islamaumaroc

وقيل الحمد لله

  دعوة الحق

170 العدد

أصدر الصحفي المصري الأستاذ محمد جلال كشك كتابا قيما عن المسيرة الخضراء المظفرة اختار له عنوانا من الخطاب السامي الذي ألقاه جلالة الملك الحسن الثاني عقب العبور العظيم ونجاح المسيرة في فرض ارادة الشعب المغربي في التحرير والوحدة.
"... وقيل الحمد لله " عنوان يرمز إلى نهاية عهد الاحتلال وبداية عهد الحرية والانضمام إلى حظيرة الوطن الأب، وقد وفق المؤلف إلى أبعد حد في تحليل مواقف المغرب وفهم أبعاد السياسة التحريرية لجلالة الملك القائد ولذلك لا نغالي إذا اعتبرنا كتاب "...وقيل الحمد لله " لمحمد جلال كشك من أهم ما كتب عن مسيرة العرش العلوي.
وكانت التفاتة مولوية كريمة وموحية بمعان شتى بمنح وسام الكفاءة الفكرية إلى المؤلف، فقد أبى جلالة العاهل الكريم الا أن يكرم جلال كشك ويكرم في شخصه الكلمة النظيفة الملتزمة بقضايا الأمة العربية والإسلامية.
وهذا أحد فصول الكتاب ننشره كنموذج رفيع للكتابة الصحفية الواعية المؤمنة وتخليدا للذكرى الأولى للمسيرة الخضراء.
فإذا عزمت فتوكل...
هذا هو قانون العمل الذي يلتزم به الملك الحسن، لابد من العزم، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من تصميم، وتخطيط، وحشد، ثم إصرار على الهدف، ينبعث من الايمان والاقتناع الكامل، حتى لا يمكن لأي عامل طارئ أو عقبة أن تغير الطريق أو تثني عن الهدف... فإذا توفر هذا العزم جاء التوكل على الله وطلب النصر منه.
ومساء غرة ذي القعدة الخامس من نوفمبر 1975 – أي في نفس اليوم الذي أمر فيه رسول الله المسلمين بالخروج مسالمين إلى مكة، ومعهم وقود القبائل العربية لتحدي قريش وتأكيد أنها لا تملك السيادة على مكة، وتأكيد أن البلد الأمين ومقدساته، هو جزء لا ينفصم من وطن المسلمين من حقهم دخوله وصلة الرحم مع أهله، واحترام مقدساته، وأداء المشاعر فيه.
مسالمون ذهب المسلمون كما أمرهم الرسول، بل ويؤكدون هذا الطابع السلمي بكل وسيلة ممكنة، حتى يكون عدوان قريش بشعا وغادرا بنفس نبل ووفاء عمرة المسلمين المسالمة.
في نفس اليوم بعد 1389 سنة أصدر الحسن الثاني أمره " بالمسيرة الخضراء " مسيرة الفتح... أول مسيرة تهتدي بسنة رسول الله، فتنتصر... وتنتصر معها المفاهيم التي تطالب بالعودة الواعية، العودة المثقفة للإسلام.
بعدما اهتزت قيم العالم القديم، تحت أقدام عشرات الألوف، المتطوعين يتدفقون فرحين مهللين كأنهم ذاهبون إلى عرس أو إلى الحج... بعدما غيرت كل القوى نظراتها للمغرب، وعدلت حساباتها وهي ترى الخروج العظيم... جاءت اللحظة الحاسمة، هل تدخل هذه الجماهير المحتشدة في طرفاية الصحراء؟
هل يخاطر الملك ب 350.000 من رعاياه، فيدخلهم إلى المجهول في الصحراء، بل إلى المعلوم المعلن عنه في كل الإذاعات والصحف.. من حقول الألغام إلى الجيش
الاسباني المستفز بحجة الدفاع عن شرفه العسكري، والذي يجري تحريضه باصوات عربية للذود عن كرامته، بل والتغني بمعنوياته المرتفعة... وهناك العملاء أو المتسللون المسلحون الذين أعلنوا عن عزمهم على مقاتلة المغاربة، بل وأكدوا أنهم في اشتباك معهم بالفعل قبل أن تدخل المسيرة.
