islamaumaroc

مستقبل الصحراء من خلال الماضي

  دعوة الحق

170 العدد

للمغرب بيئة خاصة, لم يركز المؤرخون ولا الجغرافيون على حقيقتها فجاءت استنتاجاتهم ضحلة في الغالب، غير نافذة ولا قادرة على تفسير عدة حركات تاريخية أو مظاهر جغرافية.. ذلك أنهم يبدأون بالبحث عن الحدود قبل البحث عن المنطلق أو نقطة البدء الداخلية للبلاد، ومن هنا يعرضون على أنفسهم نتائج كانوا سببا في اختيار مقدماتها، تلك المقدمات التي تمليها أوليات علم الجغرافية فينقلوها حرفيا دون تمعن أو ترو ثم يعتمدونها كأساس للمنطلق العلمي.
ولهذا يرون أن البحر حد طبيعي، وأن الصحراء كذلك حد من حدود البلاد، وكأنهم يرون الحدود بمعنى العوازل والحواجز، بينما الحدود لا تتجاوز مفهوم اصطلاحات فقط.. ولو أنهم انطلقوا في فهم جغرافية المغرب من الوسط، وهو جبل الأطلس الذي له امتداد شمالي يصل إلى البحر وامتداد جنوبي يستمر في الصحراء، لسهل على الجميع أن يفهم أن الصحراء جزء من المغرب، وأنها امتداد جنوبي لا يختلف عن الامتداد الشمالي الذي يتاخم البحر، ولكن البحر نفسه امتداد الجنوب وليست الصحارى سوى أحواض رملية بينما البحار أحواض مائية..
وإذا كانت الصحارى جزء من البيئة الجغرافية للبلاد، ذات عيون متدفقة وأنهار جارية وأشجار باسقة، فقد تغير المناخ وجفت الأرض، وضحلت الأنهار فذوت الأشجار وشردت الحيوانات ولم يستطع الكائن الحي أن يثبت قدمه على أراضي الصحراء.  
وهكذا يتحتم على الإنسان أن يتلاءم مع البيئة الجغرافية الجديدة جسما وعقلا ووجدانا وسلوكا..
وفعلا أصبح هذا الإنسان حاد البصر لأن الحواجز لا تحول بين نظرته وبين الامتداد الشاسع، مرهف الحس، قوي السمع، وانعكس ذلك على وجدانه فصفا حسه ونبلت نفسه. وطال تقطب وجهه في السماء، فإذا هو الإنسان الشاعر الذي يستقطب الهواجس النفسية ويصوغها شعرا رقيقا، متدفقا بالقوة والحياة، وكما صفت نفسه ووجدانه استقام سلوكه فتحلى بالفضيلة وانتهج القيم الأخلاقية والمثل العليا .. فكانت الصحراء مهبط الإلهام والشعر وموطن الكرامة والعزة.
وتحلى الإنسان الصحراوي بما يستلزم الكرامة والأنفة من شجاعة ودفاع وكرم ونبل حتى إذا لم يجد في الأرض متسعا للفضائل .. كان شعاره: وفي الأرض منأى الكريم عن الأذى.
ولذلك عرف الهجرة سواء عند ما تحدى الجفاف، فانطلق إلى الجهات الغربية طلبا للعيش أو عند ما يضايق في دينه يهاجر إلى أرض أخرى لينعم بطمأنينة الضمير والوجدان، وإذا كان الإنسان القديم هاجر الصحراء لما ضاقت به وسائل العيش، فإن العصر الحديث يفرض على الإنسان البقاء في الصحراء ليتلاءم مع طبيعة التطور المعاصر.. وإذا كانت الأرض أجذبت، فإن تحت الرمال آبارا من الماء المتدفق من البترول الملتهب، فالإنسان أصبح يستطيع أن يتكيف مع البيئة الجديدة وفق شروط تلاءم بين المعاصرة والثروة.
