islamaumaroc

نظرة للأفق العربي من خلال حرب أكتوبر

  دعوة الحق

170 العدد

انقضت الآن ثلاث سنوات على حرب أكتوبر 1973 أو ما يوصف بالجولة الرابعة للعرب مع اسرائيل، وفي كل دورة من دورات الزمان كلما أهل أكتوبر، يطفر السؤال مجددا عن العالم العربي الذي انبثق عن المعركة : أين هو الآن من حرب رمضان الظافرة ؟ماذا تبقى من حصيلة تلك المواجهة فيما صنعه الجهد العربي خلالها من ايجابيات ؟ماذا تعنيه حدة المفارقة القائمة بين ما تميز به أكتوبر 1973 من تلاحم عربي، وبين مظاهر التفكك الملحوظة الآن في الساحة العربية ؟
كثير من الأسئلة من هذا القبيل تلح على الذهن العربي، محملة بقدر غير قليل من الإحساس بعنف التناقض بين ما حصل منذ ثلاث سنوات في ساحة الصراع العربي –الامبريالي  على واجهاته العسكرية والسياسية والاقتصادية، وبين ما يحدث الساعة من صراع عربي – عربي، لا يعرف له أول من آخر في  استهدافاته وتبلوراته.
وقد يبدو من واقع الحال، أن الانفصام بين الصورة المتبلورة في جو حرب أكتوبر، أو الناجمة عنه، وبين الصورة المرئية الآن على صعيد العالم العربي انفصام مطلق، يتكرس به اتجاه جديد شامل  المعاكسة، لمنطق الإتجاه الذي سجلته جولة العرب الرابعة مع اسرائيل، ويسجل- من ثم – وضعا غير منطقي لعموم القضية المطروحة، المتمثلة في ازمة الشرق  الأوسط، ومنطوياتها العربية الاسرائيلية تحديدا، والعربية الامبريالية تعميما.
وهي نظرة الى الأمور يغرى بها – على نحو قوي – واقع الجو العربي الراهن، المشحون بالصراعات المجانية التي لا  يدخل أي منها في حركة التاريخ على عهد أكتوبر 1973، بل إنها لتناقض روحا وموضوعا مسار تلك الحركة، وطبيعة التفكير الذي قامت عليه.
لكن الى أي حد يستطيع المرء أن يذهب في تسجيل هذه الظواهر السلبية على الصعيد العربي، لينتهي الى شيء ما، يأخذ به في تحديد شعوره إزاء  هذه الظواهر، وتقييم الموضوع من خلال ذلك؟
الواقع أن انسياق الفكر في تقييم الأمور هنا مع الانفعالات السطحية، ليس من شأنه أن يفضي?
 الا الى تراكم دواعي الحيرة من الحال، والارتباك – فكريا – إزاء ما تغص به من عوامل التشنج والتضارب.
ولعل من أهم ما يتوخاه الخصم الصهيوني والامبريالي في صراعه مع العرب، ايقاع العقل العربي في دوامة هذه الحيرة والارتباك، حتى لا يتبين من أمره شيئا في خضم المعركة القائمة، ولا يستطيع – من ثم – إدراك ابعاد وقفه فيها، وتحديد مرتكزاته على أرضيتها.
وبالنتيجة، فإن نجاح العقل العربي في تجاوز الأحبولة وتمكنه – عبر كثافة كل الضباب المتراكم أمامه – من استبانة الرؤية الواضحة، واستطاعته تجنب الانفعالات السطحية التي قد تعوق طاقته على التقييم الصحيح للأشياء، ليشكل العامل الأقوى في إمكانية اهتدائه – مجددا – للمسار التاريخي الذي افتتحته معركة أكتوبر، واستقامة السبيل أمامه لموالاة السير في اتجاه منطق ذلك المنطلق، والتوصل الى المدى الأبعد في استهدافاته.
إن الصيغة التي ظهر بها التحرك العربي في خضم الجولة الرابعة مع اسرائيل، وما تكشف عنه العقل العربي خلالها من قدرات عالية، ثم ما كان لها من نتائج فورية على المستوى العسكري والسياسي والاقتصادي العالمي، كل هذا، لم يكن له ليبرز كمجرد ظاهرة عابرة، محدودة بحدود النطاق الزماني الضيق الذي حصلت خلاله، مقطوعة الصلة – من ثم - بما  يليها من تطورات عربية أو عالمية، فامتداد أفق المنطلق الذي انفتح منذ ثلاث سنوات، امتداد حتمي، مستمد من طبيعة الحدث وملابساته التاريخية والحضارية، وليس لما جريات الوضع العربي الراهن، وما تحفل به من ظواهر مناقضة لمظهر الحال في أكتوبر – أن تحمل امرؤا على الظن بان المعركة التي خاضها العرب في جولتهم الرابعة مع اسرائيل، كانت  - تاريخا وعمليا – ذات مدلول محصور الأمد في الظرف الخاص الذي دارت فيه رحى تلك المعركة، وأنه لا يجب – بالتالي – النظر اليها كمنطلق باعتبار المفارقة الموجودة بين المناخ الفكري الذي وقعت فيه، والمناخ السائد حاليا عند العرب.
