islamaumaroc

الشيخ المفتي أبو القاسم حجو

  دعوة الحق

170 العدد

يعد الشيخ أبو القاسم بن خجو الحساني الخلوفي من أكابر علماء عصره، وكان في طليعة العلماء الذين وجه اليهم محمد الشيخ السعدي دعوته للاجتماع بهم بفاس، بعد فتحه لها سنة 956هـ.

عصره :
عاش أبو القاسم بن خجو في فترة حاسمة من تاريخ المغرب، وهي فترة أواخر العهد الوطاسي، ولا شك أن هذه الفترة من تاريخ المغرب هي فترة ضعف الحكم المركزي بالبلاد، حيث تعرضت السواحل المغربية للاحتلال البرتغالي، وتدفقت أفواج المهاجرين الأندلسيين على المغرب نازحين من شبه الجزيرة ايبيريا تاركين ديارهم، وأموالهم، وأفرادا من أسرهم.
وبهذا يكون مترجمنا فتح عينيه على كوارث وطنية جسيمة خاصة وأن موطنه الذي ولد به قريب من هذه الأحداث  الأليمة، فضياع الأندلس كان لع  أليم جدا على نفوس المغاربة، ومما أذكى نار هذا الألم وضاعفه، سقوط المدن الساحلية المغربية بين العدو الأجنبي الذي لم يكتف بطرد المسلمين من بلادهم بالأندلس بل حاول أن يغزو كل بلاد المسلمين بشمال افريقيا، ولا شك أن هذه الأحداث الأليمة كان لها وقع على نفس المترجم، خاصة وأن المقاومة الشعبية المغربية قد نظمت نفسها وأخذت تعمل على طرد المغيرين الأجانب من الأماكن التي استولوا عليها : كسبتة وطنجة وأصيلا والقصر الصغير... وقد عاش مترجمنا وهو يشاهد باستمرار تعبئة وتحرك كتائب المجاهدين من مركز الجهاد بمدينة شفشاون الى حصار مدينة سبتة وطنجة وأصيلا... ذلكم الحصار الطويل المرير العنيف.... فمترجمنا قد عاش في صميم عهد الإمارة الراشدية بشفشاون  وأدرك جزء من حياة منظم الحركة الجهادية بالمنطقة الشمالية، ومؤسسي مدينة شفشاون، علي بن موسى بن راشد العلمي، وعندما مات الأمير علي بن راشد  كان مترجمنا في نحو الثلاثين من عمره، وتوالت الإمارة الراشدية الى ما بعد موت صاحبنا، فحياته إذا تقع في صميم عهد هذه الإمارة الذي يقع ما بين – ( 876هـ - 969هـ)- (1471م-1561م) وحياة صاحبنا على الأرجح تقع ما بين ( 887 هـ و 956ه) وبذلك يكون قد عاصر الإمارة الراشدية بشمال المغرب ابتداء من حياة مؤسسها الى ما قبل نهايتها بنحو ثلاث
عشرة سنة، فهو إذن قد عاش إبان ازدهار هذه الإمارة وعرف ثلاثة من أمرائها : علي بن راشد، وولداه إبراهيم ومحمد. (2) وتعرف مترجمنا في آخر حياته على السلطان محمد الشيخ السعدي الذي قدر علمه وخلقه ومواهبه.

نشأته وحياته :
ينتسب الشيخ أبو القاسم بن علي بن خجو الحساني الخلوفي الى أسرة عريقة نبيلة في شمال المغرب ببني حسان بجبال غمارة جوار مدينة شفشاون.
ونبغ من هذه الأسرة مجموعة من القراء، وفقهاء الدين وحفاظ الشريعة.... فوالده علي كان فقيها، وكذا أخوه الحسن الذي نجد له فتاوى عديدة في كتب النوازل وخاصة نوازل العلمي (3)  وأخته آمنة كانت عالمة  (4) فهو اذن ينتمي الى أسرة علم وثقافة ودين.
