islamaumaroc

[كتاب] التاريخ الإسلامي وأثره في الفكر التاريخي الأوربي، لـ جمال الدين الشيال

  دعوة الحق

170 العدد

تؤثر بصدد الحديث حول عصر التفوق العربي بالأندلس، أقوال لبعض المفكرين المسيحيين آنئذ ينعون على بعض إخوانهم في الدين، ولوعهم بتعلم العربية، وشغلهم بالفكر والثقافة العربيين، وما أنجز من ذلك من إهمالهم للغة العربية اللاتينية، وضعف معرفتهم بها ضعفا، لم يفتأ يتزايد – ساعتها – باطراد، حتى قيل انه لم يعد يوجد بين المسيحيين في تلك الحقبة من يستطيع قراءة الشروح اللاتينية على الإنجيل، إلا الخاصة من علماء الدين، في حين، أن الكثير من المسيحيين كانوا على درجة بالغة من الإلمام بلغة العرب، بل ولم يكن قليل، أولئك البارعين منهم في قرض الشعر بها وإجادته.
وتعكس هذه الملاحظة سعة المستوى الذي بلغته، في خلال الظرف، حركية التفاعل العربي الأوربي على صعيد الثقافة والفكر، وقد كانت الأندلس – كما يعلم – مجالا ممتازا لارتكاز هذه الفاعلية، وخصوبة أثرها، إلا أن العدوة الإبيرية لم تكن – كما يعلم الأمر كذلك – إلا أحد المحاور المهمة في رقعة ذلك التفاعل الذي شمل في عمومه منطقة شاسعة من العالم المعروف آنئذ عبر الضفتين الإفريقية والأوروبية للبحر المتوسط، والمناطق المتصلة بهما في الشرق الأدنى وآسيا الصغرى، ولم يكن الإقبال على العربية من طرف المسيحيين في إسبانيا، إلا مظهرا واحدا من مظاهر التحويل الذي ساعدت عليه المدنية العربية الإسلامية في عدة مجتمعات أوروبية، مؤثرة بمعطياتها الفكرية والعلمية والتنظيمية في تكييف كثير من الأفكار والمفهومات والمقاييس السائدة في المناخ الفكري الأوربي، ومرهصة في نطاق ذلك – بانفتاح الآفاق التي التمعت خلالها الومضات الأولى للتطور الحضاري الحديث.
وفي الكتاب الذي نعرض له خلال هذا الحديث إلمامة ببعض الجوانب الشيقة من هذا التفاعل العربي الأوروبي الذي توالت عوامله ومظاهره على امتداد العصر الوسيط، وخلف بحكم عمق فاعليت... انعكاسات واضحة على النموذج الفكري والثقافي المأثور في البيئة الحضارية العالمية الحديثة.
وقد عنى المصنف بعرض المظان التي رجع إليها في إعداد بحثه، وهي وافرة العدد ما بين عربية وإفرنجية، مع أن حجم البحث لا يشغل – في حد ذاته – أكثر من مائة صفحة ونيف، وإذا وضعت في الاعتبار صعوبة المجال الذي خاض فيه الكاتب، يدرك الداعي لغزاوة الحشد الذي إستفاد منه في معالجة موضوع غير ميسور المراجع على غرار البحث الذي يضمنه الكتاب.
ومرد هذه الصعوبة في البحث بصورة أساسية، أن المؤلف قد حدد إطارا ضيقا لموضوع بحثه، مقصورا على مادة التاريخ دون غيرها، ومبتغيا بذلك إبراز مظهر تأثر الأوروبيين بالثقافة العربية الإسلامية من زاوية هذا الموضوع خاصة، موضوع التاريخ، وهذا ما جعل الإمكانية المتهيئة له لاستشارة المصادر ضيقة النطاق بقدر ذلك.
