islamaumaroc

مؤرخو الشرفاء: مؤرخو الدولة العلوية في حكم مولاي الحسن

  دعوة الحق

170 العدد

إن عدد المؤرخين الذين اهتموا بتدوين أخبار الدولة العلوية وخصوصا أولئك الذين لازالت مؤلفاتهم متداولة بالمغرب، يكاد  لا يتجاوز عدد مؤرخي  الدولة السعدية، وفي هذا ما يدعو في أول وهلة، للاستغراب.
نعم فإننا كنا نتوقع أن يتيسر أكثر فأكثر الوصول إلى الوثائق التاريخية، ويزداد عدد المشتغلين بدراستها كلما كانت تتعلق بفترات تاريخية أشد قربا من عصرنا، وذلك بالطبع نظرا لقلة أسباب تعرضها للتلف أو الإهمال.
إننا نعثر، من آن لآخر على اضبارات من تلك الوثائق قد اعتنى، لحسن الحظ، بعض العلماء المغاربة، بحفظها ولكن تأكد لدينا أن كتب التاريخ، وحتى التي تهم أخبار العقود الأخيرة من القرن الرابع عشر الهجري  قليلة جدا.
الظاهر أن عدد تلك الكتب لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، ويؤيد هذا الرأي قلة أسماء التواريخ الخاصة بالدولة العلوية، ضمن المراجع التى اعتمدها المحدثون من المؤرخين المغاربة، وأوردوا لوائحها في مؤلفاتهم.
رأينا أن الافراني كان أول من سجل أخبار السلاطين الثلاثة الأولين الذين تم على أيديهم تأسيس الدولة العلوية، وتوطيد أركانها، وثبت لدينا أنه لم يظهر بعده كاتب اعتنى بوصف أحوال تلك الأسرة المالكة، الا في أواخر القرن الثاني عشر الهجري ( 1786م).  ولا شك أن الاضطرابات التي سادت المغرب إثر وفاة  المولى إسماعيل والى عهد حفيده سيدي محمد بن عبد الله، هي التي جعلت المؤرخين يرغبون عن وصف ما اكتنف تلك الفترة من هرج ومحن، ومن شغب وفساد.
ومهما يكن من أمر فإننا لا نجد فيما بين أوائل القرن الثامن عشر وأواخر القرن التاسع عشر  الميلاديين سوى مؤرخين اثنين عاصرا القسم الأكبر من الأحداث التي
تكلما عنها، وهما أبو القاسم الزياني ومحمد أكنسوس، وكان كلاهما بربري الأصل، مثل الافراني ومرتبطا بالحكومة أي على علم بالأمور العامة والشؤون السياسية.
ويمكن أن نضيف إلى الكتب التي ألفها هذان المؤرخان عن الأحداث المغربية إلى عهد مولاي الحسن، كتابين آخرين، أحدهما مختصر ومجهول مؤلفه وثانيهما مؤلف لمحمد الضعيف، وهو لا يخلو من همز ولمز.
الوزير أبو القاسم الزياني :
إن الزياني الوزير المؤرخ يكاد يكون مجهولا اليوم بالمغرب الأقصى، فكتبه لم يطبع منها ولو واحد، بالمطبعة الحجرية الفاسية، ولا يوجد إلا عدد قليل من نسخها الخطوط، كما أن صاحب سلوة الأنفاس لم يخصص فيها لترجمته  إلا أسطرا لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن الأدباء المهتمين حاليا بالدراسات التاريخية لا يولونه أي اعتبار، بل منهم من يصرح بأنه سفيه، وقد سبق لمعاصره أكنسوس أن وصمه عدة مرات في كتابه " الجيش العرمرم " بالجهل  والغباوة.
والحقيقة أن الزياني كان يمتاز عن العلماء المعاصرين له بسعة الثقافة وبالصراحة، لا يتكلف التصنع في أحكامه لا يربأ بنفسه، في بعض الأحيان، عن استعمال الحوشي من الألفاظ في أقواله.
هو أبو القاسم بن أحمد بن علي ابن إبراهيم الزياني، المولود بفاس سنة 1147 ( 1734/1735 م ينتسب إلى قبيلة زيان من أهل الأطلس المتوسط.