نشأ مترجمنا في حومة ( سعادة) من مدشر أسلاف من فرقة بني أمهارون بقبيلة بني حسان. (5)
ويقع مدشر أسلاف في الناحية الشرقية من القبيلة الحسانية وهذه الجهة تجاور قبيلة بني زجل ومركز قيادتها تلمبوط ويرتبط هذا المركز حاليا بشفشاون بواسطة طريق ثانوية تتفرع على بعد عشر ( كلم) من شفشاون في اتجاه تطوان من مكان يسمى ( دار أقوبع ).
تعلم مترجمنا بكتاب المدشر وتعهدته أسرته بالعناية والرعاية والتربية الحسنة، وبعدما حفظ القرآن الكريم ونبغ فيه أخذ يدرس قواعد اللغة العربية والفقه المالكي والعقائد والمنطق والأصول والتصوف.
وبعد أخذه من كل الفنون المعروفة في وقته بنصيب وافر تاقت نفسه لاستكمال دراسته بمدينة فاس، ولسنا ندري بالضبط متى  انتقل إليها وإنما الذي نعلمه أن مشيخته بفاس كانت تتمثل في كبار العلماء والفقهاء والقراء.... وهو قد أطال المكوث بفاس الى درجة أنها أصبحت المدينة المفضلة عنده، فهو بالرغم من رجوعه لبلده واشتهاره بعلمه وفضله حيث أصبح أحد أركان الفتيا في بلاد الهبط وجبال غمارة، وأصبح يشار اليه بالبنان، فهو بالرغم من بلوغه هذه المزلة في بلده من الشهرة والعلم كان لا يفتأ يذكر فاس، وأيام فاس وشيوخه بفاس.

شيوخه وأساتذته :
لاشك أن صاحبنا قد أدرك بفاس جماعة من كبار العلماء بالمغرب في ذلك العصر، وحظي بالاستفادة منهم، والتمتع بسماع محاضراتهم ودروسهم العلمية وهو قد تتلمذ للإمام أبي عبد الله محمد بن غازي المكناسي، ولأبي العهباس أحمد زروق البرنوصي، ولابن المبارك الكناسي، وللأستاذ أبي جمعة الهبطي الصماتي صاحب وقف القرآن  وأخذ ببلده التصوف عن شيخه ابي محمد عبد الله الهبطي وهو قد تعرف ودرس على غير واحد من شيوخ وقته وكبار علماء عصره.
ولا شك أنه استفاد من هؤلاء العلماء علما غزيرا  ومعرفة واسعة، فأفاد من كل واحد منهم في ميدان اختصاصه  ولم يرجع الى بلده الا وقد امتلأ وطابه، واكتملت ملكته  واتسعت مداركه  وتعمق إدراكه.
وكل ذلك أهله ليقوم بدوره خير قيام، في التدريس والإفتاء والإرشاد والإصلاح، وتحمل عن وعي وإدراك مسؤوليته الفكرية والثقافية والتربوية، فأصبح المدرس الناجح، والمفتي اللامع والموجه والمصلح الاجتماعي.

تلامذته :
له عدة تلاميذ، خاصة وأنه كان صاحب مدرسة علمية ببلدة ( سعادة ) ومن تلامذته القاضي ابو عبد الله محمد بن عسكر صاحب دوحة الناشر الذي خصه في دوحته بترجمة هامة.
ومنهم ابنا ابنته، احمد ومحمد ابنا عرضون الزجليان الشفشاونيان، وينوه به كثيرا حفيده أحمد ابن عرضون في كتبه وخاصة في كتابه ( مقنع المحتاج
في آداب الأزواج (6) ومنهم ولده على بن خجو الذي تصدر للإفتاء بعد أبيه.
ومنهم أخته آمنة بن خجو زوجة الإمام عبد الله الهبطي.
ومنهم أبو عمران موسى الوزاني (7) وغيرهم.

