islamaumaroc

أبو الحسن علي بن عبد الحق الزرويلي

  دعوة الحق

169 العدد

منذ تولي المرينيون حكم المغرب، وعنايتهم بالدين والعلماء من رجاله شغلهم الشاغل، من أجل ذلك قربوا اليهم الفقهاء، واسندوا اليهم كثيرا من مناصب الدولة داخل القصور وخارجها لكتابتهم واستشارتهم وتربية ولاة العهد وتولي شؤون القضاء والتدريس والسفارات.
وهذا الاهتمام البالغ برجال الدين والعلماء يبرز النظرة الاصلاحية التي كان يرمي اليها هؤلاء الملوك العلماء لتكوين المجتمع الاسلامي بالمغرب، ومن جهة أخرى، المساهمة الفعلية التي كان يشارك بها هؤلاء الفقهاء في سبيل ايجاد هذا المجتمع، وهو ما يوضح لنا أيضا الوفرة التي عرفها العصر المريني في عدد العلماء والفقهاء.
وقد انتشر صيت كثير من الاسماء في هذه الفترة، مرتبطا بما وصلته العدالة على أيديهم، بسبب المساندة التي كانوا يلاقونها من أولئك الملوك لاحقاق الحق وازهاق الباطل، ولو أصابهم منه رزازة أحيانا، مما يبرز الاستقلال التام الذي كان يتمتع به القضاء في أيامهم، وما زالت بعض الاسماء ترتبط بكثير من صور الشجاعة والبطولة في الجهر بالحق دون خوف أو وجل، أمثال الفقيه عبد الواحد الونشريسي (1)والفقيه عبد العزيز بن موسى الورباغلي (2) والفقيه عبد العزيز القروى (3) وغيرهم ممن أطلقت ألسنتهم عدالة السلاطين المرينيين.
وقد تعددت مشاركات الفقهاء في مباشرة شؤون السلطة بحسب استعداداتهم حتى نجدهم وقد اجتمعت فيهم صفات المربين والمدرسين والفقهاء والمفتين والقضاة  والسفراء وغيرها من المهام منفردة أو مجتمعة.
ومن جملة من اجتمعت فيهم هذه الصفات نخص بالذكر الفقيه المفتي علي بن عبد الحق الزرويلي المشهور بابن الحسن الصغير أحد كبار فقهاء العصر المريني الاول والمعروف باطلاعه الواسع على علوم الفقه وأصوله.
لا يعرف تاريخ مولده ولا مكانه، الا ان المصادر (4) تجمع على انه توفي بمدينة فاس سنة 719 وقد ناهز المائة سنة، ولعله يكون قد نزح من قبيلة بني زروال بناحية فاس، وقد عاصر في خلال هذا العمر الطويل خمسة من ملوك المرينيين هم أبو يوسف يعقوب (5)، وأبو يعقوب يوسف (6)، وأبو
ثابت عامر (7)، وأبو الربيع سليمان(8)، وأبو سعيد عثمان (9).
جاء في التعريف به عند ابن القاضي قوله: الفقيه المالكي الحافظ المحصل، كان قيما على تهذيب البرادعي حفظا وفهما، وكان يفتح في مجله ما ينيف على الثمانين ديوانا فيعرضها عن ظهر قلب... واحد الأقطاب الذين تدور عليهم الفتيا بالمغرب (10).

دراسـتـــه:
درس أبو الحسن الصغير بفاس على جلسة من شيوخ العلم الافاضل المشهورين أمثال:
1- أبو الفضل راشد بن أبي راشد الوليدي الحافظ المحصل المقيد، شيخ شيوخ المدونة في عدة تأليف منها كتابة في الحلال والحرام وأجوبته في المسائل التي سئل عنها، واملاؤه على كتاب التهذيب، اخذ عنه أبو الحسن الصغير ولازمه واقتصر عليه، وكان الفقيه راشد لا ينفذ بمدينة فاس حكما أو جوابا في نازلة حتى يحضره، ويعتني به، فلم تخطئ فراسته فيه (11) 
2- اسحاق بن يحيى بن مطر الورياكلي المعروف بالاعرج، وكان آية في المدونة، وهو صاحب الطرر على المدونة، وفقيه فاس، اخذ عنه أبو الحسن الصغير وجماعة، وتوفي بفاس سنة 683 (12).
3- أبو زيد عبد الرحمن بن عفان الجزولي الشيخ الفقيه الحافظ، شيخ المدونة، كان أعلم الناس بمذهب مالك...وكان يحضر مجلسه أكثر من ألف فقيه معظمهم يستظهر المدونة مات سنة 741 (13)

