islamaumaroc

يا عدي، والله ما هذا بملك

  دعوة الحق

169 العدد

هاهو ذا عدى بن حاتم الطائي في طريقه من الشام الى المدينة، في يوم من أيام شهر شعبان من العام العاشر من الهجرة، يقصد رسول الله ليبايعه على الاسلام، بعد ان تراءى له ان يبايعه على الاسلام.
وكان عدى سيدا في قومه من بنى طيء، شريفا في بلاده، من أرض حائل، وكان ملكا في قومه، يصدرون عن رأيه، ويسيرون خلف رأيته، ويقسمون له في الغنائم، و يؤثرونه بالربع منها، على ما كانت العرب تصنع لملوكها.
وكانت بلاده لقربها من الشام، حيث حكم قيصر، وحيث النصرانية ذائعة، قد داعت بين أهلها النصرانية قبل الاسلام، فكان عدى نصرانيا وكوسيا، أي ذو دين يجمع من شعائر المسيحية، ووثنية الصابئة، ما يجمع، أشياء من هنا، وأشياء من هناك، تتسم بسمة الدين، فعدى عليها ملتزم بها.
وجاء الاسلام بنوره الوضاء، واهتزت الصحراء بدعوته السمحاء، وذاع نبؤها في كل مكان من جزيرة العرب: وعلم عدى كل ما كان في مكة والمدينة من أحداث جسام.
وكان دين عدى، ووثنية العرب من حوله يحولان بينه وبين ان يصغى لنداء السماء فكره الرسول، وكره الاسلام كرها شديدا.
وتوالت انتصارات الاسلام: بدر، خبير، فتح مكة، حنين يوما بعد يوم، وعاما أثر عام، وطئ على ماهي عليه من ضلالها وبهتانها وعدى على ما انطوت عليه نفسه من كراهية للاسلام، وحقد على الرسول.
وأخذ يفكر في الامر مليا وجيوش محمد في كل مكان، رايات المسلمين تخفق فوق كل بقعة، انتصارات جنود محمد من حوله تذوى بذكرها أرض العرب وقبائلهم والأمم من حولهم كانها الشمس لا تخفى في أي مكان.
- ان محمد لن يتركنا.
- وان جيوشه لابد ان تقدم علينا في يوم قريب.
- لقد هدم المسلمون الأصنام في كل مكان، فل يبقون على أصنام طيء وحدها...
لا، لن يكون ذلك.
بهذا كان عدى يحدث نفسه.
وأخذ يفكر في الامر، ماذا لو انقض المسلمون على بلادنا هنا وما يكون المصير ؟ انا الذي سوف يجىء عليه الدور في يوم من الايام.
وقال عدى لغلام له، كان راعيا لابله: أعدد لى ابلا صعابا شدادا، تكون قريبا منى أبدا، وعلى استعداد للسير في أي وقت، فاذا سمعت بجيش لمحمد قد قدم الى بلادنا فأنبثني على عجل، ولا تتوان في اعلامي بذلك.
ونفذ غلامه كل ما أمر به...وأخذ ينتظر قدوم خيول المسلمين وجيوشهم، ان قدمت الى بلاد حائل، في يوم من الايام، ليخبره بذلك مولاه، وليبلغه أول شيء بالنبأ، لعله يجد من الخطب مخلصا.
ولم تلبث الأحداث ان صدقت ظنون عدى، فما هو ذا على ابن طالب يخرج من المدينة في كتيبة من كتائب الاسلام، فيها مائة وخمسون مجاهدا، مائة منهم على بعير، وخمسون على خمسين فرسا يتقدمهم على ومعه رأيه سوداء، ولواء أبيض.
والكتيبة سائرة مجدة، في طريقها الى بلاد حائل لتهدم بيت أصنامها الاكبر، الذي بنته طئ، واتجهت اليه تعبده من دون الله.
وفي سحر يوم من الأيام جاء غلام عدى اليه يقول له:
يا عدى، ما كنت صانعا اذا غشيتك خيل محمد، فاصنعه الآن فانى قد رأيت رأيات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد.
فقال له عدى: قرب الى أبلى.
فقربها الغلام، فركب عدى هو وأهله وولده وما خف من ماله وسار بها في الصحراء، وقال: الحق يأهل ديني من النصارى بالشام وأعجلته المفاجأة عن أن يأخذ أختا له معه.
وشئت كتيبة المسلمين الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموا بيت أصنامهم، واخذوا من الغنائم والاسرى ما أخذوا، وفي الاسرى أخت عدى، وكان عدى قد نجا بنفسه وأهله وولده.
وسار عدى الى الشام عن طريق الجوشية، وهي موضع بين نجد والشام، ونجا بنفسه من القتل أو الاسر، أو هكذا كان يتصور انه نجا بنفسه.
وأقام في الشام في بلاد الغساسنة، مع أهل دينه، ولكنه عاش ذليلا حيران نادما على ما فرط في جنب الله.
وعادت خيول المسلمين وفرسانهم بالنصر والغنائم والأسرى، ومعهم ثلاثة أسياف كانت في خزائن عدى وكذلك ثلاثة أدرع له، وعلى الأسرى أبو فتادة، وعلى الابل عبد الله بن عتيك، وقسم على الغنائم في الطريق وعزل نصيب رسول الله، ولم بقسم الاسرى من آل حاتم حتى قدم بهم المدينة.
ودخل الجيش الظافر المدينة، وبلغ على رسول الله بالنصر والبشرى فوضعت الاسرى من النساء في بيت تجاه باب المسجد كانت توضع فيه السبايا.
وسار رسول الله الى السبايا...يرى ويسمع ما يكون من مظلمة لهن، ومعه على بن أبى طالب.
فمر رسول الله بأخت عدى فقامت اليه، وكانت امرأة جزلة، فقالت:
يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن على من الله عليك.
فقال لها صلوات الله عليه: ومن وافدك ؟ قالت: عدى بن حاتم.
قال لها صلوات الله عليه: الفار من الله ورسوله.
فسكتت ابنة حاتم، ومضى رسول الله في طريقه وتركها.
وفي الغد ذهب رسول الله الى هؤلاء الأسيرات يرى ويسمع أيضا مظالمهم، ومعه على.
فنهضت أخت عدى، فقالت له ما قالته بالأمس، وقال لها رسول الله مثل ما قاله بالأمس، ومضى وتركها.
وفي اليوم التالي ذهب كذلك رسول الله بنفسه اليهم، فسار وخلفه علي فمر بها، ينسب منه، فصمتت فأشار اليها على: ان قومى فكلمى رسول الله فقامت اليه فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد وغاب الوافد، فامئن على من الله عليك.
فرد عليها رسول الله في صوت جليل، كان له رنة البشرى في نفس هذه المرأة الذليلة.
"قد فعلت، فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون ذلك ثقة، حتى يبلغك الى بلادك، ثم أذنينى..."