إنتاجه الفكري:
اشتهر أبو القاسم بن خجو في ميدان الفتيا فكانت تنهال عليه الأسئلة واستفتاءات من مختلف الجهات والأقاليم فكان يجيب عنها ببراعة علمية فائقة عبر هنا اتساع أفق فكره، وعلى سعة اطلاعه وغزارة معرفته...
وكان يعمل على فتاويه كبار العلماء، ويذكر لنا صاحب الدوحة أن شيخه الإمام عبد الله الهبطي كان يعمل بمقتضى فتاويه لورعه ورسوخ علمه.
ولابي القاسم بن خجو فتاوى عديدة في مختلف أبواب الفقه وإذا قمنا مثلا بملية جمع فتاويه من كتب النوازل فإننا ولا شك سنحصل على مجلد ضخم من فتاويه العلمية الهامة.
وبالإضافة الى فتاويه التي امتلأت بها صفحات كتب النوازل مثل نوازل العلمي ونوازل الزياتي ونوازل الوزاني ( المعيار الجديد).
فبالإضافة الى فتاويه نجد له بعض المؤلفات منها:
1-غنيمة السلماني.
2-ضياء النهار.  (8)
3-شرح مسائل بيوع ابن جماعة. (9)
4-شرح منظومة الشيخ عبد الله الهبطي في العدة  (10) وغيرها.

مكانته العلمية ودعوته الإصلاحية :
لاشك أن صاحبنا أصبح ذا مكانة علمية لتمسكه من الفقه المالكي وبراعته في استحضار النصوص، والاستفادة  منها، وبذلك أصبحت مكانته العلمية مرموقة وأصبحت فتاويه لها قيمتها ومكانتها في نفوس العلماء.
فهو بالرغم من شهرته مفت لا يشق له غبار في جبال غمارة وبلاد الهبط، فإنه بالرغم من ذلك كانت ترد عليه الفتاوى من الأقاليم البعيدة ويحدثنا صاحب نوازل العلمي من فتاويه التي كان قضاة فاس يحسبون حسابها، وجاء في إحدى فتاويه في موضوع التعدي على الماشية التي تقع في الزرع – بالذبح والعقر – جاء في آخر هذه الفتوى قوله :".... ويجب على من فوت بهيمة على ربها غرم قيمتها صحيحة سليمة مع النكال، وفي أكلها نظر، وأحرى أن كان ذابحها لم يستحضر نية الذكاة، وأحرى إذا كان من الجهال الاجلاف... ومن تعدى على الدين وعلى خلق رب العالمين تؤخذ بهيمته أو شيء من ماله ويدفع للأسارى الذين لهم حق في جميع أموال المسلمين لاستنقاذهم بها من يد الكافرين، أدبا وزجرا للظالمين وذلك سائغ وخارج عن الخلاف عندي، فانظر ابن عرفة وغيرهما من دواوين المالكية في الجهاد وفي فداء الأسرى من النصارى "   قال العلمي صاحب النوازل بعد نقل السؤال والفتوى  الطويلة الهامة :" وتقيد عقبه بقول ناسخه موسى بن علي بن موسى الوزاني : أني حضرت مشاركة المجيب المذكور أعني سيدي أبا القاسم بن خجو في الحالة المتقدمة للفقيه القاضي سيدي محمد الشامي بفاس..." وهذا الزء الأخير من الفتوى بالرغم من أنني أتيت به كشاهد على شهرته ومكانته العلمية خارج جبال غمارة وبلاد الهبط، بالرغم من ذلك فإننا نجد فيه أن صاحبنا كان يترصد الفرص ليحرض على العناية بفكاك الأسرى على أن تصرف أموال المعتدين الظالمين في فداء أسرى  المسلمين من يد النصارى، ونراه يؤكد أن أسرى المجاهدين لهم حق في جميع أموال المسلمين. وسنرى في بعض  رسائله كيف كان يحرض على الجهاد ويستجيش الهمم.

