه النظرية إلى تقديسها، كما أن احترام ميثاق الأمم المتحدة هو من أخص مظاهر هذه السياسة – باعتبار أن هذا الميثاق هو أمل العالم – إذا روعي نصا وروحا – في تحقيق السلام العالمي وهو ذات الهدف الذي تدعو إليه سياسة الحياد الايجابي.
2) احترام سيادة جميع الأمم وسلامة أراضيها.
3) الاعتراف بالمساواة بين جميع الأجناس وبين جميع الأمم كبيرها وصغيرها.
4) الامتناع عن أي تدخل في الشؤون الداخلية لبلد أخر.
5) احترام حق كل أمة في الدفاع عن نفسها انفراديا أو جماعيا وفقا لميثاق الأمم المتحدة.
6) الامتناع عن استخدام التنظيمات الدفاعية لخدمة المصالح الذاتية لأي دولة من الدول الكبرى.
وامتناع أي بلد عن الضغط على غيره من البلاد وهذه المبادئ جميعها من مقتضيات سياسة الحياد الايجابي التي تحترم سيادة الدول وتقدس حق الحرية.
7) تجنب الأعمال أو التهديدات العدوانية أو استخدام العنف ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي بلد من البلاد.
8) تسوية جميع المنازعات الدولية بالوسائل السلمية مثل التفاوض أو التوفيق أو التحكيم أو التسوية القضائية...الخ.
9) تنمية المصالح المشتركة والتعاون المتبادل، وهذه الأهداف تتفق والهدف النهائي من سياسة الحياد الايجابي وهو تحقيق السلام العالمي وتتفق والوسائل التي رسمتها هذه السياسة لتحقيق تلك الأهداف.
10) احترام العدالة والالتزامات الدولية، وهذا المبدأ هو تطبيق لفكرة العدالة الدولية كما وعتها وأرست قواعدها سياسة الحياد الايجابي.
ثانيا: مؤتمر (بريوني) المنعقد بيوغسلافية في يوليوز عام 1956 خلال زيارة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند الراحل ليوغسلافيا في يوليوز عام 1956 وأسفرت هذه المحادثات عن إذاعة بيان يرتكز في أساسه على القرارات التي أذاعها?
مؤتمر باندونج ويقر فيها المبادئ التي انبثقت منه، ووصفت هذه المبادئ في البيان الثلاثي عن محادثات بريوني بأنها لاقت التأييد من جانبهم وأنهم يدركون أن النزاع والتوتر الدولي قد أديا إلى ما يسود العالم من المخاوف في الحاضر والمستقبل، وأنه طالما ظلت هذه المخاوف تسيطر على العالم فإنه لا يمكن إرساء السلام على قواعد ثابتة (4).
ثالثا: مؤتمر أكرا الذي انعقد بغانة في أبريل 1958 وحضرته الدول الإفريقية المستقلة، وقد انتهى هذا المؤتمر الهام بقرارات هي في ذاتها تطبيق للمبادئ التي تنطوي عليها سياسة الحياد الايجابي وعدم الانحياز إذ قرر المؤتمر بعد تبادل وجهات النظر الولاء المطلق لميثاق الأمم المتحدة والتمسك بالأسس التي أبرمها مؤتمر باندونخ، والمتصلة باحترام حقوق الإنسان الأساسية. واحترام السيادة والاعتراف بالمساواة بين الأجناس والأمم، ونادى بتدعيم فكرة الحرية التي هي من الأسس الجوهرية في سياسة الحياد الإيجابي فبحث مستقبل البلاد غير المستقلة في افريقية وأعلن أنه يؤمن بأن إبقاء الاستعمار في أية صورة إن هو إلا تهديد للدول الإفريقية واستقلالها، كما أنه تهديد للسلام العالمي وحدد الوسائل والطرق التي يمكن بها لهذه الدول أن تكافح من أجل الظفر بحريتها. كما بحث مشكلة الجزائر، وأقر حق الشعب الجزائري في الاستقلال وتقرير المصير، وعبر عن شديد قلقه بسبب مشكلة فلسطين واعتبر أنها مصدر للخطر يهدد السلام العالمي، وكذلك الشأن بالنسبة لمشاكل جنوب غرب إفريقيا، والمشاكل المماثلة في تجولند وسائر أجزاء إفريقيا المكافحة، وتشبثت دول المؤتمر بأهداف السلام العالمي التي تهدف إليها سياسة الحياد الايجابي فأعلنت عن سخطها مما تقدم عليه الدول الكبرى من استخدام الطاقة الذرية في الحرب، وعن رغبتها في استخدام هذه الطاقة للأغراض السلمية ووقف إنتاج الأسلحة الذرية في الحرب وإيقاف تجاربها وعلى الأخص تلك التي تجريها فرنسا في صحراء إفريقية (5). 