هل يفعل الملك ويخاطر بدخول حرب مع الاسبان وآخرين من دونهم، الله يعلمهم والجامعة العربية تعلمهم ؟
أم هل يتراجع في اللحظة الأخيرة ويؤجل الأمر بدخول الصحراء حتى يصدر مجلس الأمن قرارا يمنع المسيرة ويتخلص من المشكل... بكفي الله المؤمنين القتال... مع تقديم مذكرات الاحتجاج وترك الجماهير في طرفاية حتى تتآكل حماستها، وتنطفئ روح الاستشهاد فيها، وتفترسها عوامل اليأس والهزيمة والشك، وتتحول من جماهير مجاهدة إلى حشود لاجئة.
أليست لعبة سياسية، ومظاهرة قصد بها مواجهة المطالبة الشعبية باسترداد الصحراء ؟... أليس  قرار مجلس الأمن وتحذيرات الصحافة العالمية، وتهديدات اسبانيا تعطي مبررا كافيا لإنهاء اللعبة...؟
هكذا كان يفكر الذين لا يعرفون الحسن الثاني، ولا تقاليد العرش العلوي... ولا درسوا سيرة الرسول...
وفريق آخر كان يفكر بأسلوب أكثر ذكاء... إن الملك قد " يغامر " ويأمر بدخول المسيرة ولكن هل يطيعه المتطوعون...؟
وهل صحيح أن هذه الجماهير جاءت مصممة على الاستشهاد عازمة على اقتحام الصحراء... لا تحمل الا المصاحف وصور الملك الحسن ؟... هل حدث في التاريخ ان تمكنت قيادة من توجيه 350 ألف من المثقفين والفلاحين والعمال وشيوخ القبائل وأساتذة الجماعات من الرجال والنساء، من اليساريين ورجال الدين، من مسنين تجوزوا السبعين وشباب لم يكملوا العشرين... هل يمكن أن يؤمر هؤلاء بالمشي فوق حقل ألغام، فينفذون الأمر بلا تردد ولا خوف، بل بفرحة وابتهاج " إذا نظرت إليهم فلا ترى الا الوجوه الناعمة، والأنظار الراضية، ولا تسمع الا الزغاريد والمد والشكر، وأنواع الفرح المتعددة الأصناف والأطراف ".
لقد عرف تاريخ الصوفية شيوخا يأمرون مريدا أو حتى عشرة، وهم في نشوة الطاعة، وصوفية الانقياد، بالمخاطرة بالنفس فيطيعون، ولكن هل سمع تاريخ البشرية عن قائد يأمر 350.000 من مريديه بواسطة الإذاعة أن يقتحموا مستعمرة اسبانية لتحريرها وتوحيدها مع أرض الوطن... بلا سلاح... فيطيعون أمره ولا يستريبون لحظة.
محال !
هذه الجماهير، الغوغاء... البسطاء... الفقراء الجياع، إلخ ما خلعته عليهم الدعايات المعادية والحاقدة والحاسدة جاءت مرغمة، أو من باب التسلي في لعبة سياسية تعرف انها ستنتهي في طرفاية، ولا يخطر ببالها أنها ستؤمر فعلا بدخول الصحراء... وإذا حدث وصدر لها مثل هذا الأمر، فستبادر بالفرار، أو ترفض الأمر وتشتبك مع إطاراتها، فمهما تكن مخاطر عصيان الأمر فمخاطرة اقتحام الصحراء أكبر، أليس هذا ما أكدته الحملة الإعلامية لمدة عشرين يوما والتي هددتهم بمذبحة ومجزرة وانتحار وكان هناك فريق ثالث يفكر على نحو أخبث :
هب أن الملك أمر... وأن الجماهير أطاعت... فمن الذي يضمن أو يستطيع أن يحمي نصف مليون جاءوا من شتى مدن وقرى وجبال المغرب، من أن يندس فيهم عشرون... فقط عشرون متسللا، يقذفون بعض القنابل، أو يطلقون هتافات معادية، أو يستفزون الاسبان بطلقة واحدة من مسدس أو حتى بحجر يلتقطونه من ارض الصحراء... هل يمكن تخيل مظاهرة وطنية في العالم الثالث تعدادها نصف مليون لا تحطم ولا تضرب بالأحجار، ولا تستفز لمرأى الطائرات الاسبانية والمدفعية الاسبانية، بل وأن تبيت في مواجهة هذه المعسكرات عدة أيام فلا تصدر منها كلمة نابية ؟ فإذا كانوا جميعا بملء هذه الطاعة ألا يمكن أن يندس بينهم مخربون أليست البوليساريو منتشرة في كل مكان، ولديها في إحصائيات " مسكي الجزائري" ثلاثمائة ألف مقاتل ؟أليست الجزائر تهدد بأن لديها من الحصى ما يكفي لتعطيل دواليب العالم، فهل تبخل ببعض هذا الحصى لوقف دولاب المسيرة ؟ أليس لاسبانيا الفاشية جهاز مخابرات ؟ ألم تكن تحكم هذه المناطق عشرات السنين... ألا يمكن لهؤلاء جميعا أن يدسوا عشرين مخربا أو حتى عشرة، وسط حملة المصاحف " هؤلاء البسطاء السذج " فيثيرون بينهم فتنة ويخربون جمعهم... وتتحقق الأماني الشريرة، وتتحول المسيرة إلى مجزرة ؟
أين في العالم أمكن لدولة أو تنظيم سياسي أن يضبط سلوك مثل هذا الحشد، وأن يمنع تسلل مخرب، او مندس بين صفوفه.
