islamaumaroc

إشارات وأعلام حول تاريخ الأتراك في الإسلام

  دعوة الحق

169 العدد

حضرت الدولة التركية مؤتمر القمة الإسلامي بلاهور في شهر فبراير سنة 1974 وذلك لأول مرة في تاريخها الحديث، ولعل شعور الفرح والابتهاج بحضورها قد عم الدول الإسلامية، لما عرفت به تركيا من ماض مجيد في خدمة الإسلام، وزعامة الأمة الإسلامية أكثر من أربعة قرون كانت فيها قبلة أنظار المسلمين قاطبة.

  ظهور الأتراك :
فمنذ القرن الثامن الميلادي ابتدأ ظهور الأتراك في المجتمع الإسلامي كمسلمين سنيين صادقين بعد أن فتح قتيبة بن مسلم قبائلهم في آسيا، ثم كان لهم نشاط سياسي خطير في الدولة الإسلامية من منتصف القرن التاسع للميلاد إلى منتصف القرن العاشر حتى عرفت تلك الفترة بعصر نفوذ الأتراك في الخلافة العباسية.

   الأتراك السلاجقة:
ثم تجدد نفوذهم بطريقة أقوى وأشمل في القرن الحادي عشر للميلاد باسم السلاجقة، نسبة إلى سلجوق زعيم القبائل التركية الآسيوية في القرن العاشر الميلادي، وظهرت كفاءة السلاجقة حتى اعترف الخلفاء بهم، واعتمدوا عليهم، ومنحوهم سلطة واسعة، وأطلقوا على قادتهم لقب سلطان.
وشارك السلاجقة في الحروب الصليبية واستردوا بعض المراكز الإسلامية من يد الصليبيين.
وغزوا آسيا الصغرى واستولوا على معظمها بعد انتصارهم على روم بيزنطة في القرن الثاني عشر للميلاد.
ثم تقلص نفوذ السلاجقة فانكمشوا في آسيا الصغرى بعد سقوط بغداد في يد التتر بقيادة هولاكو سنة 656 هـ-1258م، وانتقلت الخلافة العباسية إلى مصر التي كانت تحت نفوذ المماليك الذين آووا بني العباس واعترفوا بخلافتهم اعترافا روحيا فقط، وبقي الأمر كذلك إلى أن انتقلت الخلافة الإسلامية إلى العثمانيين.

الأتراك العثمانيون:
والعثمانيون أنفسهم قبيلة تركية آسيوية فرت بزعامة قائدها أرطغرل من وحشية التتر وطغيانهم، واستقرت في آسيا الصغرى- التي هي اليوم تركيا نسبة إلى الشعب التركي - تحت حماية أبناء عمومتهم السلاجقة الذين منحوهم أرضا أطلقوا عليها: "سلطموني" أي مقدمة السلطان، وأمروا عليها الزعيم أرطغرل إكراما لشجاعته ووفادته، ولما مات تولى الإمارة بعده ولده عثمان، وذلك في مستهل القرن الرابع عشر، وإلى عثمان هذا ينتسب العثمانيون، فهو مؤسس سلالة الخلفاء العثمانيين فيما بعد، وعميد بيت آل عثمان.