رابعا: مؤتمر الدار البيضاء المنعقد بالمغرب في يناير 1961 بحضور المغرب والجزائر (الحكومة المؤقتة) وليبيا وجمهورية مصر العربية ومالي وغينية وغانة.
وانتهى هذا المؤتمر إلى ثمانية قرارات أولها إعلان ميثاق إفريقي ارتبطت به الدول التي اشتركت في أعمال المؤتمر ثم سبعة قرارات أخرى في مشاكل الكونغو والجزائر وفلسطين والتجارب الذرية والميز العنصري ومشكلة موريطانيا ومشكلة رواندا. ونص الميثاق الإفريقي على إنشاء جمعية استشارية إفريقية ولجان لتوحيد سياسة الدول الإفريقية وتنسيقها وإنشاء قيادة عليا مشتركة ولجنة للاتصال بين الهيئات والأجهزة التي تقرر إنشاؤها. وقصد بإنشاء القيادة الإفريقية المشتركة ضمان الدفاع الجماعي عن القارة الإفريقية وحماية كل دولة على حدة، فكان هذا الميثاق بمثابة الوثبة الايجابية الأولى نحو تحرير افريقية ووحدتها في ظل مبادئ معينة، فقد أكد الميثاق أن الدول الإفريقية المستقلة لن توحد جبهتها السياسية لتتخذ مواقف مشتركة تنبع من مصالح القارة وتتفق مع أهدافها في التقدم والتطور والحرية الحقيقية وكان هذا القرار تطبيقا صريحا لمقتضيات القوة المعنوية التي تنادي بها سياسة الحياد الايجابي والتي تنبعث من ضم الصفوف ولم الشعث وجمع اليد بين الدول ذات المصالح والأهداف المشتركة، كما انبثقت سائر القرارات التي أقرها مؤتمر باندونج (6) المغرب يضيف نظرية جديدة وإذا كانت الديبلوماسية المغربية قد اتسمت واشتهرت عنها في المحافل الدولية على اختلافها إنها لعبت دورا طلائعيا في تركيز مبادئ عدم الانحياز والسير على نهجه بدقة، فالحقيقة أن مرد ذلك لسببين مهمين وعميقين في مفهومه وسلوكه هما:
أولا: أنه يقاسم المحركين الأولين لمؤتمر بلغراد أنواع القلق الذي تدعو إليه الحالة الدولية في ذلك العهد، ويحس بإحساسهم، ويبدو ذلك واضحا في كونه "وافق بسهولة على ضرورة عقد هذا المؤتمر (7)"
ثانيا: إيمانا منه، وثقة في هذا الاختيار "جعل من عدم الانحياز محورا أوليا لسياسته الخارجية (8) "ويدعو إليها باقتناع واهتبال بمفهومها الإنساني ونتائجها الحسنة وخصوصا في هذه الظروف العصبية التي تجتازها الإنسانية، ولقد مثل المغرب في الدورة الأولى للقاء هذه الدول جلالة الحسن الثاني (سبتمبر 1961 في أول بداية عهد جلالته لتولي عرش المغرب.
وقد ظلت مساهمة جلالته في هذا المؤتمر الذي لم يكن له نظير "على الصعيد الدولي، وتقيم الدليل القاطع على تعلق المغرب بمبادئ العدل وعدم التبعية" للمساهمة في مشروع السلام، واهتمامه بالبحث عن الحلول الصالحة للمشاكل المطروحة على بساط الدرس منذ ذلك الحين إلى الآن.