*سيعلن الملك تأجيل المسيرة.
*وسيأمرها بالدخول وسترفض الجماهير.
*ستدخل ولكن سيندس فيها من يستغل خوفها وترددها، أو حتى حماستها غير المنظمة فيمزق وحدتها أو ينجح في إشعال الحرب بين المغرب واسبانيا بعمل استفزازي تخريبي.
هكذا كان يفكر الذين لا يعرفون الشعب المغربي ولا يعرفون أصالته وعمق جذوره الحضارية ومدى ارتباطه بالعرش، ومصدر طاعته الواعية للحسن الثاني، وهذه كانت الاحتمالات التي يطرحها الغرباء عن المغرب حتى قال الملك مساء يوم الخامس من نوفمبر :
-" شعبي العزيز...
فإذا عزمت فتوكل على الله...
فعلا شعبي العزيز... لقد عزمنا.. وعزمنا جميعا ككل مرة في التاريخ، قررنا أن نعزم عزمنا، قررنها أن نسير بمسيرة خضراء مدعمين بقوتنا محاطين بأشقائنا ورفاقنا معتمدين قبل كل شيء على إرادتنا وإيماننا ".
*فهو عزم الإجماع الوطني... ككل مرة... عزمنا جميعا... ليست ارادة فردية ولا عزيمة رجل واحد، ولا هي انتفاضة جماهير بلا رأس بلا قائد بلا هدف، انتفاضة يائسة أو قفزة في الهواء، طموحة بغير وضوح، ولا وسائل لتحقيق هذا الطموح... بل هي عزيمة القيادة والجماهير معا... العرش والشعب، عزيمة كل القوى المغربية... الارادة الموحدة لأمة.
*هذه الارادة دعامتها الحقوق المشروعة للمغرب.
*محاطة بالاشقاء والرفاق.
*ولكن الاعتماد أولا وقبل كل شيء على الإرادة المنبثقة من الإيمان... الاعتماد على النفس هو الأساس ولكن البعض في العالم الثالث أصبح يخلط بين المعونة والدعم والاعتماد على النفس، فيتصور قادة بعض دوله أو حتى بعض شعوبه أن الدعم والمعونة، حتى ولو كانت من أشقاء، يمكنها ان تنجز ما يجب إنجازه بالجهد الذاتي.
*" إن علمنا المغربي الأحمر ذا النجمة الخضراء محفوف أولا بعناية الله وألطافه، وثانيا باعلام لها تاريخها كذلك ولها كذلك مجدها، ولها صولتها وجولتها ولها ماضيها ولها حاضرها ولها مستقبلها...".
وذلك بالطبع " مما يثلج الصدر ومما يدخل الفرح"
هذا صحيح، ولكن العلم المغربي يخفق عاليا إذ ترفعه الارادة المؤمنة لنصف مليون وتحيطه قلوب شعب بأكمله ومن هنا تتألق حوله أعلام الأصدقاء والمحبسين والمساندين.
أما العلم المحروم من سواعد بنيه، المفتقد لحبهم، فلم تنفعه رايات العالم أجمع وجيوشه ومعداته...
تأمل كيف يصف الملك العلم المغربي كأنه عاشق يتغزل في محبوبته، فيصفها لأعرف الناس بها... ولكنه يحب أن يقول... ويجب أن يسمع منه..." علمنا الأحمر ذو النجمة الخضراء ".
آه من عشق الملوك لأعلامهم... وهل وفي حبيب لمحبوبه كما وفي الحسن للعلم الأحمر ذي النجمة الخضراء.
يعود الحسن الثاني إلى مناجاة شعبه.