ويستفيض المؤلف خلال المقدمة – في بسط القول حول هذه الصعوبات التي من شأن الباحث أن يصادفها في تناول موضوع مفتقر للكفاية إلى المصادر كهذا الموضوع، فيورد في ذلك:
«كتب كثيرون عن أثر الفكر العربي في نهضة أوروبا في ميادين  الفلسفة والرياضيات والطب والفلك والجغرافيا، ولكن أحدا لم يتناول بالبحث والدراسة هذا الأثر في علم التاريخ، وكانت هذه هي الصعوبة الأولى.
«.....وصعوبة ثانية، تتصل بطبيعة علم التاريخ ونشأته ومكانته بين العلوم، وذلك أن إحصاء تلك العلوم في الشرق والغرب على تلك العصور لم يكن يتضمن التاريخ أو يعترف به كعلم من العلوم، ونتيجة لهذا، كانت العناية بالتاريخ والدراسات التاريخية بوجه عام في أوروبا على عصر النهضة قليلة، وبالتالي، كان النقل عن المؤرخين العرب والمؤلفات التاريخية العربية في أوائل عصر النهضة قليلا كذلك.
«وصعوبة ثالثة، تقابل من يعالج هذا الموضوع، وهي أن العصور الوسطى لم تعرف التخصص وتعترف به، بل كانت الدراسة في الغالب الأعم موسوعة...» (ص7 و8).
هذا، وترتب عليه –أولا – أن يعين المعابر التي سيستخلص من خلالها استفادته، وهي هذه المعابر التي أشار إلى أنها كانت ممر تيارات الفكر العربي الإسلامي إلى أوروبا، إذ عن طريقها، اتخذ هذا الفكر طريقه إلى الغرب المسيحي والعقل الأوروبي بصورة رئيسية، وكان من آثار ذلك، أن تطعم الفكر الأوروبي بلقاحات خصبة، زودته بالكثير مما ساهم إيجابيا في تنويره وتعميق مجالات نشاطه، وأنمى لديه الاهتمام بقضايا العلم والثقافة من المنظور العربي الإسلامي.
وينتقل المؤلف – فيما بعد – وقد حصر معابر الثقافة العربية الإسلامية التي أشار إليها في مناطق ثلاث هي: الأندلس وصقلية والشرق الأدنى – ينتقل إلى صلب البحث، فيعقد فصولا متتالية يخصص كلا منها لمنطقة من هذه المناطق، مركزا القول – كما أشير إليه آنفا – حول مؤثرات التاريخ الإسلامي في الفكر التاريخي الأوربي – مرورا بالمنطقة موضوع البحث.
وخلال الفصل الذي أفرده المؤلف لاستقصاء أوجه النشاط الخاص بالبحث التاريخي عند المستعمرين من مسيحي الإسبان، استلهاما من مؤثرات الثقافة العربية الإسلامية السائدة آنئذ في شبه الجزيرة، أورد في ذلك قوله:
«....بدأت مع حركة الاسترداد المسيحي في إسبانيا حركة نقل وترجمة كبرى من الفكر العربي الإسلامي اتخذت لها مركزا أول في طليطلة، وعينت – أول عينت – بترجمة علوم الرياضة والطب والفلسفة....» (23).
«....وهناك شواهد كثيرة، تشير إلى تأثر الدراسات التاريخية الاسبانية بمثيلتها العربية قبل إنشاء مدرسة الترجمة بطليطلة، وهناك أمثلة أخرى، تدل على أن هذا التأثر، استمر متصلا إلى القرن السابع عشر..
«...بدأت هذه المؤثرات مبكرة، أي عقب الفتح العربي لإسبانيا بوقت قصير في القرن الثاني الهجري، ففي هذا القرن، ظهرت بعض المصففات التاريخية من تأليف تفر من المستعمرين الأندلسيين» 
 (المسيحيين الإسبان الذين تشبعوا باللغة والثقافة العربيتين) تتضمن بعض الروايات التاريخية التي سمعوها أو نقلوها من المؤرخين العرب..» (25).
