islamaumaroc

من تاريخ البيوتات الإسلامية: صياغة جديدة للذات الإسلامية

  دعوة الحق

170 العدد

لقد أوحى إلى هذا العنوان قصة ذكرها أصحاب كتب السير والمغازي والمؤلفون في الصحابة رضوان الله عليهم، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري الأوسي ثم الظفري من بني سواد من ظفر، كان جده قتادة بن النعمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأجلاء والأبطال الشجعان، شهد بدرا والمشاهد كلها وأصيبت عينه يوم أحد، وقيل يوم بدر، والأصح الأول، فسقطت على وجنته وبقيت متصلة بمحجرها، فأشاروا عليه أن يقتلعوها، فأبى وقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها بيده المباركة فردها إلى أصلها فعادت كما كانت، بل وأحسن مما كانت، حتى روي أنها كانت أجمل عينيه وأحدهما(1).
وأبوه عمر روى المغازي(2) والأخبار عن أبيه قتادة، ورواها عن عمر ابنه عاصم، يعتبر في الطبقة الثانية(3) التي ألفت في المغازي والسير في القرن الأول الهجري، قال فيه ابن سعد: " كان راوية للعلم، وله علم بالمغازي والسير، أمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق، ويحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة، ففعل، وكان ثقة كثير الحديث عالما"، وثقه أكثر أئمة الجرح والتعديل، وكانت وفاته سنة عشرين ومائة وقيل تسع وعشرين ومائة(4).
وكان وفد على خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فيمن وفد، وكان لا يعرفه فقال له: من الرجل؟ فقال:
أنا الذي سالت على الخد عينه 
      فعادت كما كانت لأول أمرها
فردت بكف المصطفى أحسن الرد
      فيا حسن ما عين، ويا حسن ما رد(5)
ويروى أيضا: ( ويا حسن ما خد)
فقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه:
تلك المكارم لا قعبان من لبن 
      شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا(6)
وقد صدق الإمام الصالح، والخليفة الورع خامس الراشدين، فهذه هي المكارم الحقة، والمفاخر الباقية، أما الكرم وإطعام الطعام وسقي الشراب فهي فضائل أيضا ولكنها ليست باقية خالدة كهذه المفاخر؛ ولا أكتم السادة القراء الكرام أنى أطرب جد الطرب لهذه القصة، وأكاد أتمايل من الطرب عند قراءتها، بل كثيرا ما أجدني في هدوئي وخلواتي أذكرها وأرددها، ففي هذه القصة بعض المكارم والمفاخر التي زخر بها تاريخ الرعيل الأول من المسلمين وتاريخ آبائنا الأوائل، ولذلك أمثلة كثيرة لا يحصيها العد في الإيمان، والإسلام، والهجرة، والجهاد، وحضور الغزوات والمشاهد، والعلم، والحكمة، فهنالك أسر وبيوتات إسلامية وعربية كمن لها قدم ثابتة في المكارم والفضائل " من بيوت الأنصار المسلمة المجاهدة ".
وإليكم - يا قرائي الكرام - مثلا كاملا، ونموذجا صالحا لبيت من بيوت الأنصار وهم معاذ، ومعوذ، وعوف، أبناء الحارث بن رفاعة بن الحارث ابن سواد بن مالك بن غنم النجاري، وقيل بحذف الحارث الثاني في النسب. فهم من بني النجار، وبيتهم أشرف بيوت الأنصار، والثلاثة أنصار. وكانوا من الشباب الذين سارعوا إلى الدخول في الإسلام، ولهم قدم ثابتة فيه، وشهدوا جميعا غزوة بدر الكبرى فهم بدريون، وهذه أفضل المناقب بعد الإسلام، واستشهد منهم في بدر اثنان، وعاش الثالث حتى توفي في خلافة علي رضي الله عنه وكرم وجهه، بعد أن شارك في الغزوات والفتوح، أما أبوهم فلم تعرف له صحبة، وقد بحثت في كتاب "الاستيعاب" لابن عبد البر المحدث الفقيه المالكي، وكتاب "الإصابة " للإمام الحافظ ابن حجر، فلم أقف له على ذكر في الصحابة، والذي يظهر لي - والله أعلم - أن يكون قد توفي في الجاهلية، أو أن الله تبارك وتعالى لم يختم له بالإسلام.
أما أمهم التي يعرفون بها -وحق لهم أن يعرفوا بها - فهي السيدة الجليلة والصحابية الفضلى عفراء بنت عبيدة بن ثعلبة بن سواد بن غنم، ويقال: ثعلبة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، فهي نجارية كأبيهم وبذلك اجتمع لهم الشرف من جهة أبيهم وأمهم، ذكرها ابن حبيب في المبايعات من النساء، قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة": وعفراء هذه لها خصيصة لا توجد لغيرها، وهي أنها تزوجت بعد الحارث، البكير بن ياليل الليثي فولدت له أربعة: إياسا، وعاقلا، وخالدا، وعامرا، وكلهم شهدوا بدرا وكذلك إخوتهم لأمهم بنو الحارث، فانتظم من هذا أنها امرأة صحابية، لها سبعة أولاد كلهم شهدوا بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم(7).
أقول: وإنها - والله - لمفخرة المفاخر، ولمكرمة المكارم، أن تنجب سبعة كلهم شهدوا بدرا، وقد تبين لي بعد الاطلاع على سيرة أمهم العطرة، ومناقبها الجمة السبب في أن معاذا ومعوذا، وعوفا كانوا لا يعرفون إلا بها، وأنها لجديرة أن تعد في الفضليات من النساء العربيات المسلمات، ومثل هذه الأم في الانتساب إليها -أو إن شئت الدقة- فقل في تعريفهم بها، كرامة، وأية كرامة.
وإليكم كلمة عن كل من الفرسان الثلاثة الذين تسابقوا إلى الله، والى رسول الله، والذين كانت لهم قدم ثابتة في الإسلام، وحظوا بمنقبة المناقب: " شهود بدر"

