islamaumaroc

احتضار الرأسمالية

  دعوة الحق

170 العدد

*الرأسمالية هي شجرة الزقوم التي ابتلي بها الأحباء في القرون الأربعة الأخيرة، أصلها في سواء الجحيم، وطلعها كأنه رؤوس الشياطين، وقد وصلت الى الذروة في استعباد الأحياء خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، فلم ينج من بلائها مخلوق، حتى حيتان الماء ووحوش الغاب، وطيور السماء، وبعد هذه الحياة المديدة المليئة بالمآسي آذنت بلفظ أنفاسها الأخيرة، بعد أن تركت المخلوقات غير آسفة عليها.
ولكن هل سعيد لنا الرأسمالية قصة جدها العظيم، شمشون الجبار فتهدم بيت الإنسانية على أهله وتدعه يبابا سرابا ؟ أم تدبر مندثرة تاركة الناس وشأنهم ليسلكوا جادة أخرى ؟
إنه اختيار لا مفر منه، وهي تودع أيامها الزاهرة الخوالي، وذكرياتها الحلوة الجميلة التي كان يحكم فيها عشرون مليونا مئات الملايين في سخرة دائبة كسخرة الجن تحت سلطة سليمان عليه السلام، ولا تستطيع هذه الملايين المئين أن تحرك ساكنا.
وانها اليوم وهي تشهد هذه اللحظات العصيبة القاسية هل بإمكانها أن تستعيد قوتها وشبابها ؟، قول بكل تأكيد، لا لماذا؟

تقويض داخلي :
إن الرأسمالية من أول يوم انطلقت فيه لم تكن تهدف راحة الإنسان والنهوض بشأنه، بل على العكس من ذلك كان هذا الإنسان أول ضحية من ضحاياه، ولم يكن الأخير، أنها جردته من البقية الباقية من كرامته وإنسانيته، وهبطت به الى مستوى الحيوان الذي يسام الخسف فلا ينطق ولا يتكلم.
والبلاء الأول الذي سبته عليه تجريده، هائيا من عالم الروح أي يستريح على أعتابه كلما تعب، ويحلق في رحابه كلما سئم. ونزعت صمام الأمان من فؤاد الإنسان الا وهو العقيدة الدينية ورقابة الضمير.
ولئن كان مع النهضة الأوربية الحديثة بعض الحق في موقفها من النصرانية الشاحبة – كما وصلت اليهم – الا أنه ليس كل الحق معها، ووقع بينهما " الفصام النكد" كما يسميه الأستاذ الشهيد سيد
قطب رحمه الله تعالى، وحلت الجفوة الدائمة التي لا مكان للقاء معها في هذه الحضارة، وشقت طريقها بدون قيود ولا حدود، وسرت روح الإلحاد في جميع مسام الحضارة الرأسمالية وعوضوا الإنسان بالعقيدة أماني ومفاهيم مثل الوطنية، والقومية والسعادة والرفاهية.
وكأني بالمخترع واط(1) الذي اخترع الآلة البخارية – دافعة النهضة – وفجر طاقتها يضعها بين أيدي الأوربيين لتقرب المسافات بينهم وبين السعادة، وإذ بها تصبح محلية في ميدان الجشع وهدر كرامة الإنسان.
وسارت الرأسمالية وهي تحمل روح الآثرة والاستئثار، وزادت هذه النزعة مع الأيام حتى أنتجت التطاحن والخصام الشديد بين الدول المتجاورة وانتشرت هذه العدوى في أرجاء المعمورة كلها، وعلى سبيل المثال الأمة العربية قبل التأثر بالغرب كانت دولة واحدة، وبعد تأثرها وانتشار الفكر الغربي في ربوعها أصبحت عشرين قابلة للزيادة غير قابلة للنقصان رغم انحسار المد الاستعماري العسكري عنها.
ومن، نتائج هذا الجشع الرهيب أن جعلت القيم المادية فوق كل اعتبار، لأن صمام الأمان ووازع الضمير لم يجد له مكانان يطل منه على الحياة والمجتمع، فانتشرت في سبيل تحقيق هذه الغاية المادية الفوضى الخلقية بأنواعها، والانحلال الاجتماعي وتفككت الروابط الأسرية، وتوجت هذه الفوضى بالتفاوت الكبير بين ابناء المجتمع الواحد والأمة الواحدة، مما دعا الرأسمالية مرات عددا أن تغير خط سيرها تحت ضغط الجموع التي انتهكت وجعلتها دون مستوى السلع التي تجها.
وفي هذه المفازة الطويلة كان الفكر المادي يقود الرأسمالية ويسوغ لها أعمالها وتصرفاتها، وما هي فيه، فلا تعجين إذا رأيت عبارة ماكيافيلي(2) " الغاية تبرر الوسيلة " تستمر بعده ستة قرون دستورا وروحا لهذه الحضارة التي جعلت هذا المفهوم من مرتكزاتها الأساسية.
ثم وصل الفكر المادي قمته في فلسفة هيجل(3) وآراء دارون(4) الذين لم يبقيا مكانا للأخلاق الفاضلة والكرامة الإنسانية في المجتمع، ويهدمان أسس هذه الكرامة، وحتى هذه الساعة تجد مئات الفلسفات تنزع عن هذه القوس، وتروم، فس الغرض.
نعم ان الرأسمالية استطاعت أن تقفز قفزات علمية جبارة فحققت ما كان من قبيل الأحلام والأماني ولكنها لم تحققه بهدف الخير للإنسان، ان الدافع والمحرك لهذه الإنجازات هو الشره المادي وتحصيل أكبر كمية ممكنة من اللذة، ثم إحاطة هذه المكاسب بسياج من الحماية فماذا كان ؟
ان الغربي اليوم هو الذي ينقض ما غزله بيديه بالأمس، وما خلفه له آباؤه وأجداده، أرادوا له مخلفا الآلة والمصنع، وليس عبثا هروب الألوف الى المغاور والكهوف، وفرارهم الى مرتفعات الجبال، واعتزالهم الحياة وعيشهم البدائية الأولى، وكلنا يشاهد موجة " الهيبيين " وما هي الا رد فعل على الفراغ الرهيب الذي يعانيه الشباب، ومظهر قلق مؤسف اليم في حياة الناشئة، بعد أن جمعت الرأسمالية أمامه
كبريات مشاكل الحياة التي يستحيل معها الاستقرار والاستمرار، فالفساد يستشري، والأسر متهدمة، والنظم الاجتماعية التي تعوق عليها تقلع وتزال.
وفي هذا الفراغ تجد الشيوعية فرصة الانتشار كلون جديد من ألوان التفكير، ولأنها تأخذ مظهر عقيدة.