دعوته الإصلاحية :
هذا ولقد اجمع الذين ترجموا له – على قلتهم – أن صاحبنا كان من العلماء الأفذاذ من الذين يجهرون بالحق ولا يخافون في الله لومة لائم.
ولعل أول من ترجم له، ابن عسكر   صاحب " دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر " الذي حلاه بقوله :" الفقيه العلامة الحافظ الفهامة العالم العامل ناصر السنة ومميت البدعة الشيخ ابو القاسم بن خجو  الحساني كان رحمه الله فقيها مطلعا حافظا متقنا  شديد الشكيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عظيم الإنصاف لا يفتي الا بما علم..." (11)
وترجمة ابن القاضي في درة  الحجال :ج2 ص 464 فقال : " الفقيه المفتي بالبلاد الهبطية كان فقيها نوازليا يستظهر الفقه المالكي وقوالا بالحق لا يخاف في الله لومة لائم...."
وترجمة في الجذوة :ج1 ص 111 ط دار المنصور فقال :" أبو القاسم بن علي بن خجو الحساني الفقيه المفتي بالبلاد الهبطية، أخذ بمدينة فاس عن جماعة من أهلها...".
وجاءت ترجمته في سلوة الأنفاس :ج2 ص 149 قال :" الفقيه العلامة الحافظ الحجة الفهامة العالم العامل المبارك الفاضل  ناصر الدين ومميت البدعة..." ونرى أنه يعتمد عبارات صاحب الدوحة.
وترجمة محمد مخلوف في شجرة النور الزكية ص 283.
والأستاذ عبد الله كنون في النبوغ المغربي :ج 1 ص 184 ط تطوان.
ومن خلال أوصاف مترجميه له ندرك أنه بالإضافة الى مكانته العلمية فهو قد اشتهر بين معاصريه بالجرأة على قول الحق، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو إذن من دعاة الإصلاح من وقته، ومن الذين  لا يخافون في ذلك لومة لائم.
ويؤكد لنا الشيخ أبو العباس أحمد بن عرضون في كتابه ( مقنع المحتاج..) بان الشيخ أبا القاسم  ابن خجو كان من دعاة الإصلاح وبأنه كان له أسلوب خاص في نشر الدعوة، وفي الأمر  بالمعروف والنهي عن المنكر. وبالرغم من أن الشيخ أحمد بن عرضون   (12)لم يخصص في كتابه المشار اليه ترجمة للشيخ ابن خجو فإنه قد ملأ كتابه بالنقول عنه وبوصف أحواله.... وبذلك تعتبر مراجعة هذا الكتاب ضرورية لفهم حياة عالمنا أبي القاسم بن خجو، فمؤلف كتاب مقنع المحتاج أحمد بن عرضون هو حفيد الشيخ ابن خجو ولذلك فهو يعرف عنه أكثر من غيره وهو ينقل عنه في شتى  المناسبات وكثيرا ما يقول :" قال جدنا للأم أبو القاسم بن خجو " أو كان جدنا للأم يرى كذا، او يفتي بكذا.
بل نرى أن حفيده هذا معجب به غاية الإعجاب ويشيد بموافقة وينقل عنه عدة فتاوى لم ترد في كتب النوازل، ومن ذلك فتوى هامة تعرض السائل عنها لوصف حفلة من حفلات ختم القرآن الكريم، والى وصف بعض البدع الشنيعة التي كانت ترتكب أحيانا في مثل هذا الاحتفال وجاءت الفتوى الطويلة المحبوكة زاجرة ناهية، واصفة تلك البدع الشنيعة بأنها فسوق وعصيان.