فكيف يتلاءم الإنسان المعاصر بين حياته الجديدة وبين الصحراء..؟
إن الإنسان المعاصر اعتمد التقنية ليخرج نفسه من مرحلة التخلف إلى مرحلة النماء والتطور. وقد أعانت التقنية الحديثة إنسان الصحراء على اكتشاف موارد الثروة الصحراوية المخزونة تحت الرمال، وهذا ما يغير من جهة حركة التاريخ القديم، لأن الآلة اكتشفت المعادن، وآبار البترول والغاز والفوسفاط  والمناجم المعدنية، ولهذا أصبح على الإنسان المعاصر أن يطور العقل ليستطيع استخراج خيرات الأرض، وان يلاءم بين الصحراء وقدراته، لا أن يرحل عن الأرض كما رحل أجداده من قبل ... حتى لا يذوب في مجتمعات أخرى، أو تقاوم هذه المجتمعات تسربه كما جعل الرومانيون من مملكة (غسان) دويلة عازلة تقف ضد تسرب الأعراب، أو كما جعل الفارسيون من (اللخميين) دولة تقوم بنفس الدور .. ولا نناقش الأسباب العميقة لظهور اللخميين أو الغسانيين، وإنما نشير فقط إلى ظاهرة وجود مثل هذه الدولة ودورها الحضاري بالنسبة لسكان الصحراء لجيرانهم والشيء الذي لا شك فيه أن (البترول) يغير العلاقة الأولى للإنسان مع الأرض ويعطي توازنا جديدا قوامه الاستقرار والاستفادة من التطور التقني إلى أبعد الحدود.. وإذا كان من خصائص إنسان الصحراء إنشاؤه لحضارة يصفها (توينبي) بالحضارة المنطلقة أي التي لم تنطو ولم تنته، وإنما ظلت تدور حول نفسها في حلقة زمنية، فلا هي تطورت ولا هي انتهت ومن أجل ذلك ظل إنسان الصحراء يحدد نشاطه بالسنة، فيبدأ أولا بانتظار الغيث وينهي سنته بالحصاد، ومن البداية إلى النهاية تتجلى جهوده الفكرية والوجدانية، فهو صارم يحرث الأرض أو يبحث عن مكان للرعي وهو متطلع للسماء ينسجم معها في صوفية ملهمة، فكان من أجل ذلك إنسان القيم والأخلاق والصرامة، وإنسان الشعر والفن.
وضمن هذه المعطيات البيئية ظهرت حضارة الصحراء التي ترتكز على الوحدة القبلية والزعامة الروحية والعلاقة المتينة بين السماء والأرض، وتلاحم الإنسان بالعلاقات الوجدانية والعاطفية أكثر من تلاحمه بالعلاقات الاقتصادية.
ثم تطورت الحضارة الصحراوية إلى حضارة تمد الإنسانية برصيدها وذخرها الروحي لقد تلاءم إنسان الصحراء القديم، مع بيئة الرمال، الواحات كما لجأ إلى الهجرة والتسرب في التخوم حين يعجز عن الملاءمة ولأجل ذلك عرف اقتصاد متواضعا يعتمد على الزراعة البسيطة التي يرى توينبى أنها ربطته بالدورة السنوية، كما عرف تجارة فيما تمده به أشجار النخيل من ثمار .. وما ينقل من بضاعة عبر الرمال، لأنه هو ملاح الصحراء كما أن السفن تمخر البحار معتمدة على قيادة رجال البحر ... وما أكثر الشبه بين الواحة وضواحيها، والجزيرة والسفن العائمة المتجولة بجانبها.
وقد حاول إنسان الصحراء أن يتجاوز الحياة في المدينة، والذين شيدوا مدينة ( اسمارة) يعبرون عن تحقيق مرحلة تناسب واقع اقتصادي اجتماعي، للملاءمة بين القرية الكبيرة التي استحالت إلى مدينة والقبائل المستقلة النامية التي استحالت إلى بادية.
ليقع الحوار بين المدينة والضاحية، والحضر والبدو، بين تصنع المادة الخام في المدينة والبادية والحاضرة، وأخيرا بين الحضر والمدينة، والمجتمع المستقر بصفة عامة.