الديمقراطية :
تعتبر الرأسمالية، فسها أم الديمقراطية وتتغنى بها وتشدو بألحانها، وقد شد بريقها أبصار كثير من الشرقيين الذين لم يسبروا غورها، ولم يمنعوا النظر في جوانبها، وكان من أكبر دعاتها المفكر الفرنسي توكفيل(5) حين كتب كتابه " الديمقراطية في أمريكا"، وها هي الديمقراطية في أوروبا تتهاوى من صرحها وتظهر على حقيقتها وأنها أداة بيد الأغنياء، وما هي الا قشرة رقيقة تخفي وراءها المآسي والمخازي الكثيرة – فإذا كان رعاة الديمقراطية الأوربية أول ذابحيها، وحماة الأمة هم أول لصوصثها واعدائها وخائنيها فهل يعني هذا استمرار الديمقراطية الغربية في موطنها ؟
كما أن الديمقراطية هذه زادها ضغثا على ابالة الزعزعة المالية والتضخم الذي هز أركان الاقتصاد الرأسمالي، مما أفقد الرأسماليين – عداك عن شعوب الرأسمالية – ثقتهم بقدرة هذه الأنظمة على حماية ممتلكاتهم.
والى السنة الإلهية في هذا الكون تجتاح اليوم هذه القوة العاتية التي، سيت الله فنسيها فبينما هي أحلت البنوك والمصانع والمؤسسات التجارية مكان الصدارة وتوجهت اليها بالعبادة والتقديس والتمجيد إذ ( انبعث اشقاها ) فعاث فسادا في صنمها المعبود ودينها المقدس، فالتخريب يلحق المؤسسات والسرقة تسلط على البنوك التي أحيطت بكل حراسة ممكنة، ولا يكاد يمر يوم الا ونسمع فيه حوادث الاغتيال والسطو والنهب في قلب الحضارة الرأسمالية بشكل مذهل محير، ولا يوجد صقع رأسمالي إلا وفيه حركة مناهضة معادية تخرب وتدمر، ويزداد خطرها يوما بعد يوم، أنها تحقيق لقوله تعالى :" والذي خبث لا يخرج إلا، كدا".