وفي مكان آخر من نفس الكتاب يقول :" لقد كان رحمه الله تعالى شديد الحرص على هدى الخلق، ويتلطف غاية التلطف في إظهار الحق حتى انه يعبر لأهل اللسان الغماري بلسانهم عند تقريره لهم قواعد الإيمان...."  (13)
ولا شك أن هذا النص زيادة على كونه يعطينا فكرة عن المحاولات التي كان يقوم بها أبو القاسم بن خجو لإصلاح المجتمع في عصره، فهو كذلك يدلنا على أنه في القرن العاشر الهجري لم تكن العربية مفهومة بالجبال الغمارية لدرجة أن الواعظ كان لا يعتمد عليها وحدها، ولعل ابن عرضون يقصد أن بعض المداشر في القبائل الغمارية لم تكن تفهم العربية، وهذه ظاهرة لا تزال موجودة بقلة الى يومنا هذا في بعض الجهات من غمارة.
ومهما يكن من أمر فإن الشيخ أبا القاسم بن خجو كان من الذين ندبوا أنفسهم لمحاربة البدع ولنشر السنة القويمة، والمبادئ الصحيحة للإسلام الحنيف.
وكان هو والشيخ أبو محمد عبد الله الهبطي كثيرا ما يقومان بجولات إرشادية متنقلين بين القبائل ومعهما تلامذتهما وأنصارهما.
وفي ذلك يقول أحمد بن عرضون في سياق كلامه عما يقع في الولائم من المنكرات :" وقد أردت أن أقيد هنا جملة من كلام السيدين الفاضلين المتصاهرين الخيرين سيدي عبد الله الهبطي، وجدنا للأم سيدي ابي القاسم بن خجو رحمة الله عليهما فإنهما رضي الله عنهما بذلا مجهودهما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى يدهما قطعت المناعة الشنيعة من بلاد غمارة، ولهما في تقبيح ذلك وردع من ينتمي اليه قصائد ورسائل  قلبه قريحة عظيمة، وغيرة على انتهاك الشريعة المستقيمة ولذلك أردت أن أتبرك هنا بشيء من كلامهما..."
وبعدما نقل لنا من كلام الشيخ عبد الله الهبطي ما رآه مناسبا لموضوعه، نقل كذلك جملة من رسائل كان يبعث بها الى أعيان القبائل ووجهائها، وطلبة المداشر وفقهائها... ونقتطف هنا من رسالة بعث بها الى بعض الجهات من الجبال الغمارية، فبعد الحمد والتصلية  ومقدمة طويلة يقول :
" أما بعد فأخص بالسلام الشامل العام الكامل، كافة طلبة بني زجل وأشياخهم وعامتهم، وكافة بصائر ( كذا)  بني دركول وبني فلواط كثر الله عددهم، وبعد: اعلموا يا أحبابنا أنا توجهنا في هذه الأيام الماضية مع السيد البركة الناصح للدين ولخلق  رب العالمين سيدي عبد الله الهبطي لعند الشيخ ابن مغلاي السعيدي بقصد إقامة الجمعة في مسجدهم فاجتمع علينا طلبتهم وأشياخهم فنديهم سيدي عبد الله المذكور لطاعة الله، وحذرهم من معاصي الله فأجابوه الى ذلك وكتب عليهم رسما شهد فيه عدولهم – ستقفون على نسخة بالمحول – وشرعوا في إراقة الخمر الملعونة، فأردنا منكم أن تنافسوهم في طاعة الله تعالى، وفي تحسيم معاصي الله عز وجلا، فشدوا أرواحكم كان الله لنا ولكم  في قبول أمر الله واجتناب نهيه، ولاحظوا قول الله تعالى :" وتعاونوا على البر والتقوى " – آيات كثيرة – الى ان قال " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم..."
