islamaumaroc

غرناطة في عصر ابن الخطيب

  دعوة الحق

169 العدد


الحاضرة وضواحيها:

تقع غرناطة في الجنوب الشرقي للأندلس، في أرض خصبة ذات وديان وأنهار تظللها الأشجار وتنتشر بها الأجنة الخضراء والبسائط الخصبة ... وقد عملت يا الفلاح الأندلسي في خدمة الأرض والحدائق وتنقيتها من الأحجار والأعشاب الطفيلية كما عمل الفكر ألفلاحي والهندسي في توزيع الري واختيار التربة للغراسة وتقليم الأشجار...فانتشرت بنجاح عظيم أشجار الزيتون والتفاح والمشمش والخوخ والرمان والبرتقال والد راق والليمون والليم وألا ترج والموز والنخيل ذي الثمار المختلفة الأنواع ، أما الجبال فقد كانت تستنبط منها معادن الذهب والفضة والرصاص والزئبق والمياه المعدنية والحمات الحارة ...وكانت البسائط تعطي من صنوف الحبوب والخضر كالزرع والشعير، والحنطة وقصب السكر والأرز والقطن والقنب والعدس واللوبيا ، والقوق و البد نجال والسفرجل والفجل والفتاء الشيء الكثير ، ويحمل إليها من أنواع الأسماك ما تزخر به الأنهار والشواطئ البحرية ، كما كانت الحياة الفلاحية تنعكس على نشاط المدينة  الاقتصادي حيث اشتهرت معامل غرناطة بصنع الأسلحة ، والأقمشة الملونة والحريرية والملف الملون والكتان والقطان وصناعة الجلود ، والعقاقير والأدوية والعطور وصباغة الذهب والفضة والجواهر والزمرد والألماس والجزع وصناعة الفسيفساء وصبغ الأحجار والنقش في الرخام بأنواعه وتقطير ألآس والورد والياسمين والبنفسج والسوس والحبق، وصناعة الصفارين من أنواع الأوعية الحديدية والنحاسية ، وصناعة السروج وآلات الحرث وشبابيك النوافذ والأبواب ، وصبغ الثياب والكبرتة (أي استخدام الكبريت ).
وكانت غرناطة ولاية عظيمة تضم نحو مائة بلدة وقرية بضواحيها يسكنها المئات من السكان ، ويتجاوز عددهم نحو نصف مليون نسمة أو تزيد حسب النمو الديمغرافي.(ما لم تصب بنكبات الأمراض والأوبئة التي كانت تجتاح العالم آنذاك بين الفينة والأخرى كالطاعون  والكوليرا والتيفوس)، وترتبط القرى مع بعضها بشبكة من الطرق الرومانية والقوطية.. وعليها القناطر المشيدة بالأحجار والخشب ، حيث يزدحم المشاة والفرسان والعربات الخشبية ، حيث إذا وصلت إلى العاصمة (غرناطة) اتسعت الشوارع وكثرت الدكاكين واتقدت الثرج في الليل لإضاءة الطرق وبرزت المنافذ مزينة بالشبابيك ، وأبواب الحمامات الرخامية المتسعة وكانت قصور غرناطة  شاهقة متسعة الأبواب ، عظيمة الحدائق المنتقاة الزهور والرياحين ...ويحيط بغرناطة سور كثيف متعدد الأبواب الواسعة التي تعتبر مداخل المدينة
وعليها أبراج عالية ذات ثقب متعددة ، ويذكر ابن الخطيب ( وهو أعظم مؤرخ لغرناطة (أن بها أربعين برجا يربض البيازين وهو حي عظيم به الدور التجارية والمعامل والدكاكين .
ولا غرو أن تكون هذه المدينة مترفة يقيم بها الأغنياء في الغالب ، مما يستوجب حيوية تجارية وذوقا حضاريا رفيعا ، ولذلك كانت الأسرة الغرناطية تهتم باقتناء الحلل و الجواهر ، وتتفنن في الراباص وأدوات المنزل والبسط والزرابي ، كما كانت تتفنن في الأطعمة ذات الأقاوية المتعددة ، وأطعمة السطيلة والثقابة والحلويات من مخرقة وشباكية واسفنجيات ومقاريط وكعك، كما جاءت أوصاف ذلك في نفح الطيب ، واستوجبت هذه الحياة سيادة نظام أسروري ذي أخلاق إسلامية سامية ، حيث النظافة والعفة ، وشغف بالفروسية والحفلات الفاخرة ، وتقدير شخصيات الرجال في رقة الأخلاق ، ونظافة اللباس وفصاحة اللسان ، مما جعل لغة الغرناطيين تمتاز بالدقة والبيان وحسن المنطق ، وكان لباس الرجل أشبه ما يكون بلباس الإفرنج يطيلون الشعور ويضعون القلانس على رؤوسهم ، أما القضاة فيلبسون الكسى .