وأن إدراك جلالة الملك الحسن الثاني لهذه السياسة التي أعطت لعدم الانحياز مدلوله النهائي، لم يكن إدراكا لسياسة توازنية. ولم يكن هذا الإدراك يقضي مطلقا بنوع من عدم الاهتمام أو بحالة واقعية تتجلى في الانكماش أو في خشية عدم الصدع برأي إيجابي في شأن حوادث تؤثر على الحالة الدولية، بل هذا الإدراك هو كما بينه جلالة الملك بوضوح، لا يعني أبدا إنكار كل فكرة حكيمة مثمرة أو ايجابية تنبعث من اندفاع كل الكتلتين، وليس هذا الإدراك كذلك بمثابة بذل الوسع وإفراغ المجهود أمام مشكل وقع طرحه لإيجاد حل من الحلول، لا يكون آنيا لا من الغرب ولا من الشرق إذ الأمر كما قال صاحب الجلالة: من الحلول ما يؤخذ وما يترك ولا بد من أن يستند الاختيار على الموضوعية الثابتة. وإذا   كان ممثل المغرب قد حدد مواقف بلاده نحو القضايا التي تشغل بال الرأي العام فبالإضافة إلى هذه الآراء المتعلقة بالمشاكل السياسية التي قسمت العالم إلى كتلتين متضادتين في الكفاح من أجل النفوذ في العالم، فإن المغرب الذي هو على بينة من الأخطار العظيمة التي تتمثل في هذه المشاحنة، يرى أن أسباب عدم الاستقرار الدولي تنبثق عن عدم التوازن الاقتصادي والتجاري والاجتماعي الموجود بين الأمم الغنية والأمم الفقيرة، لأن عدم التوازن إذ نما يوما بعد يوم يظل العنصر الأول لعدم الاستقرار ولعدم الثقة التي تحدث في العلائق الدولية، وأن الآراء المغربية في المشاكل السياسية المعروضة موضوعيا من طرف ممثل المغرب، ضمن إطار التفاهم الذي أراد أن يكون من عدم الانحياز موصوفة بالحركة والايجابية والنشاط. هذا الإدراك الذي تبناه المغرب قياما بدوره نحو المشاكل الخطيرة التي كانت تهدد السلام طيلة العهد الذي انعقد فيه مؤتمر بلغراد، قد أملته عليه الحالة الجغرافية التي توجد عليها البلاد، كما أملاه عليه تطوره طيلة تاريخ شعبه الموصوف بالشجاعة والإنصاف
والطاعة والتشبث بالحرية والعدل. ومن هنا كان موقف المغرب له وزنه وقيمته في المجالين الداخلي والخارجي ولأن جلالة الحسن الثاني "كان المعبر الشعبي لمطالب شعوب نامية، متحررة، تؤمن بالتحرر في أجلى مظاهره، وفي تعايش سلمي في أروع مراحله الموصلة إلى حياة أفضل، وبقاء أسعد، يخدم هذه الإنسانية المعذبة من جراء طغيان شوكتهم الاستعمارية والاستغلالية على بعض الجهات التي لازالت تواجه جيوشهم، وجيوش حلفائهم ومنظماتهم (9)"
ومن هنا فمفهوم عدم الانحياز بالنسبة إلى المغرب، متسع خصب، وأكثر حيوية مما يظهر عادة، وهو يرى أن عدم الانحياز لا يمكن أن يكون مجرد نظرية سياسية بل فلسفة أكثر إنسانية وواقعية.
وبإشارة من المغرب، ولعله هو أول دولة أرادت أن تضيف إلى عدم الانحياز السياسي، عدم انحياز اقتصادي فقد انعقد مؤتمر لا يقل شأنا عن مؤتمر بلغراد بالقاهرة بعد مضي سنة واحدة، فاهتم بالمشاكل من النوع الاقتصادي والاجتماعي والتقني، التي هي من مشمولات مقترح جلالة الحسن الثاني في سبتمبر 1961. وقد خرجت نظرية عدم الانحياز من هذين المؤتمرين، أقوى مما كانت عليه، لأنها فرضت وجودها بالقاهرة.