وهذه واحدة من تلك الرسائل التي كان أبو القاسم بن خجو رحمه الله يستجيش بها همم الفقهاء والطلبة ورؤساء وأعيان القبائل، وينقل لنا أحمد بن عرضون نص رسالة أخرى تدل على أن مترجمنا كان يعيش أحداث بلاده بكل وعي وتبصر، ومسؤولية... ونص هذه الرسالة هو نص هام، لأنه يصور لنا مقدار ما كان يشعر به علماء الدين من مسؤوليتهم على سير الأحداث بالبلاد، خاصة وأن بعض الأجزاء من البلاد أصبحت عرضة للاحتلال الأجنبي وهذا النص يذكرنا بإحدى  الصيحات الموقظة التي كانت تنبعث من علمائنا – رحمهم الله – هنا وهناك. يقول أحمد بن عرضون :" ومن رسائله رحمه الله :" الحمد لله الذي قال : ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير الآية : والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي قال : إنما الدين النصيحة الحديث، وعلى آله وصحبه على الدوام.
ساداتنا أعلام ديننا سيدي عبد الله بن محمد الهبطي، والخطيب سيدي الحسن بن عرضون، والفقيه سيدي سلام بن الحسن، والخطيب سيدي موسى الوزاني وسيدي علي الحاج المدرسني  وسيدي عبد الوارث اليالصوتي، وكافة من يقف عليه من أخبار المسلمين، سلام الله عليكم ورحمة الله تعالى من الملتمس منكم الدعاء بحسن الخاتمة عبد الله ابي القاسم بن علي بن خجو مؤكدا عليكم أن تنفقوا مما رزقكم الله من نعم الحياة في تحريض ولاة المسلمين على إعانة أهل الثغور بالرجال من كل قبيلة، ومن حومات الحواضر بزادهم وأسلحتهم، بالنوبة التي لا ضرر معها ليحصنوا الأطراف ويكثروا سواد أهلها بالرماة وأنواع الرجال، إذ لا مشقة على الولاة في ذلك، ولا يفتقرون فيه سوى الى تحريك اللحية واللسان، لكنهم بخلوا على أنفسهم وزعلى المسلمين بالمصالح التي فيها عز الدين، وتمذهبوا بمذهب الغافلين السامدين، فاجتهدوا وفقكم الله  والسلام عائد عليكم ورحمة الله والبركة ".
وها نحن نرى أن النص موجه لأشهر علماء الجبل في ذلك الوقت، ويريد أبو القاسم بن خجو من هؤلاء العلماء أن يستعملوا جاههم، ويجمعوا كلمتهم ويطالبون الولاة بان يتنفروا الناس للجهاد، ويبين أبو القاسم أنه لا مشقة على الولاة في ذلك، ماداموا غير مطالبين بالإنفاق على المجاهدين.
فالمجاهدون سيخرجون للجهاد ومعهم زادهم وأسلحتهم حسب العادة في ذلك أي ( النوبة التي لا ضرر معها ).
ويبدو أن هذا النص صدر على إثر ما لوحظ من عناء المجاهدين المرابطين بالثغور، أو على اثر محاولة من طرف العدو لاحتلال مراكز جديدة ،والنص يتكلم على نطاق الثغور المغربية بصفة عامة، لأنه بالرغم من الجهاد الذي كان منظما في بعض الجهات، فإن لك كان لا يكفي وكان لابد للسلطة المركزية أن تفكر في الأمر بجدية وعناية، لأن الأعداء كانوا يوالون هجماتهم من غير انقطاع، في حين كان الوطاسيون مشغولون بخلافاتهم، وبقيام السعديين عليهم في الجنوب ولذلك كان أمر السواحل يترك للمتطوعين المحليين، ولا شك أن هذا كان لا يكفي لصد الغارات الشرسة التي كانت تتعرض لها البلاد، ولذلك كان لابد من صدور مثل  هذه النداءات من علماء الدين كانوا لا يدخرون وسعا في القيام بواجبهم  في المحافظة على استقلال البلاد وسيادتها، بل معظمهم كان يشارك في الجهاد بنفسه بالإضافة الى ما كان يقوم به من التحريض على المقاومة، وجمع الكلمة على العدو...