وفي استعراض نماذج من هذه المؤلفات الاسبانية في مادة التاريخ أو «الحوليات» يسوق المؤلف ذكر جملة من الأعمال من هذا القبيل منها:
«- الحولية البزنطية العربية لسنة 741 وهي تاريخ علم يتضمن أخبار عن ملوك القوط في إسبانيا وأباطرة بيزنطة، كما تتناول أخبار العرب في المشرق وأخبار فتوحهم في إسبانيا، وواضح من نصوص هذه الحولية أن كاتبها قد اعتمد على بعض المصادر العربية والبيزنطية.
«- الحولية المستعربة لسنة 754 وهي تاريخ عام يبدأ ببداية الخليقة ويشتمل على تاريخ العرب والروم، وبين الحوليتين تشابه كبير في المضمون، مما يرجح أن المؤلفين أخذا مادتهما من مصادر عربية وبزنطية.
«.... الحولية القوطية وقد بدأها مؤلفها بتقديم وصف عام لإسبانيا، أتبعه بتاريخ مختصر للرومان والقوط والفتح العربي لإسبانيا، وفي هذه الحولية – ولأول مرة – في المراجع التاريخية الاسبانية – ذكر لقصة ابنة يوليان مع «غبطشة» وهي القصة التي روتها المؤلفات التاريخية العربية الأولى في الأندلس..» (25-28).
ويستمر المؤلف في عرض هذه الأعمال التاريخية الإسبانية المستوحاة – في جانب مهم منها – من المصادر التاريخية العربية. فيذكر من ذلك : الحولية السيلوسية وحولية الطليطلى، والتاريخ الأول العام لإسبانيا، والتاريخ العام المنسوب إلى الفونس العالم، (39-40).
ونأتي بعد، إلى الفصل الذي خصصه الباحث للمؤثرات العربية الإسلامية في أنشطة البحث التاريخي بجزيرة صقلية وجنوب إيطاليا، ويعلم إلى مدى واسع، ذهب التأثير الفكري والثقافي العربي الإسلامي في المنطقة، سواء خلال العهود التي شهدت نفوذ المسلمين فيها، أو بعد أفول نجمهم من هناك حين انتزعها منهم النورمان. والواقع أن الثقافة العربية قد حققت معجزة باهرة فيما بدا من استمرار ذيوعها في صقلية وما حواليها بعد زوال الحكم العربي من الجزيرة، بل، وازدياد إشعاع هذه الثقافة آنئذ حتى أنها بقيت لعهد غير يسير، مشاعة في الأوساط العليا بالمنطقة، وأداة حية في الحياة الثقافية في تلك البيئة. ويذكر المؤلف بهذا الصدد، بعد إشارته لقصة الشريف الإدريسي مع الملك روجار:
«لقد كان معظم هؤلاء الملوك النورمان يثقنون اللغة العربية، ويقرأون الكتب العلمية المختلفة بهذه اللغة..» (46).
«..كان المركز الثاني بعد طليطلة لجمع هذه المؤلفات (المؤلفات العربية) – هو البلاط النورماني في «بارمو» وهو المعبر الثاني الذي انتقلت عن طريقه الثقافة العربية الإسلامية إلى أوروبا، وفي هذا المركز قامت مدرسة للترجمة عن العربية تشبه مثيلتها في طليطلة.. (48).
