islamaumaroc

العلامة الحاج محمد الهاشمي بن خضراء السلاوي

  دعوة الحق

169 العدد

 إنه لمن دواعي الأسى والأسف أن يفقد المغرب المسلم جل علمائه وصلحائه في النصف الأخير من هذا القرن، لقد عرف المغرب مدنه وقراه بالخصب الكثير من العلماء والصلحاء والرجال البررة، يؤدون رسالتهم العلمية والتربوية على الوجه الأفضل ولصالح الأمة والوطن، سواء في ذلك دراستهم لمواد العلوم الإسلامية، من حديث وتفسير وفقه وأدب وأصول ومنطق وحساب وفلك وتاريخ وجغرافية، وجميع علوم الآلة. فحيثما حللت منه بالسهل أو لجبل، بالقرى أو المداشر فضلا عن المدن، كنت تتقابل مع خيرة العلماء، في حلقات دروسهم، وكثرة تلامذتهم، ووفرة إنتجاهم وكريم خصالهم، كما تجدهم في أطر الدولة المختلفة يزينون المناصب بفضائل العلوم الإسلامية مع الأخلاق السامية والاستقامة ومراقبة الله عز وجل، في كل المجالات. وهذا الصنف من العلماء والأدباء يضمحل ويندثر بتتابع وبسرعة، وكأنه لم يكن! أقفرت الديار منهم واحسرتاه!
ففي الفترة الأخيرة توالت أحداث الموت انتقل فاضل بعد فاضل، وعالم بعد عالم، وقاض نزيه أو مفت صالح أو رئيس مستقيم، فكادت نسمات الهدى والرشاد تفقد، وطبقات هؤلاء الأفاضل تضمحل، ولا من يخلفها. وللاستدلال على ما أقول فتحت عيني طالبا بهذه المدينة على نحو الثلاثين عالما كل منهم له قدر ومكانة، كل منهم يدرس في فنه وهويته وبين يديه طبقات من التلاميذ النجباء، سواء بالمساجد أم الزوايا، أم المدارس صباح مساء، ليل نهار، واليوم بكل أسف لا يوجد منهم ولا واحد؟ ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ومدينة سلا إحدى مدن المغرب ودعت في السنة المنصرمة عدة علماء أبرار ورجال أخيار الواحد تلو الآخر. ومن الحق والإنصاف أن أحرر في هذه الكلمة الوجيزة نبذة يسيرة عن عالم تقي فقدناه، وقاض نزيه بكيناه ورئيس مجلس الاستئناف الشرعي للدولة المغربية قبرناه، فبموت هذا العالم فقدت هذه المدينة ركنا من أركانها، وعالما نصوحا من  فضلائها، وقاضيا ورعا من زهادها.
هو القاضي النزيه، ورئيس الاستئناف الشرعي النصوح الأمين، والمسلم التقي الذي لا يخاف إلا الله، العلامة الجليل "سيدي الحاج محمد الهاشمي بن خضراء السلاوي". ولشريف مواقفه الخالدة.. وتواضعه الجم، ونصحه لجلالة السلطان المولى يوسف رحمه الله شأن علماء المسلمين المخلصين... مع ملوكهم المسلمين الأوفياء للحق والشرف.
لشريف مواقفه الخالدة ونصائحه المخلصة، وسلوكه الحميد وزهده وورعه اخترت نشر ترجمته على صفحات مجلة "دعوة الحق" الغراء التي هي الرابطة بين الأجيال السالفة، والأجيال المقبلة، هي سند رجالات الإخلاص والوفاء لخدمة الصالح العام، بكل جهات البلاد الإسلامية، حتى نتعرف على الفقر الذي يجتاح بلاد المسلمين بفقدان علمائه وأدبائه، عسانا نتدارك الحال قبل قوات الوقت ولات ساعة مندم.  
 
أسـرتــه:
من عائلة سلا الشهيرة بالفضل والكرم والعلم والأدب، وحسن الأرومة، تنسب هذه الأسرة إلى قرية بالساقية الحمراء، من هذه القرية انتقل جد هذه العائلة الفقيه الجليل السيد علي، فسكن مدينة سلا وإليه تنتسب هذه الأسرة المجيدة، كما ارتحل آخرون من هذه القرية للإقامة والسكن " بجبل العلم" جوار الشيخ الداعية الشهير " مولاي عبد السلام ابن مشيش"  رحمه الله، وفريق ثالث من هذه الأسرة انتقل من أرض المغرب لأرض فلسطين الحبيبة، ثم منها لأرض الحجاز مهبط الوحي، ولا تزال منهم بقية هناك. ويلاحظ أن أفرادا من الذين أقاموا بمدينة سلا انتقلوا لسكنى فاس.
والد الفقيد "هو العلامة الشهير والمؤلف الخبير والمستشار المؤتمن للسلطان المولى عبد العزيز" السيد عبد الله بن خضراء، فقد عينه بمنصب " قاضى القضاة " بمدينة فاس، فكان أحد مستشاريه الذين يراقبون الله ويؤدون النصح لملك البلاد على الوجه المطلوب. وقد توفي إلى رحمة الله عام 1394 هـ ودفن بالزاوية الناصرية بفاس، وجده هو العدل الأستاذ المقرئ السيد الهاشى ابن العلامة السيد محمد بن العلامة السيد أحمد ابن الفقيه السيد علي، وهو الذي ورد من القرية الخضراء لسكنى مدينة سلا من الساقية الحمراء.
هذه لمحة وجيزة عن أسرته العلمية الشهيرة اختصرتها، وقد يوجد في هذه العائلة عدة شخصيات علمية خصصت بمؤلفات نظرا لكون أبنائها تناقلوا العلم أبا عن جد، ومن ذوى الثراء الفكري رحم الله الجميع، الكل انتقل للدار الأخرى، وبقيت مراتبهم شاغرة، ومجالسهم فقيرة ومجدبة، وتلامذتهم مهملين يهيمون في أودية من الجهل والبلبلة والشكوك والانهيار.