فأقامت أخت عدى على وعد كريم، وأمل جد عظيم وهي تقول لنفسها:
أي ملاك كريم هذا الرجل ؟ وأي انسان عظيم- قد اشربت نفسه الانسانية في أرفع قيمها- هذا الانسان ؟
وجاء الى المدينة ركب من التجار من بلى أو قضاعة، فعزمت في – نفسها ان تخرج الى أخيها ببلاد الشام.
فجاءت الى رسول الله، فقالت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ فكساها رسول الله، وأعطاها نفقة، ووهبها راحلة تركبها.
وخرجت ابنة حاتم معهم، حتى قدمت على أخيها في الشام.
وفوجئ عدى بابل تؤمه، وعلى أحداهما أخته تنزل من هودجها، فاذا هي هي.
ونزلت أخت عدى لتقول له في سخط شديد، وغضب قوى، وعتاب مرير، وهي توجه كلامها اليه:
القاطع، الظالم: احتملت بأهلك وولدك، فرحلت بهم وتركتني، تركت بقية والدك، عورتك وعرضك.
فلم يجد عدى ما يرد به على أخته، الا ان قال لها: أي أخت ظنى بي خيرا، ولا تقولى الا خيرا، فوالله مالي من عذر، لقد صنعت كل ما ذكرت وأغرورقت عيناه بالدموع، ونزلت أخته لتجد ما هو فيه من هوان وذلة بعد العز المكين، والشرف الكبير، فصمتت وتركت بقية اللوم في طوايا نفسها.
وأقام عدى وأقامت أخته معه، وقصت عليه ما لقيته من محمد وأصحابه من كرم ونبل وخير.
وفي يوم من الايام، اخذ عدى يستشير أخته، وكانت امرأة حازمة ذات عقل رصين، فقال لها:
أي أختي ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ فردت عليه:
يا عدى، أرى والله أن نلحق به سريعا، فان يكن الرجل نبيا فللسابق اليه فضله، وان يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن – وقبيلة طىء يمنية من كهلان على ما تعلم – واسترسلت أخت عدى تقول له: وانت انت.
ورد عليها عدى: والله ان هذا للرأي، وانى لارجو ان يجعل الله يده في يدي.
وخرج عدى عن أهله وولده وبقية ماله، حتى قدم للمدينة، سائرا مغذا يقصد رسول الله.
وأناخ برواحله أمام المسجد النبوي، ودخل على رسول وهو في مسجده جالس بين أصحابه.
هاهو ذا عدى يقف بين يدي رسول الله، يردد: يا محمد.
فيرد عليه الرسول: من الرجل ؟
فيعود الجواب الى رسول الله: عدى بن حاتم، ويكرم رسول الله عديا، ويقوم اليه يصاحفه، وينطلق به الى بيته، ويقول باعدى، جئت بغير أمان ولا كتاب.
وفي الطريق، طريق الرسول الى بيته، ومعه ضيفه عدى بن حاتم تلقاه امرأة كبيرة ضعيفة، فتستوقف رسول الله، فيقف لها طويلا، تكلمه في حاجتها، ويستمع اليها ويطيل الاستماع.
ويتعجب عدى، ويقول في نفسه، والله ما هذا يملك.
ويمضى رسول الله بضيفه عدى، حتى يدخل به بيته، ويتناول من أدم محشوة ليفا، فيرمى بها الى عدى، قائلا له: اجلس على هذه ويرد عدى: بل انت فاجلس عليها، فيقول له الرسول: بل انت، فيجلس عدى عليها، ويجلس رسول الله بالارض.
ويمضي عجب عدى من أمر محمد الى غايته، ويقول في نفسه والله ما هذا يأمر ملك.
ثم التفت اليه رسول الله وقال له:
- ياعدى، هل تعلم من اله سوى الله ؟
- فأجاب عدى: لا: يا رسول الله.
- وعاد الرسول صلوات الله عليه: يقول له:
- يا عدى، هل تعلم شيئا أكبر من الله ؟
- ويجيب عدى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان لا.
- ويعود رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الحديث:
- يا عدى...
ان اليهود مغضوب عليهم، وان النصارى ضالون.
- ويسكت عدى.
- ويعود الرسول صلى الله عليه وسلم الى الحديث:
"يا عدى، أسلم: تسلم...".
- ويقول عدى لرسول الله صلوات الله عليه: ان لي دينا.
- ويقول له رسول الله في حلم وأناة:
" انا اعلم بدينك منك".
"ألست ترأس قومك؟ ".
- ويقول عدى: بلى.
- ويقول الرسول : لست تأكل المرباع ؟
- ويقول عدى: بلى.
وفي رواية أخرى ان رسول الله قال له:
ابه يا عدى بن حاتم.
ألم تكن ركوسيا ؟
ويرد عدى: بلى
فقال له رسول الله: أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع ؟
ويرد عدى: بلى.
قال له صلوات الله عليه: فان ذلك لم يكن يحل لك في دينك.
قال عدى: أجل والله، وملكه العجب، وقال في نفسه:  والله ما هو بملك ان هو الا بنى مرسل.
ويتلفت اليه الرسول فيقول له:
يا عدى: أسلم تسلم...
لعلك انما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال، ان يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه.
ولعلك يا عدى انما يمنعك من دخول فيه ماترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن ان تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها، حتى تزور هذا البيت لا تخاف.
ولعلك يا عدى انما يمنعك من دخول فيه انك ترى ان الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله  ليوشكن ان تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم. (1)
وأخذ عدى يقول في نفسه: يا الله، ماذا اسمع ؟ ما هذا الصوت الجليل الذي يردد: يا عدى، يا عدى، يا عدى، كيف يصنع محمد بي كل ما يصنع، يكرم أختى وأنا عدوه، و يكرمني وأنا خصم له: ويرحب بي في بيته، وقلبي يتمنى له الهلاك، ويجلس على الارض امامى: وانا من انا: طريد شريد ذليل...ماذا اسمع : يا عدى يا عدى، يا عدى، ماهو والله يملك : ان هو الا نبى مرسل...
ولا يملك عدى الا ان يقول وهو في عجب شديد، وقد افاق من غيبوبته الطويلة، وتساؤله الملح: ما هذا الدين، أي دين هو، أي شريعة تلك، أي عقيدة انسانية كانت تلك العقيدة، ومد يديه لتعتنق يد محمد، وهو يقول:
أشهد ان لا اله الا الله.
  وأشهد ان محمدا رسول الله (2)