أما جمال المرآة فكان اعتدال القوام والعفة والدلال ، والتطيب والتزين بالحلي مع قلة الاختلاط مع الرجال إلا في بعض الحفلات العائلية الخاصة أما النظام السياسي فقد استمر نظام الحكم في الأندلس من تفويض السلطة للسلطان الذي يستعين بوزراء متعددين ، والذين كانوا يستبدون كلما قويت شخصيتهم كما نرى ذلك في ظهور شخصية ابن الجياب وابن رضوان وابن زمرك ... ومن طبيعة هذا النظام التنافس لوصول إلى المناصب ، والتباهي بالسلطة والتفاخر بالحكم ، وكانت تنحصر السلطة في يد السلطان ليحكم البلاد ويتولى شؤونها العامة ، والدفاع عنها ويتصرف في بيت المال الذي تكون مصادره من الزكوات والضرائب على الأرض والملاحة ،والفلاحة والتجارة والمكوس المفروضة والمزارع الخاصة والمصادرات ... وكان السلطان يستعين على الأعمال (بوزير كاتب) ليراسل الملوك والرؤساء )وينفذ الأوامر لتحقيق المشاريع ، ويستعين الوزير بجماعة من الكتاب حيث يمكن ترقيتهم إلى مناصب الوزراء ، أما المنصب الثاني في الدولة فهو (قائد الجيش)الذي كان يلقب في غرناطة بشيخ الغزاة ، وكان معظمهم في دولة غرناطة من بشي مرين نظرا لتحملهم مسؤولية الدفاع عن الأندلس ، كما كان الجند في غرناطة مكونين من المجندين من غرناطة والبربر... وبالجيش مهندسون تقنيون لاستعمال البارود الذي كان أهم سلاح في حروب غرناطة مع المسحيين ، ولم يلبث القشتاليون المسيحيون أن احتكروا  مواده الخام فضعف مركز المسلمين في غرناطة عسكريا كما كنا لأمر قائد القوات جيش بحري ، وأسطول منظم يرابط بالجزيرة وساحل مالقة ، ويتجلى نشاطه في الدفاع عن الشواطئ وحمل المعونة من المغرب إلى الأندلس ، وتأمين المواصلة بين العدوتين ، ثم يأتي منصب ثالث في الدولة وهو (المتولي الشرطة) المعين من بين القواد والمكلف باستناب الأمن العام ومحاربة الثوار، والمحاربين وقطاع الطرق وله سلطة تنفيذية واسعة ، وبتبعة حرس خاص كالجند رمة يلبس ألبسة حدادية وبيضات نحاسية ، أما الجيش المغربي فيحتفظ بالجلباب والبرنوس .
ثم يأتي منصب قاضي الجماعة وهو قاضي العاصمة وخطيب المسجد ويعتبر شيخ العلماء ومرد أحكام المفتيين ، والمشرف على التعليم ويعمل تحت إشرافه المحتسب وهو (رئيس البلدية اليوم ) يأمر بالمعروف ، ويطارد المنكرات والمختلسين والمطفيفين ، ويحافظ على مصالح المدينة من نظافة الطرق وجمال البناء وتناسقه ، وإنارة الشوارع كما تأتي مهمة صاحب الأشغال والمكلف بالجبايات المتعلقة بالدخل والخراج وجميع الضرائب ، وكذلك المكلف بالبريد ، وتوزيع الرسائل ... وكانت المدينة تعج بالبساتين والنجارين و المهندسين ، والساعاتيين والزلاجين وأصحاب الأعمال الدقيقة (الرفاربقية) في البناء والنحت والجس والتلوين ، والحياكة ، والخياطة والحرارة ، والأطباء ، والكحالين ، والعشابيين و الصيدلية ، والسراجين والشماعين والحدادين والخرازين ...  كما بها عشرات الدكاكين والأريحية والمعامل ، وقد تعاونوا جميعا على بروز الفن الغرناطي الذي يبدوا في الفن المعماري بالقصور الشاهقة والمنازل الجميلة المزينة بالتماثيل الرخامية والفسيفساء الملونة والصور النهاتية والحيوانية كصور الأسد والغزلان ودميات المرمر والساعات المائية ..وكانت القصور ذات قبب معقودة  مكسوة في الداخل بالجص الأبيض ، عليها نقوش فنية بخط  
كوفي أو مجوهر لآيات قرآنية وقصائد شعرية وعلى عضادتي الأبواب أبيات حكمية ...وتفنن النقاش على الخشب في التصوير على الأبواب والنوافذ والصناديق والطاولات والكراسي كما تفنن صانع القماش في الترخيم والتشييك والتلوين في الحائط ... ولم يبق الجمال المعماري ميتا بل أن نغمات الموسيقى الأندلسية والموشحات الغرناطية تتردد غي أجواق متناسقة بآلات العود والرباب والقانون والدف ، والطار... والكيثارة حيث يتخلل هذه الأنغام الآلية ألحان وأصوات جميلة ، ورقصات يتلور فيها البطن وتهتز الأرداف وتميل الأعناق –هذه هي غرناطة التي عاشها ابن الخطيب وأحبها وأرخ لها ومات من أجلها .