ولتجاوز السلبيات التي ترين على المحيط العربي، والناجمة أساسا عن هذه المفارقة – يبدو من الضروري، استشراف أفق النضال العربي من منظور واسع، ورصد الظواهر العامة والمتكررة الوقوع، التي تتميز بها وتيرة حركيته، ومن هذه الزاوية يمكن أن نجد أن السلبيات العربية الراهنة، ليست أكثر من ظواهر عرضية في صلب الموضوع الأساسي المتمثل في نزوع العرب الى التحرر، وتأكيد وجودهم السياسي والحضاري في مضمار المواجهات العالمية.
إن العبرة – في الواقع – هي بالخط الثابت والشمولي الذي يستقطب فاعليات هذا النزوع العميق وتبلوراته، وليست بالاعراض  الطارئة والمتغيرة باستمرار، التي قد تلابس هذا النزوع في اندفاعاته لتحقيق مدلوله، الا أنه مهما كان من طبيعتها السلبية فإنها لا تبلغ حد القدرة على تدمير المكامن العميقة لحيويته، وتجميد ايجابية التاريخ العربي بذلك.
وفي مسار التاريخ، حالات تداخل غير محدودة بين الايجابيات والسلبيات على  طريق العمل السياسي والحضاري الذي اضطلع به العرب في قديم عهودهم وحديثها، ومن بين المؤثرات هذا التداخل، ما يرى من تراوح الاشعاع العربي اثناء العصر الوسيط بين المد والجزر، وما يلحظ من نوسان النضال العربي الحديث والمعاصر بين الانتفاضة والنكسة، وبين التقدم والتقهقر، بين إحراز المكاسب وضياع البعض منها – جزئيا – في مرحلة أو أخرى من مراحل التحرك.
ومن مألوف  الأمور، أن تلاقي الأمم في مسيرتها على درب التاريخ تأرجحات كهذه، هي دليل حيوية تفاعلها مع الحياة، باعتبار أنه يلزم عن حيوية التفاعل الاحتكاك  بمختلف العوارض والأحوال، واستيعاب متعدد المفارقات والتناقضات، واجتياز شتى الأطوار في ذلك، للنفوذ منها الى خلاصة متكاملة.
وبقدر تضخم التعقيد الذي تتسم به عملية التفاعل هذه، بقدر ما يكون الجانب المتفاعل متعدد العناصر، مختلف الجوانب، متشعب الأحوال تبعا لتعدد عناصره، واختلاف جوانبه – وينطبق الأمر على حالة الأمة العربية المترامية أرضا وسكانا وتاريخا وأحوالا اجتماعية وفكرية واقتصادية، والمتشعبة بقدر ذلك في مشاكلها المحلية والجوهرية، والملابسات الدولية الحيطة بها.
إن كيانا غنيا بتنوعاته وتناقضاته وقضاياه الذاتية، وتفاعلاته مع العالم، لا يعقل أن تمر خطواته  في طريق سلس لين، نحو استئناف دوره التاريخي والحضاري الفعال، وتصحيح وضعيته العالمية تمكينا لنفسه من الاضطلاع بهذا الدور، فحركة واسعة وجذرية، كهاته التي يحققها الجود العربي في عالم اليوم، معرضة – بحكم هذه الحال – لان تثير كثيرا من النقع حولها، سواء في النطاق الذاتي أو في محور العلامة مع العالم وقد يكون هذا النقع كثيفا، فيغيم من خلاله أفق الرؤية أحيانا، حتى يبدو ما كان مظهرا للنصر، قد استحال الى انتكاس، وما حقق من طفرات تقدم قد انقلب الى تدهور.
وليس من اللازم أن تنمي كل الانتكاسات العربية الواقعة في محيط هذا التحرك، الى القوى الأجنبية، الا أن هذه القوى، كثيرا ما تتهافت على استغلال ظروف هذه الانتكاسات، واستثمارها ضمن نطاق إستراتيجيتها التوسعية في العالم العربي، ومن المواطن التي يتم استغلالها الى مدى بعيد: التناقضات الذاتية العربية، وقد دأبت القوى التوسعية على الإفادة من هذه التناقضات، في صيغ تختلف باختلاف الأوضاع الموجودة، فعندما كانت الدول التوسعية الأوربية تهيمن على أغلبية الأقطار العربية، كان التركيز لديها يقع بصورة خاصة على التناقضات الإقليمية داخل القطر الواحد، أو المنطقة الواحدة، أما عندما آلت أغلبية الشعوب العربية الى استقلال، وأصبحت  تقوم بينها علاقات يستهدف منها التوصل للتعاون والتكامل، تغيرت حالتئذ منهجية  القوى التوسعية الأجنبية، وغدا التركيز عندها منصبا على استثمار التناقض بين الوحدات السياسية العربية، كبديل عما كان يقع – في العهد الاستعماري- من استغلال التناقض بين الوحدات الاجتماعية داخل كل كيان عربي على حدة.