ضغط خارجي :
يؤازر التقويض الداخلي الذي ينخر جسم الرأسمالية، ضغط خارجي لم يكن في حسبان عتاة الرأسماليين، يأتي هذا الضغط من الشعوب التي ذاقت ويلات الجشع الرأسمالي المتمثل في ما أسموه " الاستعمار " حين كانت خيرات هذه البلاد، هبا لأولئك الطامعين، فلم يدر يوما بخلدهم وهم يبنون مؤسساتهم الصناعية الجبارة أن الأمة العربية مثلا وقد قسموها شذر مذر تقول لهم : لا، فط، لا معادن حتى تذوى شرايين الحياة الصناعية.
ولم يكن في حسبانهم أن الدول الإفريقية تقف في وجه الرأسمالية تقول، لا معادن الا بشروط كذا وكذا.
وقد ولد الاستعمار في الدول التي كانت تخضع لسلطانه دولا هزيلة تابعة له على الغالب، ولكن قسوته وفظاظته جعلتها ترتمي في أحضان الشيوعية التي لا تعطي الخبز، بل تعطي السلاح والرصاص، ومع ذلك فقد ضحت هذه الدول بالكثير وامتشقت حسام القوة أحيانا لتواجه المستعمر، واستطاعت على عرجها وضعفها أن تتجمع الى حد ما في وجهه، وان أعظم تجمع هدد الرأسمالية هو تجمع البلاد الاسلامية،(6) ثم تجمع البلاد الإفريقية في كتلة واحدة تسير في اتجاه واحد، ولذلك حاولت الرأسمالية والشيوعية كلاهما إجهاض هذه الوحدة القوية، واستخدمتا لذلك كافة الوسائل،  ومؤتمر القمة الافريقي الأخير في جزيرة موريشس دليل على ذلك(7).
لقد كانت عصا الاستعمار جرسا قويا أيقظ النائمين، واختلاف الدول الرأسمالية على اقتسام الخيرات حافزا على محافظة أهلها، والسعي للحصول على حقهم منها، وهي سائرة في هذا الطريق، ولما تصل بعد.


السهم الأخير:
لم يعد بيد الرأسمالية ما تقدمه لشعوب الارض الا أنها تملك شيئا مهما ليس عند غيرها الا وهو الخبرة التكنولوجية التي تأخذ مقابلها ما تريد وتبيعها بالثن الذي تطلب، وقد جعلت بعض أنواع هذه الخبرة سرا من الاسرار، وحظرت تسربه الى دول العالم الثالث، بأي طريق كان محافظة منها على هذا السهم الأخير الذي يتقاضى بموجبه الرجل الابيض ضريبة القفزة العلمية التي أسداها للبشرية، ومع هذا فالرأسمالية بحاجة لأكثر من شيء، وأن خبرتها التكنولوجية بدون موادها الأساسية – وهي لا تملكها – أشبه بمن يملك المقود ولا يملك الحصان، وهي بهذا السهم تهدد الجبناء، وتسير الأغبياء.
وان دول العالم الثالث لو صدقت العزم ووحدت الخطة والتزمت بها بجد لركع الغرب الرأسمالي صاغرا وما شتاء عام 1973 القاسي على الرأسمالية ببعيد، وأنها مواجهة حياة او موت بين الرأسمالية والدول التي تسميها متخلفة، ولهذا، شاهد الرحلات الكيسنجرية تحمل الترغيب بالمساعدة والتلويح بالخيز بيد، وتحمل باليد الأخرى الترهيب والتهديد بالقوة وقد ظهرت هذه المواجهة سافرة في مؤتمر، يروبي بين التكنولوجيا من جهة، والمواد الأولية من جهة أخرى(8) وفي عدد من المؤتمرات.

الحوار العربي الأوربي، ومراوغة الثعالب :
وامتدادا لهذه المواجهة، شأ بعد حرب رمضان 1393-1973 ما يسمى بالحوار العربي الأوربي، واضطر الغرب تحت ضغط بعض الدول العربية، ولكنه استخدم أسلوب الثعالب في المماطلة والتطويل محافظة منه على تدفق المواد الأولية بثمن بخس، ودون أن تقدم للعالم العربي – طليعة دول العالم الثالث – ما يحتاجه من التكنولوجيا خشية مناهضته لها، ونأمل أن يقف العرب وقفة حازمة لتنفيذ مطالبهم والحصول على ما ينقصهم في ميدان العلم الصناعي، ولعلهم يستفيدون من تجاربهم الماضية والحاضرة مع الأخطبوط الرأسمالي الرهيب فدولاب الصراع يدور بسرعة لا ترحم.(9)