" ما كدنا نعلن نبأ المسيرة، شعبي العزيز، حتى وجدنا فيك من الاستجابة ومن الطاعة ومن التسابق إلى الخير ما أنت مجبول عليه من تلك الخصال الحميدة الشريفة التي جعلت منك وستبقى تجعل منك تعطي دروسا وتلقن دروسا، منضدا في كتب التاريخ وسجلاتها كمثل يحتذى وكشعب يمكن أن يتخذ مثالا أمثل".
الشعب المبدع، هو الذي يصنع المعجزات، وينفي المستحيل، وليست الأمة المقلدة التي ترفض تجاربها أو تتنكر لتراثها وتستوحي تجارب الآخرين... قد تنجح مثل هذه الأمة، في تحقيق بعض مظاهر التقدم المادي، وقد تنقل بعض وسائل الحضارة ولكنها أبدا لن تحقق الطفرة، لن تتخطى حاجز التخلف والهزيمة الحضارية... بل لابد من وثبة يحققها شعب مؤمن بانه هو القدوة وهو المعلم التي تحتذى تجاربه الشعوب...
شعب يريد أن يعطي الدنيا، فتكون الدنيا من نصيبه المستقبل " لأن المغرب وشؤون المغرب ومستقبل المغرب في أيد أمينة في أيد طافحة بين الله، مليئة بالوطنية متشبثة بعلمها، لاصقة بأرضها وتربتها ".
لقد كانت هناك مخاوف حول الجيل الجديد، مخاوف ليست في المغرب وحده، بل في كل دول العالم الثالث، حول الجيل الذي لم يعش تجربة الاستعمار، ولم يعرف معنى القهر القومي، ولا جرب الاستشهاد في سبيل الوطن... هل يستطيع هذا الجيل الذي نشأ في ظل الاستقلال وصراعات المستقلين أن يكون في مستوى المسؤولية إذا ما واجه الوطن تحديا حتى ولو لم يكن في وضوح الغزو السافر ؟
إن الذين نظموا المسيرة وأعدوا لها، وأشرفوا عليها كلهم من الأطر الشابة التي يطمئن نجاحها الذي شهد به الجميع على قدرتها في تصريف الأمور، وردا على سؤال للتلفزيون الأمريكي نصه :
" صاحب الجلالة إن رجال الصحافة الأمريكيين معجبون جدا بالحرارة وبالحماسة التي أثارها في الشعب المغربي نداؤكم لتنظيم المسيرة الخضراء، فهل أنتم مرتاحون للاتجاه الذي اتخذه الحدث والنتائج المتحققة حتى الآن ؟
أجاب الملك:
" إنني جد مرتاح للنتائج المتحققة سواء لدى شعبي أو في الخارج، لانها هي نفس النتائج التي كنت أنتظرها... إنني مرتاح للنتائج المتحققة في المغرب لان إعلان المسيرة كان بمثابة اختيار للجيل الجديد، ولمعرفة ما إذا كان هذا الجيل يتميز بنفس الوطنية والشجاعة التي طبعت الأجيال السابقة. وأحمد الله على أنه ليس هناك ما يمكن أن يغبط عليه الجيل الجديد، الجيل السابق ".
*أما حماسة الشعب وبذله وتضحيته فإن الملك كان على يقين منها قبل أن يوجه نداءه، وقبل أن يعطي الأمر بدخول المسيرة، فقبل عشرة أيام (25-10-75) كان التليفزيون الفرنسي يسأله : إننا نشعر بحدث لم يسبق له مثيل... ألم تفاجئكم شخصيا هذه الحماسة الشعبية ؟ فيجيب الملك:
*إنني لا أفاجأ من طرف الحماس الشعبي، وأقول إنني قبل أن أتخذ هذا القرار كأي رجل عليه أن يتخذ قرارا من هذا الحجم صممت العزم على تنفيذ ما كنت أومن ورغبت قبل كل شيء في أن أكون على يقين من أن ما كنت اعتقده في الجيل المغربي الشاب أمر حقيقي، وها أنا اليوم والحمد لله أقول بكل فخر وتأثر أن الشبان الذين يتعين عليهم أن يتحملوا المسؤولية في المستقبل يتحلون بنفس الحماسة والانضباط والوطنية التي تحلى بها آباؤهم ".
ألا أنه بالشكر تدوم النعم... والملك يحمد الله سبحانه وتعالى أن " أعطاه شعبا مثل شعب المغرب...ويسأل الله أن يتمكن من القيام بواجبه نحو هذا الشعب".
المسيرة كشفت من هم الأصدقاء والأشقاء ومن هم الذين اتخذوا موقف الأجنبي.