إن تداخل هذه العوامل جميعها : المتناقضات الذاتية العربية، الوضعية الحساسة جدا للعالم العربي على المستوى الدولي والعالمي، وما هو لازم عن ذلك، من تشابك الصراعات الدولية حول الوطن العربي تارة، وضده بصورة مباشرة أو غير مباشرة تارة أخرى، لكاف لان يفرز حالات  كهذه التي تلحظ على صعيد العلاقات العربية فيما يتداولها من رجات مختلفة، وفيما يلحظ أيضا على مستوى الوضع العربي في العالم، من تيارات دولية متضاربة حوله، ومن احتمالات غير محدودة المخاطر تترصده.
بيد أن الأمر في مختلف هذه الأحوال – يبقى واقعا على هامش الخط الثابت والأصيل، الذي تندرج فيه اتجاهات التاريخ الأساسية بالمنطقة العربية، وهي اتجاهات موصولة بمنطق التاريخ عموما في حركته الدائبة لكسح رواسب النظام الامبريالي في العالم، وإقامة توازن عالمي جديد على أنقاضه.
وفي حاضر الوطن العربي – كما في ماضيه القريب – صورة متواترة عن تكرر بروز ارتجاجات من قبيل ما ذكر، سواء في علاقات العرب بعضهم، أو في صلتهم بالعالم حولهم، بيد أن مثل هذه الأعراض – ولو أنها سلبية تماما – فإنها كثيرا ما تشكل – رغم ذلك – حافزا ايجابيا، إذ تحمل العرب على تبين كثير من الحقائق الموضوعية المحيطة بمسيرتهم، وتيسر لهم مراجعة حساباتهم – على ضوء ذلك – لاستئناف تحركهم التاريخي في مسار أكثر وضوحا.
وهذا التداخل بين ايجابية الانجاز، وسلبية الانتكاس في خط العمل العربي، قد فرض – وكأن الأمر يسير على وتيرة منتظمة – أن يعقب كل حالة تقهقر يمنى به العرب، نهوض عربي جديد، ينسخ به مظهر التقهقر الحاصل، وانعكاساته على الخط الثابت والاصيل في المسيرة العربية.
وهذه بعض النماذج، مما يرى في إطار هذا التصور، مستقاة من حاضر العرب وماضيهم القريب:
أثناء الأربعينات: تواقت قيام جامعة الدول العربية في نفس النطاق الزمني مع نشوء اسرائيل واغتصاب فلسطين.
خلال الخمسينات  : التداخل – أثناء العقد- بين التيار الذي انتهى الى إحراز أغلبية أقطار العرب على الاستقلال، وبين حالة استفحال الخلافات
 العربية، وتوالي الهجمات الامبريالية على العرب، نظير ما حصل في مصر سنة 1956.
في مجرى الستينات: اصطدام حركة التصاعد في استصفاء آخر المعاقل الامبريالية بالعالم العربي، وانعقاد أول مؤتمر للقمة العربية كمظهر لتعزز الصف العربي وتلاحمه – بالهزيمة الدرامية التي أصيب بها العرب في حرب 1967، وما لابسها من استكمال الاسرائليين لاحتلال فلسطين وانقضاضهم على الأراضي العربية الأخرى.
في سياق السبعينات : استيعاب الظرف في هذا النصف الأول من هذا العقد – لكل ابعاد التناقض الموجود بين ايجابية التحرك العربي التاريخي في أكتوبر 1973، وبين هذه الانتكاسات المتزامنة، التي يعاني منها حاليا التضامن العربي، والتي يجد فيها الإسرائيليون بطبيعة الحال – وان موقتا – متنفسا مريحا.
ان تعدد المناقضات على هذا المنحى، أثناء العقود الأخيرة، يرى أن الظرف العربي الحاضر، القاتم في بعض ملامحه، ليس ظاهرة غريبة تماما – إذا ما وضعناه في المساق الأعم للتحرك العربي الذي ما برح يواجه من الآفاق الكئيبة كهذه، قدر ما يستقبل من مشرق الآفاق.
والمهم في الأمر، ان يحتفظ العقل العربي في دوامة الأحداث – بصفاء الرؤية وايجابيتها وإلا تلتبس عليه المفاهيم في خضم التعقيدات الذاتية والدولية المحيطة به. 
وكما ذكر، فإن من أهم ما تحرص عليه القوى الامبريالية، أن تغشى أفق العقل العربي – على نحو مستمر – عوامل الالتباس هذه فلا يتبين في عتمتها أي شيء، مما يمكنه من الاهتداء لسبيله.
وإلا يكبو العرب في المعركة النفسية والفكرية هذه، فهي ضمانة قوية لإمكانية تجاوزهم مختلف عقبات الطريق، وتوصلهم – عبر ذلك – إلى استئناف السير على درب الانتصارات  التي حققوها في أكتوبر، انتصاراتهم على أنفسهم، وعلى كل ركام التعقيدات التي أحاطها بهم الخصوم لتجميد طاقتهم في مواكبة التاريخ، والإسهام في البناء الحضاري العالمي. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here