كان جده  الفقيه النسابة علي بن إبراهيم، يسكن بزاوية أوكو قرب ادخسان، وقد نقله إلى مدينة مكناس، السلطان مولاي إسماعيل، عند عودته من زيان، سنة 1100 هـ ( 1689 م) واتخذه إماما لصلاته.
لما توفي علي انتقل ولده، أحمد، إلى فاس فاستوطنها وولد له بها أبو القاسم.
اخبرنا الزياني عن جده انه " رفع نسبه إلى أبي القبيلة "زيان" ومنه للجد، مالو الصنهاجي، ومن مالو رفعه إلى اليسع الذي أسلم، على ما في تاريخ  سليمان بن سابق المطماطي نسابة البربر، في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان " ( القرن الثامن الميلادي).
نشأ أبو القاسم بفاس وبها حفظ القرآن واشتغل بطلب العلم بجامع القرويين، وجامع الأندلس، ومدرستي الصهريج والعطارين بن على شيوخها  أحمد بن الطاهر الشرقي ومحمد بن الطيب القادري، وعبد القادر بوخريص ومحمد بناني، وبوجه خاص علي الفقيه الجليل أبي حفص عمر الفاسي المتوفى بفاس في 29 رجب 1188هـ والذي كان من جملة تلامذته طائفة من العلماء المشهورين، مثل عبد السلام الحسين والعربي القسنطيني ومحمد سحنون والوليد العراقي ويحيى الشفشاوني ومحمد الهواري ومحمد بن عبد السلام الفاسي.
عندما أتم أبو القاسم دراسته، وكان في الثالثة والعشرين من عمره ( سنة 1169هـ/1785م) عزم والده على الارتحال إلى الديار المقدسة، قصد تأدية الحج، والاستقرار نهائيا في المدينة المنورة  إذ ضاقت نفسه بتوالي الفتن واضطراب الأمن في المغرب، منذ وفاة مولاي إسماعيل  فباع دارين كانتا له بفاس، ومكتبته واتجه وزوجته ووحديهما، مؤرخنا الزياني، نحو القاهرة لينضموا إلى ركب الحجاج المصريين المتجهين برا نحو مكة المكرمة، إلا أن هناك أشار بعضهم على والده بركوب البحر لكونه أقرب مسافة وأقل مشقة : فاشترى بما كان لهم من مال سلعة، واكترى إبلا لحملها إلى مرسى السويس، ومن ثمة أبحروا نحو الينبع ولكن " تكسر المركب، وضاعت السلعة، وتلفت الأسباب، فحمدوا الله على عتق رقابهم، وكانت هذه هي أولى النكبات السبع التي أصابت أبا القاسم خلال حياته، وأثرت فيها عظيم التأثير، كما يخبرنا بذلك هو نفسه في وصفه لهذه الرحلة.
" في الينبع أخرجت والدته من حزامها 300 دينار كانت عدتها لحادث الدهر أن ألم بها ولم يكن للأب ولا للابن علم بتصريحها ولا بإبهامها " فأكثروا منها مطايا لجدة ومكة، حتى أدوا الحج وأتموا العمرة، وبعد الفراغ من مناسك الحج ونوافله، سافروا مع الركب المصري إلى المدينة المنورة بقصد الزيارة فقط لا المجاورة لأنها، مع ذهاب البضاعة وقلة ذات اليد ويسارة، أصبحت مستحيلة، فرجعوا إلى مصر على طريق البر، حيث باعوا بعض الأسباب كانوا تركوها بها، واستعدوا للرجوع إلى المغرب إذ بلغهم خبر وفاة السلطان مولاي عبد الله، وبيعة ابنه سيدي محمد" لم يتسن لأبي القاسم، خلال إقامة أسرته بالقاهرة التردد إلى مجالس العلم " ولكنه حصل هناك، في بيت صاحبهم الذي كان نزولهم عنده، مسائل من علم الرمل والسيميا، وخواص المعادن وما ينشأ عنها من الأسرار والعجائب التي يبلغ بها المرء أعلى المراتب ".