نشأة ابن الخطيب
  
ذكر ابن الخطيب في الإحاطة مولده كان في الخامس والعشرين من شهر رجب عام ثلاثة عشر وسبعمائة 713م... ودخل الكتاب في مدينة " لوشة " مسقط رأسه كعادة الأطفال الأندلسيين آنذاك، فحفظ القرآن وجوده ، ثم تعلم مبادئ العربية على كثير من المعلمين وبالأخص علي أبي القاسم بن جزي ، وتلقى بعد ذلك معلومات ثانوية فأخذ النحو عن شيخ النحاة الإمام أبي عبد الله  الفخار البيري وغيره من العلماء  والمربيين والفقهاء- وكان ابن الخطيب منذ طفولته طموحا يعينه ذكاء حاد وفهم ثاقب ونظرة بعيدة المدى ، كما كان انتقال أسرته من "لوشة" إلى غرناطة نقطة تحول في حياته أسرة ابن الخطيب ، فقد عين أبوه عبد الله  مقتصدا في بلاط ابن الأحمر الذي استعمله على مخازن الطعام ، فوجد ابن الخطيب في غرناطة الفرصة للدراسة على اللذين أخذ نهم الأدب كشيخ العدوتين الرئيس أبي الحسن بن الجياب –والفيلسوف أبي زكرياء بن هذيل الذي اختص بصحبته كما يقول ابن خلدون .فظهر- نبوغه في الشعر والترسيل والطب والفلسفة والتاريخ وما هي إلا سنوات معدودات حتى لمع نجمه ، ودخل بتشجيع أبيه إلى ديوان الرئيس ابن الجياب حيث عاش أحداث الأندلس وتقلبات السياسة ومغامرات  غرناطة وعرف بين مواطنيه بلسان الدين ابن الخطيب وبين القشتاليين المسيحيين بالعالم الكبير الفيلسوف ابن الخطيب

ثقافة ابن الخطيب :
 
لعلنا نستطيع أن نعرف ثقافة ابن الخطيب من خلال تراجم أشياخه الذين أخذ عنهم كالأديب الكبير علي بن الجياب وهو من ألمع شعراء الأندلس وكقاضي الجماعة محمد ألسبتي شارح الخزرجية ومقصورة حازم ، وشيخ النحاة محمد بن الفخار ، وأبي العواد وابن بيبش، ومحمد الأشعري ، والطنجالي ، والرحال الوادي أسي وكقاضي فاس محمد المقري وقاضي مكناس الفقيه عبد الحق بن سعيد والعالم المكناسي يونس الونشريسي وعمر الونشريسي والفقيه الأديب المكناسي أبو جعفر الجنان وقاضي مكناس ابن أبي رمانة والمربي الصوفي السلاوي أحمد بن عاشر، وأبي إسحاق ابن أبي يحي ألتسولي التازي والصوفي الكبير عبد الله بن مرزوق التلمساني... والكاتب العالم الرياضي يحي بن هذيل وأبي بكر بن الحكيم الرندي، وابن الحسن الفيجاطي وأبي القاسم بن جزي كاتب رحلة ابن بطوطة ، والقاضي أبي بكر بن شيرين ، والمحدث سعد ابن ليون التتجين وهذا التثبيت من شيوخ ابن الخطيب  دال على تنوع ثقافة أصلية لودعها كتبه الكثيرة ، فكان الشاعر والكاتب والمؤرخ والمترجم والطبيب.