قيام الخلافة العثمانية:
فبعد أن دب الخلاف والضعف في دولة السلاجقة ابتدأ آل عثمان يبسطون نفوذهم على آسيا الصغرى وما جاورها حتى تم لهم الأمر، ثم ابتدأ طموحهم للخلافة الإسلامية بعد ذلك، ثم تألق نجمهم بعد فتح القسطنطينية عاصمة الدولة الرومانية الشرقية (بيزنطة) على يد محمد الفاتح سابع أمراء العثمانيين في منتصف القرن الخامس عشر، تم أعلنوا "الخلافة العثمانية السنية" في أوائل القرن السادس عشر على عهد السلطان سليم الأول الذي  يعتبر أول "خليفة" عثماني، لأن من سبقوه من عهد الأمير عثمان الأول إلى بايزيد الثاني بن محمد الفاتح كانوا يحملون لقب أمير.
وقد نقل أمير المؤمنين سليم الأول عاصمة خلافته إلى القسطنطينية وأطلق عليها اسم "إسلامبول" وتعرف كذلك باسم "الآستانة" و "استانبول" وهذا الأخير هو اسمها التاريخي الأصيل وبه تعرف الآن.
وتم للخلافة العثمانية الاستيلاء على الشرق الأوسط، وعلى شمال إفريقيا إلى حدود المملكة المغربية التي احتفظت باستقلالها التام، وكانت علاقتها مع الخلافة العثمانية علاقة حسنة في ظل التضامن الإسلامي.
وصار خطباء المساجد يدعون للخليفة العثماني باعتباره أمير المؤمنين، مالك البرين والبحرين، وخادم الحرمين الشريفين، وكان بلاط الخليفة يعرف باسم الباب العالي.
وخلافا لبعض مؤرخي الأدب العربي الذين وصفوا العصر العثماني بعصر الانحطاط الأدبي والفكري بسبب تقصير الخلفاء العثمانيين في تشجيع وتنشيط الحركة الأدبية والفكرية، يمكننا أن نقول بأن اللائمة في ذلك لا تقع على العثمانيين، فقد أعلن هؤلاء الخلافة العثمانية والعالم الإسلامي في حالة تمزق وتدهور نتيجة الغزو المغولي الذي أطاح بالخلافة العباسية وحطم معالم الحضارة الإسلامية بإحراق الكتب وتدمير المنشآت العمرانية والمؤسسات العلمية، وبإزهاق أرواح الأبرياء من العلماء والأدباء والمثقفين على يد جنكيزخان وحفيده هولاكو ثم تيمورلنك الذي لم ينج من بطشه حتى الخليفة العثماني نفسه، فكانت هذه الوحشية التترية سببا في تدهور الأوضاع الثقافية والاجتماعية، وما يصاحب ذلك من آثار نفسية عميقة أدت إلى ركون الناس إلى حياة الزهد والقناعة، أو إلى الانغماس في حياة اللهو والعبث بسبب القلق والرعب الذي ورثه الأبناء عن الآباء والأجداد نتيجة للأصداء التي خلفها ذلك الغزو الوحشي العنيد، وكل ذلك جعل الخلافة العثمانية تجتاز أزمة ركود فكري وأدبي خطير لا ناقة للخلفاء فيه ولا جمل، بل إن الخلفاء العثمانيين بذلوا جهودا مشكورة في إعادة الثقة والاطمئنان إلى النفوس، وترميم وتشييد ما تصدع أو تدمر من أركان الحضارة الإسلامية العتيدة.
نعم إن الخلافة العثمانية عملت على نشر الثقافة التركية إلى جانب الثقافة العربية، ولكنها حافظت على الأصالة الإسلامية والعربية كذلك، ولمعت في عصرها أسماء رجال أثروا الحضارة الإسلامية والخزانة العربية بإنتاجهم الغزير، نذكر من بينهم على سبيل المثال: صفي الدين الحلي أمير الشعراء في عصره، وجمال الدين بن نباتة صاحب "الديوان الصغير" و"سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون"، وجمال الدين ابن منظور صاحب "لسان العرب"، وتقي الدين ابن تيمية صاحب "الفتاوي" و"السياسة الشرعية"، وابن قيم الجوزية صاحب "زاد المعاد"، وجمال الدين ابن هشام صاحب "مغني اللبيب"، وشمس الدين الذهبي صاحب "تاريخ الإسلام"، وابن خلدون صاحب "المقدمة"، والفيروزأبادي صاحب "القاموس"، والمقريزي صاحب "الخطط والآثار"، والقلقشندي صاحب "صبح الأعشى"، وشهاب الدين القسطلاني شارح البخاري، وجلال الدين السيوطي صاحب التآليف في اللغة والتفسير والحديث، وغير هؤلاء كثير من الأقطاب الذين يمثلون العصر العثماني، وكانوا أساتذة لأئمة النهضة العربية الحديثة، وإنك لتجد من بين شعراء النهضة من مدح الدولة العثمانية وتغنى بأمجادها كحافظ وشوقي رحم الله الجميع.