الذين لم يصدقوا تأكيدات القيادة المغربية بالإصرار على دخول الصحراء سلما أو حربا، والذين ظنوا أن قضية الصحراء مجرد مغامرة، أو عملية سياسية للاستهلاك الداخلي... كما هو الحال في كثير من القضايا السياسية في العالم الثالث أو المشرق العربي...
بعضهم جاهل لا لوم عليه وبعضهم حاسد حاقد لا غرابة في موقفه.
والحق يشهد أن الملك ما ترك مجالا لسوء الفهم أو جهل المتجاهلين حول إصراره وتصميمه على دخول المسيرة للصحراء، مهما كانت الظروف... فقد صرح للتلفزيون الفرنسي يوم 25/10/1975 ردا على سؤال حول دخول المسيرة للصحراء وعلاقة ذلك بوقف اسبانيا قال :
*"هناك حالتان... إما أن نكون قد وصلنا إلى اتفاق وفي هذه الحالة ستجري المسيرة بأسرع مما كان متوقعا وإما أن نكون لازلنا لم نتوصل إلى اتفاق... وهناك ستقع ".
وأكد ذلك مرة أخرى مع راديو أوروبا " أن المسيرة ضرورية وستتم بالتأكيد سواء أنجحت مفاوضات مدريد أم لم تنجح"
وقد أكد نفس المعنى لصحيفة "لانفور ماسيونس" الاسبانية " إما أننا لن نصل إلى اتفاق وهذا ما لا أتمناه، وإما سوف نتوصل إلى اتفاق وإذاك سأكون مسرورا بأن نجد في انتظارنا على الحدود ممثلا رسميا عن الحكومة الاسبانية ".
وقال " أن المسيرة ستبدأ بين 4 و6 نوفمبر وإذا أراد الوفدان المغربي والاسباني الموجودان في مدريد فيمكنهما الوصول لحل قبل أن تبدأ المسيرة " وعاد فأكد هذا المعنى في حديثه إلى التلفزيون الاسباني بتاريخ 31/10/1995:
"منطقيا يجب ألا تتوقف المسيرة إذا تم الوصول إلى اتفاق، وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يتعين حينئذ العمل بسرعة ولن تتوقف المسيرة ".
فإذا كان البعض قد أصر على جهله، والبعض غلب منطق حسده على منطق العقل، فلا حجة لهم، وقد أعذر من أنذر.
إن المسيرة تطرح صيغة جديدة لحل المشاكل العالمية... في عالم مزقته المظالم والحروب وتصاعد فيه العنف المدمر حتى بدا كالغابة الموحشة ليس فيها بقعة آمنة... في عالم يزداد اقتناعا كل يوم بمشروعية العنف وبأن الحق ينطلق من فوهة البندقية، يأتي الشعب المغربي المعلم، فيقدم حلا سلميا، يعلم الناس أن الحق يقهر... يعلمهم :
" أن يجدوا في مسيرة السلم أكثر مما يمكنهم أن يجدوه في مسيرة الحرب".
كان القرن التاسع عشر هو قرن الثورات والحروب الأهلية والحلول الدموية في كل المجتمعات الأوربية. ولكن مع مطلع القرن العشرين بدأ الكفاح بالوسائل السلمية لحل المشاكل الداخلية في كل مجتمع تحت إطار الحفاظ على الوحدة الوطنية واستبعاد العنف، واستئصال فكرة الحرب الأهلية وسيلة لتحقيق المطالب المشروعة، أو على الخلافات :" فكانت انتصارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية " لكن الشعوب تبنت هذه التجارب، أو لم تحاول أن تجربها في منازعاتها القومية فكانت الحروب الدولية التي قست قلوبها، فارتدت موجة العنف إلى الداخل...
وجاء الشعب المغربي يذكر العالم بالحلول السلمية ويجرب ذلك في نزاع قومي... وضد دولة أجنبية فإن نجحت هذه المسيرة فستكون نموذجا يحتذى ودرسا تستخلص منه العبر، وتجعل من حق الملك أن يفخر بكون الله أراده أن يكون خادم هذا الشعب.
وهنا يأتي الأمر بالزحف.
" غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غدا إن شاء الله ستطأون أرضا من أراضيكم، وستسلمون رملا من رمالكم وستستقبلون أرضا من وطنكم العزيز ".
هل سمع أحد أو قرأ :" إن شاء الله " بمثل هذه القوة ؟ بمثل هذا التفوق في التعبير عن معنى التوكل الصحيح في الإسلام؟
إن شاء الله...