ويبدو أن كثيرا من علماء المغرب في ذلك العهد كانوا يرون في قيام السعديين تصحيحا للأوضاع الغير المشرفة التي كانت تتخبط فيها البلاد على عهد الوطاسيين. وهذا يفسر لنا سرعة الاستجابة التي لقيتها دعوة محمد الشيخ السعدي للاجتماع عليه بفاس، باستثناء طائفة خاصة كانت لها ارتباطات وثيقة بالوطاسيين.
ومهما يكن من أمر فإن مترجمنا وأصل العمل في ميدان الدعوة باستمرار حتى اشتهر بين معاصريه وبين كل الذين ترجموا له فيما بعد بدعوته الإصلاحية وبقيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو حسب النصوص التي بين أيدينا لم يقصر  في هذا الباب بل كانت له فيه جولات رائدة موفقة، حيث استعمل في ذلك كل ما أوتي ميدان الإصلاح، والدعوة الى الله والتحريض على الجهاد، لاشك أن كل ذلك قد رفع قدره في أعين العامة والخاصة، ولذلك لا نستغرب إذا علمنا أن السلطان محمد الشيخ السعدي قال في حقه عندما تعرف عليه " ما رأيت فيمن رأيت مثل هذا الرجل علما وصلاحا" وإذا علمنا كذلك أن محمد الشيخ نفسه أسف لموته غاية الأسف.
قال ابن عسكر في الدوحة :" ولما تغلب السلطان أبو عبد الله الشيخ الشريف على ملك المغرب، وبعث  لسائر الفقهاء، بالحضور بعث اليه فوفد عليه... ولما لقي السلطان أعجب به وقال : ما رأيت ممن رأيت أفضل من هذا الرجل علما وصلاحا، ثم رغب منه أن يقيم بفاس أياما ينتفع منه، فأقام أياما ثم أناخ به أجله فتوفي رحمه الله سنة 956 هـ القرن، وحضر السلطان والكافة جنازته، وككسر الناس نعشه وحملوه أطرافا للتبرك، ودفن بجوار روضة الشيخ ابن عباد داخل باب الفتوح من مدينة فاس ".
فأبو القاسم بن خجو رحمه الله كان من العلماء العاملين الذين يعملون في أكثر من ميدان فهو قد شغل نفسه بالتدريس والوعظ والإرشاد، والتجول في القبائل من أجل الدعوة والإصلاح، بالإضافة الى كتاباته  ورسائله الى النواحي والأقاليم... والى جانب هذا كله كان يتصدر الفتوى العلمية، ويؤلف وينظم المنظومات في وصف البدع والتحذير منها، كما شغل نفسه بالتصوف وبمراجعة مؤلفاته وكتبه، وبالرد على المبتدعة فيه، وكل هذا لم ينسه القيام بعمله في تواضع كأحد الفلاحين العاديين فهو " كان يغرس دوالي العنب بيده ويجعلها صدقة يأكل ثمارها جميع من مر بها ".
وكان الى جانب هذا وذاك على اطلاع بما يجري في البلاد الإسلامية في ذلك الوقت فهو في بعض كتبه يتحدث عن مصر والشام والحجاز وكأنه يتحدث عن مدشر قبيلته بحيث كان على خبرة بما يجري في مساجد هذه البلاد ومدارسها العلمية، وبما يروج بين الناس من أفكار.
وفي الختام لا أبالغ إذا قلت أن مترجمنا هذا يحتاج الى دراسة جامعية عن حياته وأعماله وآثاره ونتمنى أن يجود الزمان قريبا بمن يقوم بهذه الدراسة.

هوامش
1- توفي أمير شفشاون علي بن موسى بن راشد سنة 917هـ = 1511م
2 -ابراهيم بن علي بن راشد كان له دور هام في قيادة الكتائب الجهادية التي كانت تحاصر الثغور الساحلية المحتلة، كما كان له نفس الدور في الحروب التي كانت تجري بين الوطاسيين والسعديين، حيث أسند إليه السلطان احمد الوطاسي منصب الوزارة، أنظر منظومة الكراسي بتحقيق الأستاذ البحاثة السيد عبد الوهاب بن منصور ص 30 المطبعة الملكية بالرباط 1963.