وظائفه:

لسان الدين ابن الخطيب من أسرة طموح تعمل في خدمة دولة النصريين وكان أبوه متولي مخازن الطعام بقصر السلطان يوسف بن أبي الحجاج ولما توالت الهجومات المسيحية على ضواحي غرناطة خرج عبد الله إلى معركة طريف مقاتلا حيث استشهد بها سنة 741 فدخل ولده لسان الدين إلى القصر ليشغل وظيفة أمين سر للوزير أبي الحسن بن الجياب حتى إذا حل الوباء الكبير (الطاعون) بحوض البحر الأبيض المتوسط سنة 749 كان من ضحاياه ابن الجياب فخلفه في الوزارة أمين سره ابن الخطيب الذي أخذ نجمه يتألق في عالم السياسة والأدب وقد لاحظ فيه السلطان أبو الحجاج يوسف مخابل الذكاء والنشاط والحيوية فقربه إليه وكلفه بمهام سفارية ودبلوماسية وفق فيها توفيقا كبيرا حتى أصبح من رؤساء غرناطة الذين لا يبرم رأي دون مشورتهم كالوزير الحاجب أبي النعيم رضوان ... وفي سنة (755) توفي السلطان أبو الحجاج مقتولا  أثناء أداء صلاة عيد الفطر وخلفه ولده أبو عبد الله الغني باله الذي أرسل ابن الخطيب سفيرا إلى بلاط أبي عنان المريني سنة  7555 في وفد من الوزراء بينهم أبو القاسم الشريف ليقنعه بمساعدة الأندلسيين في حلف (فاس-غرناطة) لمواجهة التحدي المسيحي ولما عاد إلى الأندلس منتصرا في مهامه دخلت غرناطة في فتنة عارمة حيث تأمر أعداء السلطان محمد الغني بالله عليه وقتلوا فيها الوزير الحاجب بو النعيم رضوان وأصبح سلطان غرناطة إسماعيل الحجاج الذي قاد الفتنة لصالحه ن ورغم تآمر أعداء ابن الخطيب على منصبه فقد  ظل إسماعيل في حاجة إليه فقربه واستفاد من خبرته وتجربته ثم لم يلبث خصوم ابن الخطيب إن نجحوا في إقصائه  فقبض عليه وصودرت أمواله  وممتلكاته ، ولا شك أن سمعة ابن الخطيب ومكانته السياسية والعلمية والأدبية ولباقته الدبلوماسية ساعدت أنصاره في المغرب على التدخل بواسطة الملك المريني أبي سالم لدى السلطان إسماعيل النصرى ليفرج عنه وعن الغني بالله ليسمح لهما باللجوء السياسي في المغرب ، وفق الشريف أبو القاسم التلمساني في هذا المسعى بجواز ابن الخطيب ومخدومه الغني بالله إلى فاس في محرم من سنة 761.وطيلة إقامة ابن الخطيب بالمغرب اتصل بكبار رجاله كابن خلدون وتجول في أنحاء المغرب كله فأقام بسلا وشالة وأخذ يدير في السر لقلب الوضع في غرناطة التي كان من العسير أن تستقر نظرا لصعوبة الوضع السياسي والعسكري بها ، حتى إذا كانت جمادى الثانية (763هـ-1361م)  رجع الغني بالله إلى عرشه بغرناطة ووزيره ابن الخطيب إلى منصبه الوزاري بفضل معونة الوزير عمر بن عبد الله صديق بن خلدون حيث استقدم ابن الخطيب من سلا فجاء ابن الخطيب منها بعد أن ظل طيلة مقامه بالمغرب بعيدا ناسيا محمد ( المخلوع)ومع ذلك تجاوز عنه ورده لمنزلته وذكر ابن خلدون كيف أن عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة لحق أولا بالطاغية لما شعر بضعف مركزه في غرناطة ثم تحول عنه وخاطب الوزير المريني عمر بن عبد الله أن يمكنه من بعض الثغور الغريبة التي تحت طاعة بني مرين بالأندلس  والتي يرتقبون منها الفتح ، ويذكر ابن خلدون تدخله لذلك ، ولهذا ردت (رندة) إلى الأندلسيين لأنها  من ثراتهم وكيف شوعنا محمد (المخلوع) فنزل بها ووضعه عثمان بن يحيى ، كما يصف ابن خلدون مكانة عثمان بن يحيى عند محمد المخلوع... ولكن ابن الخطيب يتصرف صبيانيا حين تأخذه الغيرة من عثمان بن يحيى، كما أخذته من بعد من ابن خلدون ولم يزل يدس ابن الخطيب لعثمان بن يحيى  حتى نكب وسجن واستبد ابن الخطيب بالحكم ولم يحتط في