التعبير الذي اشتهر عالميا، باستخدام الغرب له كمثال على تواكل المسلمين وتسويفهم... يأخذ في كلمات الحسن معناه الحقيقي ورنينه الصادق.
غدا إن شاء الله ستخترق في الحدود كل الدنيا أيقنت أن ذلك سيحدث... غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة...
واندفع الصحفيون إلى وكالاتهم يبرقون بدون ذرة من الشك أن المسيرة ستدخل الصحراء غدا...
غدا إن شاء الله ستطأون أرضا من أراضيكم وقرر مجلس الامن عقد جلسة عاجلة..
وزال عن عبارة المشيئة ما حاول أن يلصقه بها افتراء وجهل الاعداء وصدا قرون التخلف والانهيار.
ثم يبدأ القائد إعطاء تعليماته للمسيرة، أو النصائح ويضبط العالم أجهزة الاستماع، ويشرع الصحفيون أقلامهم، ويركزون انتباههم حتى لا تفوتهم كلمة من التوجيه الذي يعطيه القائد للجماهير التي ستفتح الصحراء، وتواجه سبعين ألف جندي أسباني.
ويصدر التوجيه الأول فيوقن غير المغاربة أنهم أمام ظاهرة فوق بشرية. حقيقة موجودة ولكنها لم تكتشف بعد، ولا اكتشفت قوانين حركتها.
التوجيه الأول :
" بمجرد أن تخترق الحدود عليك أن تتيمم من الصعيد الطاهر من تلك الرمال، ثم تستقبل القبلة وتصلي بأحذيتك، لأنك مجاهد، تصلي بأحذيتك، ركعتين شكرا لله تعالى كما قال الفقهاء :
" فإذا الحسن بدا فاسجد له فجود الشكر فرض يا أخي
لحظة ذهول... هل هذا هو التوجيه الذي يحرص الملك على إصداره للمسيرة ؟
صلاة الشكر، والفتوى بجواز الصلاة بالحذاء والتيمم.
ما معنى ذلك ؟
ولكن الذين يفهمون قانون الحركة الإسلامية، بل قانون كل الحركات التي غيرت وجه التاريخ، يعرفون أن الإيمان هو قاعدة كل تنظيم، وهو الشرط الأول للنصر، فالذين يقولون أن المسلمين انتصروا في بدر لأنهم كانوا أول من أدخل طريقة القتال بالصفوف، ينسون أن هذه الطريقة ما كانت لتنجح لولا أنهم تعلموا الصلاة في صفوف، وأن الله لا ينظر للصف الأعوج، قبل أن يربط الإيمان بينهم، فيصبح صفهم كالبنيان المرصوص، يشد الحب بينه ويلحم ثغراته، قبل أن تنتزع التربية الإسلامية الأنانية، والتطلع للبطولات الفردية التي يقوم عليها تنظيم القتال قبل نظام الصف.
الإيمان أولا ثم التنظيم والتقنية، فالنصر...
هذه الجماهير التي يأمرها أمير المؤمنين بالصلاة فور دخول الصحراء لا يخامرها شك في دخولها، وهي على استعداد للسمع والطاعة والتنفيذ في إخلاص وإبداع أي أمر آخر.
هذه المرحلة من المسيرة ليست كسابقتها، فالمرحلة السابقة كانت داخل الأرض المحررة وبين أحضان الشعب أما المرحلة المقبلة فهي في الأرض المحتلة، وحيث جميع الاحتمالات " لذا فهي تستلزم منك ضبطا أكبر ونظاما أكثر" ويجب الطاعة والسمع للمسؤولين عن التأطير.
عودة إلى التأكيد على عدم السعي لمجابهة مع اسبانيا.
وقد يبدو في ذلك بعض الجدلية، فاسبانيا هي الطرف المباشر، التي يستهدفها التحرك المغربي، ومعها يأتي الاحتمال الاول للصدام، فهي التي تحتل الأرض، وجيشها هو الذي يقف على أهبة الاستعداد، ومن حكومتها تنطلق التصريحات، ويرددها الحلفاء والأتباع عن الشرف العسكري الاسباني ومسؤوليات الدولة الاسبانية وإذا صحت الروايات فإن السفير المغربي كان قد سلم إنذارا صريحا للحكومة الاسبانية بالحرب إذا وقع اعتداء على المسيرة... كل هذا وتأتي توجيهات الملك تؤكد وتكرر لا نريد حربا مع اسبانيا..." إذا ما لقيت اسبانيا كيفما كان فصافحه وعانقه، واقتسم معه مأكلك ومشربك، وأدخله مخيمك" " لو أردنا أن نحارب الاسبان لما أرسلنا الناس عزلا بل لأرسلنا جيشا باسلا ".