وظائــفــه:
كلف أبو الحسن بعدة مهام عليا سواء بداخل بلاده أو خارجها، فتولى قضاء مدينة تازا أيام أبي يوسف يعقوب المريني، ولا ندري متى أم كم قضى في عمله، كما ولاه حفيده أبو الربيع سليمان قضاء مدينة فاس خلفا لابي غالب المغيلي سنة 708 (14) وكان يدرس بجامع الاجدع بفاس (15)

مهـمــة الســفــارة :
وقام بمهمة السفارة للملوك المرينيين الى مملكة غرناطة بين سنتي 708 و 710 وهي مدة ولاية أبي الربيع سليمان، قام اثناءها بالقاء دروس بجامع غرناطة ووصفه لسان الدين في الاحاطة ووصف مجلسه فقال: كان ربعة آدم اللون خفيف العارضين، يلبس أحسن زي، وقال كان حسن الاقراء وقورا صبورا ثبتا (16)
ويستوقفنا هذا الوصف من ابن الخطيب نظرا لغرابة صدوره من شخص لم يكن قد ولد بعد (17) وقد كان من الممكن أن يمر الخبر على أساس النقل أو السماع التاريخيين وذلك مما اعتمد عليه ابن الخطيب في احاطته الا اننا لا نفتأ ان نقف حيارى أمام قول ابن الخطيب حين يؤكد انه حضر مجلس اقرائه بغرناطة (18)، فكيف حصل ذلك ؟
للتوفيق بين التاريخ وتصريح ابن الخطيب، يجب ان نفترض ان ابا الحسن قد قام بسفرة ثانية غير هذه، وهي التي يشير اليها ابن الخطيب، وهو ما تؤيده الاحداث التاريخية أيضا.
فالحل اذن يمكن في ان الرحلة رحلتان ولغايتين مختلفتين، فمتى رحل ولأجل ما ذا ؟
أما الرحلة الاولى، فكانت من أجل خطبة أخت ابن الاحمر لابي الربيع سليمان اثر المصالحة التي تمت بين المملكتين، فائر ثورة لاهل سبتة على بني الاحمر سنة 709 بعث أبو الربيع قائده فاخرج حاميتهم، واتصل الخبر بابن الاحمر أبي الجيوش نصر بن محمد، فخشي عاقبته على علاقته بالمرينيين ونصرتهم له فأوفد رسله الى أبي الربيع راغبين في السلم خاطبين للولاية، وتبرع بالنزول عن الجزيرة ورنده وحصونها ترغيبا للسلطان أبي الربيع في الجهاد، فقيل منه ذلك وعقد له الصلح على ما أراد، وخطب منه أخته فانكحه اياها (19)
أما الرحلة الثانية فالمفروض انها وقعت بعد صريخ أهل الاندلس للسلطان أبي سعيد عثمان في وفد من صلحائهم ووجهائهم: أبو عبد الله الطنجالي والشيخ ابن الزيات البلشي والشيخ ابو اسحاق بن ابي العاص لرد هجمات الاسبان عنهم (20).
ومن المعلوم ان أبا سعيد عثمان اعتذر عن اجابة طلبهم لمكانة عثمان بن أبي العلاء شيخ الغزاة لديهم (21)، فلعل السفارة كانت في رد الجواب وشرح الاسباب مع أبى الحسن اثناء عودة الوفد وكان ذلك سنة 719 وهي السنة التي توفي فيها أبو الحسن، وبينها وبين ولادة ابن الخطيب قريبا من ست سنوات، وهكذا توفق بين سنه وبين تصريحه حضور مجلس ابى الحسن وهو في هذا السن.