"معاذ بن الحارث":
أما معاذ بن الحارث، أو إن شئت فقل: ابن عفراء، كما قال السادة الأخيار من سلف هذه الأمة وعلمائها، فهو نجاري أنصاري، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": قيل إنه أحد الستة الذين التقى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما التقى بالعقبة، وقيل: إنه أحد الثمانية(8).
أقول: الذي ذكره ابن إسحاق في " سيرته، "في الستة الذين التقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أخوه عوف بن عفراء، ولكن موسى بن عقبة صاحب " المغازي"، وهو أوثق من ابن إسحاق، وقد روى له أصحاب الصحيحين وغيرهما، ذكره في الثمانية الذين التقى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما التقى بالأنصار في العقبة، ولم يذكر أخاه "عوفا" رضي الله عنه(9).
ولم يختلف كتاب "السير" ولا غيرهم في أنه شهد بيعتي العقبة الأولى والثانية(10)، فقد عده ابن إسحاق وغيره في الاثني عشر الذين حضروا بيعة العقبة الأولى، وفي الثلاثة والسبعين رجلا الذين حضروا بيعة العقبة الثانية(11)، وقد شارك في قتل فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام، وذلك في غزوة بدر. روى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الرحمن بن عوف قال: " بينما أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمرني أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجب لذلك!!، فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم ألبث أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: "أيكما قتله" ؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: "هل مسحتما سيفكما"؟، قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: "كلاكما قتله"؛ سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، وكانا معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح(12).
وقد ذكر ابن إسحاق في سيرته لسنده عن ابن عباس قال: قال معاذ بن عفراء: سمعت القوم وهم في مثل الحرجة وأبو جهل فيهم، وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، قال: فلما سمعتهما جعلته من شأني فقصدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة فطنت قدمه بنصف ساقه وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي، وأمهلني القتال عنه، ولقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها حتى طرحتها... ثم عاش بعدها حتى كان زمن علي رضي الله عنه فمات رضي الله عنه. وبعض المؤرخين وكتاب السير يذكرون قصة التمطي، وقطع اليد لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والله أعلم بالصواب. ولكن الذي لم يختلف فيه أحد أنه شارك في قتل أبي جهل، والذي يظهر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم لمعاذ بن عمرو بن الجموح بسلب(13) أبي جهل لأحد الدلائل والأمارات التي لاحت له صلى الله عليه وسلم أن الضربة القاتلة كانت من معاذ بن عمرو بن الجموح، وضربة الساق غالبا لا تميت، وقيل: إنه جرح
في بدر ثم مات بعد بسبب جراحته. والصحيح أنه عاش حتى زمن علي، وشهد المغازي والفتوحات، فرضي الله عنه وأرضاه.