ومنذ ذلك التاريخ، استطاع عدم الانحياز، لفضل الواقعية والحكمة التي تحلى بهما جميع رؤساء الدول والحكومات الذين شاركوا في المؤتمر ذي الصبغة الاقتصادية والاجتماعية بالقاهرة، أن يضفي مزيدا من البيان على نظريته، ومزيدا من الوضوح على خطته (10)
المغرب في المؤتمر الثالث 
انعقد المؤتمر الثالث لدول عدم الانحياز بعاصمة زامبيا الإفريقية بعد أن وافقت تسع وخمسون دولة "الاجتماع الاستشاري لبلدان عدم الانحياز" الذي انعقد في بلغراد في 8 يوليوز 1969 بمشاركة المغرب الذي سارع للحضور مؤكدا أن "العامل الرئيسي المشترك لدى الأقطار غير المنحازة هو التزامها بمبادئ الاستقلال والسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية" .
وفعلا فقد انعقد المؤتمر الثالث لهذه الدول يوم 7 سبتمبر 1970م بمدينة (مالنوجوشي) بضواحي لوساكا عاصمة زمبيا، وحضر المؤتمر 62 دولة تمثل شعوب إفريقية وآسيا وأمريكا اللاتينية وبعض دول أروبة، وفي حين حضر المؤتمر 25 رئيس دولة.
أما جدول الأعمال فكان كما يلي:
أولا- تصريح حول السلام والحرية والنمو والتعاون وديموقراطية العلاقات الدولية
ثانيا- مناقشة عامة حول الوضع الدولي
ثالثا- مناقشة حول حفظ وتقوية السلم والأمن الدوليين باعتبار الوضع الحالي في العالم
رابعا- حفظ وتقوية الاستقلال والسيادة الوطنية وسلامة الأراضي الوطنية والمساواة بين الدول
خامسا- التنمية الاقتصادية وضرورة الاعتماد على:
أ‌- التعامل الثنائي الجهوي وعلى الصعيد الإقليمي فيما بين دول عدم الانحياز والبلاد النامية.
ب‌- السياسة الخاصة بالتجارة والمعونة.
ج- العقد الثاني لتنمية هيئة الأمم المتحدة.
سادسا- قضايا مختلفة.
وإذا كان موقف المغرب قد تميز في هذا المؤتمر بوضوح ملحوظ فإن مواقف دول المغرب العربي جاءت بصفة خاصة تتسم بوضوح شامل خصوصا وأن الاجتماع كان له مغزى عميق لأنه انعقد في هذا المكان القريب جدا من مناطق الكفاح من أجل الحرية وقد برهن من عن المكانة (المعتبرة) التي تحتلها إفريقيا الجديدة في الحظيرة الدولية وعن الدور المتزايد الذي تلعبه في إعادة ترتيب العالم على أسس ديموقراطية مطابقة لآمال الإنسانية ولمتطلبات عصرنا الحالي: وكان خطاب المغرب على حد تعبير وكالة (فرانس بريس) يتميز بطابع خاص، "وبأسلوب جديد مستهدف، خصوصا بعد أن أعلن رئيس الوفد المغربي بأن هذا المؤتمر سيبرهن بكل اقتناع للعالم عن نضجنا السياسي وإدراكنا لواقع الأمور وعزمنا على النضال بدون كلل لنصرة العدالة".
ومن هنا نجد أن المغرب قد حدد موقفه هذا في المعنى الحقيقي لكلمة عدم الانحياز، وهذا ما دفعه إلى الإعلان عن النتائج المقبلة لهذا التجمع في حين أوضح أن المشاكل التي تقف في وجه انتشار الحياد نتيجة "للحوار القائم بين الأقوياء واعتدادهم وتوحيد وجهات النظر حتى يتمكنوا من تسيير شؤون العالم حسب مشيئتهم.."