الاتصال مع جماهير الغرناطيين بما جعل الجميع يسعون به لدى السلطان الذي أخذ يشعر باستبداد ابن الخطيب ، وفي نفس الوقت كان ابن الخطيب يقيم صلات مع بلاط المغرب حيث نفذ أمرا من السلطان  عبد العزيز بن أبي الحسن المريني في القبض على ابن عمه عبد الرحمان بن أبي بفلوس المنصب شيخا على لغزاة بالأندلس من قبل بني مرين الذي أخذ يطالب بالحكم ويضرم الفتنة مع وزيره مسعود بن ماساي وخشي السلطان المريني عبد العزيز من هذه الفتنة المدافع عنها من قبل السلطان محمد المخلوع ملك غرناطة ، وكلف ابن الخطيب بالقضاء عليها ، كان موقف ابن الخطيب مساندة دولة بني مرين بشرط أن يكون له مكان في بلاطهم وفعلا نجح في القبض على ابن أبي بفلوس مما أعطى لخصوم ابن الخطيب الحجة ، على تلاعبه بين البلاطين ، وخيانته ، لغرناطة، ولذلك قرر ابن الخطيب (اللجوء إلى المغرب لما افتضح أمره... ولواقع أن هذه التصرفات التي كان يلجأ إليها ابن الخطيب سلبته مكانته السياسية ، ورغم أنه كان يطمع إلى العمل في بلاط بن مرين نظرا ليأسه من الأندلس فإن أعماله والإجراءات التي اتخذها لتحقيق مرماه وضعته في قفص الاتهام بالإضافة إلى أفكاره التحريرية الصوفية والفلسفية المبوثة في كتبه وإلى تدخلاته لدى القضاء لمصالح ذويه مما ضعف مركزه السياسي رغم بعد نظره ومنذ تأسيس ملكة غرناطة على يد النصريين وهم يعتمدون في سياستهم الخارجية على بني مرين فلبى أبو يوسف المريني دعوتهم وتوجه إلى الأندلس سنة 673هـ مجاهدا وبما أن المرينيين أعانوا الغني بالله على استرداد ملكه فقد كان لشيخ الغزاة عثمان بن يحيى قريبهم نفوذ قوي في بلاط غرناطة ضايق به ابن الخطيب الذي لم يقف مكتوف الأيد بل رد عليه أعنف رد وهزمه شر هزيمة فأقصاه سنة 764هـ  عن الوزارة حتى إذا خلا له الجو استبد بالحكم فطهرت معارضة ضد استبداده بالحكم تزعمها كثير من خصومه الذين أخذوا يكيدون له  في السر وشعر ابن الخطيب وهو المرهف الحس أن خصومه ينزلقون به إلى مهاوى الهلاك ولاسيما تلميذه الوزير أبو عبد الله بن زمرك ولقاضي أبو الحسن النباهي اللذان عملا  جهدهما لتنظيم حملة مركزة خطيرة تهدف إلى إقصاء ابن الخطيب والتنكيل به... أما ابن الخطيب فقد أرسل ملك المرينيين عبد العزيز يلوذ بحماه ، ولما قبل التجاءه إلى المغرب استأذن سلطانه ليقوم بجولة تفقدية في جنوب الأندلس وما أذن له حتى حمل معه خاصته وأهله وعبر من جبل طارق إلى سبتة سنة 773 حيث خصه بلاط المرينيين بمكانة ممتازة أما خصومه فقد تابعوا حملاتهم المغرضة ضده وأعدوا تقريرا خطيرا اتهموه فيه بالزندقة والاتحاد والارتشاء والقول بالحلول على مذهب غلاة الصوفية والإلحاد على مذهب الفلاسفة وقرروا إحراق كتبه في حضرة غرناطة في جمع من العلماء والفقهاء سنة 773ثم كتب أبو الحسن النباهي رسالة اتهام إلى ابن الخطيب كما أدانه بصفته قاضي غرناطة بتهمة الإلحاد، وكتب في ذلك حكما شرعيا في إدانته صادق عليه سلطان غرناطة ، وطلبوا حكومة المغرب بتنفيذ الحكم بقتل ابن الخطيب ، ولكن ملك المغرب أبى أن ينفذ الحكم ورغم جميع الإغراءات والهدايات فقد ظل ابن الخطيب بعيدا عن يد خصومه ، وما أن توفي السلطان عبد العزيز حامي ابن الخطيب سنة (774) حتى وجد أعداء ابن الخطيب الفرصة مواتية ، سيما بعد أن تربع على عرش المغرب السلطان السعيد الذي كان مايزال صغير بوصاية الوزير أبي بكر الغازي الذي ألف له ابن الخطيب كتاب (أ‘لام الإعلام فيمن بويع من ملوك الإسلام ، قبل الاحتلام تمكينا للوصاية