المغرب لا يهاب الحرب ولكنه لا يستدرج لها ولا " نريد أبدا أن نطغي ولا أن نسفك الدماء ".
" فعانق إخوانك واصدقائك الاسبانيين عسكريين كانوا أم مدنيين وإن أطلقوا عليك نار فتسلح بإيمانك وتسلح بقوتك وزد في مسيرتك فإن ترى في آخرها الا ما يرضيك ويرضي راحتك وراحة ضميرك".!
الحسن يعرف أي شعب يخاطب، حتى يطلب منه هذا المطلب المعجزة.
وفي اعتقادي أن سر المعجزة يكمن في ركعتي الشكر هذه... فإذا دخلت الجماهير الصحراء، وتيممت من رملها صعيدا طيبا... وتوجهت للقبلة وصلت آمنة مطمئنة غير مبالية بالخطر... اكتسبت شحنة من الايمان والثقة بالنفس، تستطيع بها أن تواجه رصاص الاسبان، بل والمشي فوق الألغام... ففي كتب السيرة ان هؤلاء المؤمنين الذين كانوا يبدأون مسيرتهم بصلاة الشكر عبروا " الخليج إلى بلاد فارس على ظهور الخيل يكلم بعضهم بعضا، ولم يلاحظوا أنهم يقومون بمعجزة المشي على الماء...
هذه الجماهير بعد أن تؤدي صلاة الشكر، تدين أمام العالم كله، أبشع جريمة في التاريخ، الا وهي اطلاق النار على مسالمين عزل متيممين مصلين الذي أسعده زمانه وصاحب المسيرة ورأى الهزة التي أخذت المسلمين والعرب، والقشعريرة التي اجتاحت المراسلين الأجانب، وهم يرون هذه الألوف تصلي فور دخولها الصحراء... يدرك عظمة هذا الملك الذي كان قبل ساعات من خطابه يحاور " خوان كارلوس" على التلفزيون، ويعطي تعليماته لوفد المغرب في الأمم المتحدة، ويجتمع بكبار القادة العسكريين ويعطي توجيهات بخصوص صواريخ سام المضادة للطائرات والأخرى للدبابات، ثم ها هو يفتي في صلاة المجاهد...
ثم يكرر الملك تحذيره للمعتدين من غير الاسبان معلنا وجود الجيش المغربي، واستعداداه لحماية المسيرة من هؤلاء المعتدين، وهو تحذير أتى مفعوله وألجم نار الفتنة، وقد شرحنا في هذا الموضع أبعاد هذه الإستراتيجية التي تريد أن تستدرج الاسبان إذا أصروا على الحرب... إلى موقف عدواني مكشوف... وهي أيضا أي إستراتيجية الحسن وغير مستعدة لإلقاء الصحراء، وشعب الصحراء في ضباب الخلافات العربية والوساطات والاحتجاجات... فإن اعتدى معتدون لا دخل لهم في القضية فإن الجيش يحسم ذلك الأمر على الفور ولا يدع مجالا للجدل...
إن الموقف المغربي منذ البداية يقوم على اعتبار وجود طرفين لا ثالث لهما في المشكلة : اسبانيا الدولة المحتلة والمغرب وموريطانيا مالك الأرض.
ولا مكان لليد الثالثة...
وهذا ما وافق عليه الرئيس الجزائري وباركه من كل قلبه، وهذا ما قرره مؤتمر القمة العربي، وأعلنه " سيد نوفل" في قرار جماعي في الخامسة صباحا والمؤذن يؤذن لصلاة الفجر..
وكان الملك حريصا في كل أحاديثه، على تأكيد رفض التحول الجزائري من موقف الطرف المبارك، إلى الطرف المتدخل بل والمملي لشروطه ووجهة نظره...
صرح الملك للتلفزيون الفرنسي حول احتمالات التدخل الجزائري:
" إني رجل قانون وأعرف أنه لا يكون هناك مطلب بدون مصلحة، وقد أعلنت الجزائر في شتى المناسبات وأمام الهيئات الرسمية على الصعيد الدولي أنها ليست لها مصالح ولا مطالب وأنها سعيدة داخل حدودها إذن قانونيا وسياسيا وإنسانيا وتاريخيا لا يمكن أن يكون للجزائر مطلب ما نظرا لانعدام عنصر المصلحة ".