كان مر على خروجهم من فاس أكثر من  سنتين ولما عزموا على الإبحار وجدوا المراكب معطلة نظرا لنشاط القرصان في عرض البحر وللحرب التي كانت قائمة بين اسبانيا وفرنسا وبين الإنجليز ( المسماة حرب السبع سنوات)، وأخيرا ركبوا في مركب  للفرنسيين قاصدا ليفورن حيث أقاموا أربعة أشهر، ثم قصدوا برا مرسيليا  ومنها برشلونة حيث علموا أن الفرنسيين كانوا محاصرين لجبل طارق. .. وبعد أن رفع الحصار عن ذلك المرسى توجهوا إليه، ومنه إلى تطوان ومنه إلى فاس، فدخلوها وليس معهم " إلا سبعة مثاقيل بقيت من البضاعة ".
لما استراحوا من السفر عاد أبو القاسم إلى القراءة كما كان، ثم سأل عن رفقائه في الأنس والطلب فوجد أكثرهم تعلق بخدمة السلطان سيدي محمد بن عبد الله لما بويع فتاقت نفسه إلى اللحاق بهم، وتعلقت همته بخدمة السلطان، فنهاه أبوه عنها و " شرح  له حالها ومآلها فلم ينفعه نهيه، ولم يرده إنذاره وهديه " وهكذا أصبح مترجمنا كاتبا في البلاط العلوي.
لاشك أن أبا القاسم بقي، أول عهده بالبلاط خاملا مغمورا وأن ما أدركه خلال رحلته من معلومات وخبرات جعله عرضة لكثير من ألوان الحسد وضروب السعايات، إلا أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله لم يلبث أن أسند إليه مراقبة ما يجري من الأحداث في المناطق الوسطى من المغرب وذلك لكون الزياني كان يفهم لهجة البربرية، ولكن لما شق آيت ومالو عصا الطاعة سنة 1187هـ وردوا القائد أبا القاسم الزمري، اضطر السلطان، بعد إبعاد الزياني وتهديده بالقتل، إلى الخروج بنفسه لتأديب القبيلة الثائرة، فأشار عليه الزموري بأن يقسم جيشه أثلاثا وعين لكل ثلث مكانا يرابط فيه فانتهز الزياني تلك الفرصة ليبين للسلطان أن الزموري يجهل كل  شيء على المنطقة التي تحت تصرفه، وأن إشارته تعرض السلطان وجيشه للهزيمة فلم يسع السلطان إلا أن عهد إليه إنقاذ الموقف باستخدام جاهه عند تلك القبائل فما عتمت أن ألقت السلاح ودخلت في الطاعة فرضي سيدي محمد على كاتبه ورفع منزله، وهكذا انفرجت النكبة الثانية وابتسم له الحظ من جديد إذ أصبح سيدي محمد يقدمه في المهمات وكل إليه تذليل ما يحدث في القبائل البربرية من عقبات وإطفاء ما يتأجج فيها من فن وثورات.
وهكذا نراه، سنة 1198هـ ( 1783/1784م) رفقة السلطان بالصويرة، ثم بتافيلالت، حيث كان عم هذا الأخير الحسن ابن إسماعيل، أعلن عن استقلاله وهناك قدمه السلطان أمامه لإخراج البرابر من قصورهم في الامان، ثم بعته إلى المولى الحسن ليعرض عليه السكنى بمكناس وينفذ له ما يكفيه من الظهر لحمل  عياله وأثقاله، ولما فرغ من شأن عمه بمكناسة أمره أن يعود إلى سجلماسة ومعه أولاده : المولى سليمان والمولى الحسن والمولى الحسين وأن يصحب معه قدرا من المال، وعددا من المدافع والمهاريس والبنب وطائفة من الطبجية من علوج الألمان وألفا من عسكر الثغور رجالة " رده السلطان، بعد ذلك إلى الغرب ليأتيه بجيش في أولاد عبيد الثغور وان يلقاه بهم بمراكش ليزيدهم في جيشه ".
وفي عام 1200 هـ ( 1786م) أرسله سيدي محمد بن عبد الله سفيرا إلى سلطان الاستانة عبد الحميد بن أحمد العثماني ( 1774/1789م) ليقدم له مكاتيب وهدايا، فأبحر من الصويرة هو وسفير تركي كان بالمغرب  اسمه إبراهيم أفندي. نزل بمالقة ثم ركب منها قاصدا العاصمة التركية.