لقد كان المغرب دوما نهاية المد الثقافي، وبداية الارتياد من جديد، ومن ذلك محاولة المصريين الفراعنة لعبور المحيط الأطلسي عن طريق المغرب والسفن الشراعية البريدية إلى أمريكا كما تؤكد ذلك تجربة المغامر السويدي المعاصر، ولا يستبعد أن يكون المغاربة قبل ذلك عرفوا هذا العالم بدليل وجود عناصر قبلية من مطماطة ذكرها المؤرخون القدماء. وهكذا كان المغرب معبر الحضارة الفرعونية إلى أمريكا ..
كما يذكر المؤرخون هجرة العرب الحمريين من اليمن إلى مصر، ومنها إلى إفريقيا الشمالية مستدلين بذلك على وحدة العنصر البربري والعنصر العربي ذي الأصل الواحد من العرب العاربة.
لقد جعل الرومانيون من خط (الليمس ) Limus  حدا فاصلا بين المغرب الروماني، أو المزرعة الكبرى، كما كانوا يسمونها وبين باقي البلاد المغربية، وجاء الجمل سفينة الصحراء ليحمل الصنهاجيين والزناتيين إلى داخل الصحراء من المناطق الرعوية البدائية أو الواحات...
وحقق الإنسان الصحراوي مرحلة اجتماعية واقتصادية وسياسية حفظ بها توازن إفريقيا الشمالية وإفريقيا السمراء.
وجاء العرب الفاتحون إلى إفريقيا الشمالية لينشروا الإسلام ويوحدوا الشعوب فعبروا إلى الأندلس عن طريق المغرب، وإلى إفريقيا السمراء عن طريق المغرب أيضا .. ولا شك أن هذا المعبر كان سهلا على الفاتحين العرب لوحدة البيئة الجغرافية والبشرية.. وكما جاء الفاتحون العرب عن هذا الطريق كلما ضاقت بهم البلاد الشرقية لأسباب سياسية ومذهبية حيث نرى الأمويين يتوجهون إلى الأندلس عبر المغرب والأدارسة بعد ذلك ليستقروا في وليلي وبني هلال يدخلون المغرب في عهد الموحدين،، ثم نرى امتداد آخر إلى إفريقيا الوسطى عن طريق الحبشة التي هاجر إليها الأزديون بعد انتصار الحجاج الثقفي فاستقروا بالزنجبار، وهكذا وصلت الثقافة الإسلامية إلى مجاهل إفريقيا عن هذين الطريقين...
لقد كان التفاعل بين الأجناس في هذه المنطقة عظيما فانصهرت في وحدة حضارية، مما سهل على الفنيقيين الاستقرار الحضاري في المغرب، بل إن علماء الأجناس البشرية يرون أن أقباط مصر وهم سكانها القدماء، ينتمون إلى العنصر البربري، وأن البربر تركوا اليمن واستقروا بوادي النيل وسواحل البحر الأحمر والصومال والحبشة ثم انتشروا في إفريقيا الشمالية ويعتبر منهم التوارك، والشاوية (الأصل رعاة الشاه).
وكان لهؤلاء جميعا خط قديم فينيقي وحضارة سامية انتشرت في إفريقيا الشمالية وامتدت إلى تخوم إفريقيا السوداء وبقي أثرها بارزا في الطقوس الكهنوتية، والزواج والدمى والرقص والرسم والفلكلور.