مهمة التــدريـــس:
لم تكن سفاراته ولا وظيفة القضاء بقادرة على ان تبعد ابا الحسن عن المهمة التي عاش لها معظم سنوات حياته، فقد كان يلقي دروسه كما سبق بجامع المزدع بطالعة فاس (سيد اللزار) وربما بغيرها، وعرف من تلامذته عدد من الاسماء التي اشتهرت بمقدرتها العلمية، وقضى في هذا المجال أكثر من أربعين سنة كلها في التدريس والفتوى حتى انتهت اليه الرآسة العلمية وكان من تلامذته:
1- ابراهيم بن عبد الله اليزناسي الفقيه العالم الصالح، احد أعيان تلامذة ابي الحسن الصغير وكان مفتيا بفاس (22)
2- ابراهيم التسولي التازي الفاسي من أهل مدينة فاس...له تقاييد على التهذيب وآخر على الرسالة، قيدهما أيام قراءته اياهما على أبي الحسن الصغير، وقيد على المدونة بمحضر شيخه أبي الحسن كتابا مفيدا، وشرح الرسالة شرحا عظيم الفائدة، ولازم أبا الحسن، وكان جل انتفاعه في التفقه به (23) وقد توفي سنة 749.
3- محمد بن ابراهيم بن حزب الله ويكني ابن عيشون، كان مستكثرا في الرواية مشاركا في أمور الفقه وفروعه، قرأ على أبى الحسن الصغير (24)
4- محمد بن عبد الرحمن الكرسوطي من أهل فاس، الشيخ الفقيه المتكلم ينقل الفقه منسوبا لاهله، والحديث بأسانيده...قرأ الفقه على عبد الرحمن بن عفان الجزولي وأبي الحسن الصغير، وله عدة تآليف منها الغرر في تكميل الطرر، وكتاب الدرر في اختصار الطرر وتلخيص التهذيب (25)
5- محمد بن علي بن سليمان السطي، بطن مس بطون أوربة بنواحي فاس، نزل مع ابيه مدينة فاس، وأخذ الفقه عن المقرئ أبى الحسن الصغير صاحب التقاييد على المدونة (26).
6-  عبد العزيز القروي: جاء في انس الفقير وعز الحقير: والفقيه ابو الحسن الصغير شيخ الفقيه أبى محمد عبد العزيز القروي...
وهو الذي جمع تقييد المدونة على الفقيد أبى الحسن وهو الان محبس بفاس (27)
7- أبو سعيد عثمان السلطان المريني، جاء في الاستقصا، وكان السلطان أبو سعيد ايام ولاية بني امية من قبله يحضر مجلس الشيخ الفقيه أبى الحسن الصغير (28)
وقد طبقت شهرة أبى الحسن الآفاق الامر الذي كان يملأ عليه مجلسه، فكان يقعد كما يقول ابن الخطيب على كرسي عال ليسمع القريب والبعيد، ولعل ان يكون السر في ذلك أيضا ما جاء في الاحاطة صبره على هوج طلبة البربر وسوء طريقتهم في المناظرة والبحث، وقوله، كان هذا الرجال قيما على تهذيب البرابرة(29)
بل ان شهرته تعدت الوطن الى خارجه، فبعد غرناطة نجد صاحب الجذوة في ترجمة محمد بن يحى المسفر الباهلي يقول: دخل مدينة فاس ولقي بها أبا الحسن الصغير المعروف عند أهل افريقيا بالمغربي صاحب التقييد على المدونة (30)

 مهـمـة القــضــاء:
وفي ميدان العدالة نجد أبا الحسن يقوم بمهمة القضاء بفاس، فاذا به يقيض بيد من جديد على الامور دون خوف أو وجل، وعضده أبو الربيع فانطلقت يده على الظالمين واقام الحق وجرى في العدل على صراط مستقيم.
فبعد المصاهرة التي تحدثنا عنها بين ابنا لاحمر وابى الربيع سليمان، كانت رسل ابن الاحمر تتردد الى حضرة فاس، فضبط احد هؤلاء السفراء وهو في حالة سكر، فأمر العدول فاستروجوه فاشتموا منه رائحة الخمر، وأدوا شهادتهم على ذلك، فأمر باقامة الحد عليه، فجلد، فاضطرم الاندلسي غيظا وشكا أمره للوزير عبد الرحمن بن يعقوب الوطاسي على الاهانة التي لحقته فتار الوزير وأراد الفتك يأبى الحسن، فاعتصم بالمسجد، ونادى في المسلمين حتى قامت الفتنة وثارت العامة وبلغ الخير السلطان فانتقم من أهل الفتنة بضرب أعناقهم، وفر الوزير للاندلس (31)