" والحق مع رجل القانون، لأن القانون الدولي لا يعرف حالة " فاعل الخير" الذي يدخل حربا لإقرار مبادئ دولية مشكوك في صحتها، مقطوع بسوء النية في المناداة بها.
كما أكد هذا المعنى – رفض اليد الثالثة – في حديثه مع التلفزيون الأمريكي عندما سألوه عن الاحتمال تعرض بالبوليزاريو الذين يقدرون، كما قال مراسل التلفزيون ما بين مائتي وأربعمائة شخص، للمسيرة... قال الملك:
" كل شيء ممكن وقوعه من المجانين، أما بالنسبة لنا فليس في الصحراء الا جيش واحد وهو جيش اسبانيا ولقد قررنا لقاء الجيش الاسباني بدون سلاح. ومن الممكن أن نلتقي بخارجين عن القانون، الذين تسمونهم بالبوليزاريو وسنعاملهم بالمثل ".
ثم نصل إلى نقطة القيادة... وقد شرحنا في موضع آخر كيف عدل الملك عن قراره الأول...
وكان الصحفيون ممن ذاقوا حلاوة الاستعمار، او ممن أرسلوا للمغرب من قبل بعض الجهات في مهام خاصة جدا... وقد أخذوا يلحون في الأيام الأخيرة على هذه النقطة بالذات، وكأنها أصبحت كل ما يشغل بالهم :
" هل سيدخل الملك الصحراء ؟"
" سمعنا أن الملك قد عدل عن قيادة المسيرة ".
صرح الملك أنه سيكون أول من يدخل... إلخ
ورد وزير الإعلام المغربي بأن الملك يقود المسيرة وانه خططها ونظمها، وليس من الضروري أن يكون في المقدمة... فقد كان إيزنهاور يقود الحرب من لندن وقواته في ألمانيا " وكان من الممكن أن يكتفي الملك بما أعلنه وزير إعلامه، وأن يتجنب الإشارة لهذا الأمر، بعدما اقتنع برأي مستشاريه، وهو استحالة أن يترك الملك تصريف أمور الدولة في أدق مرحلة في تاريخها الحديث، ويتوجه إلى طرفاية، أو يدخل على رأس المسيرة إلى الصحراء، لا لهدف الا ضرب المثل لشعب هو المثل، وهو القدوة... او زيادة حماسة جماهير لا مزيد لحماستها، بل ان هذه الحماسة أصبحت تقلق المراقبين الأجانب إلى حد أن أحد الصحفيين سأل: ماذا سيفعل الملك بهذه الحماسة بعدما يسترد الصحراء، وظن معظم الحاضرين أنه أخطأ التعبير وأنه يقصد ماذا يفعل إذا لم تسترد الصحراء، ولكن بعد زيارة طرفاية اقتنع الجميع وتبين أنه كان يعني السؤال كما طرحه، فالمارد الذي تجلى في المسيرة، أو الأصالة التي أبرزتها المسيرة، روعت القادم من الجانب الآخر من المحيط وجعلته يتذكر نفس الجماهير عندما حركها نفس الايمان، والقادة العظام، كيف طوت إفريقيا كالحلم وجاءت تطأ مياه الأطلسي بسنابك خيلها تبحث عن أرض خلف المحيط... نفس الجماهير عادت وبحماسة تغني عن كل موقف... كان حسب الملك أن يغفل إذن هذه النقطة... ولكن الحسن الثاني الذي علمه أبوه ألا يكذب على الشعب. يصارح شعبه العزيز ويسمع العالم كله :
" كان بودي أن أكون في الطليعة، ولكن يقال ".
يبدو أن أمير المؤمنين في نفسه شيء من فتوى مستشاريه وفقهائه وأنه نزل على رأيهم لما واجهوه بمصلحة الدولة وسيرة كبار الصحابة وسلوك القادة، فاقتنع كقائد. ولكن الحسن الثاني فتى المنافي ومقارعة الاستعمار والحركة الوطنية، لا يزال في نفسه شيء... ولذلك استخدم عبارة: ولكن يقال " بأن واجب القائد هو أن يبقى في مركز قيادته ".
وهكذا كان العزم...
وكان التخطيط
وكان الحشد الذي أزال الاوهام وجدد
اليقين وأكد الايمان...
ثم كانت توجيهات ما قبل ساعة الصفر...
ثم التوكل على بركة الله..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here