أما بنت علي بن راشد أخت إبراهيم ومحمد فهي المشهورة بالست الحرة حاكمة تطوان، وزوجة السلاطان أحمد الوطاسي، أنظر عقد صداقها معه بالقسم الأول من مجموعة الوثائق المغربية نشر وتقديم البحاثة السالف الذكر – رقم الوثيقة :115ص 345 وتاريخ تطوان ج1 ص 117 للأستاذ محمد داود.
3-على سبيل المثال أنظر الجزء الأول ص 178 فتوى تتعلق بالزيت الملوث هل يجوز استعماله في الصابون أملا ؟
4-هي زوجة الشيخ عبد الله الهبطي ذكرها ولده محمد الصغير في منظومة ترجم فيها لوالده وسماها ( المعرب الفصيح، في ترجمة الشيخ النصيح) مخطوطة بخزانة الأستاذ البحاثة السيد محمد المنوني.
5-تشمل قبيلة بني حسان ثلاث فرق:
6-بنو علي 2- بنو مهارون – 3- الخمس، وهي تقع بين تطوان وشفشاون.
7-مجلد ضخم مخ – خع – ر – تحت رقم 1026 ك.
8-ترجم له صاحب دوحة الناشر ترجمة 26 ص 40 هـ الرباط 1976 بتحقيق الأستاذ محمد حجي
9-ضياء النهار المجلى لغمام الابصار في نصرة أهل السنة الفقراء الأخيار ) مخ. خع = تحت رقم 1845د. وهو مختصر من ( كتابة غنيمة السلماني).
10-في شرحه لنظم بيوع ابن جماعة ذكر جملة من البدع الشائعة في عصره في نحو أربعين صفحة ) أنظر النبوغ المغربي للأستاذ عبد الله كنون الحسني ج1 ص 185 ط تطوان.
11-مخ- خع = 927د.
12-الدوحة ص15- ط- الرباط 76.
13-أحمد بن الحسن بن عرضون قاضي شفشاون ونواحيها لاكثر  من ربع قرن وهوم من اشهر وأذكى قضاة عصره له عدة مؤلفات ( ت 992هـ)
14-مقنع المحتاج ص 419.
15- نفس المصدر ص 372.
16- نفس المصدر ص 116.
17- هناك ابني دركول بقبيلة بني زروال وبها قبر الشيخ عبد الوارث اليالصوتي، وهناك بني دركول) أخرى بقبيلة الأخماس العليا وهي المقصودة في النص تقع على نيف وأربعين (كلم) من شفشاون في طريق الحسيمة.
18- ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
19- مقنع المحتاج ص 131 وخؤلاء الستة من العلماء المذكورين في النص ترجم صاحب الدوحة لأربعة منهم فانظرهم هناك.
أما الحسن بن عرضون فهو والد احمد بن عرضون الذينقل النص، ووالد محمد بن عرضون القاضي الاديب الحسوبي الفرضي انظر الدرة، والجذوة، والنشر و السلوة في ترجمة محمد هذا، وللحسن والدهما نوازل معروفة بين علماء الجبل وبقي من الستة (سلام بن الحس) لم أقف على ترجمة.
20- انظر موضوع: من جهاد العلماء العدد الثالث من جملة الاعتصام (لخريجي دار الحديث الحسنية) وكتاب أضواء على ابن يجبس التازي لأبي بكر البوخصبي-ط- البيضاء 76.
21- الدوحة ص 15-ط- الرباط.
22- انظر ذلك في مقنع المحتاج السالف الذكر ص 133.
23- الدوحة نفس المرجع.
24- له وصف هام لبعض مظاهر علماء الأزهر في القرن العاشر الهجري انظر مقنع المحتاج لاحمد ابن عرضون ص 140.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here