لكن ماذا كان نصيب مادة التاريخ من هذه الحركة العلمية التي ازدهرت في صقلية استمدادا من التراث الفكري والثقافي العربي؟ يجيب المؤلف عن هذا التساؤل بقوله:
«الحقيقة أننا لم نجد شواهد مباشرة على جهود بذلت في البلاط النورماندي لترجمة المؤلفات التاريخية العربية، ولكننا نستطيع أن نقول – استنتاجا – وإلى أن يوفق الباحثون للكشف عن الشواهد المادية التي ننشدها – إن علم التاريخ العربي نال في صقلية وإيطاليا ما نالته العلوم العربية من دراسة واهتمام. ويؤيد استنتاجنا ما افترضناه في مقدمة هذا البحث من أن العلماء العرب كانوا في جملتهم – وتبعا لتقاليد عصرهم – موسوعيين، ولم يركنوا إلى التخصص. ومترجمو ارسطوا وابن رشد، ما كانوا يستطيعون فهم النصوص وترجمتها دون الإلمام بتاريخ كل من الفيلسوفين وعصرهما، وما ساد العصرين من حركات فكرية، والعلماء الأوربيين الذين تعلموا في طليطلة، وشاركوا في حركة الترجمة بها، أو الإيطاليين الذين ترددوا على إسبانيا، ألم يقرأوا شيئا من الكتب التاريخية العربية في أصولها أو ترجمتها؟..» (57-58).
وقد ذهب المؤلف – على هذا المنوال – مذهبا لا يخلو من بعض التكلف – في تلمس مظاهر نشاط علني تاريخي، متأثر بالثقافة العربية في صقلية وجنوب إيطاليا، والملحوظ كما نتبين مما ساقه من هذه الافتراضات ومن هذه الاستنتاجات الأخرى التي أوردها بعد ذلك – أنه لم يجد من الوثائق شيئا يعتد به في هذا الصدد، بيد أن هذا، لا يعني خواء الارتكاز المستندة عليه بنية بحثه في هذه النقطة، وإنما الأمر يعكس على الأقل – حدة الصعوبة التي أقر الكاتب في التمهيد المصدر به  الكتاب، وهي صعوبة محسوسة هنا خاصة في هذا الموطن من البحث، المتعلق بصقلية، وبطبيعة الحال، فإن التراث العربي بالمنطقة – وإن كان قد احتفظ بنصاعته دهرا بعد زوال النفوذ العربي، فإنه تعرض في الأحقاب التالية – لعوامل اندثار قوية يعسر معها استحضار الوثائق الشاهدة عليه بالصورة الكافية.
ويخلص المؤلف – بعد هذه النظرة له حول أوضاع البحث التاريخي بالأندلس وصقلية، وهما أحد معبري الثقافة العربية الإسلامية لأوروبا في ذلك العهد – يخلص إلى مجال استقصاء الموضوع من خلال المعبر الثالث، وهو الشرق الأدنى في أثناء الحروب الصليبية وبعدها.
ويذكر المؤلف عن التلاقي الأوربي الإسلامي الذي حدث في الشرق كنتيجة للحروب الصليبية وما كان له من آثار عميقة على انفتاح الأفق خلال ذلك، لمعرفة جانب الجانب الآخر، فيورد في ذلك القول:
«...لم تكن الحروب الصليبية الأولى تنتهي حتى كانت السحب التي تفصل بين الفريقين قد انتعشت، وبدأ كل فريق يفهم الفريق الآخر على حقيقته، وانمحت شيئا فشيئا الصورة القديمة التي كانت في مخيلة الصليبيين عن المسلمين، فلم يعودوا جنودا جبناء أو غلاظ القلوب أو كفرة عباد أوثان، بل شهدوا من سماحتهم في معاملة أهل الأديان الأخرى، ما أطلق ألسنتهم بالإعجاب والتقدير، وخير شاهد على هذا، ما رواه «أرندوا لوبك» في حولياته. وكان هذا الأمير قد أرسل في سفارته عن «فريد ريك بربروسا» إلى صلاح الدين، ثم عاد يروي لإخوانه وصفا حقيقيا ومنصفا لمعتقدات المسلمين، فأشاد بسماحتهم، وذكر أن الحرية الدينية مكفولة لديهم، وأن لكل فرد الحق في أن يؤمن بالدين الذي يعتنقه...» (66-67)
وفي ظل هذه البيئة الفكرية التي نجمت عن احتكاك الغرب بالشرق على عهد الحروب الصليبية، انبثقت جملة من المؤلفات، عند هذا الجانب أو الآخر، وتنم عن نزوع لتعرف هؤلاء على أولئك. واستطلاعهم لأحوالهم.