أما دور المغرب في هذه الاتصالات فإن موقعه الجغرافي جعله مدا للامتداد ومرحلة للصهر والتلاقح، فسكان إفريقيا السمراء عبروا منه إلى أوروبا كما عبر هؤلاء إليها عن طريقه، فلا غرابة أن تعج آسيا وأوروبا بالرجال السود والسوداوات وأن تجد فيما بعد الرجل  الأبيض يتجول متاجر ومقيما في مجاهل إفريقيا، ومن المغرب تطورت حضارة التوارك الذين يسمون أنفسهم ( بموشاك ) أي الحر الشريف كما يسمي البربر ( أمازيغ ) أي الأحرار... ورغم أن الفتيشية الوثنية ظلت في إفريقيا فإن التوحيد السامي أثر فيها، فلم تكن في وثنية متعددة الآلهة كاليونان، أو متعددة الصور كالبوذية، فهي وثنية بسيطة تكاد أن تكون نوعا من الوثنية العربية القديمة، وتدفق الهجرات لأسباب كثيرة جعل سكان إفريقيا الشمالية الغربية من السودانيين والمغاربة وزنوج البانتو (أي الكفرة ) المنتشرين في حوض (الكونغو) والذين وصل بعضهم في القديم إلى جنوب إفريقيا وتسموا ( بالزولو) ووصل آخرون منهم إلى ساحل البحر الهندي .. أما سكان إفريقيا الشرقية فهم من زنوج (البانتو) ومن السوحليين المنحدرين من العرب والزنوج وقد كانت العلاقات قوية بين آسيا وإفريقيا قديما... ويتحدث الروماني (بليا ) الذي عاش في القرن الأول للميلاد يتحدث عن العرب اليمن وتجاربهم في الحبشة وسواحل إفريقيا الشرقية، وبلطيموس اليوناني يتكلم عن وصول العرب إلى ساحل (موزمبيك) للتجارة في العاج والطيوب والتوابل والمعادن كالذهب والفضة.
كما يتحدث هيرودت عن الصحراء فيقول عنها (أشرت إلى الليبيين البدو الذين يسكنون على طول شاطئ البحر وفوقهم وفي داخل البلاد توجد ليبيا ذات الحيوانات المتوحشة وفوق هذه المنطقة يقوم مرتفع رملي يمتد من طيبة في مصر حتى أعمدة هوقل وفوق هذا المرتفع نحو الجنوب وداخل ليبيا فإن البلاد صحراء بدون ماء وبدون حيوانات وبدون أمطار وبدون أعشاب ومحرومة من أية رطوبة) وجاء الإسلام الذي أوقد الجذوة العربية فألهب جذوة الفكر الغربي بكل عناصره المتساكنة به... وقد كان عقبة بن نافع أول فاتح وصل إلى جنوب المغرب حيث انتهى إلى ( تاكلاتين ) قرب السودان، وأسلم كثير من سكانه، ويعنون بالسودان سواد البشرة).
ويرى بيرت Berth  المؤرخ الانجليزي أن عقبة فتح التكرور وغانة معتمدا رواية إسلامية تتكلم عن وجود جالية إسلامية في العقد السادس من الهجرة، وربما أخطأ في زعمه لأن غانة تقع في القديم على نهر النيجر قرب السينغال الذي كان امتداد لقبيلة صنهاجة المشتق منها اسم السينغال... والواقع أن من الصعب تحديد الخط الذي وصل إليه عقبة، لان السودان كان يمتد في الشمال إلى ( وادي النون ) كما تمتد قبائل صنهاجة وكدالة إلى الجنوب.... فلا يبعد أن يلتبس وادي النون بوادي النيجر عن الفاتحين الأولين كما يرى ذلك بعض المؤرخين ... ثم جاءت دولة لمتونة لنرى الأمير ( ترلونان) كما عند ابن الخطيب (إعلام الإعلام) أو (ترلونا) كما في العبر أو ( يتلوتان ) كما في القرطاس، وهو أمير لمتوني دان له ملوك السودان، واتقاه أزيد من عشرين ملكا، وكان يركب في مائة ألف نجيب وتوفي سنة 222 ثم جاء حفيده ( بالتوا ) بن معي بن فيولوتان بن تيكان الصنهاجي، ثم بعده تلين بن تلين. ثم محمد ابن نيقات اللمطي، وقد استشهد في السودان، ثم جاء الأمير يحيى الكدالي، ثم دولة أبي بكر بن عمر ابن تلاكاكين وعبد الله ابن ياسين الذي كان رباطه في السنغال قرب النيجر (بسان لوي ).   ألا يدل كل هذا على الاستمرار في التبادل البشري والثقافي بين المغرب والقارة السمراء..