"معوذ(14) بن الحارث" أو "ابن عفراء"
أما معوذ بن الحارث فهو الصحابي الأنصاري، كان من السابقين إلى الإسلام من الأنصار، وقد اتفقوا على أنه حضر بيعة العقبة الثانية هو وأخواه معاذ، وعوف ابنا عفراء، وعلى أنه شهد بدرا مع أخويه، وقد شارك أيضا في قتل أبي جهل ابن هشام كما ذكر ذلك الإمام البخاري(15) في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف في قصة بدر وقتل أبي جهل، ففي الحديث: "فضربه ابنا عفراء حتى برد"، أي قارب الموت، والمراد بابني عفراء هما: معوذ، ومعاذ رضي الله عنهما، ثم ما زال يقاتل في بدر قتال الأبطال حتى قصد إليه رجل من المشركين فضربه ضربة سقط على إثرها شهيدا بعد أن أرضى الله، وأرضى رسول الله، واستشهد في سبيل عقيدته ودينه، فرضي الله عنه وأرضاه. والظاهر أن كلا من معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ ابن عفراء، ومعوذ ابن عفراء شارك في قتل أبي جهل، وقد كان - لعنه الله وأذله - عليه من الدروع والسلاح ما جعله يصول ويجول في المعركة وما جعل البعض يتهيبون اللقاء به، كما كان معه من الأبطال كابنه عكرمة بن أبي جهل من يحيطون به ويساعدونه، حتى قيض الله له هؤلاء الشبان الثلاثة فاشتركوا في قتاله حتى سقط على الأرض، ولم تزل به بقية من روح، فجاء عبد الله بن مسعود فجلس عليه واحتز رأسه، وذهب بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبشرا. ولقد بلغ من تجبر أي جهل أنه وقد ركب عليه الصحابي النحيل الضعيف في جسمه، القوي في إيمانه، وهو يلفظ أنفساه الأخيرة - أن قاله له: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم، وبذلك أراح الله البلاد والعباد من شر هذا الطاغية المتجبر على يد الشبان الثلاثة الأبطال.

عوف بن عفراء:

أما عوف ابن عفراء فقد ذكره ابن إسحاق في الستة الذين التقى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أول لقاء في العقبة من السادة الأنصار، وكذلك ذكره في أهل بيعة العقبتين: الأولى والثانية الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما على أن ينصروه ويؤووه إذا قدم عليهم المدينة، ويمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وقد اتفقوا على أنه ممن شهد بدرا، وفيها قاتل قتال الأبطال حتى استشهد، وقد روي أنه قبيل المعركة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما يضحك الرب من العبد؟ قال: "أن يغمس يده في العدو حاسرا"، أي من غير درع، وهذا لون من ألوان البطولة والرغبة في الفوز برضوان الله تبارك وتعالى.
لقد سارع أبناء الأسرة الثلاثة إلى الإسلام فيمن سارعوا، وبايعوا فيمن بايعوا، وحضر الثلاثة بدرا فاستشهد منهم اثنان، وبقي الثالث وقد كان حريصا على الشهادة، ولكن طالت به الحياة فجاهد وشارك في الفتوحات في سبيل نشر الإسلام، وهكذا فلتكن المفاخر، ولتكن المكارم.
لقد لقوا الله ولكن بعد أن كتبوا لأنفسهم صحائف في سجلات الخلود، لقد ذهبت الجراح، وذهبت الآلام، ولكن بقيت سيرهم مسكا يتضوع وعطرا يفوح، وذكرا يتردد على لسان العلماء والكتاب والخطباء والشعراء، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

(1) الاستيعاب على هاش الإصابة ج3 ص 248، والإصابة في تاريخ الصحابة ج 3 ص225.
(2) الغزوات
(3) الطبقة في اصطلاح المحدثين: جماعة من العلماء تقاربوا في السن، واشتركوا في لقاء الشيوخ والأخذ عنهم.
(4) لسان الميزان ج 5 ص 54.
(5) الإصابة و الاستيعاب في الموضعين السابقين.
(6) القعب ما يحلب فيه، شيبا أي خلطا، من الشوب وهو الخلط، والأبوال معروفة، وإنها لفلسفة عميقة مع بساطتها وقربها ويسر فهمها على كل العقول، فما كل المآكل والمشارب إلا مآلها كما يعلم كل أحد!!
(7) الإصابة في تاريخ الصحابة ج 4 ص 364 ط أولى.
(8) الاستيعاب على هاش الإصابة ج3 ص 363
(9) السيرة النبوية في ضوء القرآن، لكاتب المقال ج 1 ص 452.
(10) المصدر السابق ص453، 465.
(11) السيرة لابن هشام ج 1 ص 454، 467، والبداية والنهاية ج 3 ص 166-168.
(12) صحيح البخاري، كتاب الخمس، باب من قتل قتيلا فله سلبه، وانظر فتح الباري شرح صحيح البخاري في هذا الموضع.
(13) السلب –بفتح السين واللام- ما على المقاتل من سلاح وثياب ومتاع ومركوب، والمراد به هنا السلاح.
(14) معوذ: بضم الميم وفتح العين وكسر الواو المشددة، آخره ذال معجمة، ويجوز فتح الواو.
(15) صحيح البخاري –كتاب المغازي- باب قتل أبي جهل، وانظر فتح الباري في هذا الموضع أيضا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here