وحول هذا يقول الكاتب، مشيرا – أولا – إلى ما سجله المسلمون – بهذا الصدد عن الأوروبيين:
«...أورد بعض المؤرخين العرب معلومات تفصيلية قيمة عن ملوك أوروبا، كما فعل محمد بن علي بن نظيف حين أورد في كتابه «التاريخ المنصوص» صورا لبعض الخطابات المرسلة من الإمبراطور فريد ريك الثاني إلى الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ، يروي له فيها طرفا من الأحداث السياسية في دولته، وكما فعل جمال الدين بن واصل حين قدم في كتابه « مفرج الكرب، في أخبار بني أيوب» بعض المعلومات عن لويس التاسع ملك فرنسا، وعن الإمبراطور « منفرد » بن «فريد ريك»، وعن مدينة « برلتا» الإيطالية، التي نزل فيها حين أرسل سفيرا عن الظاهر بيبرس إلى « منفرد » كما قدم لنا في كتابه هذا، معلومات نادرة وقيمة عن أسرة « هوهانشتاوفن» وعن الجالية الإسلامية التي كانت تعيش في مدينة « لوجارة» الإيطالية، ونستطيع أن نضيف إلى هذين المؤرخين مؤرخا ثالثا هو القلقشندي صاحب « صبح الأعشى » فقد أورد في الجزء الخامس من كتابه قوائم بأسماء وألقاب ملوك أوروبا الذين يتراسل معهم سلاطين مصر....» (69).
وفي موازاة هذا الاهتمام العربي باستطلاع تاريخ الأوربيين، كانت عناية هؤلاء – من جانبهم، بالتعرف على تاريخ العرب والمسلمين، وتوسعهم في ذلك على نحو خلف بسماته العميقة في تآليفهم، وبعض ما تنبني عنه اتجاهات في التصور والتفكير.
وفيما يعرضه الباحث من نماذج الكتابات الأوروبية في الموضوع أثناء ذلك العصر، يسوق القول:?
«...وصلتنا عن المؤرخين الأوربيين ( في هذا السياق) حصيلة غنية من الكتابات والمؤلفات التاريخية، عنوا فيها بوصفهم حروبهم مواقعهم في الشرق، واتخذوا في كتاباتهم أساليب مختلفة، فمنهم من ضمن أوراقه رسائل كان يرسلها إلى أهله وأسرته وأصدقائه، ومنهم من كتب مذكراته الشخصية، ومنهم من  ألف كتبا للتاريخ لحملة من الحملات، أو لملك من الملوك، أو حقبة من حقب هذا العصر الصليبي، ومن أوائل هذه الكتب وأوثقها، كتاب «أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس » ومؤلفه مجهول من محاربي الحملة الصليبية الأولى، وقد اعتمد على هذا الكتاب كثيرون من مؤرخي الحروب الصليبية الأوربيين الذين أتوا بعده.
«...وكبير هؤلاء المؤرخين دون منازع هو « وليام الصوري »(1130-1184) وهو أشدهم صلة بموضوعنا، لأنه ولد في بيت المقدس، وعاش معظم حياته في الشرق، لأنه تعلم العربية وقرأ المؤلفات التاريخية العربية وأفاد منها عند وضع مؤلفاته.. » (70).
وينقل المؤلف عن وليام «هذا جملة من كتابه تومئ للمدى المهم الذي ذهب إليه الكاتب الأوربي في الاعتماد على المصادر العربية بصدد إعداد كتابه، ويذكر « وليام» بهذا الخصوص:
«.. كما أننا قد ألفنا كتابا آخر في التاريخ بناء على رغبة الملك الذي أمدنا بالوثائق العربية اللازمة، وكان مصدرها الرئيسي في هذا الباب، كتاب بطريرك الإسكندرية المبجل، « سعد البطريق»وكتابنا هذا يبدأ من عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويمتد خلال خمسمائة وسبعين سنة حتى عامنا الحاضر (عصر المؤلف) ..» (73-74).