فمند عقبة بن نافع الذي فتح إفريقيا الشمالية إلى السنغال، ومنذ عبد الرحمن بن حبيب الذي حفر الآبار في الواحات من الصحراء إلى موريطانيا كما في القرطاس، إلى تمركز اللمتونيين في ( إضرار) والمسوفيين والكداليين في ( النيجر) إلى هجرة اللموتيين إلى غانة التي تعتبر أقدم مملكة زنجية في التاريخ القديم... ولا شك أن التبادل الاقتصادي طور من الصلات بين المغرب لإفريقيا على الصعيد المعماري فبنيت عدة قرى في الواحات وشيدت منازل من الطابية والخشب، وتلك بداية الاستقرار في هذه المناطق، وتوحدت الطونمة بين قبائل المغرب الجنوبية وإفريقيا الوسطى، كما تقاربت الأنغام الموسيقية والرقص والعادات والأطعمة والزي، وأصبح بحق كما يقوله مؤلف الاستبصار وهو مؤرخ مغربي قديم يرجع إلى القرن الخامس الهجري. ( وكلمة التوحيد والهدايا متصلة من طرابلس إلى مدينة غانة ).
ولقد اهتم المؤرخون العرب بالجانب الاقتصادي والاجتماعي، ويعلم الانطولوجي، وكتب عن هذا الموضوع عن إفريقيا السمراء المتاخمة، وللمغرب كل من حوقل والبكري، والادريسي والحموي والعمري وابن خلدون بالإضافة إلى ملاحظات اجتماعية صحفية بالمعنى المعاصر دونها ابن بطوطة وليون الإفريقي، وكذلك المؤرخون الأفارقة كمحمد الكوتي النيجري مؤلف تاريخ السودان وتذكرة النسيان لمؤلف مجهول، والسعدي في تاريخ السودان، بالإضافة إلى مصادر برتغالية واسبانية وهولندية وانجليزية لا يسلم بعضها من تعصب وتحيز....
وتعتبر حضارة إفريقيا الغربية والوسطى مزيجا من الحضارة البربرية التي وصلت عن طريق المغرب، والعربية عن طريق الحبشة وزنجبار. مما يكون حضارة ( زنجية ) بأبعادها الحضارية لا العنصرية.
ولقد توغل الملثمون في إفريقيا الوسطى فقضوا على ممالك غانة في عهد ( تيولوتان ) كما في ابن خلدون ( ج 6 – ص181). وكانت حدود غانة من ( أدرار) وبلاد أنكرود ( وهي السنغال ) كما تمتد كذلك من نهر النيجر إلى مدينة ( أركى ) ومن عواصمها القديمة غادريار، وديارسي وسلا وغير ذلك من العواصم،، وقد وقف شعب ( صوصو ) المقيم بجنوب غانة في وجههم ثم سهلوا الدخول إلى أودغشت في الصحراء الكبرى. وبذلك حمل الملثمون الرسالة الثقافية المغربية إلى دلتا نهر السنغال والنيجر وصنغاى وكان عهد يوسف بن تاشفين عصر القضاء على الوثنية بين زنوج إفريقيا. وهكذا أسلمت غانة كلها. وفي ديوان ابي الربيع سليمان الموحدي عامل تافيلالت رسالة إلى ملك غانة في موضوعات اقتصادية أما مملكة صنغاي فكان إسلامها في عهد زاكسي الذي أسلم سنة 400 هجرية.
كما انتشر الاسلام بمالي في عهد كونكو موسى أو منسي موسى سليمان من سلالة سونيديانا ذي كان من المثقفين الواعيين والذي ضمت مملكته ما يقرب من أربعين مركزا حضريا وقرويا، وقد حج وأشتهر إسمه في الشرق وصحبه في عودته الشاعر الأندلسي إبراهيم الساحلي.