يتحدث الزياني في الترجمانة، بإسهاب  عن رحلته الثانية خارج وطنه ولكنا سنكتفي هنا بذكر بعض ما ورد فيها من أخبار، ومن ذلك أنه لما خرجوا من مالقة، وقعت فرتونة – ( أي زوربعة ) في البحر فتكسر أحد صواري المركب، فقصد ربانه مرسى تونس لإصلاحه قضي الزياني بتلك الحاضرة عشرة أيام في ضيافة الباي حمودة ( 1782/1814م) فلما دخل المركب جزر بر الترك وعاين السفير التركي شاطئ بلاده، استأسد وسرح لسانه بالشتم في دولة المغرب وأهله، فنهاه الزياني، فلم ينته، فأخذ بلحيته وقال له :" والله يا ملعون لا تقرب الله ذبحك " إلا أن رئيس المركب خلصه وشفع فيه فتركه.
فلما دخل المركب مرسى الاستانة، رفع سنجق ( أي  لواء ) الباشدور، واستقبل الزياني بحفاوة  من لدن السلطات التركية.  تقدم للسلام عليه أربعة من رجال المخزن المغاربة، كانوا كلفوا بمهمة ولم تتأت لهم بعد العودة إلى المغرب، وهم المولى عبد الملك بن إدريس قريب السلطان وصهره، ومحمد بن عثمان المكناسي وعمر لوزيرق، وعبد الكريم بن يحيى.
ولما أخبر الوزير الأول التركي بوصول السفير الزياني خصصت دار لنزوله ووجهت  الخيل لركوبه وركوب أصحابه، والكراريط ( العربات) لحمل" حوائجهم " وأقام معه الأغا المكلف بنزول الباشدورات ليطلعه  على الأحوال ويعرفه بالتشريفات وبالتقاليد الخاصة بالبلاط التركي.
حظي الزياني، أثناء إقامته بالعاصمة العثمانية، بحسن الرعاية وجميل التكريم، وقد تأتى له الوقوف على جميع الأماكن المعتبرة كبيت المال و" دار الضرب " و " دار الصناعة " و " دار القز "ألخ. ..، وزيارة المساجد والمدارس وخزانات الكتب، وقد وصف في رحلته كل ما وقعت عليه عينه وسمعته أذنه.  وصفا دقيقا، كما ذكر الكتب التي اشتراها للسلطان سيدي محمد.
ومما يؤكد ما لقيه الزياني بالاستانة من اعتناء وتقدير من لدن  ولاة  الأمر أنه " قابل الخليفة في غير الموعد المحدد لمقابلة أمثاله من السفراء " وحيث أن إمبراطورة روسيا كاثورين الثانية كانت أشهرت الحرب على الدولة العلية أظهرت هذه رغبتها في " السلف" من سلطان المغرب، ولما استفهم الزياني " هل تسمح نفس سلطان المغرب بالمعاونة و هل إذا احتاجت الدولة المال يسلفه لها" قال :" إن سلطاننا له رغبة في الجهاد، ولولا مشقة البحر وبعد الغرب لسعي  للجهاد بنفسه، وأما المال فإنه يعطيه دون سلف، إذ لا  ترضى همته السلف".
واستغرق مقام الزياني بالاستانة مائة يوم، عاد بعدها إلى وطنه على طريق البحر وبصحبته سفير تركي إلى المغرب، فنزل بطنجة وقصد توا  السلطان ليطلعه على تفاصيل سفارته، وانتهز تلك الفرصة فناوله كتابا من عند الخليفة يقول فيه :". .. وبعد فإنه قد وصلنا من مقامك الأسمى عشرون سفيرا وأحسنهم عقلا ونبلا وسياسة أبو القاسم الزياني الذي أدى رسالتك وهديتك بأدب وانفصل عنا بأدب فمثله من يكون سفيرا بين الملوك فان اقتضى نظرك توجيه سفير من أطرافك فليكن هو فإن ظاهره وباطنه سواء ".
لما اطلع السلطان على هذه  التزكية " سر سرورا عظيما ودعا للزياني بالخير، وأثنى عليه ونوه به بمحضر أعضاء ديوانه، وبعد ذلك أمر بإرسال " أربعة صناديق من الريالات الفضية للخليفة العثماني، على طريق اسبانيا ثم فرنسا ".