والحق أن الصلات التي أثمرتها الحروب الصليبية بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي لم يكن لها – بموجب حتمية التسلسل – إلا أن تتوسع أكثر، استمدادا من وثاقة هذه الصلات بالذات، ومن انعكاساتها على المضمار الدولي آنئذ.
وفي الفصل الذي خصصه المؤلف لعصر ما بعد الحروب الصليبية، تركيز على هذا الثراء الذي حصل في معلومات الأوربيين عن العرب والمسلمين، وما كان للحال من أثر في الترويج لظهور حركة الاستشراق وتطورها في مختلف البلدان الأوروبية.
ويذكر المؤلف في هذا السياق:
«.. يرجع الفضل الأكبر في نجاح فاسكودي كاما ورحلاته الاستكشافية إلى ما أفاده من المراجع الجغرافية العربية التي ترجمت في إسبانيا، ومن مدرسة الخرائط التي قامت في جزيرة « ميوقة» معتمدة على جهود العرب السابقة، وفوق هذا كله، فقد كان دليله الذي قاده من شرق إفريقيا وأوصله آمنا إلى الهند، هو الملاح العربي المشهور ابن ماجد.. » (78)
«.. وظلت أوروبا إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر وليس في مطبعة من مطابعها حروف عربية وفي سنة 1580 أنشأ فرديناند مديتشي – كاردينال وكبير أساقفة توسكا – مطبعة بها مطابع أخرى (في أكثر من بلد أوروبي) مزودة بالحروف العربية، الأول: سنة 1648 والثاني سنة 1649 وهو كتاب مقتطفات تاريخية عربية..» (90-91).
ويتوالى مساق الفصل على هذا المنوال في استعراض تطورات حركة الاستشراق ورصد مظاهر أنشطته، باعتبارها امتدادا لتيار التفاعل الفكري والثقافي الذي دشنته العهود الأولى للصلات بين العالم الإسلامي وأوروبا خلال العصر الوسيط، وطورته – على نحو واسع – المواجهة الماثلة في الحروب الصليبية، وما ظفر خلالها وفي أعقابها من نزوعات لتعرف الطرفين بعضهما على بعض، والتبادل بينهما.
يشكل محتوى الكتاب محاولة علمية لها قيمتها في استقراء جانب من جوانب التعاطي بين الغرب المسيحي والعالم العربي – الإسلامي فيما يخص مادة التاريخ بكيفية أساسية.
وقد كان المؤلف موضوعيا في إقراره بقصور هذا الجهد عن أن يبلغ المبلغ المراد من الإلمام بالموضوع، وتجلية مختلف أوجهه. وعذره واضح، فالمصادر اللازمة للبحث غير موفورة بكيفية متوازية بالنسبة
لمختلف النقط المطروقة، ومن ثم لم يكن بوسعه في بعض مواطن الكتاب إلا أن يعتمد على الافتراضات (التي لا تخلو من وجاهة) أكثر من استناده للوثائق، وحتى في المواطن الأخرى، الموفورة مصادرها نسبيا، فإن الثغرات أمام الباحث من الكثرة بحيث لا تمكنه من الإتيان بعمل كامل.
وعلى أي، فإن الكتاب ينطوي على كثير من المعلومات القيمة، فضلا عما يزخر به من إفادات حول المظان الممكن الرجوع إليها في الموضوع الذي وقع عليه اختيار المؤلف.
ن طريق التنمية ليس محصورا في الرأسمالية والاشتراكية بل هنا اقتصاد ثالث راجح هو الاقتصاد الإسلامي يبشر بأسلوب كامل للحياة يحقق كافة المزايا ويتجنب كافة المساوئ « جاك أورستري» أستاذ الاقتصاد الفرنسي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here