على العرش ولكن ابن غازي لم يستطع الصمود أمام ثورة الأمير أحمد بن أبي سالم المريني المطالب بالعرش والذي نجح في مسعاه وأصبح ملك المغرب سنة (776)هـ(1374م) وهو الذي كان صديقا للغني بالله فعين سليمان بن داود وزيرا ، وكان من أول أعماله أن ألقى القبض على ابن الخطيب .. وما أن ذاع الخبر حتى غادر الوزير ابن زمرك الأندلس إلى فاس ليحاكم بنفسه ابن الخطيب وينفذ حكم القاضي النباهي ، وأمام جمهور المتفرجين كان ابن الخطيب يحاكم بقسوة وإهانة أمام الناس ، وينادي بعض المغرضين بقتله ... وما أن أعيد سجنه حتى بعث الوزير سليمان جماعة من العملاء الإجراء ليقتلوه في سجنه خوفا من أن ينفلت من حكم الإعدام وفعلا تسور عليه هؤلاء السجن فقتلوه حنقا ثم حملوا جثته إلى باب الشريعة بفاس فدفن بها ...  وخرج مرة ثانية من قبره ، وأضرموا النار بأشلائه ثم أعيد إلى حفرته .. وبقي قبره متواضعا زاره المقرئ مؤلف الطب المتوفى سنة 1041 هجرية وشاهد موضع دفنه غير مستو مع الأرض ، بل ينزل إليه بأعذار كثير وفي مطلع هذا القرن جدد قبره وأظهر معالمه أحد المعجبين به ، ثم شيدت أخيرا على قبره قبة فخمة تكريما للمؤرخ الطيب الكاتب العظيم .

تفاعل ابن الخطيب مع عصره

تأثر ابن الخطيب بعصره وأثر فيه.. تأثر به من حيث دراسته الأولى وثقافته التي استمدها من معطيات عصره، كما تفاعل مع أحداثه السياسية والعلمية والأدبية والاقتصادية فقد كان وزيرا وسفيرا كما كان شاعرا كاتبا  صوفيا ...أخذ كثيرا وأعطى   كثيرا ، ولعلنا نكون أقرب إلى الصواب حين نقسم حياته إلى سلسلة موقوتة بالسنين (فمن ولادته)_713) إلى دراسته وهو طالب يدرس ويستوعب ويستفيد ومن سنة 749 وهو سياسي يكافح ويناضل بإشراف واعتزاز وغرور وتحد ... وقد أنتج  في هذه الحقبة أكثر تأليفه في الأدب والطب والتراجم فألف تاج المحاسن ، والكتبية الكلمنة والإكليل الزاهر . والنفاية بعد الكفاية ، وغيرها من تأليفه الأدبية ذات الطابع التاريخي والموسوعي كما ألف اليوسفي (في الطب) وهو من أهم مؤلفاته في ها الميدان وفي سنة 760 عاش النكبة بعد الانقلاب الذي حدث في 28 رمضان 760 هجرية حيث استولى على الحكم الأمير إسماعيل ووفد ابن الخطيب على المغرب سنة 761 فطاف بين المدن واشتد تأمله في الحياة ونضجت تجربته ، وتعلق قلبه بالتصوف وكان إنتاجه غزيرا في هذه الحقبة التي ألف فيها كتبا عن تراجم إعلام المغرب ومذكراته الأدبية وتعاليق في الطب وكتب في النقد والخصومات وأشهر إنتاجه (معيار الاختيار) ، ونفاضة الجراب، واللمحة البذرية ، والحلل المرموقة ، ورقم الحلل ، وكناسة الدكان ومثلى الطريقة في ذم الوثيقة ، وألفية في أصول الفقه ، والمعلومة في معارضة المجهولة والرجز في عمل الترياق الفاروقي..ورسائل ابن الخطيب في الموسيقى والبيطرة واليزرة.. وبعد عودته من المغرب أخذ ابن الخطيب يقاوم حيد الحاسدين ، ويسوس الدولة بحزم وعزم وقد  أصبح ذا الوزارتين وطيلة هذه الفترة كان ابن الخطيب رجل الجد والصرامة والمتصوف المكفر عن خطاياه وقد أنتج في هذه المدة (روضة التعريف) معبرا عن اتجاهه الجديد وأمله أن يترك الدنيا وزخرفتها ولكن القدر كان له بالمرصاد فلقى من خصومه ودسائسهم   ما جعله يعجل بالفرار إلى المغرب آملا زيارة الحجاز لأداء الفريضة ، ولكن القدر حال دون رغباته فتابعه أعداؤه مطالبين بدمه إلى أن حوكم دون مرافعة أو دفاع ثم تسور الدهماء عليه السجن فقتلوه مخنوقا ودفنوه ليخرجوه من قبره ويحرقوه قبل أن يدفنوه الدفن الأخير .