ضعف الخلافة العثمانية:
وظلت الخلافة العثمانية محتفظة بسيادتها، مرهوبة الجانب، رافعة لواء الإسلام، إلى أوائل القرن الثامن عشر حيث بدأ الضعف يتسرب إلى أجهزة الدولة بركون بعض الخلفاء إلى حياة اللهو  والترف من جهة، ومن جهة أخرى بالدسائس الاستعمارية الصليبية المتألبة على العالم الإسلامي من أجل تحطيم وحدته واغتصاب سيادته.

ظهور القوميات العربية:
وما إن حل القرن التاسع عشر حتى كان الزمام على وشك الإفلات من يد الخلافة، ولم يعد في وسعها مقاومة المد الاستعماري الجارف، ولا الوقوف في وجه القوميات العربية والإسلامية المتوثبة، فاستقل عن الخلافة من استقل، ووقع في قبضة الاستعمار الغربي من وقع، فقد احتلت فرنسا الجزائر سنة 1830 ثم فرضت حمايتها على تونس سنة 1880 ثم خضعت سوريا ولبنان للانتداب الفرنسي أيضا، كما خضع العراق والأردن وفلسطين وأقاليم عربية وإسلامية أخرى للنفوذ الإنجليزي، ولم تنج مصر كذلك من الاحتلال الإنجليزي سنة 1882 رغم استقلالها عن الخلافة بقيادة محمد علي باشا بعد الغزو الفرنسي لها بقيادة نابليون بونابرت 1798 – 1801 واعتبر هذا التاريخ مبدأ للعصر الحديث.
ومن أجل اعتراف فرنسا بسيطرة إنجلترا على الأراضي المصرية، أعطت لندن الحق لباريز في السيطرة على المغرب طبقا لاتفاقية 1904، وهكذا مهدت فرنسا لفرض حمايتها على المغرب سنة 1912 بالاتفاق مع اسبانيا وفقا لمؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، كما احتلت إيطاليا ليبيا بمقتضى معاهدة لوزان سنة 1912، وكان من نتائج هذا الاحتلال الغربي للعالم العربي والإسلامي ظهور القوميات العربية الرامية إلى التحرر والاستقلال.

قيام الجمهورية التركية:
وهكذا وجدت الخلافة العثمانية نفسها في مطلع القرن العشرين ممزقة شر ممزق، وصار نجمها على وشك الأفول، وأصبح مهد الأتراك ومقر الخلافة نفسه مهددا بالغزو من طرف خصومه الغربيين، لولا أن تدارك الله تركيا على يد نخبة من رجالها الأحرار بزعامة أتاتورك مصطفى كمال الذي اطاح بنظام الخلافة في عهد السلطان محمد السادس آخر خلفاء آل عثمان، وأعلن الجمهورية التركية سنة 1923 وتولى رئاستها ونقل عاصمتها إلى أنقرة.


جامعة الدول العربية:
أما الأقطار العربية التي خضعت كرها للاحتلال الغربي فقد كافحت من أجل الحصول على استقلالها وسيادتها حتى تحررت واحدة تلو الأخرى، ثم انتظمت المحررة منها في منظمة خاصة هي جامعة الدول العربية، وذلك في سنة 1945 ثم انضمت إليها الدول التي تحررت بعد ذلك التاريخ بفترات متقاربة، ولم يبق خارجا عن هذا العقد العربي إلا فلسطين الجوهرة العربية المغتصبة من طرف الصهاينة بمقتضى وعد بلفور (2/11/1917) من جهة وبتواطؤ الاستعمار الأمريكي وأشياعه مع المغتصبين من جهة أخرى، ولسوف تعود فلسطين إلى مكانتها اللائقة بين الدول العربية والإسلامية بإذن الله.