السلام تحت مظلة الحراب:
وان اخفاق الرأسمالية وتوالي هزائمها في السنوات العشر الأخيرة دعاها تبحث عن سلام، ولكنه سلام هي توجهه وتحرسه بمظلة حرابها التي، صبت، فسها وصية على العالم، فهي تارة تدعو لسياسة الوفاق الدولي مع المعسكر الاشتراكي، وتارة تستدرج الدول النامية، ولكننا على يقين أن الرجل الابيض كما يسميه المفكر برتراندرسل لان تعود أيامه صافية له كما كانت، ويه بهذا السلام تريد وقف عجلة الانهيار الى حين وابقاء العالم الثالث يعيش على صدقاتهم وفتاتهم، ولهذا تعمل جاهدة على اشعال، يران الحروب بين هذه الدول، وتعمل من جهة أخرى على اقامة توازن دولي مع الشيوعية، واقتسام مناطق النفوذ.

الطريق المسدود:
إنها – أي الرأسمالية – وقفت في الطريق المسدود وحققت قول الله تعالى فيها :" وإذا أردنا أن، هلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا " فهي في حالة الاحتضار والاندثار " ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد".

(1) - جيمس واط، مخترع ومهندس اسكتلندي-ولد بمدينة جرينوك (1937) درس الرياضيات ثم اشتغل بصناعة الأجهزة العلمية تحت رعابية جامعة جلاسكو، ثم انصرف إلى أبحاث خاصة بالقوة البخارية- وإليه تنسب اختراعات مهمة توفي عام 1819.
(2) - ولد نيكولو مكيافيلي عام (1469) بمدينة فلورنسا وتقلب في عدد من المناصب السياسية وفحواها أن الحاكم له أن يلجأ إلى شتى الوسائل للمحافظة على وحدة الدولة وسلطانه، دون التقييد بالمثل الاخلاقية والانسانية.
(3) - ولد هيجل عام 1770 بمدينة اشنتجارت بألمانيا وتوفي 1830 وقوام فلسفته الاجتماعية أن ما هو حسن اليوم يحمل في طياته ما هو أحسن منه غدا، ويصبح هذا الحسن اليوم سيئا قديما في الغد وهكذا..
(4) - دارون، عالم انجليزي ولد بمدينة سروزيري 1809، واشتهر بنظرية التطور التي أودعها كتابه أصل الانواع، وأيدها بكتاب آخر " أصل الانسان" توفي عان 1882.
(5) - الكسيس دي توكفيل ولد بفرنسا عام 1805 من أصل ارستقراطي، وتوفي عام 1859 وكتابه هذا يقع في أربعة أجزاء نشر الجزأين الأولين عام 1835، ونشر الآخرين 1840،
(6) - عقد مؤتمر القمة الاسلامية الأول بالرباط مابين 22 و 25 سبتمبر 1969، حضره ست وعشرون دولة إسلامية.
وعقد المؤتمر الافريقي للقمة بالرباط كذلك عام 1972 حضره نحو أربعين دولة إفريقية.
(7) - عقد مؤتمر القمة في مطلع يوليو، في جزيرة موريشس، وكان مؤتمر وزراء الخارجية الممهد قد عقد في نفس المكان في أواخر شهر يونيه 1676.
(8) - عقد مؤتمر نيروبي في مطلع شهر مايو/ 1976، وحضره ممثلو أكثر من مائة وخمسين دولة
(9) - إن القنبلة التي يهدد الغرب بلاد العروبة بها وتتحداهم اسرائيل بامتلاكها هم أقدر الناس على امتلاكها لو أرادوا، يقول البروفسور م.ي. أولى فنت من جامعة برمنجهام وعضو الهيئة الصناعية في إعداد القنبلة الذرية: إن المبادئ التي قامت عليها صناعة القنبلة الذرية مكشوفة لكل دولة وأن بريطانيا وأمريكا استفادتا من تجارب السابقين وبلغتا إلى نهاية صناعة القنبلة الذرية في مدة خمس سنوات، وإذا أفرغت جهودها ووجهت قواها إلى صناعتها فيمكنها ان تبلغ إلى نهايتها في سنتين، ولا تستطيع أي دولة ان تحافظ على سر القنبلة الذرية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here