ابن أبي الخطيب السياسي : 
في بلاطين متنافسين أحدهما في قصر الحمراء بغرناطة حيث تعي الأندلس آخر أيامها أمام الغزو المنظم الطويل النفس للقوات المسيحية المحدقة بالمدينة التي تلتقط آخر أنفاسها (وثانيهما ) في فاس حيث دولة بني مرين الممتدة في انتصارات مظفرة إلى تونس والمؤسسة على بركان من التنافس والخلايا الصوفية ، والتناقضات الاجتماعية ... وبين البلاطين صلات ود وصداقة تفرضها الظروف القاسية التي تعيشها الأندلس والمغرب فيضطران إلى التعاون والتآزر ، إذ أن المرينيين جاءوا لينقذوا المملكة الإسلامية المهددة في الأندلس بعد أن عجز الموحدون عن اتخاذ الموقف فجاء المرينيون لبذلوا الجهد حتى يستخلصوا غرناطة من أنياب المسيحية ، كما أن النصريين فرض عليهم الالتجاء إلى بني مرين ليستمدوا العون المادي والعسكري حتى يقفوا في وجه القشتاليين ويختفي تحت بريق الصداقة والود تنافس عنيف بين البلاطين على السيطرة والحكم تنافس عنيف بين البلاطين على السيطرة والحكم والمباهاة بالانتصارات والغلبة... وإذا كان رجال الأدب والعلم والفن يعيشون في غفلة عن الأحداث فإن رجل السياسة يصنعها ويعيشها ويتجرع نتائجها... و هكذا عاش ابن الخطيب أحداث السياسة وتجرع علقمها حتى الثمالة ، أما في الأندلس فإذا كان رجل الأدب يصور الأحداث ورجل العلم يحللها ورجل الفن يستنبطها فإن رجل السياسة يصنعها وتبدو عبقريته حين يكون بعيد الرؤية أصيل النظرة يعرف حركة المجتمع وتماسكه وآماله وطموحه ومقدراه وإمكاناته. كما يعرف خصمه معرفة دقيقة وخصوم بلاده ومجتمعه ليقود السفينة بعزم وحزم دون توقف، يتمتع بذهن حي ويرى أشباح المستقبل قبل أن تصبح ماثلة بين يديه.وقد كان ابن الخطيب في مستوى المسؤولية ، ولكن الأحداث تجاوزت مرحلة الإنقاذ فكان عليه أن يؤجل ويماطل دون أن يضع لها حدا ، ولهذا فابن الخطيب كان مترقبا للهزيمة ، وقد شعر أن القضاء عم وأنه لن يستطيع له ردا.