تكتل الدول الإسلامية:
وكما تكتلت الدول العربية لشعورها بالحاجة إلى هذا التكتل- والتكتل قوة ومظهر من مظاهر التطور والنضوج الفكري والاجتماعي- كذلك تكتلت الدول الإسلامية عربية كانت أو غير عربية (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، المسلم أخو المسلم) وكونت عروة وثقى لا انفصام لها، متعاونة على البر والتقوى عاملة بقول الله عز وجل "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا".

حياد الجمهورية التركية:
لكن الجمهورية التركية في عهد رئيسها مصطفى كمال (1923-1938) اتجهت اتجاها غربيا لا دينيا خالصا بتوجيهات كمال الذي يبدو أنه كان متأثرا بأفكار غربية خطيرة حينما أقدم على تحويل تركيا من دولة إسلامية شرقية أصيلة إلى دولة علمانية غربية محضة، معرضة عن أمجادها التاريخية الخالدة، وعن حضارتها الإسلامية الشرقية العريقة، وبذلك أصبحت تركيا منعزلة عن العالم الإسلامي، ووقفت من قضاياه الهامة مواقف سلبية مؤسفة، وتأسف الضمير الإسلامي تأسفا بالغا من الوضعية التي آل اليها الأتراك بعد أن عاشوا في ظل الإسلام اثني عشر قرنا، ثم جاءت العاصفة الهوجاء لتحولهم رغم إرادتهم عن الطريق المستقيم الذي سار عليه الآباء والآجداد، ولهم فيه عدد من المفاخر والآمجاد !
ولكن نجم الإسلام لم يأفل من سماء تركيا، بل إن الروح الإسلامية ظلت كامنة في قلب الأمة التركية، غير أن الوضعية الثورية التي عاشتها تحت رئاسة كمال جعلت المظاهر الإسلامية تختفي كاختفاء الشمس وراء سحب كثيفة متلبدة !
وخلف كمال في الرئاسة عصمت إنونو سنة 1938، فكان أهم ما ظهر في عهده هو إلغاء نظام الحزب الوحيد الذي فرضه سلفه، وهكذا تألفت عدة أحزاب زيادة على حزب الشعب الحاكم، وكان الحزب الديمقراطي الذي ألفه جلال بايار هو أبرز وأقوى الأحزاب الناشئة.

طلوع فجر الإسلام:

وفي سنة 1950 سيطر الحزب الديمقراطي على الحكم، وتولى جلال بايار رئاسة الجمهورية التركية، وكان من أبرز مظاهر عهده إطلاق الحرية الدينية والسماح للأمة التركية بإظهار شعائرها الإسلامية، فكانت بشارة عظمى حيث طلع فجر الإسلام من جديد على الديار التركية الحبيبة، مؤذنا بعودة الدولة إلى إحياء تاريخها الإسلامي المجيد، وانتظامها في سلك أخواتها الدول الإسلامية العتيدة.
وقامت جمعيات وهيئات تبشر بالإسلام وتعمل على نشره بالحكمة والموعظة الحسنة، وتعزز موقف العاملين في هذا السبيل بظهور حزب السلام الذي يعد من الهيئات المنادية بعودة الدولة رسميا إلى الإسلام، وقد حققت هذه الهيئات تقدما بارزا في هذا الميدان.
وما الخطوة المباركة التي أقدمت عليها الحكومة التركية حين قررت حضور مؤتمر القمة الإسلامي بلاهور ألا حجة صادقة على حسن نية الأتراك حكومة وشعبا من أجل تجديد أواصر الأخوة التاريخية الأصيلة وروابط المودة الراسخة مع العالم الإسلامي الناهض المتحرر من رواسب الرجعية والجمود ونعرة الجاهلية.
واذا رأيت من الهلال نموه      أيقنت أن سيصير بدرا كاملا!
فهنيئا للشقيقة تركيا بنهضتها الإسلامية المباركة، وهنيئا للعالم الإسلامي المتفتح بالتئام شمله وتوحيد كلمته، وصدق الله العظيم إذ قال: (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: 63]

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here