تآلــيفــه :
ان رجلا تتفرق جهوده بين هذا العدد من المهام، لن تتأتى له الظروف للتأليف والجمع، غير ان اشتغاله بالتدريس والفتوى دفع كثيرا من تلاميذه الى ان يقيدوا تقاييد كثيرة من شروحه وتعليقاته وردوده على كتاب التهذيب للبرادعي، وعلى رسالة ابي زيد القيرواني، كما ترك تقييدا على المدونة التي شرحها في عدة مجلدات، وتأليفا هو الدر النثير في النوازل والاحكام.
وبقدر ما تدل هذه التقاييد والتأليف على اهتمامه الاساسي بالتدريس والفتوى توضح قيمته كرجل يهتم بالنقد الفحص والاجتهاد، الشيء الذي يتفق ووظيفته الاولى كقاضي يميز، بما أوتي من فطنة وذكاء وخبرة أفضل الطرق في قضايا الناس والتفريق بين الحق والباطل.
وقد توفي أبو الحسن الصغير بفاس سنة 719 هـ ودفن خارج باب عجيبة بجبل الزعفران.
 
(1) - أبو محمد عبد الواحد بن أحمد الونشريسي قاضي فاس ومفتيها صاحب تآليف عدة توفى 874 
(2)- مفتي فاس العلامة خطيب القرويين وأمامها، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر توفي 880 
(3)- الفقيه العلامة شارح المدونة وناظر المارستان بفاس مات 750 
(4)- الجذوة ج 2  ص 472- الدرة ج 2 ص 439 – سلوة الانفاس ج 3 ص 147 وغيرها....  
(5)- أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق تولى 656 وجاز الى الأندلس برسم الجهاد أربع مرات 
(6)- أبو يعقوب يوسف بن يعقوب تولى 685 وتوفي 706 
(7)- ابن عبد الله بن يوسف بن يعقوب بويع 706 وتوفي 708. 
(8)- ابن عبد الله بن يوسف بن يعقوب بويع 708 وتوفي 710. 
(9)- عثمان بن يعقوب بن عبد الحق تولى سنة 710 وتوفي 731 وهو باني مدرسة العطارين بفاس. 
(10)- درة الحجال ج 1 ص 146 – الجذوة ج 2 ص 472 – السلوة ج 3 ص 148. 
(11)- درة الحجال ج 1 ص 146 – الجذوة ج 2 ص 472 – السلوة ج 3 ص 148.10
(12)- الجذوة ص 164 ج 1- درة الحجال ص 112 ج 1. 
(13)- الجذوة ص 401 ج 2. 
(14)- روض القرطاس ص 394. 
(15)- والازدع حومة قرب فندق اليهودي حيث توجد جامع النارتجة (الجذوة ج 2 ص 401)  
(16)- الاستقصا ج 3 ص 177. 
(17)- الكاتب الشاعر ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب السلماني الغرناطي ولد سنة 714. 
(18)- الاحاطة المجلد 2 مخطوط 
(19)- الاستقصا ج 3ص 101. 
(20)- الاستقصا ج 3ص 108. 
(21)- وهو من المرينيين الذين جازوا الى الاندلس برسم الجهاد تطوعا واستغلهم بنو الاحمر للتشويش على المغرب. 
(22)- جذوة الاقتباس ص 86. 
(23)- درة الحجال ص 96 – الجذوة ص 85. 
(24)- درة الحجال ص 23 ج1 
(25)- الجذوة ص  222 ج 1. 
(26)- درة الحجال ص 218 ج 1 وجذوة الاقتباس ج 1 ص 228. 
(27)- انس الفقير وعز الحقير ص 24- الجذوة ج 2 ص 451. 
(28)- الاستقصا ج 3 ص 113. 
(29)- الاحاطة المجلد 2 مخطوط. 
(30)- الجذوة ص 296. 
(31)- الاستقصا ج 3 ص 102. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here