وأن الصعب أن نرصد أعمال ابن الخطيب السياسية  وما أكثرها ، ولكن نشير باقتضاب إلى المواقف التي كان لها الأثر الأكبر في ارتباكه وقد سبق ذكر نص ابن خلدون في تاريخه عن رجوع ابن الخطيب إلى الأندلس بعد خروجه منها وكيف أن أبا سالم المريني تشفع له لدى بلاط غرناطة ليعود مع مخدومه إلى الأندلس ثم كيف عاد محمد المخلوع إلى الأندلس في عهد حكومة عبد الله بن علي الظاهر في دولة بين مرين فقد استقدم ابن الخطيب من بعد أن ظل بها طيلة مقامه بالمغرب ناسيا محمد (المخلوع)ومع ذلك تجاوز عنه ورده لمنزلته واعتباره ويروي ابن خلدون أن عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة لحق أولا بالطاغية لما شعر بضعف مركزه بغرناطة ثم تحول عنه وخاطب الوزير المريني عمر بن عبد الله أن يمكنه من بعض الثغور الغربية التي تحت طاعة بني مرين بالأندلس ، والتي يرتقبون منها الفتح كما يروي ابن خلدون تدخله لذلك ، ولهذا أردن مدينة إلى الأندلسيين لأنها من ثراتهم فنزل بها محمد المخلوع ومعه عثمان بن يحيى كما يصف ابن خلدون مكانة عثمان بن يحيى عند محمد المخلوع ... ولكن ابن الخطيب تأخذه الغيرة من عثمان ابن يحيى ، ولم يزل يدس له ابن الخطيب حتى نكب وسجن واستبد ابن الخطيب بالحكم ولم يحتط في الاتصالات مع الناس بما جعل الجميع يسعون به لدى السلطان الذي أخذ يشعر باستبداد بن الخطيب وفي نفس الوقت كان ابن الخطيب يقيم صلات مع بلاط المغرب حيث نفذ أوامر السلطان عبد العزيز بن أبي الحسن ألمرني في القبض على ابن عمه عبد الرحمن بن أبي بفلوس المنصب شيخا على الغزاة بالأندلس من قبل بني مرين الذي أخذ يطالب بالحكم ويضرم الفتنة مع وزيره مسعود بن ماساي ويخش السلطان المريني عبد العزيز من هذه الفئة المحمية بالسلطان محمد المخلوع ملك غرناطة وكلف ابن الخطيب بالقضاء عليها وكان موقف ابن الخطيب مساندة بلاط بني مرين بشرط أن يكون له مكان في بلاطهم وفعلا نجح في القبض على ابن أبي بفلوس مما أعطى لخصوم ابن الخطيب الحجة على تلاعبه بين البلاطين وخيانته لغرناطة ولذلك قرر ابن الخطيب اللجوء إلى المغرب لما افتضح أمره... وهذه التصرفات التي كان يلجأ إليها ابن الخطيب سلبته مكانته السياسية ورغم أنه كان يطمح إلى العمل في بلاط بني مرين نظرا ليأسه من الأندلس فإن أعماله والإجراءات التي اتخذها لتحقيق مرماه وضعته في قفص الاتهام وشككت في نواياه وأفقدته مكانته ؟
وفي عهد السلطان يوسف حيث اشتدت وطأة الهجوم المسيحي على المسلمين في عهد ألفونسو الحادي عشر وكثرت الإمدادات المرينية لغرناطة برز اتحاد أسطول القشتاليين والأرجوان والبرتغال وواجه القوة المغربية  المتمثلة في الأسطول القوي والقوة  المرابطة بالثغور مما ألزم عبور السلطان أبي الحسن بنفسه إلى الأندلس ليواجه الغزو المسيحي بنفسه ، ومما جعل بلاط غرناطة ثانويا أمام مسؤولية بني مرين في مواجهة التحدي المسيحي بجدية وحيوية وعزم ، وقد أثار هذا الموقف الدقيق حساسية البلاط الغرناطي وتوجس خيفة من تدخل بني مرين في شؤون الأندلس مالم يملكوا الحجة لمواجهة  المغاربة وهو المدافعون عنهم بعد عجزهم المطلق ، فظلوا خائفين من نتائج هذا التدخل ، ولذلك لجأوا إلى الوسائل الدبلوماسية للسيطرة على الموقف من جديد... وفي ها الوقت الصعب جاء ابن الخطيب ليكون نقطة الارتكاز في تنفيذ سياسة مرتبة تعيد الثقة إلى غرناطة وإلى بني مرين أيضا ...فأوفده محمد بن أبي الحجاج إلى بلاط أبي عنان المريني سنة 755... وقد نجح في مهمته  نجاحا كبيرا ويقول أحد أعداء الوفد القاضي أبو القاسم الشريف (لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان قبل هذا )
ولكن الوزير ابن الخطيب كعادته يتملكه الإعجاب بنفسه ويتملكه الغرور فيثير عليه الأحقاد ويضعف موقفه أمام الخطر المحدق ، وهكذا تردت غرناطة في فتنة عارمة انتهت بالهجوم على قصر الحمراء سنة 760 حيث قتل الحاجب رضوان وخلع الغني بالله وخرج أخوه إسماعيل من سجن الحمراء يساعده صهره الرئيس عبد الله وأمه المقيمة في قصر الحمراء ورغم مصانعة ابن الخطيب لحكام العهد الجديد فقد كان مشكوكا في نواياه فاعتقل وصودرت أمواله ، ولولا صداقة الملك أبي سالم المريني للسلطان المخلوع ولابن الخطيب لكانت النهاية سيئة وأليمة بالنسبة لهمها معا...
وهكذا تبدوا نقطة الضعف في سياسة ابن الخطيب وهي الغرور التي تؤدي إلى المواقف الحرجة الصعبة .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here