وفي السنة التالية ( 1201هـ/ 1787م) كلف الزياني بمرافقة طائفة من قبائل الجيش إلى وجدة، ثم التحق  بالسلطان وهو على رأس جيشه  بالحياينة، فعين عاملا بتازة لتهدئة القبائل البربرية المتوثبة عليها، وبعد أن قضى بتازة سنة، تقلب في عدة وظائف من ولاية على مدن وتدريب الجنود البحرية من آيت عطاء وعبيد تافيلالت بتطوان ثم بطنجة ثم في سنة 1202هـ عينه السلطان واليا بتافيلالت، ولما أظهر الزياني التردد قال له : " طب نفسا، لولا أني أحبك ما وليتك على أولادي وأهل بيتي ".
وعلى كل فقد بقي بتافيلالت ثلاث سنوات أي  إلى وفاة سيدي محمد بن عبد الله ( 24 رجب 1204هـ 21 ابريل 1790م).
لم يكن اليزيد، خلف سيدي محمد بن عبد الله راضيا عن الزياني بل كان ممن " ينظر إليهم شزرا ولا يرى الإيقاع بهم وزرا " حسب قول الزياني.
أورد مؤرخنا، وصفا مسهبا لما نزل به أيام اليزيد في كتابه الترجمان ( المغرب) ونحن نكتفي هنا بذكر لمحات منها، قال :"... وكنا كتبنا له على مال الإشراف المؤونة لإخوته وأخواته، عين ذلك في زمام. .. ولما أكملنا ما أمرنا، توجهنا لحضرته بفاس مع ولده، وبتنا بدار دبيبغ بلغنا أن ديارنا بمكناسة أعطاها للعبيد، ولم يبق إلا دويرة فيها عيالنا، فتجلدنا بالصبر، وأقمت مدة وأنا محموم مهموم، ولما عوفيت لحقته وأقمت بسبتة. .. فوجهني لمكناس وفاس لقضاء بعض "أغراضه، فلم أشعر إلا وقائده بفاس أتاني وقبض علي ووجهني لمكناسة، وكانت هذه نكبته الثالثة وبعد مدة أفرج عنه، وولاه السلطان على أكادير. .. ثم رده وكلفه بعدة مهمات سافر في شأنها إلى طنجة والعرائش، والرباط، والدار البيضاء  ومراكش ولكن قبض عليه السلطان من جديد".
بقي الزياني معتقلا في الرباط إلى أن توفي اليزيد وهكذا انتهت النكبة الرابعة.
قصد الزياني مدينة مكناس ثم مدينة فاس حيث حضر بيعة المولى سليمان بضريح المولى إدريس، " وكتب بيعته الشيخ التاودي بن سودة، ونزل عليها كافة العلماء، على القانون الشرعي (ص92).
كان المولى سليمان يعرف كفاءة الزياني، ويقدره حق  قدره، ولذا ولاه  على وجدة ونواحيها لكبح جماح عرب انقاد الذين كانوا قد عاثوا فيها فسادا، فاستقال  فلم يقبل كلامه. ... فتوجه نحو وجدة مكرها، وخرج معه ركب التجار الذي كان محصورا بفاس، فخرج عليهم العرب قبل أن يصلوا  إلى وجدة " ونهبوا ما معه من  صامت وناطق، وصاهل وناهق" فسئم الخدمة السلطانية وأزمع بعد هذه النكبة  الخامسة، الرحلة عن المغرب فتوجه إلى وهران، ثم إلى تلمسان ونزل بجوار ضريح أبي مدين بالعباد، حيث بقي سنة ونصفا مشتغلا بالمطالعة والتقييد.
وهناك عزم على زيارة الاستانة وبلاد الشرق ليجدد العهد بتلك الديار، ويتفقد من له بها من الأصحاب والأحباب، فتوجه إلى وهران، ثم إلى الجزائر فقسطنطينة، فتونس. ... ومن هناك ركب متن البحر قاصدا  الاستانة، وذلك في فاتح جمادى الأولى ( 1208هـ ( 5 دجنبر 1793).
لقي بالاستانة ما كان ينتظره من ترحاب وعناية: ومن ثم توجه مع أمير الركب التركي إلى المدينة ثم مكة قصد الحج، رجع إلى القاهرة مع الركب المصري، ومعه جاريتان حبشيتان كان اشتراهما من المدينة.