وكانت لكونكو موسى صلة بابي حسن المريني، حين هنأه مع هدايا نفيسة، فرد الهدايا بأحسن منها، ولكن الوفد وجده قد مات، وخلفه إبنه، ثم أخوه سليمان الذي مات أبو الحسن في عهده وصلى عليه صلاة الغائب... وفي هذا العهد وصل إبن بطوطة إلى إفريقيا الغربية ويحدثنا في رحلته عن أعلام مغربية وتقاليد وأعراف وأحكام إسلامية ولإبن بطوطة تجول في مالي وغانا وغينيا ملاحظا انتشار الاسلام في هذا الجزء من إفريقيا كما لاحظ أن سكان بوالاتين لا يحبون الجنس الأبيض، وتعرف على قاض من دكالة وتاجر من سلا، وعلى جماعة من الإباضيين في مدينة ( أغرى ) ... وتلكم إبن بطوطة عن انتشار العدل والأمن كما تكلم عن سلطان تكد البربري.
وبعد إبن بطوطة نقرا وصف ليون الإفريقي ( لتميكتوا ) وحضارتها العلمية الاقتصادية. ثم جاء عصر المنصور السعدي لنجد السعديين يستولون على عدة عواصم في صنغاي.
وقد بدأ الخلاف بين المنصور وهؤلاء يوم طالب السعديون سكيا بن اسحاق بمعدن تغزى وضريبة عن بيع ( الملح ) ونظرا لامتناعه تقدم السعديون لمحاربته معتمدين الأسلحة الجديدة والاستعانة بالجمل للسير إليهم عبر الصحراء، ولعل هزيمة المسلمين في الأندلس ومحاولة البرتغال الاستيلاء على الساحل الإفريقي للوصول إلى (الرجاء الصالح ) مما قوى عزيمة المنصور لغزو هذه الأقطار حتى يستطيع الجيش الأندلسي بقيادة جوذر أن يحصل على الذهب ليعزز أسطول الجهاد، ورغم معارضة علماء المغرب، والمقاومة الفقهية للفقيه أحمد بابا السوداني، فقد تقدم المغرب في غزو إفريقيا ونجح في ذلك فحطم أطماع البرتغاليين إلى حين ... وهذا ما أضعف هذه المماليك وزاد في ضعف مالي استغلال (صنغاي) وغزو البرتغال لمالي كما أسس الملك ( أوكاغو) مملكة سوني مستوليا على تمبكتو والتوارك واستمر ذلك إلى عهد ( باممارا )، وترجع هذه الدولة إلى القرن السابع الميلادي حيث حكمها أفراد من أسرة ( دجة ) وهم من أصل عربي ومنهم الملك ( كونكو موسى) و (علي كوليس) المعروف بإبن علي، ثم حكمها في أواخر عصورها محمد توري، الذي كان أعظم منظم لهذه المملكة في إطاها الإسلامي، وإزدهرت في عصره ازدهارا عظيما وبالأخص تميكتو، وكاغو وجيش.
وقد نظم السلطان سيكا الدراسة في عهده حيث كان يتمكنوا عدة مدارس إسلامية وحج واتصل بالإمام السيوطي، وكانت تحد مملكته بساحل العاج جنوبا وشمالا، وبنيجيريا شرقا، وتشمل قسما من الصحراء ومالي والسنغال وسيراليون وفوتا العليا.
ورغم قوة المستعمرين الذين جعلوا من الكنيسة وسيلة لمحاربة الإسلام في أفريقيا، فقد ظل الزحف الإسلامي مستمرا، وعند ما عجزت الكنيسة تبنت أساليب الإسلام، فرتلت الإنجيل على نهج الهمزية والبردة وصلت على النبي (عيسى ) على طريقة  الإسلامية، بل إن بعض القسيسين خطب للمسيح على المنبر الإسلامي في المسجد بمدينة (كابرال) بموزمبيق إظهار لوحدة الدين.
أما الإسلام فلم ينتشر إلا بثقافته الإنسانية وعدائه العنصرية اللونية والزنجية للجنس العربي وتقدير المسلمين ببلال الحبشي...
وكان المسجد بيت الاستقرار الروحي للإفريقي بعكس اليويو والكنيسة والبيعة والهيكل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here