وهذا ما يجعله يرى أن "القوة الحقيقية في تجمع هذه الدول. وفي عملها المشترك ومواقفها الموحدة تكيف ليس فيما تدل عليه كلمة عدم الانحياز، ولكن في أن هذا الموقف تمليه وتفرضه كثير من الحقائق والأشياء، ليس في مقدمتها بالضرورة أن تصدر هذه الدول عن منطلق عقائدي موحد ومتكامل وليس بالضرورة كذلك أن تسعى هذه الدول إلى خلق قوة سياسية ثالثة في مواجهة قوى الشرق والغرب (11) "وبالرغم من كل هذه الجوانب التي أثارها المتكلمون، الذين حاولوا أن يفرغوا عدم الانحياز في قالب متطور، فإن الشيء الذي كان يستقطب كل واحد هو بغية التوصل إلى سياسة خارجية تلتزم بمواقف ايجابية لعدم الانحياز، والتخفيف من الضغوط الواقعة عليها، وعلى دول العالم من واحد العملاقين: أمريكا وروسيا...
لكن، هل استطاعت سياسة عدم الانحياز، في المرحلة الحرجة التي يمر بها العالم، أن تتوصل إلى الفكاك، والتخلص من آثار نفوذ العملاقين الدوليين، وتوجه كل قواها نحو الانحياز التام لكل مبادئ الحرية، والتنمية، والمساواة في التعاون الدولي، وبالتالي في مساندة كل دولة تكافح الاستعمار والاغتصاب، والتمييز العنصري؟ إن دول آسية، و إفريقية وأمريكا اللاتينية وبعض دول أوروبا، تقف اليوم- وبعد انعقاد مؤتمر القمة الثالث لدول عدم الانحياز، ومؤتمر القمة الإفريقي لدول ميثاق أديس أبابا- في منعطف طريقين:
الطريق الأول: يقود إلى مواجهة صريحة –إيجابية- شجاعة في مواجهة المشاكل التي هي نتيجة لتدخلات الدول الاستعمارية، والامبريالية، فيكون في ذلك بعث جديد لحركة التحرر الوطني في العالم الثالث كله، وتعطي لهذه السياسة –عدم الانحياز- معنى ومضمونا إنسانيا، وأخلاقيا، وعلميا...
الطريق الثاني: يؤدي إلى الهروب من المشاكل، وذلك بالمجاملة، والتردد والمساومة والاستسلام، فتسقط سياسة هذه الدولة بين مخالب سياسة امبريالية استعمارية لا ضمير لها، وتقع أسيرة لمؤامرات عديدة، متنوعة من جهة، ومفاجئات وهروب، وانقلابات من جهة أخرى(12)
ومرد ذلك "الحاجة إلى التكتل أصبحت أقوى مما كان عليه غداة مؤتمر باندونغ خاصة وأن أغلبية الشعوب التي كانت مستعبدة آنذاك تتمتع الآن بحريتها وسيادتها" ولكن هذا العالم الذي تنتمي إليه تلك الشعوب يواجه، وبدرجة واحدة من التحدي، مشاكل متفاقمة من أصل واحد، وذات سمعة واحدة....وهي مشاكل التخلف والقضاء على بقايا الاستعمار، وتحرير بقية الأجزاء المغتصبة في إفريقيا بصفة خاصة، والمضي بحماس في بناء صرح التقدم الاقتصادي والاجتماعي في جو يسوده السلام والتعاون وينعدم فيه الخوف والذعر من الحروب.... وفي عالم تنتفي فيه نهائيا سيطرة القوة الغاشمة وتنحني فيه رؤوس الأشرار والطغاة والعنصرية في الشرق الأوسط، وفي جنوب إفريقيا وروديسيا والمستعمرات البرتغالية، وفي غير هذه الأماكن من العالم. (13)
ولذا فإن الدعوة إلى تظافر الجهود، ورسم خطة موحدة للدول الغير المنحازة للعمل السياسي والاقتصادي تعني مواجهة المعسكرات التي تقتسم العالم باسم السلام، وتعني مواجهة الخطر الذي يتهدد الدول اللامنحازة من جراء هذا التقسيم: وتعني بالتالي تكوين قوة ايجابية لهذه الدول في المجال العالمي...