ولادتــه:
ولد الفقيد بمدينة سلا عام 1278 هـ في أحضان العلم والفضيلة، ألحق بالكتاب القرآني حسب الأعراف المغربية فحفظ القرآن الكريم على الفقيه الورع " ابن عبد الرحمان " ثم على الفقيه " الحاج محمد بريطل " شيخ " الموحدين والمقرئين بهذه المدينة "، ثم انبرى لدراسة العلم، فأخذ عن والده العلامة سيدي عبد الله وشيخ الجماعة بسلا أحمد بن الفقيه الجريرى والعلامة المفتى الطيب بن المدني الناصري، ولما اشتد ساعده وارتشف من مبادئ العلوم الإسلامية ارتحل لمدينة فاس التي كان والده يتولى فيها رئاسة القضاء في عهد الدولة العزيزية، فانخرط في سلك تلاميذة " الجامعة القروية " وتتلمذ لمشايخها الكبار كشيخ الجماعة سيدي أحمد ابن الخياط، والعلامة التقي سيدي محمد القادري، والعلامة المفتى سيدي أحمد بن الجلالى الأمغارى والعلامة الشهير سيدي التهامي كنون وغيرهم من رجال العلم والدين، والذين تزخر بهم " جامعة القرويين " وقد درس بكلية القرويين نحو سبع سنوات، ثم إنه رحمه الله رحل للمشرق لأداء فريضة الحج، واجتمع بعدة علماء أعلام بتلك البقاع الشريفة، كشيخ الحنابلة بالحجاز عبد الله القدومى، وتتلمذ بالمدينة للعلامة أحمد البرزنجى وشيخ الحنفية أبو الخير أحمد ابن عبد الشهير بمرداد الحنفي، ثم مفتى الحنفية بمكة صالح بن  صالح كمال.... كما أخذ عن عدة علماء بالشام وأجازه الكثير منهم حسب الأعراف المتبعة عند علماء المسلمين.