(1) - وفي رواية أخرى: ان رسول الله قال له: قد أظن انه انما يمنعك من الدخول في الدين غضاضة تراها من حولي، وانك ترى الناس اليا واحدا-هل  
رأيت الحيرة ؟ فيقول عدى: لم آتها وقد علمت مكانها، فيقول له الرسول: يوشك ان تخرج الظعينة منها بغير جوار، حتى تطوف بالبيت ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز....
ويملك التعجب من عدى كل أقطار نفسه فيقول لرسول الله في استغراب شديد:
كسرى بن هرمز...
ويقول له الرسول : نعم
ويستمر الرسول في حديثه لعدى:
وليفيضن المال حتى يهم الرجل من يقبل صدقته.
- الاصابة لابن حجر-
 (2) - مصادر المقال: 
1- تاريخ الطبرى، الجزء الثاني في أخبار الوفود، عام 9هـ، ومعنى ذلك ان هذه الوفادة كانت في العام التاسع، لكن في كتاب "الاصابة" لابن حجر (المتوفى عام 856 هـ) انها كانت في شعبان من العام العاشر.
2- سيرة ابن هشام الجزء الرابع في أخبار الوفود، في العام التاسع أيضا.
3- الاصابة الجزء الثاني ص 461.
4- الاستيعاب لابن عبد البر على هامش الاصابة ص 42 الجزء الثالث.
5- مختصر سيرة الرسول لعبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص 388- وقد توفى عدى بن حاتم عام 68 هـ، عن مائة سنة كما يذكر ابن حجر، أو عام 67هـ، كما يذكر ابن عبد البر في الاستعاب، وأغلب الروايات على أنه عاش مائة وعشرين سنة فيكون ميلاده عام 53 قبل الهجرة، أي أنه ولد في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عام الفيل، سنة 571 م.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here