وهذا التكتل لا يمكن له أن يقوم على أسس ايجابية وفعالة إلا إذا تكتلت الدول اللامنحازة جهودها من أجل رسم طريق واضح لتعاونها في المجالات الأساسية كالاقتصاد والتقنية والسياسة من أجل السلام لا سلام مسلح (14)"
النتائج المطلوبة
والذي يلمسه المتتبع للأحداث وهو يقرأ عن المؤتمر الثالث الذي انعقد سنة 1970 هو أن عددا من دول العالم الثالث قد تركت نفسها قليلا عرضة للخداع واللف والتجربة تمشيا مع التطورات الطارئة عليها، ولكن كان ناقوس اللقاء الثالث لدول عدم الانحياز يدق منبها ..وهذا ما جعلها تراجع مواقفها، ولو على الرغم منها لأنها لمست أن الذين اختاروا عدم الانحياز بالأمس في المؤتمر الأول والثاني استعرضوا اليوم المواد التي ينبغي أن تقوم عليها رسالتها وهي مؤتمرها الثالث بلوساكا قد حولت تلك المواد وصاغتها في نقط ثم صبتها في قالب وثيقة أساسية بينت عن حسن نية ووفاق وهي التي يمكننا أن نجملها في هذه النقط:
- "العمل على إقرار السلام العالمي. وإقامة نظام فعال للأمن الدولي.
- مناهضة الأحلاف العسكرية وإقامة قواعد عسكرية في تراب بلدان أخرى أو مرابطة قوات عسكرية فيها خلافا لرغبتها.
- حق الشعوب التي لم تتحرر بعد في تقرير مصيرها ومساندة ومؤازرة الحركات التحررية ماديا ومعنويا بما هو في الإمكان.
- حق كل الأمم ذات السيادة في تخطيط الطريقة التي تراها صالحة لتنسيقها وحقها في الاستفادة من أصول التقدم الاقتصادي والتقني.
- تكتيل الجهود وتوحيدها داخل أسرة البلدان النامية قصد إدخال التغييرات اللازمة والعاجلة على هياكل الاقتصاد العالمي.
دعم منظمات الأمم المتحدة الاعتراف بمبدأ عالميتها"
وهذه النتائج والقرارات ستطرح أيضا أسئلة جديدة وهي إلى أي مدى سيتركز اتجاه عدم الانحياز، بعد التطورات الجديدة المختلفة التي تشهدها دول العالم الثالث..
علينا أن نعلم أن الدفاع الوطني يوجب علينا أن نعيد النظر، كل النظر، في طرق التعليم، وتلقين القيم الروحية الدائمة لهذه البلاد. فلا داعي لمن لا يعتز بمغربيته أن يدافع عن مغربيته، ولكننا إذا لقنا أبناءنا تاريخ المغرب منذ إدريس الأول إلى الحسن الثاني أعطيناهم من الأسلحة، وأعطيناهم من الدوافع والبواعث ما يجعلهم يجرون أذيال الفخار أمام جميع الدول ويجعلهم يسترخصون أنفسهم وأسرتهم وحياتهم ومصالحهم في سبيل التضحية عن ذلك الأصل الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يكلل يه ناصية هذه الدولة، ويكلل به رأس هذا الشعب.

(1) جريدة (الأنباء) ص: 2- 24 أكتوبر 1964 ع: 275)
(2) في القاهرة في يونيه 1961.
(3) "مجلة السياسة الدولية" المصرية (س6/ عدد: 21 يوليوز 1970)
(4) كتاب "سياسة الحياد" الصادر ضمن سلسلة (كتب قومية) ص:311.  
(5) المصدر السابق
(6) نفس المصد
(7) (الديبلوماسية المغربية في عشر سنوات) صفحة: 104
(8) نفس المصدر.       
(9) جريدة (العمال) المغربية (ع: 11/9/61- ص:8)
(10) كتاب (الدبلوماسية المغربية في عشر سنوات) صفحة: 104
(11) تعليق الإذاعة الوطنية يوم 14 ابريل 1970
(12) مجلة (الجيش) الجزائرية (ع79/ أكتوبر 1970 ص: 52)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here