اشتغاله بالتدريس:
افتتح عدة دروس بالمسجد الأعظم وغيره وانتفع بعلمه خلق كثير، وتتلمذ له الكثير من نجباء المدينة، حيث كانت دروسه إفادة واستفادة، وفي هذه الأثناء اختير لرتبة العدالة ثم لمنصب الأمانة بعدة مراسي بالمغرب، ثم أسندت إليه خطة القضاء الشرعي، وفي عهد المولى يوسف رحمه الله عينه رئيسا لمجلس الاستئناف الشرعي بالمشور السعيد، وكان جلالته يقربه إليه كثيرا ويستشيره ويعتمد على توجيهاته وصراحته في الحق. وكمثال على تقواه وورعه ووقوفه مع الشرع الإسلامي ساعة الشدة والحسرة غير هياب ولا وجل ففي مدة رئاسته لمجلس الاستئناف الشرعي كان عهد الحماية البغيض يعمل ويحاول تجريد القضاء الشرعي من مهامه لتفتيت الشعب المغربي وذوبانه، كان هذا العالم الفذ بجانب وروعه وتقواه يتخذه جلالة المولى يوسف مستشارا نصوحا ومفتيا قوي الإرادة بالله، لا تأخذه في الله لومة لائم، فعندما عزمت حكومة الحماية البغيضة على       
إصدار ظهير شريف تنتزع بمقتضاه اختصاصات القضاء الشرعي في المعاملات وإسنادها للباشوات والقواد، وهم من هم....؟ ولكن جلالة المولى يوسف لدى اجتماعه بالمستشار الفرنسي الذي أتاه بالظهير المصنوع كالفخ، ليوافق عليه جلالة الملك، ويصدره العمل به، هنا أحضر عالمنا للمجلس بإذن من جلالة السلطان ومكنه من نفس مشروع الظهير المعروض عليه وقال له: اقرأه وتدبره وقل لي نظر الشرع الإسلامي فيه، فتناوله وقرأه وتمعن فصوله وبنوده ثم قال ( يا مولاي: إن وافقتم على هذا الظهير، فإن الخزانة العلمية الممتدة من عهد النبوة حتى يوم الناس حرى بها أن تحرق وتقبر.... وأمام هذه الصراحة قام المولى يوسف في وجه المستشار الفرنسي قائلا: (لا أوافق على إصدار ظهير شريف يخالف الشريعة الإسلامية، ويقف في وجهها بحال من الأحوال )، ثم ذهبت أيام وجاء دور آخر من تدليس الحماية البغيضة! التي كانت تعمل في السر والعلن على محاربة المسلمين وإبعادهم عن التحاكم لكتاب الله وسنة رسوله، وكانت المؤامرة هذه المرة تحاول إصدار الظهير البربري الشهير الذي كان يدرس ويهيأ منذ الاحتلال، للعمل على الحيلولة بين الشرع الإسلامي وسكان المغرب المسلمين، ولكن جلالة السلطان المولى يوسف أعاد الكرة هذه المرة، وما أكثر مواقفه لجانب شريعة جده عليه السلام، فاختار إحضار هذا العالم النصوح أيضا والمستشار الفرنسي بين يديه يحاول نيل موافقة جلالة السلطان على إصدار الظهير البربري بتقسيم المغرب شطرين! عربي وبربري! بعدما عاش في كنف الإسلام شعبا مسلما موحدا طيلة ثلاثة عشر قرنا، دون أن يلحق بالشريعة الإسلامية ما يشينها، فناول جلالة السلطان نص الظهير المعروض على جلالته للموافقة ومكن منه هذا العالم النصوح وقال له: ( يا مولاي إذا صدر هذا الظهير، وحصلت موافقتكم عليه لا قدر الله فإنه القضاء المبرم على وحدة المغرب الوطنية والدينية والاجتماعية والسياسية )، فما كان من جلالته إلا أن واجه المستشار الفرنسي رافعا صوته "لا أوافق" على تقسيم دولة المغرب وأمة المغرب، الأمة المسلمة الموحدة منذ عرفت هذه البلاد الدعوة الإسلامية وهي متمسكة بشريعتها لا ترضى بها بديلا.
من هذين المثالين نستطيع أن نتعرف على الخسارة العظيمة التي أصابت المغرب، ولا أقول سلا، لأن هذا العالم الأمين قل نظيره، ومواقفه هذه تجعله في صفوف علماء المسلمين النصحاء المرشدين.
ومن هذا العرض ( الوجيز) لحياة الفقيد الكريم نتعرف على مواقف هذ الشيخ القدوة الذي أدى رسالته غير منقوصة، ووقف بحياته الجلى على نفع البشرية بتلقين مبادئ العلوم للأجيال وتكوين وصنع الرجال للحاضر والمستقبل، بلغ الأمانة لكل من سأله واستفتاه بصراحة وثقة بالله.
وأمام هذه الحياة المليئة بالمعالي والفضائل كان جلالة محمد الخامس رحمه الله يتخذه مستشارا أمينا وعالما نصوحا، كان يقدره ويجله، وجاء دور جلالة الملك الحسن الثاني ملك المغرب، فرأى بعين البصيرة تقدير وإجلال أربعة من العلماء الأعلام ومشايخ الإسلام، اثنان من مدينة فاس الفيحاء، هما شيخ الإسلام النصوح "سيدي محمد بن عبد الرحمن العراقي،" والعلامة الشهير المؤتمن السيد أحمد الشبيهى، واثنان من مدينة سلا الغراء، وهما صاحب الترجمة السيد الحاج محمد الهاشمي ابن خضراء  وشيخنا شيخ الجماعة العلامة الحاج أحمد بن عبد النبي،  سميه في العام والدين والورع والاقتدار والأمانة والإخلاص.
أجل قلد الكل جلالة الملك حياه الله " وسام الاستحقاق الفكري" وضعه على صدر كل واحد من هؤلاء العلماء الأعلام، وذلك في شهر مارس 1970 م جزاء خدماتهم وشريف هيامهم بنشر العلم والفضيلة والوقوف في وجه الظلم والكفر والتلبيس موقف الشرف.
لنقتصر على هذه النبذة الوجيزة من حياة فقيد العروبة والإسلام الذي وافاه الأجل المحتوم وانتقل إلى الرفيق الأعلى موفور الكرامة مرفوع الرأس، وعزاء لأسرته الصغيرة والكبيرة ولعلماء الإسلام الذين خلدوا المواقف المشرفة تجاه البغي والعدوان والاستعمار، وعند الله ينالون الجزء الأوفى. ولقد وافاه الأجل يوم الأحد في عام 1392 هـ، وحضر لجنازته جميع أهل الفضل والعلم والدين، حيث ودعوه لمرقده الأخير داعين الله جلت قدرته له بمنزلة الصديقين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here