وكان يتصل حيثما حل، بالعلماء ورجال الدولة، فيحظى بالاحتفاء والتقدير، غير أنه وقع له في مصر حادث كاد يذهب بحياته، وذلك أنه كان ركب النيل في نزهة صحبة أحد الأغوات، فهبت على المركب ريح شديدة وانقلب وغرق كل من فيه، ونجا هو بفضل إتقانه للسباحة وبفضل مساعدة أهل مركب آخر كانوا على مقربة منه.
بعد هذه النكبة السادسة، ركب من الإسكندرية مركبا كان متوجها إلى أزمير، ولكن الرحي عاكسته فالتجأ إلى جزيرة رودس، فسافر منها إلى أنطاكية حيث بقي شهرا توجه فيه إلى القدس ثم إلى دمشق، وعاد إلى المرسى ليبحر إلى أزمير، مكث هناك مدة ثم أبحر إلى تونس حيث نزل، وفي تلك الحاضرة ماتت إحدى جاريتيه وتركت له ولدا في سن الرضاعة، فدفعه إلى رجل مغربي مات له صبي وبقيت  امرأته بدون رضيع، وسافر إلى قسنطينة فلم يجد الولي بها، ثم إلى الجزائر وكان قليل الزاد، خاوي الوفاض، يكاد لا يجد ما ينفق، إلا أنه لما وصل إلى الجزائر علم أن البضاعة التي كانت اشتراها  بالشرق وصلت سالمة، فانتعش بعد الانتكاس وعول على الإقامة بتلمسان، فوجه غلاما  له من الجزائر لفاس ليأتيه منها بأفراد أسرته وبجواريه، ويلقاه بهم في تلمسان.
لما علم أهله برجوعه، وكانت قد انقطعت عنهم أخباره فرحوا وكتبوا إليه ليعود إلى فاس، ولم يرسلوا  إليه إلا جارية واحدة، وكتب إليه السلطان نفسه يأمره بالرجوع ويطمئنه معفيا إياه من الخدمة، فامتثل وغادر تلمسان متوجها نحو مسقط رأسه سنة 1210هـ ( 1795-1796م).  فلما وصل إلى فاس عرض عليه السلطان ولاية العرائش فحاجه بكتابه فحجه، ولكنه عاد فطلب منه بإلحاح أن يذهب إلى تفتيش مرامي المغرب ومراقبة عمالها، ولما كان هذا  الوظيف تكليفا موقتا قبله، وقام به على أحسن ما يرام.
بقي بفاس إلى سنة 1213هـ ( 1798/1799م)، فكلفه  السلطان بمهمة أخرى مؤقتة بمراكش ثم قلده الكتاب والوزارة والحجابة فبلغ إذ ذاك من المجد أوجه، وبقي عدة سنوات يرتع في بحبوحة الهناء. .. ولكن كثر حساده، وتوالت السعايات به إلى أن أبعد عن منصة السلطنة والنفوذ، فتمت بذاك نكباته سبعا.
انهى الزياني هذه الترجمة الذاتية حوالي سنة 1230هـ 1815م) وكان عندئذ قد جاوز الثمانين من عمره.
ذكر صاحب سلوة الأنفاس (ج1ص263)أن الزياني توفي بفاس عصر يوم الأحد 4 رجب 1241هـ (17 نوفمبر 1833) وكان في التاسع والتسعين من عمره ( 14) وأن السلطان أمر بدفنه في الزاوية الناصرية التي يحي السياج.
قال الكتاني في ترجمة مؤرخنا :" له قصائد مدحا وذما، ومعرفة بالتاريخ والعربية والحساب والعروض
 والتنجيم والجدول والأسماء والتدبير. .. وكانت له حدة ولسان لا يبقي ولا يدر حتى أداه ذالك إلى الوقوع في الأولياء الكبار.  ونعود بالله من ذلك " ( السلوة ج1 ص 263).
وقال فيه أيضا: " وكانت جمجمة رأسه من القرع لأنه ضرب عليه بسيف، فطارت، فجعلوا مكانها طرفا من القرع، فطلع عليها اللحم وعاش.... ولذلك كان لا يكشف رأسه " والظاهر أن هذه الخرافة كانت صدى لألوان اللمز والسخرية التي كان من الطبيعي أن توجه للزياني الذي بز أقرانه ومنافسيه من رجال السياسة والأدب، ولم يتورع من دون شك عن الحط من أقدارهم. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here